الاثنين، 8 أغسطس 2016

ليالي فزان



   


   عجت زغاريد النساء .. دوى قرع طبول الحرب .. هاج صهيل البنادق ..   فتحت بالجوار جبهة اخرى .. شهب الرصاص المتطايرة عبر الاجواء ..  فرقعات التنوير الليلي .. وكأني معهم وبينهم .. اتقلب على فراشي .. استدعي غفوة .. تباغتني قرقعة اخرى  .. يهزني الفزع .. يجافي النوم جفوني مرة اخرى  .. مضت ثلاثة ايام بلياليها .. لم يغمض لي جفن .. ارهقني السمر .. وكل ما في الامر .. " جيراننا عيت الحاج مخلوف عندهم فرح ولدهم "  .
    ماذا عن مراعاة حق الجيرة والجار .. وعن شيخ كهل يتوجع .. وعجوز مكلومة طاعنة في السن .. وطفل رضيع .. واخر حديث الولادة .. وغدا هو يوم الخميس ..  اليوم الرابع .. واذا كانت الايام الثلاثة الماضية قد اقتصرت على استخدام الاسلحة الخفيفة والمتوسطة .. ففي الليلة الحاسمة .. ختامها مسك .. كنت لا استبعد استخدام الاسلحة الثقيلة .. وكدت ان اتحدث مع الجار مخلوف حول الامر .. وعدلت .. " مجابرة الخواطر اطول العشرة " .. كما يقولون .. " وليلة وافراقها صبح " ..  وكان كل ما توقعت واكثر .. علت قرقعة القذائف ودانات الار بي جي .. وتطاير شرر الرصاص يخترق عتمة الليل البهيم  .. ابتهاجا باللحظة .. لحظة اعلان تتويج العروس حلة الشرف .. باعتراف العريس الشاهد وإجازته .. كانت ليلة اخرى .. من ليالي سمر صيف فزان .

الجمعة، 5 أغسطس 2016

كتاب " تاريخ فزان الثقافي والاجتماعي






      كتاب يستحق القراءة والتأمل ... من أروع ما قرأت حتى الآن عن تاريخ فزان .. فهو يسلط الضوء على الجانب الثقافي والإجتماعي لتاريخ المنطقة ، كما ان موضوع الكتاب يربط بين الماضي والحاضر، وحتى تكتمل حلقات البحث أظهر تواصل واتصال بين ثقافات واجيال تعاقبت على أديم هذه الفيافي والقفار ، وأضاف إلى صلب الدراسة نخبة من المعاصرين ونتاجهم في ميدان الفكر والادب، الشعر والمسرح، الفنون بأنواعها، هذا من جانب.... ومن جانب اخر فهو يدون التاريخ الأجتماعي لمجتمع واحات الجنوب محاولا تتبع مسار حياة الناس في حقب تاريخية مختلفة، وما انجزته هذه المجتمعات من معرفة وحضارة. ابتداءً من حضارة الجرمنت وإنتهاءً بنزوح القبائل العربية إلى الإقليم، ودور ذلك التمازج في تكوين مفهوم محدد عن الحياة والوجود تجلي في أنماط السلوك، وبرز من خلال الحرف والصناعات، العادات والتقاليد ، الفنون والآدب. وعنونت هذه الدراسة بعنوان:(تاريخ فزان الثقافي والإجتماعي)

      هو نتاج لمجهود عدة سنوات من البحث والدراسة،،، وفي تقديري الشخصي يعد هذا الكتاب مادة علمية بمعنى الكلمة. والكتاب من القطع الكبير يتكون من 478 صفحة من منشورات المركز الوطني للمحفوظات والدراسات التاريخية طرابلس، لمؤلفه الأستاذ الطاهر عريفة.

    الأستاذ الطاهر عريفة رغم الفارق العمري بيننا إلا انه صديق شخصي ، فهو يملك الثقافة الواسعة، والقدرة على التحليل المنطقي والدقيق للقضايا المعقدة، وتشخيصها التشخيص الصحيح، وذلك لمَ اكتسبه من خبرة بطبيعة عمله في السلك الدبلوماسي خارج البلاد وداخلها لفترة زمنية طويلة. وقد استفذت شخصيا من معلوماته الواسعة التي لا يبخل بها ابدا، وذلك أثناء جلساتنا الحوارية الطويلة، فنحن نلتقي مرتين أو أكثر في كل اسبوع.

