الأربعاء، 19 يوليو، 2017

عندما تطوعت بالقوة المتحركة

    

   من الزيغن .. ضنك وعوز .. طفل لم يتجازر الخامسة عشر .. بحثا عن لقمة العيش .. كان ذلك عام 1963 م .. سيارة داف .. نجد لنا مكان في صندوق الشاحنة .. الى بنغازي .. عملت بداية مع شركة ابيكو لاستيراد وتصنيع الالات الثقيلة .. اعمال الميكنة .. ومن مساعد سائق شاحنة .. اصبحت قائد شاحنة ممتدة تحمل على ظهرها 3 انابيب ضخمة بطول 9 متر .. مواسير ضخ البترول من حقل الحريقه الى ميناء الحريقة بطبرق .. اول خط ومعرفة لليبيا بالنفط .. مسافة 1000 كم متر .. كل قافلة من عشرون شاحنة ترافقها سيارة لاندرفر ( سكاندا سيريا ) .. مجهزة بالاتصالات والبلاغ عن اية شاحنة تتعطل اثناء الترحال .. ومع الانتهاء من اعمال التنفيذ .. وبداية ضخ البترول .. وقد شاهدته عيانا .. قدمت استقالتي .. وعدت الى فزان .. لا يزال الجيل يعيرونني بها .. ( وجه الفقر يستحي من الغنى .. بعد شاف البترول والخير استقال وروح لفزان ) .. بيني وبينك .. حق عفسه .

    اعدت التجربة مع شركة " ساسكو " .. لصاحبها : عبدالله عابد السنوسي .. ..والتي انجزت طريق بوقرين - فزان .. ومنها انتقلت الى شركة الاويسس الانجليزية .. وفي الاويسس ، صارت مهمتنا تزويد الفرق العاملة على آلات الحفر .. نقلت الة ( رق 10 ) من جالوا الى الجغبوب .. اربع صهاريج اسبوعيا .. اثنان نافثة .. واثنان بنزين .. كنا ننقل الوقود ونعبر اولا ارض بطحاء .. بيضاء تعانق الافق استواء .. وما ان تنتهي امامنا 100 كم .. السير فقط عبر المسار المحدد سلفا .. خشية الالغام المطمورة منذ الحرب العالمية الثانية .. وقد سالت دماء المحور والحلفاء بغزارة هنا .. وفي بير حكيم .

    ذات مرة .. حدث ان تعطلت الشاحنة في براح ما بعد المسار الملزم .. قريبا من خرمة الجبل .. مضيق وارض رحبة بين مرتفعات شاهقة .. ذهب السائق الى بنغازي لإحضار القطعة العاطلة .. وبقيت وحدي .. حارس " عساس " للشاحنة .. مدة شهر كامل .. نضب الزاد والماء سوى ما جاد به عابر سبيل من زملائنا صادف مروره .. متوحدا في صحراء مقفرة موحشة .. وما زاد في وحشتها .. انني عند طلوع النهار اتمشى في المحيط .. ويبدو ان المكان شهد معارك الحرب العالمية الثانية .. وذات يوم صعدت الجبل .. وبانت لي غابة اشجار الطلح .. متراصة ومخضرة في منظر بديع .. مسافة كيلو متر واحد .. قصدتها .. اطلال 12 عربة محترقة .. خوذ الجنود .. رفاتهم .. ملابسهم .. جماجمهم .. ايادي مقطوعة ومبعرة وقد صات عظامها بيضاء ناصعة .. كنت حديث سن .. وسط مشاهد لا تحكي سوى قصص الموت .. ومن ترك رفاتهم بالصحراء .. اوجست خيفة .. وزادني فيما بعد .. تعرفي على اثر حيوان مخلب .. يجول حول منامي .. اخترت النوم ليلا داخل ( دومان ) السيارة .. وفي احايين عده .. اسهر الليل .. وأنام النهار .

