عرض المشاركات المصنفة بحسب مدى الصلة بالموضوع لطلب البحث محمد عبدالمطلب. تصنيف بحسب التاريخ عرض كل المشاركات
عرض المشاركات المصنفة بحسب مدى الصلة بالموضوع لطلب البحث محمد عبدالمطلب. تصنيف بحسب التاريخ عرض كل المشاركات

الأحد، 28 يونيو، 2015

أوديب الخائب .. كتاب “سيف القذافي مكر السياسة وسخرية الأقدار




أوديب الخائب
تقديم كتاب “سيف القذافي مكر السياسة وسخرية الأقدار”لمحمد عبد المطلب الهوني

صدر مؤخرا كتاب هام للدّكتور محمد عبد المطلب الهوني بعنوان “سيف القذافي : مكر السياسة وسخرية الأقدار” عن دار مدارك للنّشر. ننشر في ما يلي تقديم الدّكتورة رجاء بن سلامة لهذا الكتاب.

قتل أوديب أباه من حيث لا يعلم، وتزوّج أمّه، وأصبح ملكاً. ثمّ استفاق على عبث الأقدار به، ففقأ عينيه. أمّا سيف الإسلام القذّافيّ فلم يقتل أباه رغم صراعه الطّويل معه، ولم يصبح ملكاً ولا رئيساً، واستفاق على أصابع يده اليمنى المقطوعة، بعد أن انتقل من وضع الوريث إلى وضع الطّريد ثمّ السّجين الذي سيحاكم على خيبته وتخييبه للآمال.
لقد قرئ الأدب دائماً بمنظار السيّاسة والتّاريخ، حرصاً من دارسيه على ردّ الهزل إلى الجدّ، وعلى تنزيل الخياليّ في الواقع، من باب التّكفير ربّما عن الاهتمام بنشاط ذي طبيعة لَهَويّة. فلماذا لا نعكس الآية، ونقرأ السّياسة بمنظار الأدب، ولماذا لا نهتمّ بالنّفس والذّات، وبالنّفسيّ والذّاتيّ في قصّة رجل حُكم عليه أن يكون سياسيّاً يؤمن بالدّيمقراطيّة، وأن يكون في الوقت نفسه ابناً لآخر مجانين الحكم في تاريخنا المعاصر؟ اقترحنا في هذه الصّفحات قراءة أدبيّة نفسيّة لهذه الحالة السّياسيّة، دون ادّعاء الإلمام والاستفاضة، أو ادّعاء تقديم مفتاح وحيد لفهم هذه الشّخصيّة الفريدة من نوعها.
لقد ذكر مؤلّف هذا الكتاب الذي بين يدي القارئ التّراجيديا صراحة في توطئته فقال: “ربّما كان بنيامين بربرBenjamin Barber في تصريحه لوكالة رويترز بتاريخ 11-04-2012 الأكثر دقّة عندما قال إنّ سيرة سيف هي تراجيديا تحتاج إلى سوفوكليس أو إسخيلوس جديد لكتابتها.”
فكيف تذكر التّراجيديا في خبر تورده وكالة أنباء؟ وكيف يمزج الإعلاميّ الخبر بالأسطورة، والحاضر بالماضي السّحيق؟ ثمّ ألا يكون الوعي التّراجيديّ الدّافع الأساسيّ لوضع المؤلّف لهذا الكتاب، والمحرّك الأساسيّ لكتابته؟