مولده وتعليمه:
    ولد الاستاذ الطاهر المهدي عريفة بمدينة سبها سنة 1944 ، وتلقى تعليمه الأول في كـتّـاب قريته، قرية القرضة من قرى سبها القديمة، على يد الشيخ العجيلي علي الذيب، ثم انتظم في المدارس الرسمية مع بداية الخمسينيات من القرن الماضي. درس المرحلة الإبتدائية بمدرسة سبها المركزية، ودرس الإعدادية والثانوية في مدرسة سبها الثانوية.

التحق بكلية الآداب والتربية سنة 1965م ، بالجامعة الليبية قسم الفلسفة والإجتماع، ومن أشهر الأساتذة العرب الذين اخذ عنهم الدكتور عبد الرحمن بدوي استاذ الفلسفة المصري المعروف، والأستاذ الدكتور عبد الجليل الطاهر أستاذ علم الأجتماع وكان عراقيا، والأستاذ الدكتور علي عيسى استاذ الانتروبولوجيا، والأستاذ نوري جعفر العراقي أستاذ علم النفس والتربية، ومن اساتذته الليبيين الدكتور علي فهمي خشيم، والأستاذ عبد المولى دغمان، والأستاذ محمد بوروين، ومن زملائه في الدراسة الدكتور رجب ابودبوس، والدكتور محمد المدني الحضيري، والدكتور بشير ابوقيلة. وغيرهم.

ثم واصل الأستاذ الطاهر عريفة الدراسات العليا وتحصل على الماجستير بإشراف الدكتور الصادق الغرياني.

- حياته المهنية:
    التحق الأستاذ الطاهر عريفة بوزارة الخارجية الليبية سنة 1970م ، في وظيفة ملحق ، ثم تدرج في العمل الدبلوماسي حتى وصل لدرحة سفير سنة 1998م، وعمل في سفارات بلاده في كل من سويسرا ، الصومال ، تونس ، الجزائر ، كوريا الشمالية.

- نشاطه الثقافي والإجتماعي:
كان مواكبا للنشاط الثقافي والإجتماعي بسبها، فقد انظم مبكرا للحركة الكشفية سنة 1959م ، وساهم في النشاطات الثقافية للنادي الأهلي سبها، وشارك في الكثير من الندوات والمؤتمرات الأدبية والإجتماعية، كما ساهم أثناء إنخراطه في العمل الدبلوماسي والسياسي في كثير من المؤتمرات الوزارية سواء في الإطار العربي أو الإفريقي.

متحصل على مدالية الصداقة من جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية،،،، كتب في جريدة البلاد التي كانت تصدر في سبها، كما كتب في مجلة المغرب العربي بالجزائر، ومجلة العرب اللندنية مواضيع تتعلق بالأدب والثقافة.

- مؤلفاته:
ألف الأستاذ الطاهر عريفة العديد من الكتب حول الأدب والثقافة والتاريخ ، نشر منها حتى الآن :
1/ التعريف بالأدب الليبي.
2/ قصائد وتجارب للقراء الليبيين الشباب
3/ أصوات إنسانية في الادب الليبي.
4/ ابن حزم الظاهري وك
5/ الرحلة والإغتراب.
6/ تاريخ فزان الثقافي والإجتماعي.
7/ الجامعة العربية والعمل العربي المشترك
يعمل الإستاذ الطاهر عريفة أستاذ ومحاضر في الفلسفة بجامعة سبها - كلية الآداب والتربية منذ سنة 1995م ، وحتى الآن.
ابراهيم ابوعزوم 