     عبرت تلك التجربة .. قررت ترك العمل بالصحراء .. في بنغازي .. اخبرني احدهم ان " القوة المتحركة " .. ستعلن قريبا عن قبول مجندين .. كان امر القوة السنوسي الفزاني .. انتظرت رفقة " شكابلية عرب الزيغن في حي البركة " .. اهل واحتي .. زمرة رفاق الصبا والنشأة .. وعندما اعلن عن التجنيد .. ذهبت الى معسكر " بنينه " .. كنا المتقدمين 500 مجند .. قبل منهم 250 فرد .. كنت احد المقبولين .. حضر السنوسي الفزاني بنفسه .. يرافقه طبيب .. وصار يعبر من امامنا ونحن في حالة اصطفاف .. ومن يشير اليه بعصا التشريفات .. ينتحي جانبا .. كان هو الذي اختار .. واوعز للطبيب اجراء الكشوفات الطبية لنا .. ومن هناك الى معسكر قريناده .. قرب مدينة البيضاء .. استلمنا مهماتنا كاملة .. الالبسة والاربطة .. المدربين انجليز .. ووزعنا على الشعب الثلاث .. النجدة .. خفر السفارات .. خفر النفط .. وكنت ضمن فرق النجدة .. وبعد تدريب عنيف استمر طوال عام 1967 م .. والامتثال التام للأوامر .. وكيفية اداء مهمتنا الاساسية .. مكافحة الشغب .. لنا لباسنا الخاص .. كما لكل شعبة زيها الخاص .. التشريفات لخفر السفارات .. الكاكي البني ، والحبل الاحمر حول الابط .. لخفر النفط .. كنا دائما على اهبة الاستعداد .. بندقيتك البلجيكي برفقتك دائما .. مع عشرون ظرف رصاص حي .. وعندما تأتي الاوامر .. كما في المظاهرة التي جابت من البركة الى ميدان الشجرة .. نرافق المحتجين مسيرتهم .. على اطراف الحشد .. دون تدخل .. واي شخص يحاول الاعتداء او تهشيم واجهات .. نتقدم لصفعه .. لدينا طرقنا المتعددة .. لسعة بالعصا الكهربائية .. واذا كانوا شلة .. او خرج الجمهور عن طوره .. نستخدم غاز مسيل الدموع .. في جعبة كل واحد منا .. عشرون طلقة غاز .. اذا اقترب زحفه اكثر .. اطلاق النار في الهواء .. اذا لم يتراجعوا .. وهرج المكان .. اطلاق الرصاص الحي .. اسفل الركبة .. أي اصابة اعلى الركبة تعاقب عليها .. كنا مهرة في التصويب ... للحديث بقية

عزيزي الرئيس أوباما،




عزيزي الرئيس أوباما،

سلاما واحتراما
       لقد سمعت الكثير من الأخبار مؤخرا عن دونالد ترامب .. سمعت على سبيل المثال أنه انتخب رئيسا .. وفي الوقت نفسه ، يقول دونالد : أن وسائل الإعلام تلفق اخبار وهمية ، لذلك أعتقد أن ما قاله .. كان مجرد " خبر وهمي " .. كما يحب أن يسمى ، وهو ما يعني أنه يجب أن لا يبقى الرئيس .

     ولكن على محمل الجد ، كمواطن ليبي ، من فزان .. لم أكن قد أوليت اهتماما كبيرا للسياسة الأمريكية .. حتى انتخابات عام 2016 .. لم أكن أشعر أبدا أن هناك أي سبب يستدعي اهتمامي ، لأن من كان الرئيس .. كان لي الإيمان بقدرته على القيام بعمله ، وهذا صحيح بشكل خاص .. عندما كنت انت الرئيس .

     سلفك المباشر ( بيل كلنتون ) .. كان لا يحبذ فعل الكثير من أجل تجنيد أمريكا في الحروب ، هزت سمعته فضائح بسبب شؤون زوجة اضافية ، ولكن في حين كان هناك أشخاص اختلفوا معكم أو مع سياساتكم ، كنت تحمل نفسك جيدا طوال وجودك بالمنصب .

     نيابة عن الناس في كل بقاع العالم  ، شكرا لكم على ذلك . وأعتقد أنه من المحبط أن بعض منتقديك .. والمنتقدين المتخصصين المتفرغين لك .. قد لا يدركون مدى أهمية ذلك .. بقدر ما أنا قلق ، يمكنك أن تدع ترامب وأتباعه يقولون ما يشاؤون .. وماذا سيتحدثون عنك ، ولكن .. كنت نوع من زعيم أمريكا المطلوبة ، وكنت من نوع .. لا تزال أمريكا بحاجة لهم ، ولكن الان .. لم يعد لديها .