إنّ عقدة الأوديب كما فهمها سيغموند فرويد تعني امتزاج مشاعر الكره والحبّ إزاء الوالد أو الوالدة، وتعني سعي الابن اللاّشعوريّ إلى تأكيد كيانه بأخذ صورة الأب أو مكانته أو مكانه، على نحو متفاوت بين الأفراد في مدى حدّة الازدواج، ومقادير الكره والحبّ، ومقادير الشّعور بالذّنب، ومدى بقاء هذه العلاقة التّنافسيّة بعد تجاوز مرحلتي الطّفولة والمراهقة. وتجسّد أسطورة الملك أوديب هذا الواقع البشريّ على نحو كاريكاتوريّ، بحيث يصل الكره إلى القتل، ويصل التّنافس على الأمّ إلى الزّواج، ويصل الشّعور بالذّنب إلى سمل العينين. فمن سمات التّراجيديا حدّة المشاعر، وجري البطل فيها إلى الكارثة من حيث لا يدري، فيخيّل إلينا أنّ الأقدار تسخر منه أو تعبث به. ولكم تردّدت لفظة الأقدار في هذا الكتاب، لا سيّما في آخر فصوله، ولكم بدا لي دور الكاتب شبيهاً بدور الجوقة التي توقف الدّراما في التّراجيديا لتعلّق على أفعال البطل وترى ما لا يراه، أو دور الكاهن تيريزياس، يفكّ طلاسم الأحلام، ويطلق النّبوءات.
حدّثنا الكاتب الكاهن عن مرارة فوات الأوان وعن مأساويّة الفرصة الأخيرة الضّائعة، فقدّم لنا مرافعته “أمام محكمة القدر” قبل أن يحصل المحظور: “وطلبت من أحد الشّباب أن يأتي بورقة وقلم لأضع عليها العناوين الرّئيسيّة التي يجب أن يتضمّنها خطابه. وجاءني أحد الشّباب، ويدعى فتحي لاغة، بورقة وقلم، وأخذت أتحدّث إلى سيف وأدوّن النّقاط الرّئيسيّة التي أجملها في ما يلي :
1- إدانة العنف الذي وقع في المنطقة الشّرقيّة، وإعلان الحداد لمدّة أسبوع، وتنكيس العلم على كلّ مباني الدّولة، وتعزية أهالي الضّحايا.
2- تشكيل لجنة من المستشارين من القضاة، مشهود لهم بالنّزاهة، لمباشرة التّحقيق في هذه الأحداث، وتعهّد الدّولة بتطبيق القانون، ومعاقبة المتورّطين، أيّاً كان مستوى مراكزهم السّياسيّة والأمنيّة.
3- الإعلان عن انعقاد مؤتمر الشّعب العامّ خلال أسبوع للتّصديق على الدّستور الدّائم، وإصدار قانون الإدارة المحلّيّة والقوانين المنظّمة لمؤسّسات المجتمع المدنيّ.
4- إعلان القبض على البغدادي المحمودي رئيس مجلس الوزراء، والوزراء الأكثر فساداً، ورؤساء الشّركات والمؤسّسات العامّة الفاسدين، والتّعهّد باسترجاع الأموال المنهوبة إلى الخزينة العامّة، وتقديم كلّ الفاسدين إلى العدالة.
5- الإعلان عن تشكيل حكومة نزيهة ووطنيّة، واقترحت عليه أن يكون الدّكتور محمود جبريل رئيساً لها.
6- إعطاء الحقّ للشّباب الليبيّ للتظاهر سلميّاً بلا عنف أو استفزاز.
كما طلبت منه أن يتّفق مع أبيه قبل الخطاب على الإعلان بإيقاف العمل بأحكام كلّ المقولات التي وردت في الكتاب الأخضر لحلّ المشكل الاقتصاديّ.
كانت السّاعة تقترب من الثّالثة صباحاً. وكنت منهكاً بعد ذلك اليوم العصيب. وبعد أن انتهيت من هذه النّصائح التي كانت بمثابة مرافعة أمام محكمة القدر، ردّ سيف بكلمة واحدة: ولكنّها آخر طلقة. قلت: نعم، ويجب أن تطلقها فوراً، وإلاّ أصبح الوقت عدوّاً آخر لا يمكن التّحكّم به. بدا لي مقتنعاً بكلّ ما قلت.