حرب تشاد .. رسالة مشفرة






   العاصمة التشادية " انجامينا " عام 1980 م .. جوار عربتي للاتصالات اللاسلكية .. كتيبة تبستي ..  من هذه العربة اتواصل مع جميع المحاور وتمركزات القوات الليبية داخل حدود تشاد .. ام شعلوبه .. فادا .. ابشا .. وغيرها .. ولمسافة  1000 كم مربع .. مهمتي ابلاغ الاوامر والتعليمات الصادرة عن غرفة العمليات الى محاور القتال .
       في واحة " توقي " 80 كم شمال انجامينا .. مكث الجيش الليبي لا شهر عدة في حالة انتظار .. طرف الواحة مطار ترابي استخدم في تامين الدعم اللوجستي للقوات .. وعندما سيطرت قوات الرئيس كوكوني على مطار انجامينا .. انتقلنا الى هناك .. كانت القاعدة الفرنسية قرب المطار خالية تماما بعدما سحب الفرنسيين جنودهم .. فاقمنا حيث كانوا يقيمون .. واحلنا الهناجر الضخمة وعرين الطائرات الى مخازن للسلع الاستهلاكية .. الارز .. الدقيق .. الخ .. في القاعدة الفرنسية هالني حجم التمشيط الذي لحق بها .. فما ان انسحب الفرنسيين .. زحف الاهالي .. وتمت سرقة كل المقتنيات المتبقية .. ولم يستثنى بساط الارضيات اللاصق .
     كنا ننظر لحظة الصفر .. للانقضاض ما تبقى من فلول الرئيس حبري المتحصنة بمنطقة محدودة بالعاصمة المحاصرة من ثلاث محاور
   كان كل ما يملكه اعوان حبري .. عدد اصابع اليد من عربة فرنسية عتيقة " كسكافي " .. وقوة القناصة المتحصنة  التي اربكت تقدم قواتنا .. ما دفعنا لانتظار  دعم القوات بالكثافة النارية المدمرة  لسلاح الدبابات .. استغرقت رحلة رتل الدبابات المحمول على ظهر " اسكملات روسية عتيقة " وقتا .. وقد خصصت طائرة مروحية لمتابعة الرتل وتامين وصوله .. وفي كل مرة " اسكمل تعطل انقطعت الشنقه " .. تبديل سير الحركة بين الحين والاخر .. تكرار الاعطال والتوقفات  .. استغرقت الرحلة من الكفرة الى انجامينا مدة 26 يوما .. وفي المساء .. ما ان وصل الرتل ..  عقدت غرفة العمليات اجتماعا .. وفي الصباح بدأ القصف .. كانت الدبابات تتوغل داخل المدينة بيسر .. يحتمي خلف كل دبابة عدد 24 فرد من جند المشاة .. بأسلحتهم الخفيفة والمتوسطة .. بل تخلفوا ولم يواكبوا الدبابات في تحركها وتقدمها السريع  .. وفي شارع 40 واجهت قوات الصاعقة مقاومة ضارية .. ما استدعى دعم سلاح صواريخ الجراد .. وصدر الامر .. " احداثي شارع 40 .. عدد 40 صاروخ .. ارمي " .. كانت المعركة الفاصلة مع اخر جيوب مقاومة هبري .. الذي اختار في اللحظات الاخيرة .. الفرار الى الكاميرون عبر نهر شاري .. بعدما اعدم اسرى ليبيين سجناء عنده تشفيا .. فر هبري كابوس تشاد .. وفقدت القوات الليبية في معركة شارع 40 نخبة من اسود قوات الصاعقة .. وتبين ان سلاح الجراد الاعمى الى حد كبير .. التهم الكثير منهم اثناء الاشتباك القريب .
     اواه يا زمن .. لما كل هذا الالم .. كلما استدعت الذاكرة كل هذه  التداعيات .. يحضرني رسم برقية مشفرة .. اعدت ابراقها الى طرابلس .. كان ذلك زمن عقد السبعينات .. وكنت بمدينة سبها .. فحوى البرقية مرسلة من المكلف بالتفاوض مع المتمرد هبري بشمال تشاد .. حول شريط اوزو .. يقول : " انتهت المفاوضات معه الى طريق مسدود .. وهو في ايدينا ان اردنا القبض عليه .. ننتظر الاوامر " .. لكن الاوامر طلبت عدم الاقدام على الخطوة .. وتأجيل التفاوض الى لقاءات لاحقة .