   آمل أن تشعر بالفخر في كل ما أنجزته طوال رحلتك .. نحو منصب الرئيس ، . وبانتماءك الى ارض الجذور .. فزان .. رحم الله الحاج حسين .. جاد على امريكيا صواب الحكمة الزنجية ..   الان يجب عليك .. الآن .. ان تشعر بالفخر .

 أتمنى لكم حظا سعيدا واستمرار النجاح.


صديقكم : ع

الاثنين، 17 يوليو، 2017

حوارات من داخل اروقة جامعة سبها - ( 2 )




   مناكفة وصديق .. استاذ بقسم اللغة العربية وآدابها .. يتنفس شعرا  :
- كيف لي ان اكتب الشعر؟
- الاجابة : فقط غني!!! .. للشعر لحن  .. صدر وعجز .. قوافي موزونة الرتم والإيحاء .. تتدفق كالغناء .. احفظ اشعار الاولين .. ودرر كلام النابهين  .. تفيض القريحة في الحين  .
         -  هكذا انتم دائما معشر الشعراء .. تعدون وصفاتكم من تحبير الكلام   .. تختفون عن البصر ، وراء حلكة الحروف .. تبحثون عن كلمات جديدة ، وأساليب لغوية مقعرة ، واستعارات مكنية مريبة .. وتصريحية عجيبة .. لشرح مشاعركم المكبوتة بالإيماء خشية  ..  وتعانون ضعف الصوت على الرغم من جودة اتقانكم للغة .. وأود ان اقول لك : ان معظمكم يعاني الانطوائية ..  هذه حقيقتكم .. متسكعين على قارعة الاحرف والعبارات .. اما اولئك الذين يكتبون شعر الوصايا منكم .. ويعتقدون انها حكم .. ويعيدون نسخها نسخة عن نسخة .. فلا ارى فيهم سوي متسوقين ينادون حواف عربة خضار .. يعرضون اصناف البضاعة عينها .. ويتبجحون بأنها طازجة .. تغري شهية الغاوون .
        -  نكتب الشعر لأننا نحب اللغة .. للأحرف نغم وروح .. جرس عذب الكلام .. جسر الود والآخرون .. الاخرون هم الجحيم .. قال سارتر .. نكتب الشعر كي تعيش اللغة في جلد آخر .. وحلة قشيبة تستجدي الافكار النبيلة .. والقيم الجميلة .. في الشعر نتنفس الهواء بأريحية .. ونزفر بآهاتنا العصية .. ننعم بنسمة رطبة تنعش قلوبنا الحائرة .. وأحلامنا البائرة .. الشعراء هم الحالمون .. احب التيه في عقول الآخرين ، ايها الجحيم .
      - قال ابن حيان : " كم من دم سفكه فم ، كم إنسان ، أهلكه لسان ، رب حرف أدى إلى حتف ، لا تفرط فتسقط " .. كنت احفظ الكثير من الاشعار فيما مضى .. اجد فيها رفيق عندما لا اجد ما اقرأه .. كلمات تترنم .. وقوافي تتألم ..  قوالب تبعث على الغثيان  .. يعاد صياغتها من شاعر لآخر بافتتان .. صار الابكم في لغتكم يتكلم .. والأعمى مبصرا :
أنا الـذي نظـَرَ الأعمى إلى أدبــي ... وأسْمَعَـتْ كلماتـي مَـنْ بـه صَمَـمُ
وأخر في الفخر :
إنّ الذي سَمَكَ السّماءَ بَنى لَنَا ... بَيْتاً دَعَائِمُهُ أعَزُّ وَأطْوَلُ
ضَرَبتْ عَليكَ العنكَبوتُ بنَسْجِها ... وَقَضَى عَلَيكَ بهِ الكِتابُ المُنْزلُ