”خسر الكاتب هذه المرافعة، وخسر سيف الإسلام الطّلقة الأخيرة. وانفتح باب طلقات الرّصاص على مصراعيه، وسالت دماء اللّيبيّين. هل كان بإمكانه أن يربح هذه الطّلقة، وأن تنصت محكمة القدر إلى مرافعة المستشار؟
فقد كان خطاب سيف الإسلام يوم 20 فبراير/ شباط 2011 صادماً للمؤلّف وللجميع. أذكر أنّنا كنّا متسمّرين في تونس أمام التّلفاز، مستغربين انحياز سيف الإسلام التّامّ إلى والده وتبنّيه خطاب العداء والاحتقار: “وفي وقت متأخّر، رأيت سيفاً على التّلفاز في بدلة أنيقة، يتحدّث إلى الشّعب اللّيبيّ. كانت لحظات رهيبة، خطّ فيها القدر مستقبل شعب ومصير وطن. كانت كلمات مرعبة، أشبه بطلقات المدافع العشوائيّة على سكّان آمنين. كان خطاباً كارثيّاً يتحدّى إرادة الشّباب الثّائر، ويستفزّ كرامتهم. كان حديثاً ينضح بسفه القوّة واستقالة العقل.”
كان هذا الخطاب نوعاً من الإعلان عن عودة الابن الضّالّ إلى مملكة أوهام الأب بعد القطيعة مع أحلام الإصلاح. فكان ردّ المؤلّف على هذه القطيعة بإعلان قطيعته مع سيف الإسلام القذّافيّ في رسالة مفتوحة نشرها يوم 12 مارس/آذار 2011، أدان فيها انقلاب سيف على مبادئه وحمّله فيها مسؤوليّة انضمامه إلى قتلة الشّباب اللّيبيّ المنتفض، وأدان فيها ربّما تضييع سيف لتلك الطّلقة الأخيرة : “نعم، لقد كنتَ نظيفاً خارج هذا النّظام بالأمس القريب، وها أنت اليوم تلبس جلباب أبيك المتّسخ بفعل أربعة عقود من العمل في مذابح ومسالخ الدّكتاتوريّة وورش القمع والعسف الذي كنت تنتقده... يا لخيبة المسعى ! لقد حدّدت مصيرك، وها نحن على مفترق الطّرق في هذه الأيّام العصيبة من تاريخ ليبيا تتحدّد مصائرنا وترمي بنا الأقدار كلاّ في سبيله.”
كان لا بدّ من هذه القطيعة ليبرّئ الكاتب ساحته من دماء اللّيبيّين بعد أن يئس من إمكان الإرسال بخطاب مفتوح إلى الشّعب اللّيبيّ يطمئنه ويمتصّ غضبه، وربّما يضع البلاد على سكّة انتقال ديمقراطيّ غير دمويّ.
لكن لماذا اختار سيف الإسلام لنفسه ولبلاده أسوأ مصير: لم يطلق الطّلقة الأخيرة الفاتحة لإمكانيّة سيناريو عمليّة سياسيّة، ولم ينضمّ إلى الجماهير الغاضبة، ولم يغادر البلاد؟ جرى إلى ما لا تحمد عقباه، ولم ينجُ من القتل إلاّ بأعجوبة.