الخميس، 4 أغسطس 2016

عام الشر




   رسالة من الابن  لأبيه .. وقد طال انتظار عودته الى الواحة .. لهتا وراء لقمة عيش في زمن خنجر العوز والجوع اوغل .. والناس في فزان موطن اهله ينتظرون ما قد ياتي به الابن .. يبعث امل البقاء .. " عام الشر الناس كلت عصيدة العقول " .. عشبة صحراوية " تنور مع الفقر " .. كلما اشتد قيظ صيف فزان  .. وارسلت الشمس سهام وهجها الحارق .. ازهرت العشبة واخضرت اشواكها .. واعتبرت نقيصة .. ان يضطر الناس الحفر امتار لملاحقة جذر عشبة .. وتجفيفه وطحنه وطهيه ..على هذا .. رد الشاعر معاتبا .. جانا الخبر عنكم ولكن قولي .. ما تعزرونا بوكلة العقولي .
     لكن الابن في الشمال  .. يعمل بكدح .. كل ما يجنيه لا يكاد يسد رمقه .. وفي كل عام كان يأمل العودة .. ويخيب امله .. كان همه ان يعود وان خالي الوفاض .. لكنه عجز عن ادخار ما يؤمن رحلة العودة .. ارسل الى والده قصيدة تحكي محنته .. منها : ( والعام هلي انقول تو يلاقي .. ان طلت العشاء ما نلحق المريولي ) .. في كل عام اقول عسى ان يكون عاما وفرة وخصب .. لكنه ياتي كما سابقه .. سنين عجاف .. وما يجنيه من كدحة .. بالكاد يكفي معدته وما يقتات .. عاجز عن اقتناء ما يرتدي .

الأربعاء، 3 أغسطس 2016

فزاني .. مجرد مواطن



   
    ليست الحرب هي القتال في ساحة المعركة .. بل تلك التي تشتعل في نفوس اطرافها . تنتهي الاولى .. والثانية تدوم .. الحرب هي الحرب .. تحفر المشاهد الماساوية نقوشها على جدران الذاكرة .. ليتنا نتمكن من استعادة ايامنا التي مضت مع من فرقتنا عنهم السبل .. غريب امر الموت ، بقي في الجوار يتحرك ببطء يبحث عن شخص ما يسلب حياته ..  ما دام مارا من هنا .. لم العودة في وقت لاحق .. تأتي بغثة ولا تترك متسعا لاستيعاب ما حدث .. تنهيدة صغيرة وتنطفئ انفاسه .. تهمد الحياة وقد تفعل ذلك في اي لحظة .. يغيب البعض وهم حاضرون في اذهاننا اكثر من وقت حضورهم في حياتنا .
     لم اجد مكانا للابتسامة .. تعابير وجوههم .. مزيج من خوف وحزن وغضب ..  من اين للحزن ان يحتل كل شيء ؟ لا اريد ان انجب ابناء يلعنونني بعد موتي .
    غاب التيار الكهربائي قبل قليل .. كالعادة .. ولا ادري متى يطيب مزاجه ويعود .. حل صمت رهيب .. خرست الاصوات .. غردت الطبيعة .. حفيف الريح في سعف النخيل .. زقزق هدهد شريد ..  نهيق وعواء .. وصياح وثغاء .. واحة نائية .. صيف فزان الحارق .. عزلة شديدة الوطء .. عزلة ماحقة .. لا عزاء لها ولا سلوان منها ..  احيانا .. يذوي في داخلي ان اكون في اي مكان من العالم عدا الذي اقبع فيه .. اكبح ترددي .. يسعفني القول .. التعاسة الدائمة للبشر تنبع من امر واحد .. عجزه عن المكوث في غرفته هادئا .
     مجرد مواطن .. او مواطن مجرد .. من قرية نائية .. غير مدرجه على الخريطة .. وتعد ضمن الاراضي الليبية .. افكر في امر ما .. يتداعى منه امر اخر ، ثم اخر ، تتراكم التفاصيل الكثيفة .. اشعر بالاختناق .. وبدلا من ان تشفيني الكتابة كما ظننت انها ستفعل .. ابقت على الجرح فاغرا ..  حديث يعتمل في صدري ، قد يرتفع قليلا ، ولكنه لا يتجاوز حنجرتي .. وحده الصمت قادر على تحفيز اصوات بداخلنا ، تبدو لأناس اخرين ، نطمئن لهم .