الثلاثاء، 23 مايو، 2017

الكل يتبرأ من القوة الثالثة


رئيس الحكومة الأسبق علي زيدان. (أرشيفية: الإنترنت) (photo: )








   
     نفى السيد علي زيدان خلال مداخلة مع قناة «ليبيا» الفضائية موافقته على إرسال القوة الثالثة إلى الجنوب . وما صدر من قرارات لتلك القوات كانت عن طريق المؤتمر الوطني العام في تلك الفترة.
     يذكر أن القوة الثالثة أكدت في بيانًا أصدرته، الجمعة الماضي، أنها قدمت إلى الجنوب بناءً على قرار حكومة علي زيدان سنة 2014 .

   هل يقبل كلام رئيس الوزراء بعد سنوات من الصمت . لما لم يتحدث الى الناس حينها ويبين لهم انها خطوة لها عواقب وخيمة ؟ . لما لم يعبر عن رفضه حينها ؟ اليس صمته وهو المسئول التنفيذي الاول يعد موافقة . وماذا عن صحة ما يروي قادة القوة من انهم ذهبوا بقرار منه وموافقة منه .. في كل الاحوال .. اذا كان ارسالهم بالامس الى الجنوب امر مريب . التنصل منه الان لا يعني البراءة .. ولنعد لتصريحاته حينها :

زيدان: الأوضاع فى سبها تحت السيطرة ولا خوف على الثورة ليبيا: الحكومة الليبية 
ليبيا المستقبل: أكد على زيدان، رئيس الحكومة المؤقتة، على أن الأوضاع بمدينة سبها مطمئنة للغاية، مشيراً إلى أن المدينة بكاملها تحت السيطرة. وأضاف زيدان فى المؤتمر الصحفي الذى عقده، اليوم السبت، بالعاصمة طرابلس، أن مواجهات تجري بين مجموعة صغيرة من العناصر المعادية، دخلت لقاعدة تمنهند، مشيراً إلى أن هذه المواجهات ستحسم خلال الساعات القادمة. وأهاب زيدان، بالثوار الذين صنعوا الـ17 من فبراير ان يهبوا لقطع الطريق على المعادين، وحماية الثورة، وحماية ليبيا من العودة الى الظلم والطغيان . وكشف  زيدان عن ان التعليمات صدرت لدرع الوسطى، ومنطقة مصراته العسكرية، بالتعاون مع ثوار مصراته، بالتوجه الى الجنوب، وذلك لبسط السيطرة، وفرض الامن، وقطع الطريق على من يتوهمون انهم قادرون على الوقوف امام عنفوان وإرادة الثورة . ودعا زيدان  الشعب إلى عدم الإستماع إلي الاشاعات المؤججة، و لمن يريدون ان يؤججوا الوضع من اجل ايجاد واقع، او وضعية متأزمة تخلق توثر في البلاد، مؤكدا بأن الاوضاع تحت السيطرة ولا خوف على الثورة ولا على الدولة.



  
   عموما .. اليوم تظاهرة انطلقت من منارة الجديد بسبها وتجمهر امام القاعدة مطالبة باخلائها . لنرى الى اين ؟ .. فيما مقرات لمؤسسات عامة ومنها تعليمية بسبها تشغلها جماعات قبلية مسلحة   .. وفيما القاعدة ببلدية البوانيس وليس بلدية سبها .. ولا بلدية الشاطئ .. ننتظر الى اين ؟ وكم سيذهب من شباب الجنوب ضحية هذه الجوقة .. ولن تذكرهم سوى امهاتهم غدا .. كمن سبقهم ..





 
حسين الساكت

وماذا بعد البيان
    ما هكذا تورد يا حضيري الإبل. الا اني أقولها جلية صداحة : يا أهلي في تمنهنت وحسب إنكم وقريتكم الآمنة قد زج بكم فيما لا تحمد عقباه. في المرة الأولى لم تصلنا الا بعض الشظايا لكنها قد لا تكون كتلك. اديروا ظهركم لحماس المتهورين من أعيان فزان. فالاولى بمرزق رفع الذل عنها بما تعرف ظروف نفسها.
والأولى بأوباري رفع الاحمال التي تنوء بها
       والأولى بأعيان الجديد وسكرة والمهدية تطهير ورش الفساد والعصابات
     والأولى بالبوانيس _اهلنا_ الخروج من الانتماءات القبلية وترجيح المصلحة العامة. وقد جربتم
    والأولى لأهلنا في الشاطيء _ وهم يفعلون - الاستمرار في تحكيم العقل ووحدةالصف ونبذ الفرقة
هذه هي​ فزان
    أما تمنهنت فلها رب يحميها. ولها عقول كبيرة قادرة علي النجاة بها لكن هذه العقول. قد تراجعت. وتركت الأمر لأشباه البراذين في التفكير. الا واني لأدعو الأخيار بل وحتى الخيرات الى الذوذ عن الحياض ولو بكلمة صادقة​. وإنني لأبرأ إلى الله من دعوى الفتنة والاقتتال فإنها دعوى جاهلية. فإن دم المسلم على المسلم حرام ومازال المرء في فسحة من أمره حتى يصب دما حراما الا إني محترق القلب قد بلغت اللهم فاشهد.
****

مقال للمدون محمد محمد الساجد
#معليش مع احترامي لفرحتكم
لكن نتمني تخففو شوية من جو البلاستيشن
دخلنا من ثلاث محاور
ومحورشمالي ومحور جنوبي
#وهجمنا .. #وانتصرنا #وسيطرنا ..#وهزمنا
#ودحرنا العدو
لموقع فاضي حتي من الحمام اعتبره اهانة لقواتكم
خلو البساط احمدي وقولو دخلناها لما عرفنا انهم من المغرب في الجفرة
شكوكنا نحو مساعيكم سببها تزيفكم الدايم للحقيقة
مبروك عليكم القاعدة ما خططكم لادارتها ؟
باعتبار تقسمت تركة القوة الثالثة حقل الشرارة لكنة و شرطة العسكرية وما حولها لتبو
وتمنهت لجدي ..ووسط سبها لبحر الدين
متي ستتجهون للحدود ؟
**** 

    الدهر يومان ، يومآ لك و يومآ عليك ، فإن لك فﻻ تبطل و إن كان عليك فاصبر ...
     كان علينا طيلة اﻻربعين سنة من حكم المعتوه القذافي ، فصبرنا و لم ننحدر إلى مستوى التملق للنظام .. عشت داخل ليبيا صابر محتسب ، إلى أن سقط الصنم و جا يوم فبراير يومآ ، لم نبطل و لله الحمد ، لم نعتدي على جيرانا الذين أعتدوا علينا أبان الثورة قبل تحرير سبها و لم نسرق و لم نبتز و لم نعتدي على أحد و اﻻن سقطت فبراير في الجنوب سنصبر و نناضل .. لن نتسلق و لن نتغير و لن نتملق لكم كما فعلتم في السابق و لن نطلب حياتنا و ﻻ الرأفة منكم و لن ندعم تتلدوا بالنظر إلى الخوف في وجوهنا ..
سنتحمل العواقب الطبيعية لمواقفنا السياسية في حال عدم الوصول إلى الغاية ( القبر - السجن - المنفى ) .. بكل شرف و بكل عزة و لن نطأطى رؤوسنا إﻻ لله ...
و لله اﻻمر من قبل و من بعد ..
سيعلم الذين ظلموا إي منقلب ينقلبون ..
و العاقبة للمتقين ..
و أخير ..
#طز_في_حفتر_وكرامته

****

  انسحبت القوة الثالثة من القاعدة .. حمدا لحقن الدماء .. ننتظر عودة المطار للعمل .. وخروج بقية الجماعات المسلحة بالجنوب من المؤسسات العامة التي تشغلها .

السبت، 20 مايو، 2017

من فزان الى طرابلس هذا الصباح



   الطريق الى طرابلس هذا الصباح .. الزيغن .. قويرة المال ,, براك .. قيره .. الغيلانية .. قابلنا عند الغيلانية عدد 4 سيارات تيوتا مسلحة تتجه جنوبا .. ورتل قادم من عمق الصحراء غربا .. تتقدمه 4 تيوتات مسلحة وخلفها بي ام بي تتجه نحو الطريق العام عند مفرق سوكنه .. عند الشويرف محطة وقود واحدة تعمل .. لا يوجد زحام .. القريات .. بوالغرب .. مزده .. محطات الوقود مقفلة .. وفي بير الغني .. محطة الوقود تعمل وزحام خفيف .. الى غريان .. المحطات ازدحام .. عند بوابة قدم الجبل يافطة تحذير . الطريق الى العزيزية غير آمن .. معظم السيارات العابرة انحرفت يمينا نحو التفافة السبيعة لدخول طربلس .. ابن اختي : خالد  .. قائد السيارة .. تردد قليلا ثم قال .. " المكتوب ما عنه هروب .. مررت عبر السبيعة مرات .. طريق ضيق مهتم والتفافة طويلة اشبه بالمتاهة .. لنواصل الى العزيزية .. ومنها الى السواني " .. الطريق شبه خالي تماما من المارة  .. عدد 11 بوابة جيش مجحفلة بما لا يقل عن 3 سيارات مسلحة وعدد من الجنود ..  واحدة فقط من البوابات استوقفنا وطلب اوراق السيارة ورخصة القيادة .. ودون تدقيق عبرنا .. فيما يتم تفتيش العابرة في الاتجاه المعاكس ..عدد 2 محطات وقود تعمل وازدحام كبير .. . طرابلس محطات الوقود طوابير .. والغالبية مقفل ..