إنّ من أهمّ سمات التّراجيديا أن يكون البطل غير آثم وغير بريء في الوقت نفسه. إنّه صاحب “عثرة” يسمّيها أرسطو hamartia، ويقول كيركغارد في توضيحها في كتابه “عودة التّراجيديّ”: “العقاب الحقيقيّ في التّراجيديا يقتضي عنصر خطأ، والألم التّراجيديّ يقتضي عنصر براءة. العقاب التّراجيديّ يريد عنصر شفافيّة، والألم التّراجيديّ يريد عنصر ظلمة” (ص118). لا يوجد مصير تراجيديّ إلاّ وقد التبس فيه الخير بالشّرّ، وكانت عاقبة البطل مزيجاً من عقاب الآثمين وألم الأبرياء، وامتدّت ظلال حقيقته الفريدة على حقائق النّاس لتظهر عسر الجزم، وعسر الحكم الأخلاقيّ القاطع، إلاّ إذا كنّا في محكمة فقهاء القسوة.
ما الذي جرى حتّى يجري طائر سيف الإسلام بغير ما أراد هو وما أراده مَن حوله؟ إذا اتّضح السّبب بطل العجب. وقد عمل الكاتب على إبطال العجب، فكان كالنّسّاج الممسك بخيوط متشابكة يحاول فرزها وتمييز بعضها عن بعض قبل ضمّها ووضعها على نول الكتاب. ولكنّه بهذا العمل المتأنّي على فهم السّبب وإبطال العجب انتقل من الغضب على سيف الإسلام إلى التّأمّل المرير في مصيره، فنقلنا من الخطإ المدان إلى العثرة المحيّرة، وفتح بذلك باب التّراجيديّ، واختار أن تكون هذه السّيرة “خارج المدح والقدح”.
كيف كان سيف لا بريئاً ولا آثماً، أو بريئاً وآثماً؟ وكيف بقي منتزعاً بين أوهام والده وأحلامه هو؟ وكيف أضاع نفسه عندما وجد أباه أو عاد إليه؟
لم يجد سيف الإسلام نفسه ابناً عاديّاً لأب عاديّ، قد يتصارع معه قليلاً أو كثيراً ليبني ذاته بمعزل عنه، ولم يجد نفسه ابناً لملك في دولة قد يكون دوره فيها أوضح، أو ابناً لرئيس جمهوريّة لها قوانين واضحة يخضع فيها انتقال الحكم لإجراءات وتراتيب واضحة، حتّى وإن كانت صوريّة. ولم يجد سيف الإسلام نفسه في مواجهة نظام بوليسيّ قمعيّ يحمل واجهة ديمقراطيّة، كما هو الشّأن في دول الجوار قبل زلزال 2011. بل وجد نفسه ابناً لقائد ليس ملكاً ولا رئيساً للجمهوريّة، بل نصف إله كما يقول مؤلّف الكتاب، وفي دولة لا دستور لها، ولا صيغة ممكنة فيها للتّداول على الحكم. إنّها حالة سياسيّة هي أقرب إلى إدارة الفوضى منها إلى النّظام. ذلك أنّ الفوضى هي التي تمكّن الحاكم من المتعة المطلقة بالسّلطة، ومن إصدار “التّوجيهات” بديلاً عن تطبيق القانون : يقول الكاتب في وصف الفوضى التّشريعيّة السّائدة بليبيا: “فكانت القوانين الصّادرة عن الدّولة لا تجد تقويماً معياريّاً لشرعيّتها مهما كانت متضاربة فيما بينها أو ماسّة بالحقوق الأساسيّة للمواطن. فأدّى ذلك إلى فوضى ّتشريعيّة عارمة. وأُقرّت قوانينُ العقوبات الجماعيّة، كإنزال عقوبة بقبيلة كاملة، أو مدينة، لخروج فرد أو من مجموعة من أفرادهما على السّلطة. وكان ذلك منافياً لأبسط القواعد القانونيّة، وهي المسؤوليّة الشّخصيّة عن الجريمة، وإيقاع العقوبة على الفاعل فقط. كما اُستحدثت عمليّاً قاعدة القانون المزاجيّ في ما كان يعرف بـ”التّوجيه“. وهو كلام شفويّ للقائد يحظى بالإلزام، حتّى وإن كان مخالفاً للتّشريعات المعمول بها. ولم يكن هذا التّوجيه يحظى بالنّشر في الجريدة الرّسميّة حتّى ينال صفة الذّيوع في النّاس.” ويمكن أن نقدّر حجم الاعتباط والمتعة المطلقة بالسّلطة والسّاديّة من خلال موقف القائد ممّن كتب مقالاً نقديّاً في صحيفة كانت تتبع مشروع سيف الإسلام الإعلاميّ وكان مديرها المسؤول مؤلّف الكاتب. فقد أمر “بخطف الدّكتور البعجة، وضربه، والاعتداء عليه جنسيّاً، وتصويره في ذلك الوضع”.