حُلَلُ المُلُوكِ لِبَاسُنَا في أهْلِنَا  ... وَالسّابِغَاتِ إلى الوَغَى نَتَسَرْبَلُ
ويجيبه متواعد :
أعددت للشعراء سما ناقعا    ...   فسقيت اّخرهم بكأس الأول
أخزى الذى سمك السماء مجاشعا ...  وبنى بناءك فى الحضيض الأسفل
أحلامنا تزن الجبال رزانه  ...  ويفوق جاهلنا فعال الأطول
وأخر مثلهم :
إِذَا بَلَـغَ الفِطَـامَ لَنَا صَبِـيٌّ  .. تَخِـرُّ لَهُ الجَبَـابِرُ سَاجِديْنَـا
واخر يتزلف :
كأنك شمس والملوك كواكب  .. إذا طلعت لم يبد منهن
  وعندما تقرضون العجيب منه :
ألم تعلم بان القتل ورد          لنا كالماء حين صفا وطابا
وقلت لها قرى وتقى بقولى          كأنك قد قرأت به كتابا
فقد جاء الكتاب به فقولى .. ألا لا تعدم الرآى الصوابا
جلبنا الخيل من بغداد شعثا       عوابس تحمل الاسد الغضابا
بكل فتى أغر مهلبى          تخال بضوء صورته شهابا
ومن قحطان كل أخى حفاظ     إذا يدعى لنائبة أجابا.
       وتتنمرون على بعضكم .. قال الوليد العنبري : مرت امرأة من بني نمير على مجلس لهم ، فقال رجل منهم : أيتها الرسحاء . فقالت المرأة : يا بني نمير ، والله ما أطعتم الله ولا أطعتم الشاعر ، قال الله عز وجل في تنزيله ( قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ) وقال الشاعر :
فغض الطرف إنك من نمير    ..   فلا كعبا بلغت ولا كلابا
       هجاء ورثاء .. ثناء واستجداء .. حسرة وانتشاء ..  تزلف ومدح  .. تفاخر وردح  .. تشعلون الحرائق .. وتتفننون في الطرائق .. هو ديدنكم ..  ومنكم اهل زجل :
عفتوا لبنا لين بزعناه .. لا تشربوا منه ولا ينضم
وكانا ذهبنا وراح لاتجاه .. نباتوا وتو نلقوا طريق سقم
احنا ليش ننهانوا على سباه .. وليش البريء فينا بريء انظلم
واخر مثله :
فزان ما رديت بالك منها .. بلا مال يا صاحب تبي تدفنها
فزان ما هي سقالة .. ولاهيش في وادي وسيع الجالة
فزان راهي رعيتك .. وللجيّ ما تقدر تجيك لبيتك .
  وثالث يتحسر مثلهم .. يلفحه حنين :
أشتاق يا فزان  تمرك في فمي .. من قال أن النفط أغلى من دمي ؟
ورابع يتظلم :
وأنا اللي ماشي دروب طويله      وانا اللي ظلم الزمن رماني
وانا اللي ناقل احمول ثقيله         حمال ما حامل احمل حملاني
وأنا اللي نعدل أن نقله ميله           وما عدل عادل عدله ميلاني
وخامس :
عسكر جندنا الطليان    الله ينصرنا ع لسلام
     - بيت من الشعر .. كطائر يحلق في الاعالي .. يجوب الامكنة .. والأزمنة .. ينثر الحكم .. وعذب الكلم .. تتلقفه الاجيال .. وتتوارثه دهورا طوال .. غني ايها الجحيم .. وتذوق الشعر .. تصبح شاعرا .
 