ضحايا قاعدة براك



قائمة اولية بأسماء ضحايا قاعدة براك الجوية.
1) أحمد امبارك علي الحطية أوباري
2) محمد مختار أبوبكر مديوقو الحطية أوباري
3) عبدالسلام بركة عبدالله أوباري
4) جماعة محمد عبدالسلام الحطية
5) عمران فرج الغريفة أوباري
6) عبدالرؤوف عمر البوسيفي نسمة
7) عبدالقادر فرج بن عمر زليتن
  8) صلاح بنما أوباري
9) أبوبكر محمد صالح تساوي
10) إدريس سعيد سعد تراغن
11) هشام محمد عون براك
12) مسعود حسين بنت بيه أوباري
13) المهدى الشنوكي بنت بيه
14) أبوبكر محمد إبراهيم تراغن
15) ابوالقاسم محمد إبراهيم تراغن
16) ابوالقاسم حطاب بنت بيه
17) عبدالسلام إبراهيم موسي قنفل
18) أسعد ابوغراره تراغن
19) أحمد صالح الفيتوري القدافي الزوية
20) حسن صالح الفيتوري القدافي الزوية
21) مصطفى أحمد عبدالله شتوره الحطية أوباري
22) عمران المدني أوباري المركز
23) باسم إبراهيم مصطفى الحطية
24) عبدالحليم محمد إبراهيم مرسال براك
25) عبدالسلام شها أوباري
26) الحاج عمران أحمد عبدالله الغريفة أوباري
27) محمد عبدالرحمن مما الغريفة
28) خالد محمد صالح الحوايق
29) فرج احمد الخير الخرايق أوباري
30) عبدالنور حسين الديسه
31) النطيف مختار طالب الكيلاني الغريفة
32) امحمد إدريس الفردوي براك الشاطئ
33) حامد محمد عثمان الغريفة
34) شعبان ادليم مرزق
35) عبدالسلام بركة المدني جرمه
36)سالم سعد السعيدي تراغن
37) عبدالسلام شها أوباري
38) مسعود حسين بشير العزومي براك
39) ياسين محمد تراغن
40) أشرف عبدالله أوباري
41) أحمد سالم المهدي ادليم مرزق
42) علي عرفة عرفة جبريل تراغن
43) صالح خضر مختار تكركيبة أوباري
44) عمر المختار أبوبكر مادقو الحطية أوباري
45) علي مسعود عبدالسلام الرقيبة أوباري
46) فتحي حسين محمد بن دلفي تراغن
47) النظيف مختار صالحين الغريفة
48) محمد عبدالرحمن اسماعيل الغريفة
49) محمد إبراهيم اعليوه الطاهر تساوه
50) عبدالقادر ميلود امحمد ادليم مرزق
51) عبدالعزيز عمر إبراهيم عيسى حي المشاشيه
52) بودي تاله تالينا نجيري الجنسية عامل النظافة
53) سالم خليفة أحمد عثمان الخرايق أوباري
54) أسامة محمد شاغوف تامزوه الشاطئ
55) أبوبكر حسن اكنيني براك الشاطئ
56) العامري حسن عبدالقادر براك
57) مسعود الجدي براك
58) حسن علي عبدالقادر براك
59) أحمد سالم بشير براك
60) إبراهيم رمضان الإزهري تامزوه
61) أنور أبوبكر الزيداني براك
62) أبوبكر عبدالسلام مادي اشكده
63) الوافي محمد الوافي سبها
64) عبدالحميد عبدالسلام محمد سالم ادليم مرزق
65) معتوق مسعود محمد سبها الجديد
66) ميلاد محمد مفتاح الغريفة أوباري
67) أحمد محمد عبدالكريم بوغردقة الشاطئ
68) أشرف عبدالكريم أحمد عبدالله سبها الجديد
69) عبدالله أحمد عبدالله أوباري
70) الكيلاني سعد عبدالجليل الخرايق أوباري
71) مسعود عبدالله مسعود العبد براك
72) سامي عبدالحفيظ محمد أوباري
73) حمزة ابوكيل أكرم جلغم زليتن
74) مصطفى علي عبدالله تراغن
75) جماعة محمد عبدالسلام اقعيرات أوباري
76) علي ابراهيم علي بن نايل قيره الشاطئ







الأربعاء، 17 مايو، 2017

في رحاب ابن فزان .. عبدالرحمان شلقم





Abdurrahman Shalgam
     في حوار طويل مع المفكر الليبي الراحل الصادق النيهوم . شارك فيه الروائي الليبي ابراهيم الكوني والكاتبة فاطمة محمود والاديب رضوان ابوشويشة . نشر الحوار على حلقات بصحيفة الاسبوع الثقافي . سنة1977


مازلنا في رحاب عبد النبي الهتش .
التقى الشيخ عبد النبي مع الراحل مصطفى الخروبي، و بحضور عدد من الضيوف ، طاف الحديث حول موضوعات من التاريخ والامور الوطنية ،قال الخروبي المفروض نكتب عبارة دينية على علمنا مثل السعودية .اقرح عدد من الحاضرين بعض العبارات ، وا لشيخ الهتش يبتسم في صمت ، سأله الخروبي : لماذا لاتتكلم ياشيخ .. تكلم عليك الامان . فقال الهتش ، نكتبوا عليه الشفاعة يا رسول الله .




Haythm Al-subaihi
Haythm Al-subaihi 
  من ضمن قصص الراحل عبدالنبي الهتش : كان في مأدبه عشاء بمنطقة البريقه ..حفل زفاف .. وكان من بين الشباب القائمين على خدمة الضيوف شاب فلسطيني  .. سأله الشيخ عبدالنبي : من اي اخوتنا العرب .. قال :  فلسطيني هارب من نار اليهود ..  رد الهتش : يا وليدي ما عملتشيء .. ياهارب من الغوله..  يا طايح في سلال اللقلوب ..😂   



Abdurrahman Shalgam



مقابلتي مع الرئيس الروسي بوتين . يوليو2000



 
     اجتماع مع كونداليزا رايس وزيرة الخارجية الامريكية السابقة . شخصية سياسية واكاديمية ، صريحة في النقاش ، عملية وواقعية . لعبت دورا اساسيا في تطبيع العلاقات بين ليبيا والولايات المتحدة .
 
 
مع رئيس الوزراء البريطاني السابق بلير في اول زيارة رسمية الى بريطانيا بعد قطيعة طويلة بين الدولتين .
 

مذكرات رحالة من فزان 1852 .. ( 12 )