ومن مظاهر قدامة هذا النّظام وغرابته ونحن في القرن الحادي والعشرين التّداخل التّامّ بين الدّولة والأسرة في ذهن القذّافي وبعض أبنائه وأفراد قبيلته. وأطرف الأمثلة التي قدّمها الكاتب على ذلك قصّة غضب القذّافيّ على ابنه السّاعديّ. فقد ترك زوجته وأبناءه بطرابلس وأقام بإيطاليا. فما كان من القائد إلاّ أن أغلق السّفارة والقنصليّات اللّيبيّة في إيطاليا.
لذلك كان التّناقض بين القائد وابنه كبيراً. وقد عبّر عنه الكاتب بقوله: “لقد وضع [سيف الإسلام] في سلّة حياته كلّ العناوين المتناقضة مع عناوين والده: الدّيمقراطيّة بدل التّسلّط، الليّبراليّة بدل النّظريّة الثّالثة التي تحتكر فيها الدّولة كلّ شيء باسم الشّعب، استرضاء الإسلاميّين بمن في ذلك أولئك الذين حاولوا اغتيال أبيه، التّقارب مع النّخب المثقّفة التي كان يحتقرها والده، الإعجاب بالغرب بدل اتّهامه بالهيمنة، احتقاره القبيلة وحركة اللّجان الثّوريّ، اللّتين يعتبرهما والده الأسّ الأساس للبقاء في الحكم”.
وقد كان الكاتب شاهداً على صراع مغلوط حسب رأيه بين الأب ووريثه : “كانت فكرة الدّيمقراطيّة عند سيف بمثابة سراب يسعى إليه ليملأ قرَبه الفارغة، وكانت تمثّل للقذّافي الأب البحر الذي غرق فيه فرعون وأصحابه. وكلاهما كان يعيش في عالم الأوهام.” الأب يكره الدّيمقراطيّة، والابن يريدها، ولا أحد يريد ما يراه المؤلّف ملائماً للمرحلة وهو بناء دولة المؤسّسات أوّلا والتّنمية المستدامة والنّهوض بالتّعليم والصّحّة. وهل من الممكن مصارعة الوهم، والحال أنّه أقوى من الخطأ لأنّه مرتبط بالرغبة الدّفينة؟ “كنت أحاول أن أشرح لسيف كلّ هذا، ولكنّه كان يرفض تحليلي جملة وتفصيلاً، لانتشائه ببعض الأفكار التي درسها في جامعات الغرب، وتشجيع بعض المثقّفين له في هذا الاتّجاه، والحال أنّهم لا يدركون واقع مجتمعاتهم البائس”.

 عمّقت السّياسة الصّراع الأوديبيّ، أو عمّق الصّراع الأوديبيّ الهوّة السّياسيّة بين القائد وابنه. فكان أهمّ ملفّ اهتمّ به دون أن تتوفّر الشّروط الدّنيا للعدالة الانتقاليّة ملفّ جرائم نظام أبيه من تعذيب وقتل واغتيال للمعارضين بالخارج، وكأنّه يريد أن يحاكم أباه عبر محاكمة أعوانه. وكان شغوفاً بهذا الملفّ فلم تردعه تحذيرات المؤلّف والدّكتور شكري غانم ممّا سمّاه بـ“البالوعة العفنة” التي “لن ينجو أحد من الغازات السّامّة المنبعثة منها” إن فتحت.
وكان الابن مستعجلاً إصلاح ما أفسد أبوه، نهماً شرهاً. فانطبق عليه حسب الكاتب المثل الإيطاليّ: “من يضع لحماً كثيراً على المشوى، يحرق أفضله”. فقد “أراد ان يصلح كلّ شيء، فلم ينصلح ايّ شيء”، باستثناء إطلاق سراح مساجين الرّأي أو تحسين أوضاعهم. بل إنّه أصبح في السّنوات الأخيرة، ومن حيث لا يدري، أداة بيد الفاسدين و“القطط السّمان” التي حاول مطاردتها. واستعدى من حيث لا يريد ولا يدري كلّ الأطراف الفاعلة في المشهد السّياسيّ: من أبيه إلى إخوته إلى اللّجان الثّوريّة إلى الحرس القديم إلى قبيلته. وعندما اشتعلت البلاد غيظاً، حاول استرضاء هؤلاء، فاستعدى الجماهير الغاضبة، والشّباب الذي طالما عوّل عليه، فكان أن خسر الجميع، وأصبح “طريدة تائهة”. هكذا يصفه الكاتب يوم هروبه من طرابلس : “كان سيف ذلك اليوم طريدة تائهة. فالثوار يبحثون عنه لقتله، وأبناء عمومته قرروا التخلص منه ومعاقبته على ما اقترفت يداه في قيام هذه الثورة أو الاشتراك في هذا التآمر حسب توهمهم. وكان وحيداً بعد أن انفضّ الجميع من حوله، وحتى إخوته ما عادوا يطلعونه على وقائع الحرب الدائرة في البلاد مما جعله يطمئن للبقاء في طرابلس حتى لحظة سقوطها”.