فزان وحروب الموارد





       فزان في الثقافة التركية رمز العزلة .. صحراء شاسعة متعددة الاعراق الممتدة لدول الجوار .. وفي هذه الحرب الأهلية تهدف كل عرقية او مجموعة الى أن تصبح الحاكم الوحيد للمنطقة. . ومن أجل تحقيق ذلك ، أصبحت الهيمنة على الحدود ، وطرق التهريب ، ونقاط التفتيش والمراقبة ، ومناطق النفط والغاز الطبيعي ، والمقرات العسكرية وترسانات الاسلحة هي الأهداف التي تتوخى كل مجموعة السيطرة عليها .. إن الدخل الذي تحققه السيطرة على هذه النقاط الاستراتيجية ، والإثراء المستمدة منها ، يجعل الصراعات بين الجماعات أكثر دموية .. ويندر باستمرارية الحرب .
      وعلى الرغم من وجود موارد خصبة تحت الأرض واهمها النفط والغاز الطبيعي ، فإن أكبر مصدر للدخل في فزان هو التهريب. . إن عواقب هذا التهريب لا تؤثر على المنطقة فحسب بل على أوروبا كلها .. المهاجرون الراغبون في العبور إلى أوروبا من أفريقيا الوسطى وغربها يعبرون الحدود الليبية أولا ثم يصلون إلى سواحل اوروبا .. وبينما تدخل مواد مثل الكحول والسجائر من دول الجوار الى ليبيا ، يتم تهريب مواد البناء ، والمركبات ، ومعدات البناء الثقيلة ، وممتلكات الدولة المصادرة بطرق مختلفة إلى بلدان جنوب ليبيا.
     الحروب بين القبائل في فزان تؤثر أيضا على مراكز المدن حيث يعيش الأبرياء .. وتزيد من إلحاق الأذى بالناس الذين هم بالفعل في وضع صعب .. لا سيما القاطنين في مدن مثل سبها ومرزوق ووادي الشاطئ وغات .. والذين اختار الكثير منهم الهجرة الى مناطق أكثر أمنا من أجل الابتعاد عن الصراعات.
      هناك مشكلة خطيرة في الوضع السياسي في ليبيا .. البلد يعيش حالة من الفوضى في جميع المناطق تقريبا ، والحكومات الحاكمة في الشرق وغرب البلاد فقدت ببساطة سيطرتها علىها 

انتبهوا . . استعمار. ( 1- 2 )