   في الليل .. تسلل الشيخ عبدالرحمان صحبه اثنان من عبيده .. مرزوق .. ومهدي .. ودخل دار الشيخ سليمان حيث شقيقته .. انزعجت شقيقته من قدومه ليلا .. قالت له : ما بك ؟ وما الذي اضطرك للقدوم الينا في مثل هذا الوقت المتأخر من الليل .. قال لها : اين زوجك سلمان ؟ .. قالت ليلته مع زوجته بنت شيخ تماسين .. خرج وذهب اليه حيث ينام .. يود قتله .. لكنه حين هم بكسر قفل الباب .. استيقظ الشيخ سلمان .. وما ان شعر بصحوته .. انسحب وعبيده .. لكن الشيخ سلمان خمن انها مكيدة وراءها الشيخ عبدالرحمان .. وانها الخديعة كما كل ما قال له يوم ادخله دار الخزنه واهدى له ريالات الذهب طلبا لوده .. وتناسي ماض التناحر بينهما .
      كان الشيخ سلمان قد تأكد حدسه عندما اخبرته زوجته شقيقة السلطان .. ان اخيها حضر اخر الليل يبحث عنه .. وفي عيونه شر الحقد .. ويود قتله .. وحذرني  من تسريب الخبر لك .. هددني بالقتل انا الاخرى .. لكنك ابن عمي وتظل اقرب لي من شقيقي الضال .
    في الليلة التالية .. عاد الشيخ عبدالرحمان لتنفيذ مخططه .. رفقة اربعة من غلمانه هذه المرة .. لكن الشيخ سلمان كان يقضا .. اشهر بندقيته .. وقال له : ما تريد عند داري في هذا الوقت المتأخر ؟ والله .. لو لم نكن حلفنا على كتاب الله .. وعهد سيدي عبدالله بن ابو حميره .. لقتلتك .. ضحك الشيخ عبدالرحمان قائلا : لا تذهب بعيدا انما جئت لأراك وأتعلل عندك .. لكنك يبدو وكأنك فقدت عقلك .. سأعود اليك عندما لا تكون سكران .. وانسحب صحبة غلمانه .
في الصباح كلف الشيخ عبدالرحمان حفنة من غلمانه برصد حركة الشيخ سلمان .. وعدم السماح باختلاطه بآخرين .. وان لا يدخل بيته سوى غلامه النمله .. وخديمه احمد المرابط ابن سيدي اممد بن يحي .. وفي المساء قال له خديمه : لما لا تحاول الهرب شيخ سلمان .. لتنجو من مكائده وحشره لك ؟ .. لدي خطة للهرب .. قال له : اذا هربتني خارج حدود سطوته  .. ابايعك .. وتصبح الحبيب والخديم حقا .
   كان عدد الغلمان الذين يراقبون الشيخ سلمان اربعون غلام .. ذهب الخديم احمد المرابط الى سيدهم يستلطفه .. ويراوغه بالحديث .. وقال له : ان الشيخ سلمان رأى رؤية في المنام .. رأى فيها وجه رسول الله .. وانه يود اقامة وليمة فاخرة .. يدعو لها الضيوف .. لكنني اشرت عليه ان لا يدعو الناس ” البرانية ” .. والحراس منا وفينا .. وهم اولى بالضيافة .. وان الشيخ قبل قولي .. وها انا ابلغك الامر .. فرح سيد العساسين .. وفي الليل حضروا الوليمة .. اكداس اللحم ول قصعتين .. على كل قصعة وليمة عشرون رجل .. وفي حضرة الشيخ سلمان .. واطمئنانهم لوجوده بينهم .. صار اولئك المجندين المعدمين يأكلون بنهم .. ويتناهبون اللحم فيما بينهم .. اشعل لهم المرابط قبس ضوء نار جريدة نخل .. وحينما انطفأت .. اشعل اخرى .. وحينما انطفأت .. واظلم المكان .. فر الشيخ سلمان .. ولحق به غلامه عبدالله النمله  ..  وخديمه لمرابط بعدما اوعز لهم انه ذاهب الى السوق لإحضار فتيل ضوء .. تسلقوا جداران سور البلدة .. ارتفاعه قدين ..  وفروا نحو تماسين .. وما ان شعر الحراس بالمكيدة .. وتوجسوا عقاب الشيخ عبدالرحمان .. فروا هم الاخرون الى سيدي يحي .. وأعطى الشيخ عبدالرحمان اولاد سيدي بن يحي الامان عليهم .
     وصل الشيخ سلمان الى تماسين .. ومن هناك ارسل جواب مع عبدين له .. الحاج المهدي .. وأخر يدعى سعيد .. الى الكولونيل بودفيل ببلاد بسكره .. قال له فيه : ان اوكل للحاج المهدي النيابة عنه .. ونزل الحاج المهدي بدار الضيافة .. وقال للكولونيل :  ان الشيخ عبدالرحمان بن عمر بن جلاب اراد قتل ابن عمه الشيخ سلمان ظلما .. وانه فر من سطوته الى ارض تماسين .. وان الشيخ سلمان ينتظر ردكم .. ويعرب لكم عن رغبته في التعاون معكم .. وخدمة فرنسا والفرنسيين ..   علم الشيخ عبدالرحمان بالجواب وعرض التقارب .. فأرسل هو الاخر جوابات الى الكولونيل .. والى شيخ العرب القائد محمد الصغير .. قال للكولنيل : اذا شجنت الحاج المهدي فسوف اقدم لك دية دمه .. اربعة وعشرون مئة ريال تونسي .. وأعطى لشيخ العرب عشر مئة ريال .. رفض شيخ العرب العرض .. لكن الكولونيل راقه المال .. فأمر مسيو سروري متولي امر العرب ببسكرة ان يضع  الحاج المهدي في السجن .. ولم يكن موافقا له .. الرجل طاب الامان منا .. ويريد ان ينضم الينا .. وهو شيخ صغير سن وله مكانته .. لكن الكولونيل وقد سلمه المال مبعوث الشيخ ابوشمال ومسعودي بن مهدي خديم الشيخ عبدالرحمان .. تنكر .. وطلب تنفيذ امره .. ووضع الحاج المهدي خلف قضبان السجن .
        الكولونيل بودفيل ينصت الى مشورة الدواوده .. وهم لا يهمهم خير الوطن ولا خير الفرنسيين .. سوى رجلان منهم .. محب للفرنسيين يدعى محمد الصغير .. ورجل اخر يدعى السي خالد .
      شيخ العرب وغيره كثيرون لا يدركون مصلحة الوطن .. وليست همهم .. منشغلين بمناهضة الفرنسيين كي يجدوا لأنفسهم مكانة ويقال عنهم من اكابر الناس . وجميع الدعوات ضد الفرنسيين خرجت من بيت قانه .. وعندما صاروا من اكابر البلدة .. واسترضاهم الفرنسيين ونصبوهم .. ارادوا الانتقام  من كل من عاداهم سابقا .. مثلهم  مثل ابوزيان في قسنطينه زمن احمد بي .. نافق بيت قانه وأنصارهم الفرنسيين .. ولا سقط من عساكرهم احد خدمة للفرنسيين .. غنموا اموال طائلة بسبب فساد الامر على الفرنسيين .. فمما لا شك فيه ..  ان جميع العرب .. السلمية .. رحمان .. الاشراف .. وأهل بن علي .. بل وأكثر الناس تشهد ان بيت قانه افسدوا .. ولو ان الفرنسيين اختاروا لنا قيادة من عندهم فرنسيين .. ومشائخ .. من اناس كبار .. عن كل عرش .. وتحت امرة كولوينيل فرنسي .. لكان افضل لنا .. فجميع القادة الذين نصبهم الفرنسيين فاسدين .. ولا معرفة لهم بسياسة الحكم .. ولو الامر لنا لاخترنا ذلك .
    تعجب الشيخ سلمان من فعل الفرنسيين الذين نقضوا عهد الامان .. نصحه الخديم : طالما الفرنسيين لا يريدون المودة معك ولا قبلوا ان تعمل معهم .. واستكانوا لمن كان سيقتلك .. لما لا تسل جواب الى الشريف محمد بن عبدالله بأرض ” وارقله ” .. وتنضم اليه .
   قدمت قافلة اهل الحرزلي الى تغرت .. وأعربوا الى الشيخ عبدالرحمان عن رغبتهم في خدمة الدولة الفرنسية .. فأرسل الى الكولونيل بودفيل واعلمه بالأمر .. فأوعز اليه ان يقبلهم عنده .. وأعاد لهم شيء مما اخذ منهم  من الدية .. ونزل عند رغبة اهل تغرت الذين قالوا : انه من العيب ان نسلبهم اموالهم وقد طلبوا الينا الامان .
        قدمت قافلة اخرى محملة بالصوف والدهان والغنم .. فلما علم بها الكولونيل بودفيل .. ارسل لها اولاد مولات .. بالليل وقبل وصولها .. قبالة باب سيدي عبدالسلام .. بغية سلبها .. وتكلم البارود .. وسقط اربعة رجال من ال الحرزلي .. وهرب اللصوص دون ان ينالوا من القافلة . . وعلم اهل الحرزليت ان الفرنسيين لا عهد لهم .. وأنهم يناصبونهم العداء .. ويبتزون قوافله بإرسال اولاد المولات لسلبها ..فما ان خرجوا من تغرت .. اتصلوا بالشريف محمد بن عبدالله .. عزوة لهم ونصير ضد الفرنسيين وأنصارهم .. وأغاروا على اولاد مولات في وادي سطيل .. اخر رمضان 1367 هـ .. قتلوا منهم سبعة عشر رجل .. وعديد الجرحى .. واستولى على بيت الشيخ المبارك .. وأقام به ثلاثة ايام يخدمه خدام الشيخ .. ثم رحل .. وعاد الى ورقله .
    قدم الشيخ عبدالحميد من وادي سوف الى تغرت .. استقبله الشيخ عبدالرحمان في ارض المقارين .. ولما وصل تغرت نزل ضيفا في دار عمه الشيخ علي بن جلاب .. وفرح بقدومه غاية الفرح .. وفي حواديثهم .. قال له الشيخ عبدالحميد  : انا رجل تركي .. لكني اميل الى خدمة فرنسا .. لقد فعل الفرنسيين كل الخير .. وهم يسعون الى بسط الامن والسلام في البلاد .. كان الشيخ عبدالحميد من رواد المسجد .. وممن يحضرون حلقات تدارس العلم .. احبه الناس .