ولكنّ سيف الإسلام لم يعش صراعاً بينه وبين القوى التي رفضته أو رفضت محاولات إصلاحه فحسب. فالأمر لا يقتصر على هذا التّناقض، بل يتجاوزه إلى التّمزّق، أي التّناقض الباطنيّ بين سيف الإسلام وسيف الإسلام، وهو تناقض من سمات التّراجيديا أيضاً. فكيف يمكن أن يهنأ بالعيش والنّضال السّياسيّ من آمن بالدّيمقراطيّة، ودرس في جامعة فيينّا العلوم السّياسيّة، ووجد نفسه وريثاً في جمهوريّة، بل في جماهيريّة، لن يصل إلى الحكم فيها إلاّ بالانتقاض على مبادئ الجمهوريّة والدّيمقراطيّة؟ ثمّ كيف يكون الابن الذي لا يختلف فقط مع أبيه، بل يجد نفسه في وضع المصلح لما أفسده أبوه طيلة أربعين عاماً؟ أيّ يسر في حياة من “أراد أن يوقف حياته على جبر الضّرر الذي ألحقه أبوه باللّيبيّين وبالعالم” كما يقول الكاتب؟
ولا يمكن فهم سيف الإسلام وموقفه الأخير دون الانتباه إلى مختلف أبعاد علاقته بوالده. فمن مكوّنات عقدة الأوديب الشّعور بالذّنب نتيجة الصّراع مع الأب والرّغبة في قتله رمزيّاً. فالاستماتة في الصّراع مع الأب هي الوجه والقفا، هي الشّعور بالذّنب من ناحية، والتّماهي مع الأب من ناحية أخرى. أمّا الشّعور بالذّنب فهو ملازم لكلّ ثورة على الأب، وهو الذي عجّل بعودة الابن الضّالّ أو ساعد على عدم رضوخه للأطراف الخارجيّة –التّركيّة والقطريّة- التي طلبت منه تزعّم حركة التّمرّد مع الإسلاميّين. وأمّا التّماهي، فهو نوع من التّقليد اللاشعوريّ لموضوع نرتبط به، رغبة في الهروب من العاطفة السّلبيّة نحو هذا الموضوع. وأبرز ما لفت انتباهي وأنا أقرأ الكتاب هو مدى تشابه سيف مع أبيه في عدّة مواقف وأساليب في التّصرّف رغم تعارضه الجوهريّ، الشّعوريّ، معه كما أسلفنا.