ربما تحتوي الصورة على: ‏‏شخص واحد‏، و‏‏‏لقطة قريبة‏ و‏منظر داخلي‏‏‏‏
  
    منذ وقوع السفينة الامريكية فيلادلفيا في الاسر على ايدي البحارين الليبيين ازداد فزع الاوروبيين من ذلك النشاط البحري المتعاظم لبحرية دول شمال افريقيا (ليبيا ، تونس ، الجزائر ) ضد اساطيلهم التي ارادت ان تستبيح البحر الابيض المتوسط متعجرفة بإظهار قوتها امام الدول المغاربية المطلة على بحرنا الآمن.
     من حقنا قراءة الاحداث التاريخية المتعلقة بنا من زوايا متعددة حسبما تتيحه المعارف المتوفرة زمن القراءة – فقد يكون من سبقنا لم يلتفت اليها، وربما حتى الذي سببها او شارك فيها لم يتوقع انعكاساتها وابعادها اولم يتبادر الى ذهنه ان فعلاً ما أو موقف ماقد يؤدي الى احداث تدمير لكيانات اكبر من عرشه ، لان حكام ذلك الزمان لم يكن يعنيهم شيء اكثر مما يعنيهم مايسمونه ملكهم ودوامة وامتلاء خزائنهم بما يمكنهم من التبذخ وبسط نفوذهم اينما وجدوا فراغاً يتربعون ويزمجرون فيه دون مراعاة لوطن او لشعب اولاية حرمة كانت لأن قانون البقاء للأقوى
ولوكان أبلهاً – هو السائد
     لقد بدأ الاستعمار القديم في شكل بعثات استكشافية استطلاعية يقوم بها رحالة ومستكشفون لعالم كان السائد عندهم عنه أنه عالم مخيف، عالم خطير، عالم قاهر وليس مقهوراً، وكان قد تشكّل في نفسيات المستعمرين القدامى مركب نقص تجاه ذلك العالم المخيف، العالم القاهر، وبعد اكتمال عملية الاستكشاف والاستطلاع تبين لهم أن المخيف يخاف، وأن القاهر قد يُقهر، وأن هالة القوة والتضامن التي يعتقدون أنها تُشكل قوته بدت لهم مهتزة ومهترئة ، إذ وجدوا أن الشعوذة حلت محل الطب والتفسيرات الغيبية المعبرة عن عجز العقل حلت محل الرؤية العلمية وإرجاع النتائج إلى أسبابها، وربط الظواهر بظروفها البيئية والثقافية والإجتماعية والإقتصادية والسياسية، وأن الحكام قد فقدوا مبدأ الشرعية التي يحكمون بموجبها، فلا الشرع مفهوم ومتبع ولا العُرف محترم، ومنطبع في الذاكرة العامة للجماعة المنتمية إلى العالم الذي حسب مخيفاً!!
المستعمرون أدركوا أن الأوهام التي سيطرت عليهم لم يعد لها قيمة، فلا العالم المخيف مخيفٌ حقاً، ولا التضامن الذي يُشكل أهم عوامل القوة موجود ومؤثراً حقاً في رؤية البلاد تلك التي ظنوا أنها مستعصية عليهم وشكلت لديهم مركب نقص مخيف مسيطر على نفوسهم ردحاً من الزمن.
      في العقد الثاني من القرن التاسع عشر عرض محمد علي حاكم مصر على الفرنسيين استعداده لإسكات قادة شمال إفريقيا الذين يضايقون السفن الأوروبية في البحر الأبيض المتوسط وذلك بمقابل قيمة مالية يدفعونها له.
     قام الفرنسيون بعرض الأمر على البريطانيين فأبدوا تحفظاً شديداً على هذا العرض واستشاروا بعد ذلك بقايا الإمبراطورية العثمانية فحذرتهم من قبول العرض وعارضت معارضة شديدة، على اعتبار أن محمد علي إذا لقى دعماً من فرنسا قد يضم شمال إفريقيا كله ليكون تحت سيطرته بعد مصر وبذلك سيقتطع قسماً كبيراً من المنطقة العربية على حساب الإمبراطورية العثمانية. بعد هذه المشاورات بدأ الفرنسيون يفكرون ويعدون العدة للقيام بأنفسهم بشئ بديل عن عرض محمد علي فكان ذلك الشئ هو احتلال الجزائر عام 1830 أي بعد عقد من الزمان فقط.
    انتصار الثورة الأمريكية إيذان بتنامي حركة الاستعمار لآسيا وإفريقيا كتعويض لخسارة الأوروبيين للعالم الجديد.
     لقد برر منظري الاستعمار القديم بشاعة ما صنعت دولهم بالرغبة في تمدين الشعوب المختلفة في آسيا وإفريقيا متناسين أن ما أكتسبوا من معارف يرجع الفضل فيه إلى جهود تلك الأمم التي جنوا عليها بالاستعمار ووصفوها بالتخلّف، ولولا تسامح تلك الأمم لم يبلغوا ما بلغوا من قوة.
      وبعد كفاح مرير وحروب دامية وتضحيات جسام تمكنت الشعوب من فك إصر الاستعمار بالتخلّص من حالة الاحتلال، وما أن شرعت في التفكير في البناء أصيبت بنكبتين أحداهما داخلية في ظاهرها خارجية في جذورها ونتائجها، تلك النكبة تمثلت في الصراع على السلطة في بيئة خرج منها الاستعمار ولكن ثقافته ومصالحه بقيت مرتبطة في المناطق التي خرج منها، وهي لا تخلو من عملاء وطامعين، وسذج مغفلين ناهيلك عن حالة الضعف التي وجدت تلك الشعوب نفسها غائصة فيها.
     والنكبة الثانية تكمن في عدم ارتواء المحتل من دم الشعوب التي احتل أراضيها ورتب أوضاعه الداخلية الصناعية والاقتصادية على المواد الخام التي تزخر بها تلك المستعمرات فضلاً عن الاحتياج إلى اليد العاملة الرخيصة، والسوق الإستهلاكي الواسع في بلدان عطّل الاستعمار طاقاتها ومواردها البشرية لتكون دائماً منفعلة متأثرة غائبة عن الفعل والتأثير الخلاقين في الشئون الدولية.
    ومنذ عقود انطلقت تحذيرات من بعض المفكرين الغربيين تنبه الغرب بأسره إلى خطر قادم مثل كتاب ((المسلمون قادمون)) لأنتوني برجي، وكتاب ((الإسلام قوة الغد القادمة))، وغيرهما مما يُنشر شبه يومياً في الصحف الغربية مع اختلاف توجهاتها وتنوع مشاربها.
      ولقد أجج سقوط الاتحاد السوفيتي وانتهاء دور المعسكر الشرقي المشاعر بمثل هذه المخاطر. فلقد كتب مؤلف كتاب ((العصور الوسطى الجديدة)) مقارناً سقوط الدولة الشيوعية التي دامت قرابة 73 سنة () بسقوط غيرها من الإمبراطوريات التي شهدها العالم في عصور غابرة فقال لا يشبه سقوط الاتحاد السوفيتي سقوط أية إمبراطورية أخرى في التاريخ إلا سقوط الإمبراطورية الرومانية.