     في تغرت .. اضناني المرض .. حتى تقوست ساقاي .. وعييت عن المشي خطوات .. فأتى الينا رجل محب لنا يدعى سيدي حموده بن سيدي بوعزيز .. قال لي : ان رجل تركي قدم من وادي سوف .. وقيل انه ضليع في معرفة الطب .. اذهب اليه لعله يشير اليك بالدواء وتشفى .. ذهبت رفقة سيدي حموده الى الشيخ عبدالحميد .. فرح بقدومنا غاية الفرح .. وقال لي : اذا بقيت في هذه البلاد فلن تشفى .. اقصد ” بسكره ” .. تداوى بطب الفرنسيين .. قلنا لا بأس .. نفكر بالامران لم نتعافى .
   اتى خبر قدوم الشريف بن عبدالله الى تماسين .. وفي طريقه الى تغرت .. فخرج اليه الشيخ عبدالرحمان برفقة الشيخ عبدالحميد لمواجهته وحربه .. وتقابل العساكر .. وكان يوما شديد البأس .. حدث اثناء المعركة ان بدأت صفوف عساكر الشيخ عبدالرحمان تتقهقر .. وبعضهم حاول الهرب .. وفطن الشيخ عبدالحميد للخطر الذي يتهددهم .. فصار يقتل كل من يحاول الهرب .. وقاتل الشيخ عبدالحميد قتالا باسلا  .. وفي صولة له على فرقة من الشعانب ..  وقع جواده على الارض .. لكنه نهض وقاوم .. واضطر عسكر الشريف الى التقهقر والانزواء .
    انتهت المعركة .. لكن عسكر الشعانب اختطفوا معهم وهم منسحبون رجل من اكابر تغرت .. يدعى المقدم محمد بن ابراهيم .. نقلوه الى تماسين .. وهناك بصره الحاج محدق .. سأله وتأكد من هويته .. ثم اخرج بشطولة وأطلق عليه الرصاص .. قتله في الحال .. ثم استل سيفه وقطع جثثه اربعة قطع .. وغمرها بأكوام الحطب .. وأشعل بها النار .. فاحترقت .. وصار رماد .
    عاد الشيخ عبدالرحمان .. والشيخ عبدالحميد الى تغرت .. وأعرب الشيخ عبدالرحمان عن امتنانه للشيخ عبدالحميد الذي لولاه لضاع ملكه .. اعترف له بالجميل وسأله ان يقدم له المشورة فيما ينبغي فعله .. نصحه ان يكتب رسالة الى الكولونيل بودفيل تطلب اليه ان يمدكم بمحلات عساكر لدحر غارات شريف وارقله .. وحمل الشيخ عبدالحميد الجوابات بنفسه .. لكن الكولونيل رفض .. ولو انه وافق لصار ملك وارقله تحت سلطة الفرنسيين ..  وجميع ارض الصحراء .. من وطن الشعانبة الى وادي سوف .. ولكان الطريق لإخضاع  بر السودان لسلطانهم  .. ويجلب الطوارق السلع والبضائع المختلفة من بر السودان الى وطن الجزائر .. ويتعرفون اكثر على الفرنسيين .. ويتوجسون منهم .. فهم لا يعرفونهم كما نعرفهم نحن .. وان حكمهم عادل .. وأفضل من حكم الترك .. لا يظلم احد .. ولا يشتهي العقاب .
     اشتد بنا المرض .. قصدنا الشيخ عبدالحميد .. قلنا له : نريد التوجه الى بسكرة .. كتب لنا جواب .. وأرسلنا الى الكولونيل بودفيل في بسكرة .. قدمنا له الجواب حال وصولنا .. ونزلنا عند رجل من اهل تونس يدعى حسن بوشناف .. ثم ارسل الينا شيخ العرب القائد محمد الصغير .. وسئلنا عن احوال تغرت وابن جلاب .. والحاج عبدالحميد .. وعلي الشريف صاحب وارقله .. فأخبرته بما في معرفتي .. ثم توجهنا برفقته الى الكولنيل .. سئلنا واخبرناه بحال مرضنا وبما في علمنا .. فأوعز لنا بالعلاج في السبيتار .. مستشفى الفرنسيين .
    ونحن ببسكرة .. شاع خبر قدوم الشيخ عبدالحميد .. وقد ارسل الكولونيل ثلاثمائة خيال لاستقباله .. والتقوا بركبه عند موضع ” الشقة ” .. وحال اقترابه من اسوار بسكرة .. خرج الكولونيل بودافيل لمصافحته والترحيب بقدومه .. ونزل ضيفه بالقصبة القديمة .
كان هناك رجل تلقبه العرب بالمملوكي .. عمل في معسكر فرنسا .. وهرب منهم الى بلاد القبائل .. يؤلب الناس لمحاربة فرنسا .. وتنقل بين البلدان .. وفي بسكرة صار خديم للقائد   محمد الصغير بن قانه .. قائد بسكرة .. وكتب يتعهد للفرنسيين خدمتهم وصحبتهم .. ولما وصل الحاج عبدالحميد بسكره .. ارسل الكولونيل هذا المملوكي الى تغرت بغرض إثارة الفتنة بينه والشيخ عبدالرحمان .. وعاد المملوكي من تغرت يحمل هدايا الشيخ عبدالرحمان للكولونيل بودافيل .. وألحقه بإرسال خديمه يحمل جوابات للكولونيل .. والشيخ عبدالحميد .. قال لهم فيها : انه مريض وفي شدة .. وقد انهكه السعال وضيق الصدر .. ويريد الدواء من  بسكرة .. ولكن اذا حكم الله بالموت .. فإن اولادي على عهدي .. والقائمين مقامي .. في الوفاء خدمة للدولة الفرنساوية  .. وان الحاج عبدالحميد وكيله ونائبا عنه .  
      وصل خبر وفاة الشيخ عبدالرحمان بن جلاب .. ولما علم الكولونيل بودفيل بالخبر .. ارسل الحاج احمد بن قانه لتولي حكم تغرت ..   فتوجه اليها ونزل بالقرب منها  .. استقبله الناس بالطعام والشراب .. وأرسل الى خدام الشيخ عبدالرحمان يريد استعطافهم ودخول تغرت بالخديعة .. فلما علموا بذلك .. هب اهل البلدة وقالوا له : قبل ان يموت سلطاننا خلف وصية لأبنائه من بعده .. ليسيروا على نهجه في خدمة فرنسا .. وأننا كنا نعتقد ان الفرنسيين اهل معرفة ومودة وعدل .. وكنا نتوقع منهم ارسال جلباب السلطنة والختم لابنه الوصي من بعده .. ولكن طالما هم ارادوا السطو على بلادنا لمجرد موت السلطان وخلفه ابنه الطفل .. فنحن لن نقبل .. وسنقاومهم قدر ما امكننا .. ونحن في حرب معهم ، ما لم يأتي الينا ابن عمه الشيخ سلمان الذي نقبل مشورته  .. اما الدواوده .. لن نقبل بهم ، ولا حاجة لهم ببلادنا .. وتكلم البارود بين الفريقين .. وهرب احمد بن الحاج وعساكره .. ترك خيمته وخزنته  .. وكتب للكولونيل بودفيل يطلب فيها محلة لتعضيد جنده .
      ثم ذهبوا الى قسنطينة حيث الجننار لعرض مظلمتهم .. فأكرمهم وأرسل معهم جلباب السلطنة وختم الطابع للشيخ عبدالقادر بن عبدالرحمان بن جلاب .. اما الشيخ سلمان فلم يقبلوا به .. وذهب الى تماسين صحبة الشريف محمد بن عبدالله .. ورحبوا به اهل تماسين .. وفي الليل نزل بالقرب من تغرت عند موضع يقال له قبور المشائخ .. وأرسل لأنصاره في تغرت يخبرهم بقدومه .. وكان الشيخ المبارك والي اهل سوف ومن المحبين للشيخ سلمان .. نزيل القصبة .. ففتح لهم الباب .. وتكلم البارود بين الفريقين حتى الصباح .. مات من خدام الشيخ عبدالقادر اثنان .. ومات من خدام الشيخ سلمان ثلاثة وجرح رجل .. ثم تدخل المرابطين لإطفاء نار الفتنة ووقف الحرب .. واخرجوا خدام الشيخ عبدالقادر من القصبة بأمن وسلام .. ودخل الشيخ سلمان القصبة .. وحكم تغرت .. وقتل في ذلك اليوم عددا من انصار وخدام الشيخ عبدالقادر .. منهم : احمد المقدم محمد بن ابراهيم وإخوته الاربعة .. وقتل مسعود بن مهدي خديم الشيخ عبدالرحمان .. وسبعة عشرة رجل من رجالات الشيخ عبدالقادر .. وأرسل الشيخ سلمان الى ولاة الدولة الفرنسية ، والى الحاج عبدالحميد .. قال لهم : كنت صاغرا لحكم ابن عمي الشيخ عبدالرحمان .. كان كبيرنا وكنت خليفته .. واستطاع الحاقدين اذكاء نار الفتنة بيننا .. وعندما تيقنت انه يود قتلي هربت من بطشه سطوته .. وأرسلت الى الكولينيل بودفيل اخبره بما انتهى اليه حالي في تماسين حيث التجأت .. لكنه بدلا من ان ينظر في مظلمتي سجن رسولنا وخديمنا .. ورفض مقابلتنا .. كما ان الشيخ عبدالرحمان ارسل الى شيخ تماسين يطلب اليه قتلي او تسليمي اليه .. وعلمت بالأمر .. فهربت الى نواحي الغرب والتجأت الى حيث الشريف محمد بن عبدالله .. وما ان بلغنا خبر موت الشيخ عبدالرحمان .. عدنا الى بلادنا وحكمنا مملكة اباءنا وأجدادنا ..  ومن يدخل ملكه لا يتسمى طالما ولا معتدي .. وهذه سيرتنا اولاد جلاب .. من كبير الى كبير .. وما دخلنا تغرت إلا برضاء اهلها .. وهي ليست من البلدان التي تؤخذ غصبا .. لقد غلبت الاتراك في زمانهم ..  تركوا مدافعهم وأشلاء جنودهم .. وفروا منهزمين .

جرمة الاثرية

الأحد، 14 مايو، 2017

كتاب التطور السياسي لليبيا الحديثة

اريخ وارشيف ليبيا العظيم
 
التاريخ خبر و رؤية..
و قد تكون الرؤية اعمق من الخبر.

صفحة من كتاب التطور السياسي لليبيا الحديثة للدكتور"مجيد خدوري" الصادر عام 1962
د.فرج اخريبيش

مذكرات رحالة من فزان 1852 .. ( 11 )


المدية بلاد العنب الفاخر .. اجود انواع العنب ببلاد الجزائر .. ويها غرس التين  والرمان ..
من المدية توجهنا برا الى ” مليانه ” .. بلدة مليحة .. تحفها الجبال من كل جانب .. الماء العذب وفير .. اطلال مآثر الناس الاولين .. اشجار العنب ..الاجاص .. استأجرنا دار للسكنى .. وظللنا ننتظر احد من اهل الغرب نرافقه الى وهران .. ومن وهران نركب البحر نحو الغرب حيث اولاد عمنا ..مولاي عبدالرحمان سلطان الغرب .. وقد جاءنا الخبر انهم يسكنون ارض تافيلالت .. عزمنا التوجه اليهم .. ومن تافيلالت الى توات .. ومن توات الى ارض تبو .. فخيب الله مقصدنا .. مرضت بمليانة مرضا شديدا .. حتى ترهلت اقدامنا .. ما استطعت المشي تى لمسافة محدودة .. شهرين متتاليين وانا اتعذب .. ونصح لنا العرب بالذهاب الى حمام علاجي طرف الجبل .. مسيرة يوم .. استأجرنا بغل بخمسة فرنك .. ووجدنا حمام لطيف .. مآثر الاولين تحفه من كل جانب .. الماء الساخن ينبع من قمة الجبل .. بنى حوله الفرنسيين برج .. وغرس اشجار القسطلي .. اقمنا بالحمام اربعة عشر يوما .. استحم بالماء الساخن حتى تعافت ارجلنا .. وصرت قادرا على المسير ..  تداركت امري .. مواصلة السفر غربا امر مرهق .. عدت الى البليده .. ومنها عبرنا ببلدة  ” بوسعادة ” .. بلدة في احضان الصحراء .. بها غرس النخيل .. يبني بها الفرنسيين برج .. ومنها الى ” بسكره ” .. وهناك نزلنا بجامع سيدي احمد دبابس .. وفي الليل مر علينا القاضي يسألنا .. من اين ؟ قلنا له حجاج من اهل الغرب .. فقال للجماعة .. هذا الرجل ضيف عندكم .. كل يوم يستضيفه احدكم .. قالوا له : نعم .. وأخذني القاضي ضيفا عنده اول ليلة .. تناولنا العشاء سويا في داره .. وفي حديثه يشكو افعال الفرنسيين .. قال لنا : لم نعد نعرف ما يجب علينا فعله .. اولاني الفرنسيين القضاء ببلاد بسكرة .. وإذا حكمنا بشرع المسلمين .. وما جاء في كتبهم .. يغضب منا الفرنسيين .. وإذا تبعنا الفرنسيين .. خشينا معاقبة الله ورسوله .. قلت له : لما لا تقدم لهم طلب اعفاء من مهام القضاء .. لن يفرضوا عليك غصبا ؟ .. قال : اخاف ان ينهبوني .. وتنالني ملاحقتهم .. لكني افكر في مراوغتهم .. واقول لهم انني ذاهب الى الحج .. واحمل اولادي ومالي .. واهجر عن المدينة ولن اعود حتى يخرج الفرنسيين من وطننا .. او يحكم لنا .. وهو خير الحاكمين .. وكل من مات تحت حكم الفرنسيين يموت كافرا مشرك .. قلت له : انت رجل طالب علم .. تعرف كتاب الله .. ألم تتأمل قوله تعالى : ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ” .. اما وقد ولى عليكم الفرنسيين .. اطيعوا ولاة امركم .. واصبروا .. والفرنسيين ليسوا مثل الانجليز .. فوالله لو حكمكم الانجليز لترك وطنكم كما وطن اهل الهند .. احمد الله .. لعل الفرنسيين افضل من غيرهم .. ولا ادري لما تشتكون كما الامس عندما حكمكم الاتراك .. ولى الله عليكم الفرنسيين .. اصبروا  حتى يحكم الله لكم ولنا وهو خير الحاكمين .. تجولنا في حواري بسكره وأزقتها .. وعزمنا مغادرتها نحو بلدة تقرت .. ومنها الى وادي سوف .. الى بلاد غات .. ثم بلاد تبو .. عند اعمامنا وإخوتنا .. وننسى ما حدث .. وما جرى علينا .. وراء ظهورنا .
    غادرنا بسكره ووصلنا ” سيدي عقبة ” .. بلدة مليحة .. بها سوق رائجة  .. يجلب اليها العرب الخيرات من كل مكان .. تحفها الجبال ناحية الشرق .. تجولنا بها .. زرنا ضريح سيدي عقبة .. والجامع المقام الذي هو اشبه بالمدرسة .. يأتي اليه طلبة القران من كل مكان .. يهاجر لأجل حمل القران ..  يسكنون البيوت الملحقة .. مأكولهم بعهدة وكيل المسجد .. فلكل مسجد ” حبوس ” .. ومن ايرادها يتعيش الطلبة الحفاظ .. لكن ما حدث .. ان الفرنسيين عندما حكموا .. اخذوا املاك المساجد والزوي الصوفية .. لان العرب تنصت بإمعان وطاعة لكلام حفظة القران .. والمرابطين .. وبسبب ذلك تخلق الفتن على الفرنسيين .. بسبب فتوى حافظ .. او امر مرابط .. او شريف .
غادرنا سيدي عقبة .. بلغنا بلدة ” الحوش ” .. سكانها مرابطون جاء جدهم الاول من ارض ” وادي سوس ” غربا .. وهم من ذرية سيدي احمد موسى .. جاء في متقدم الزمان وكانت ارض بور .. غرس النخل .. وبدر الزرع .. وصار له اولاد وأحفاد .. وأملاك ..  فلما تولى الفرنسيين .. صادروا بعض املاكهم .. وأراضيهم .. ووزعوها على عرب اخرين .. لهذا تجدهم دائما مع من يناهض حكم الفرنسيين .. وان سمعوا بنداء لجهادهم تجدهم سارعوا وانضموا للنداء .
     حدثنا رجل منهم عن دعوة ابوزيان لقتال الفرنسيين .. وكيف انضم اليه اهل اقليم الزاب جملة .. وأهل الجبل احمر خده .. وأهل سيدي عقبة .. واهل وادي ريع .. و اهل الحوش .
حان الرحيل والسير نحو تغرت .. لكننا لم نجد قافلة ننضم اليها .. كان وقت الخريف .. وفيه تداهم البلدة حمة قاتلة .. هي اخطر على البشرة البيضاء منها الى السمراء .. وهي اشد فتكا بالغريب .. قليل هم من يسافرون اليها في هذه الاوقات .
  غادرت الحوش بمفردي .. دلني احدهم على الطريق نحو وادي سطيل .. حل الليل .. توقفت وقضيت ليلتي بالوادي .. حدث ذلك شهر ذي الحجة من عام 1344 هـ .
      في الصباح تابعت سيري بارض سبخة .. امضيت في عبورها خمس سعات .. وعند منتصف النهار بلغت ” الوريري ” .. بلد صغير .. بها قليل من اشجار النخيل .. قصدنا المسجد .. قدم لنا قيم المسجد الماء .. والتمر الطازج .. ا كلنا شهوتنا .. وتابعت سيري حتى بلغت بلدة ” المغير ” .. بينها وبين الورير مسافة ثلاث ساعات .. بت ليلتي لدى مرابط يدعى ابن سيدي مبارك الصائم .. اكرمنا غاية الكرم ..  في الصباح تجولت بحواري وأزقة البلدة  .. ممتدة المعالم .. كبيرة ..  اكبر من بلدات وادي دريغ .. واقل حجما من بلدة تقرت .. تحفها غابات النخيل من الفسائل الجيدة .. والعرب تختارها لتخزين محصول زرعهم .
   تابعت سيري ووصلت ” عين الكرمة ” .. موضعها ما بين سيدي خليل ، والمغير .. الماء العذب يتدفق من باطن الرمل .. تقذفه يمينا وشمالا ..  تحفها ست نخلات طويلة .. غادرت عين الكرمة .. وبلغت سيدي خليل .. اهل متصوفة .. اصحاب زوايا الحضرة .. يطعمون الطعام لكل عابر سبيل لا يمتلك زاد .. و ” سيدي خليل ” .. كان سلطان وملك وادي ريغ .. يدعي انه مرابط .. وملك ملكا ليس لأحد من اهل الوادي .. يمتلك ثلاثمائة شريعة .. وكل حقل منها غابة من الغرس .. منها ما يتجاوز الخمسة الاف شجرة .. اصله من المغير .. واذا نظرت الى الغرب .. الغابة الممتدة من ارض السبخة حتى مكب وادي خروف .. هي ملكا لسيدي خليل .. اما نسله فهم بيض البشرة .. ونساؤهم جميلات .. يزرعون القمح والشعير .. والتمر عندهم من اجود الاصناف .. ولا اجود من تمر نخيل سيدي خليل في وادي ريغ .
     قبر سيدي خليل وضريحه ظهر الغابة والبلدة .. وقريب منه قبة ضريح سيدي سالم .. والناس عندما يحلفون صادقين .. يقولون : ” وحق سيدي خليل وسيدي سالم ” .. ولا  يحنثون ..  وهم كرام وأكثر لطفا من اهل المغير .
    غادرت سيدي خليل صباحا .. عين المعريز شمال الطريق الى تقرت بنصف ميل  .. حولها اشجار نخيل .. ثم عبرنا تندل ، والبارد .. وهي بلدات صغيرة .. بها ابار وليس بها عيون .. والى نواحي غرب الطريق ظهر شرائع سيدي خليل .. وادي مالح .. مشينا ساعة زمن .. ووصلنا وادي مالح اخر .. ونصف ساعة اخر .. وادي مالح .. وساعتين اخرى حتى بلغنا ” عين اغفيان ” .. شمال الطريق بنحو ربع ميل  .. تحفها اشجار النخيل والسمار والطرفه .. بعدها بميلين بلغنا وادي مالح .. واصلنا سيرنا حتى بلغنا ” زاوية ارياب ” و ” مازر ” و ” وغلان ” وهي بلدات صغيرة . يزرعون القوت ويعتمدون الفلاحة معيشتهم .. ومنها الى جامع ” دسرة العريان ” .. ثم جامع  سيدي عمران ناحية القبلي .. ثم ” تنقدين ” .. ومنها الى ” سيدي يحي ” .. زاوية وأبار ماء حولها .. اهله يعتاشون على الصيد .. الغزلان والوحش والأرنب والذئب .. الوحش بالبارود .. والبقية بزرع الفخاخ والمناديف .. سيدي يحي الذي تحمل البلدة اسمه .. يملك خمسة عشر شريعة طرف البلدة .. ناحية الغرب .. غرسها نخيل .. قبلي ” سيدي يحي ” .. تظهر معالم ” تمرانت ” القديمة ..
   دخلنا ” تمرنت ” .. التقينا برجل اسمه الشيخ احمد الطلحي ..طفل صغير لا يتجاوز عمره سن العشرين .. كان ابيه شيخ تمرنت .. مات ابيه وتركه طفل صغير .. تولى المشيخة  ابن عمه الشيخ علي بن طاهر .. ثم الشيخ عبدالرحمان بن عمر بن جلاب .. الذي يتهمه الشيخ احمد الطلحي بأخذ ما خلف والده .
   قبلي البلدة .. مسجد من بنيان الاولين ينتصب اعلى  جبل صغير .. بني من الجبس والياجور .. تهدم اثره ولم تبقى سوى الاعمدة .. كما حضرنا عرس اثناء اقامتنا .. حفل طرف البلدة .. خرجت النساء والولدان وأهل البلدة .. دقت الطبول .. زغردت النساء .. وتغنوا الغيطه .. وتكلم البارود .. اشعل الرقص .. رقصت الفتيات .. تتشابك ايديهن .. وتترنم اكتافهن .. يقتربون من الاولاد من جيلهن .. يتكلم البارود .. وتعلو الزغاريد .. ويشرع الاولاد في نثر اوراق الحبق على رؤوس الفتيات .. .. وعندما اقترب الليل .. عادوا الى دار العريس .. تناولوا طعام وليمة العشاء .
      عين ” المراية ” في تمرنت .. ماءها عذب .. وأفضل مذاقا من جميع عيون وادي ريغ .. كما نخل تمرنت .. قوي الجدع مخضر .. افضل اصنافه ” دقلة نور ” .. ويزرعون القمح .. يصل ثمن القنطار اربعين ريال تونسي .. وتكثر عندهم أشجار العنب والتين والرمان والتفاح والبرقوق .. ومن تمرنت القديمة .. توجهنا الى تمرنت الجديدة ناحية القبلة .. وهي قريبة منها .. وهي بلدة رائعة .. يحفها البحر .. نخيلها وزرعها مخضر زاهي .. اهلها اغنياء .. بيض البشرة .. قليل هم سمر البشرة .. يفضلون تربية الماعز التركي .. وتهجينه بفحل الضان .. ماعز بلا قرون .. اذانه طويلة متهدلة .. يدر الحليب بوفرة .
غادرنا تمرنت الجديدة .. بين سيدي راشد وتمرنت عين ماء حولها اشجار نخيل يقال لها شريعة سيدي بن عثمان .. قطعنا مسافة اثنى عشر ميل تقريبا .. وبلغنا ” سيدي بو راشد ” .. نواحي القبلة والغرب تحفها كثبان رملية .. ومن الشرق سبخة ماء .. حسن اهلها ذات وصفات .. بها زاوية لاستضافة عابري السبيل .. الطعام يقدم مجانا لكل عابر او محتاج .. اشجار النخيل والبرقوق والورد تمتد لمساحات شاسعة .. مخضرة زاهية اكثر من أي منها في وادي ريغ .
   لضريح سيدي راشد توقيرا لدى الناس .. ومن اقترف جرما ولجأ اليه .. سلم من ملاحقة السلطات ..ويظل يتمتع بالأمن والطعام في ذلك الضريح .. ولا يجرؤ احد على القبض عليه .. حتى يأتي اولاد سيدي راشد لنجدته .. يلبسونه سبحة سيدي راشد .. سبحة كبيرة الحجم .. حباتها ضخمة .. بها خمسة الاف خرزة .. عشرة ارطال من حطب الرتم .. يؤخذ الجاني الهارب في زفة الحضرة الصوفية .. الاعلام الحمراء والصفراء والخضراء .. دندنة بنادير الدف .. الى ان يصلوا بلدة تقرت مقر السلطان .. عندما يصلون الى موضع قريب من تغرت يقال له ” دبوسة ” .. تشرع الاعلام .. وتبدأ جوقة المديح .. ودندنة البنادير .. حتى باب القصبة .. مقر السلطان .. وعند باب السلطان .. يشتد وقع الشطح والمديح .. يخرج لهم السلطان .. يسلم له الجاني .. يقبل السلطان .. يعتذر له .. وفي الحين يعلق المرابط السبحة برقبة السلطان قائلا : الامان لهذا الرجل .. ولك بركة صاحب هذه السبحة .. سيدي خليل .. فيقول لهم : اني عفوت عنه .. يقبل السلطان السبحة .. ويأتي كبير المرابطين ليحوم بها سبع مرات حول رأس السلطان .. ويدعو له بالنصر وكول العمر .. ويهدي لهم السلطان شيء من امور الدنيا .. او يرمي على كبيرهم برنوص ملف احمر او اخضر .. ويستضيفهم السلطان ثلاثة ايام .. ثم يعودوا الى بلادهم .. وثمة جبل يقال له ” كديت النصف ” .. نصف المسافة بين سيدي راشد ، وتغرت  .
    غادرنا سيدي خليل .. سبخة طينية ووحل في طريقنا الى ” ابرام ” ..  بلدة كبيرة ..بها الكثير من غابات النخيل .. غير ان اهلها شياطين الانس .. قبح ولا اصل لهم ..  اذا قدم غريب لأرضهم .. احتالوا كيف يقتلونه ويسلبونه المال .. وفي عرفهم عمل حلال .. واوصيك يا من تعبر وادي ريغ .. الحذر من اهل مغرت .. انهم سراق غدارين ، ولا امان عندهم للغريب ولا القريب .
      تابعت سيري نحو بلدة ” الهرهير ” .. وفي الطريق اليها ناحية الشرق .. ضريح سيدي سليمان .. بلدة تنتصب على جبل صغير  .. بها غرس النخيل .. واصل فسيلة دقلة نور من هرهير .. ومنها انتقلت لبقية البلدات .. ويقال ان اصل فرعون مصر منها .. قبل كل البلدان .. ويقال انه في اول الزمان كانت هناك امرأة اسمها ” نور ” .. درويشه .. تختار العزلة في موضع خارج البلدة .. اعتادت ان تحمل معها التمر طعامها .. ومع الايام والسنين .. نمت تلك النوى التي كانت ترميها .. وأنبتت فسيلة نخيل جيدة المذاق .. مختلفة عن سابقها .. هي ما سمي باسمها .. ومن تغرت نقلت الفسائل منها الى بلاد الزاب .. وارض وادي ريغ .. وارض الجريد .
وفي كل ليلة جمعة يشعل اهل الهرير القناديل .. ويحرقون بخور الجاوي .. ويخرج الساكنة نساء واطفال ورجال في كوكبة صوفية لزيارة سيدي عيسى بن نوح .. للتبرك ..  حفظا للنخلة .. وهو رجل مرابط تخافه جميع اهل وادي ريغ .. يهدون له اعز ما عندهم .. وحتى سلطانهم يخافه ويحرص على تقديم الهدايا له كل عام ..  يقيم في بيت تعلوه شجرة طرفي  .. يجلس امامه ويشعل النار ليل نهار .. شتاء وصيف .. وتجدهم يتحلقون حولها ويشربون التكروري .
       فصل الشتاء .. وهممت بالرحيل نحو ” غمره ” .. والسفر اليها عبر طريق المقارين محفوف بالمخاطر .. ومرهق .. فثمة سبخة واوحال موسم المطر  .. فيما السفر عبر نواحي الغرب ايسر حالا والأرض رملية .. وثمة على الطريق موضع يقال له ” ابو رخيص ” .. ارض خصبة يعظم بها القمح والشعير وجميع الخضر .. لكن اشجار الطرفي الكثيفة تفرض  على من يستصلح الارض عناء قطعها .
       من غمره الى بلدة ” ثالت ” تكثر بها اطلال مآثر الاولين .. قصورهم .. مساجدهم .. وكانت ذات يوم في اول الزمان .. مقر كرسي سلطان وادي ريغ .
المقارين الجديدة بلدة كبيرة يكثر بها غرس النخيل .. واكثره تداولا تمر ” الحلوة ” .. احمر مدور جاف .. حاذق الطعم .. ومنها الى بلدة المقارين القديمة .. اطلال ومآثر الاولي .. وما بقي منها سوى القليل المتهدم .. اهلها جميعهم سمر البشرة .. يزرعون الخضر .. وتنمو بأرضهم افضل من اراض غيرهم .. لذا هم معظمهم اثرياء من بيع الخضر في بلاد تغرت .
من المقارين تتوجه الى تغرت .. تترك بلدة ثالت ، وغمره ، على يمينك .. تصل موضع به نخل جديد .. حول عين يقال لها ” عين السبخة “.. ومنها الى بلدة قديمة يقال لها ” ارقيوي ” .. حدود عشرة مباني تسورها غابة نخيل قديمة .. ومنا الى زاوية سيدي العابد .. وهو سلطان من سلاطين اول الزمان تسمى المكان باسمه .. ويقال لها ايضا ” زاوية سيدي حموده ” .. فقد جاء بعده سلطان اخر يسمى احموده .. اقام بالزاوية .. وصارت له املاك اضعاف ما ملك سيدي العابد .. فحملت اسمه .. والان خلفه ابنه سيدي المنور .. رجل غني .. وله دين على كثير من اهل البلاد .. وجميعهم يخافه .. فهو الثري صاحب الاموال .. وهو المرابط صاحب الدعوى .. يأتمرون بأمره .. بشرته تميل للسمرة .. عريض الوجه والحواجب . له اخ من امه اسمه سيدي عبدالرحمان بن سيدي  بوعزيز  ..  من اولاد سيدي ابوعزيز .
       لم يبقى من ذرية سيدي العابد إلا رجل ضعيف الحال ، يقال له سيء السوق .. لا يملك شيء من متاع الدنيا .
    من زاوية سيد العابد تعبر الى بلدة صغيرة يقال لها ” سيدي بن جريو ” .. ومنها الى ” تبسه ” .. بلدة كبيرة ممتدة بها النخل الكثير .. يرونه بماء البحر القريب منهم .. عبر ساقية تخرج من شرق تغرت .. ومنها اناس اهل مشيخة يقال لهم اولاد رقية .. ومعظم اهلها سمر البشرة .
       مقابل تبسه قبتان يقال لها قباب ” رجال المليحة ” .. ضيرح لامراءة يقال لها لالاء  مليحة .. مزار تأتي اليه الناس من جميع بلدات  وادي ريغ .. ويقيمون اعراس المديح .. ويتولى سلطان تغرت توفير الطعام لزوار التبرك .
من سيدي بن جريو توجهنا نحو تبسه .. ومنها الى سيدي بن لسود .. ومنه الى سيدي بوعزيز .. تغرت .
   تغرت .. يحكمها رجل يدعى الشيخ عبدالرحمان بن عمر جلاب .. اصله في متقدم الزمان من اسر  سلاطين مراكش .. من بني مرين .. ولما ذهب ملك بني مرين .. وتشتتوا .. عمل تاجرا للغنم .. يجلبها الى وادي ريغ .. وتطاول الدهر وكسب الكثير من المال ..  وكان يبيع الناس بالدين .. حتى صار اهل المكان جميعهم مدينون له .. ولما طالبهم دينه وحقه .. لم يجدوا ما يقدموا له .. اتوا اليه وقالوا له .. انت فعلت معنا كل الخير .. الناس مدينون لك ولا لهم قدرة على سداد ما عليهم .. ملكتنا بدينك .. وارتأينا ان نبايعك ملكا علينا .
قال لهم : اقبل بيعتكم حال بايعني سيدي امحمد بن يحي .. واسمع منه بنفسي .. فهو سلطانكم اليوم .. فأتى اليه سيدي امحمد .. وقال له : تنازلت لك عن سلطنة تغرت .. انت سطانها وقد غلبتني فيما املك .. بدينك وجلبك .. وبويع عن طيب خاطر .. وخلف ذرية .. ومن سلالته الشيخ عبدالرحمان بن عمر بن جلاب .. والشيخ سلمان بن علي بن جلاب .. وكان علي قد تولى حكم تغرت  .. ولما توفي كان ابنه   الشيخ سلمان .. صغير سن .. وابن اخيه الشيخ عبدالرحمان بن عمير راشدا .. فتولى عبدالرحمان حكم مملكة تغرت .. وقتل خلق كثير من خدم عمه علي .. وصار يحكم تغرت .. وأمه هي من يعطي له المشورة .. وانزوى الشيخ سلمان .. بعيدا متحسرا .. وذات يوم خطط وارسل خدمه لاغتيال الشيخ عبدالرحمان بن عمر بن جلاب .. تسلق خديم الشيخ سلمان جدار بيت الشيخ عبدالرحمان ليلا .. ودخل عليه داره وهو نائم .. وأطلق عليه من غدريه يحملها سبع رصاصات  ..اصابت رقبته .. وذراعه .. وصدره ..  وتركه يتخبط في دمائه .. وهرب .. اتوا له بطبيب من لمامش .. ظل يعالج جروحه لزمن حتى شفي .
    هرب الخديم  .. ولجأ الى ضريح سيدي بن يحيا .. وكان اسمه عبدالله بن النخلت .. شوشان مولد .. وصار حبيس الضريح لا تناله ملاحقة .. لكن زوجته وهي في زيارته تحمل له الطعام .. دست بالطعام ” مبرد حديد ” .. وفي الليل .. برد الحديد الذي يكبل رجليه .. وهرب .
     في الصباح دخل الخفراء يتفقدوه .. فلم يجدوه بالضريح .. خرجوا يبحثون عن اثره اطراف سيدي يحيى .. فلم يجدوا له اثر .. ولا الى اي وجهة قصد .. لكن امرأة كانت قد قابلته بواكير الصباح وهو هاربا .. قالت لهم :  اذا كنتم تبحثون عن العبد سجين سيدي بن يحيا .. التقيت به بواكير الصباح وسط الغابة .. نواحي تماسين .. فلما سمعوا قولها .. ركبوا خيلهم ولاحقوا اثره .. وعند السبخة ما بين تماسين وتغرت .. رأوه راي العين .. اقتربوا منه .. هرب وغطس في  بحيرة مرجاجت القريبة .. قبلي تغرت .. فلما رأوه توغل وسط البحيرة .. ظن رجل منهم يدعى احمد بن عمير انه يفلت من ايديهم .. اعتلى ركاب خيله .. وأطلق عليه رصاصه .. ارداه قتيلا . سحبوا جثمانه الى اليابسة .. قطعوا رأسه .. حملوه معهم .. وتركوا جثثه مكانها .
      قدموا رأسه للشيخ عبدالرحمان بن جلاب .. قال لهم .. من قال لكم اقتلوه ؟ لما لم تنتظروا حتى يخرج اليكم ؟ كان يمكنكم ان تأتوا به حيا .. حينها كنا نعرف خبره ومن وراءه ..  قالوا له .. خشينا ان يفلت من بين ايدينا وقد ظفرنا به .. قال لهم : والله لو لم يكن معيب قتلكم مكانه .. لقتلتكم ؟
    اما نحن وقد بلغنا تغرت بعد كل هذه الخطوب التي تقاذفتها .. وجدنا الشيخ سلمان بن علي بن جلاب تحوط داره حراسة .. لا يخرج من داره إلا اذا خرج ابن عمه الشيخ عبدالرحمن بن عمر .. وهذا ما شهدنا .
       في تغرت التقيت رجل من اهل صفاقص .. حمود الويز .. جرى الود بيننا وتشاركنا في تجارة .. اشترينا سلعة بثمن عشرون دورو .. سلعة تغرت ووادي ريغ وقت الخريف التمر .. نستبدل سلعتنا .. قنطار الحنة ثمانون ريال تونسي .. قنطار ورد قمام  اربعون ريال تونسي .. النيله الرطل بثمن سبعة ريالات تونسية .. القرنفل الرطل ثلاثة ريالات  .. المستكة الرطل ثمانون ريال ..البارود اربعون ريال .. زرابيط وغبابيط لعب الاطفال ريال للميت .
          توجهنا الى تماسين .. وفتحنا حانوت هناك .. ازدهر حانوتنا وتجارتنا .. وصار لدينا التمر الكثير .. مما بادلنا من سلع .. وعبرت قافلة  من اهل الحرازلي واولاد ساسي والاد بن نايل .. اشتروا منا بسعر الجملة .. حمل جمل .. اربعة وعشرون ريال تونسي .. الحمل اربعة قناطير .. فبعنا لتلك القافلة بما قيمته مائة وست واربعون دورو .. واتت قافلة اولاد بن نايل .. ويقال لهم اود ” دام لخوي ” .. وهم اربع واربعون رجل .. اشتروا منا التمر .. وجلبوا معهم الى تماسين الغنم والصوف والسمن .. الكبش الاملح باثنى عشر  ريال تونسي ..  الصوف كا خمس جزات بثمن دورو اسباني .. السمن بالجلدة .. الجلدة بثمن ستون ريال .. اشتريت منهم جلدة بخمسون .. واشتروا البارود بثلاثمائة ريال للقنطار .. والرصاص مائة ريال .. البارود والرصاص يأتي من صفاقص وقابس .. يأتي عبر البحر .. اهل صفاقص يبيعونه اهل الطوية .. ينقلونه الى ارض الجريد .. ومن الجريد الى اهل سوف .. ومن ارض سوف الى وارقله .. ثم الى الاغواط .. الى ابوسعاده .. الى ان تصل تغرت .. الى سائر وطن الزاب .. الى وطن ازواوه .. وكل اولئك الذين يناهضون حكم الفرنسيين .. يصل اليهم البارود عبر هذه الدروب .
شيخ تماسين اسمه علي بن عبدالله .. وهو طفل صغير .. عمره لا يتجاوز الثمانية عشر عام .. يعدو في شوارع تماسين حافي القدمين .. بلا نعل .. وكل ما التقى بمرأة رفع اللحاف عن وجهها .. وقبلها .. وجميع اهل تماسين يخافونه .. يحلفون باسمه .. ” وراس سيدي الشيخ ” .
      في احتفالية عاشوراء عام 1366 هـ .. كنا ليلتها مع شريكنا في الحانوت .. اقبل علينا عدد من الرجال والصبية يتقدمهم شيخهم  .. يرتدون ليف النخيل .. يطبلون ويتغنون ويتوسلون .. ” نحن حجاج شواشين .. ومن يعطينا يربح ” .. تصدقنا عليهم ببعض ريالات .. وعبروا .. سألت شريكي : اليس هذا هو شيخ تماسين الذي يتقدمهم ؟ .. كيف لرجل يدعي انه شيخ البلاد  ويتسول الناس  ؟ ..  قال : نعم .. هذه عادة عندهم في هذه البلاد .. فتعجبت منهم ومن عاداتهم .
تغرت .. عشرة اميال مسافة عن تماسين .. تماسين غرب تغرت . اما بحيرة مرجاجت قبلي تغرت .. مسافة خمسة اميال .. تحفها اشجار الطرفى والقصب الاكحل والسمار .. بها الحوت .. وتجد طيور الاوز والدجاج الاكحل وقت الخريف والشتاء فيها ملاذ ..  وكنا نعتاد الذهاب اليها كل يومين او ثلاث للصيد .. نتموضع في مكان قريب من الماء .. نختبئ ونراقب قدوم الاوز والدجاج حتى يدنو منا .. نطلق الرصاص .. كنا نصطاد منها الكثير .. وفي الليل يصير الاوز ايسر صيدا .. تجده يجوب رمل الشاطئ .. بأعداد وفيرة .. ولما سمع بنا ابوبكر بن عباس .. وعن مهارتنا في الصيد .. وهو خليل ام الشيخ عبدالرحمان بن عمر بن جلاب .. ينام عندها .. ويصبح عندها .. وجميع اهل تغرت يعلمون بذلك ..   بمن فيهم ابنها السلطان .. ولا احد يجرؤ على قول .. ام الشيخ تصاحب رجل ” براني ” بلا فاتحة او صداق .. عرض علينا ابوبكر هذا ان يذهب معنا الى الصيد .. وكان فصل الشتاء وشدة البرد  .. وكل يوم يأتي الينا .. يقدم لنا بغل او فرس .. لنرافقه الى الصيد بالبحيرة .. كنا نصطاد الكثير من الاوز .. وما كان له حظ بالصيد .. لكننا ما ان نصل قرب تغرت عائدين .. يأخذ الصيد لنفسه .. يقول لنا .. انت لا دار ولا عيال .. ويذهب به الى ام الشيخ ليقول لها .. انظري كم انا صياد .. اخبرنا خديم ام الشيخ واسمه الطاهر .
   لما علمنا بأمره .. في اليوم التالي قدم الينا .. قلت له لا رغبة لي بالصيد .. ذهب لوحده ولم يصطاد طير واحد .. وفي اليوم التالي اعتذرت بأنني مريض .. وعند ذلك عرف اننا لا نرغب مرافقته .. وشاع الخبر ان عرفت ام الشيخ ان الصيد الذي يأتي به ليس من صيده .. وان محمد بن عبدالجليل رفيقه هو الصياد .. وعاتبته لكذبه .. وبلغ الامر الشيخ .
     الشيخ  عبدالرحمان بن جلاب .. رجل صغير السن .. عريض الوجه .. ضخم الجثة .. كبير الانف .. في ذمته اربع نساء .. اثنتان من تماسين .. واخرى بنت الشيخ علي عمه ..  واخرى من الدواود بيت ابو عكاز .. وهو زير نساء .. كلما سمع برجل من تغرت سيتزوج بامرأة جميلة .. ارسل اليها ..طلبها الى نفسه لينام معها قبل ان يدخل بها زوجها .. وفي كل خمسة عشر يوما ..  الى العشرون يوما .. ترسل ام السلطان الى نساء القرية للحضور .. وتختار من بينهن من تراها تروق لابنها .. واحدة .. اثنان .. ليقضي معها لياليه .
     الشيخ سلمان رجل احمر البشرة .. رقيق الوجه  والجسد .. اكحل العينين .. فارس خيال .. صنديد وقت الحرب .. في ذمته زوجتان .. زوّجه السلطان عبدالرحمان  شقيقتة .. كان ذلك عام 1367 هـ  .. اقاموا لهما عرس استمر سبعة ايام بلياليها .. جمع كل اهل وادي ريغ .. جاءوا بسلاحهم .. وشاركوا الفرح برقصاتهم امام القصبة .. بيت السلطان .. لمدة اربعة ايام .. وفي اليوم الخامس حملوا هودج العروس على اكتافهم .. اربعة منهم .. وساروا بها من البلدة الى زاوية سيدي العابد .. واحضروا الحنة .. وخضبوا ارجل العروس ويديها .. وخضب الشيخ سليمان يده بالحنة ..  دندنة طبلة الدربوكه .. والرقص وبهجة السمر .. فرح شيخ .. جال الفرسان .. اطلقوا البارد والجياد تعدو .. طال السمر وان اوآن الزفة .. دخلت العروس من باب  سيدي عبدالسلام .. ودخل العريس من باب الخضرة ..  واهتاج الحفل بدخول كوكبة العرس سور القصبة .. واطل الشيخ عبدالراحمان من شباك غرفته .. لكن عينه كانت على النساء الحضور اكثر .. وكلما اعجبته فتاة ارسل وراءها الى امه .. ترسلها له .. لا يستحي هذا الرجل في فعل العيب .. وبعلم امه .
في اليوم السادس للعرس .. حملوا العروس في هودجها على الاكتاف .. ثم على بغلة وذهبت لمزار سيدي امحمد بن يحي .. واستقبلتها النساء تقبل ايديها وتبارك لها .. ودخلت الباب وخبيرة الحنة .. اقفلوا الباب .. ومن ثم حضر العريس الشيخ سلمان .. وخضب هو الاخر انامل يده اليسرى بالحنة .. وتعالت الزغاريد لحظة خروجهم .. وعجت باحة السوق بالراقصين والراقصات .. ولديهم رجال يرقصون رقص النساء .. ويرتدون زي النساء .. يتغنون مثلهن ..يخضبون ايديهم بنقش الحنة .. يظفرون شعورهم جدائل .. يعفرونها بالطيب .. لا يخشى دخولهم لأي بيت .. ولا حرج عليهم في مقابلة النساء .. يسمونهم اعلاج .
     في الليل اتى اهل تماسين يزفون هودج شقيقة الشيخ علي .. شيخ تماسين .. ناخ جملها .. وترجلت .. وتكلم البارود .. وعلت زغاريد النساء .. واهتاج الرقص .. دخلت باب القصبة .. وفي الليل زف الى ابنة عمه اولا .. دخل بها .. واتم ليلته مع عروسته الاخرى شقيقة شيخ تماسين .. ودخل بها .
      في اليوم السابع .. نادي الشيخ عبدالرحمان على الشيخ سلمان .. ادخله معه دار الخزنة .. واهدى له بمناسبة الزيجة .. حفنات من محبوب الذهب .. وقال له : يا ابن عمي .. هذا ما خلف والدي .. وهذا ما خلف والدك .. وهذا ما خلف اجدادنا .. وما نكنزه إلا لك .. ولذريتك .. وذريتي .. ولا عندي مال دونك .. لا تترك الحاقدين ينسجوا بيننا الفتن .. انا بضعة منك .. وانت بضعة مني .