فقد انتبه الكاتب إلى بعد أساسيّ من أبعاد التّضادّ التّامّ بين القائد وابنه، يفضي في نهاية المطاف إلى تشابهما في وهم الخلاص : “هذا التّضادّ مع أبيه يعكس رغبته الدّفينة، اللاّشعوريّة، في أن يكون المخلّص الذي جاء من صلب ذلك الذي توافق الجميع على اعتباره مدمّراً. أي أنّه كان يعتبر نفسه صاحب مشروع تاريخيّ، وهو في الحقيقة صاحب وهم خلاصيّ، لأنّه كان في قرارة نفسه مؤمناً بحصول معجزة تخلّق المهديّ المنتظر من نطفة اليزيد.” كان القائد صاحب نظريّة ثالثة جاء بها مخلّصاً مبشّراً، وكان ابنه، من حيث لا يشعر، مخلّصاً ممّا جاء به والده، مصلحاً لما خرّبه، مطلقاً سراح مَن سجَنه، جابراً ضرر من ألحق بهم ضرراً. ولم يكن يمتلك الأدوات الكافية لهذه المهمّة المثاليّة، أو لنقل بالأحرى إنّه لم يكن يرى الواقع المعقّد من حوله حتّى يعدّل مهمّته أو يعتمد سياسة المراحل أو يعمل بنصائح السّياسيّين المحنّكين المحيطين به.
لقد كان شبيهاً بأبيه في ثوريّته الدّونكيشوتيّة. فمثلما كان أبوه يأمر بهدم المباني التي تحوي أنشطة لا يقرّها، وكأنّه إله محّاء، يزيل من خارطته من لا يريد، وجدنا سيف الإسلام مثلا يقرّر هدم ضريح سيدي عبد السّلام الأسمر : “... قد أمر أمامي مدير مكتبه عبد الرّحمن الكرفاخ بالذّهاب إلى مدينة الزّليطن وهدم ضريح الشّيخ عبد السّلام الأسمر، وقد وقفت ضدّه في هذا القرار الخاطئ وجادلته مجادلة عنيفة، وبيّنت له خطورة الأمر على سمعته السّياسيّة وانعكاساته السّلبيّة على النظام برمّته. وقد عدل في نفس اللّيلة عن هذا القرار”. ولئن عمل على إخراج ليبيا من عزلتها الدّوليّة، وكان طرفاً فاعلاً في المفاوضات المتعلّقة بقضيّة لوكربي وقضيّة الممرّضات البلغاريّات، فإنّنا وجدناه يناكف الغرب على طريقة أبيه، فيدعو سنة 2006 إلى مظاهرة في بنغازي ضدّ الرّسوم الكاريكاتوريّة التي عُدّت مسيئة للرّسول، ويخادع البريطانيّين، فيعود مع مفجّر طائرة لوكربي في نفس الطّائرة، ليظهر “بمظهر الفاتح المنقذ في تلك المناسبة، مخالفاً بذلك الاتفاق الذي تمّ مع الحكومة البريطانية”.
لقد رأى الكاتب في مثل هذه الأفعال “قفشات” و“أفعال شغب” “كانت تعويضاً عن الفشل الذّريع في تحقيق الأهداف التّنمويّة والإصلاحات الكبرى.” ولكنّ سيف الإسلام كان يختار أعمال شغبه هذه من جنس أعمال شغب أبيه. لقد سبق أن أشرنا إلى قول الكاتب إنّه “وضع في سلّة حياته كلّ العناوين المتناقضة مع عناوين والده”. فلنقل الآن إنّه أخذ من سلّة حياة والده كلّ العناوين التي أشبه بها أباه.


وماذا نقول أيضاً؟ هل نقول إنّ من أشبه أباه ما ظلم؟ أم نقول إنّ من أشبه أباه ربّما ظلم، إن كان أبوه ظالماً؟ وكيف يستطيع أن ينجو من شرنقة أبيه من كان أبوه حاكماً آخر بأمر اللّه يضع قناع الحداثة ليوهم العالم بأنّه “حاكم بأمر الثّورة”؟ وكيف يمكن أن يحيا وينطلق مَن بنى أبوه مملكة شبيهة بالقبر؟ ألم ترد صورة القبر وإصلاحه على لسان الكاتب : “فما اختصّ به القذّافي هو صنعه قواعد اقتصادية لضبط السلوك الإنتاجي والاستهلاكي والاستثماري للناس في دولة تقوم على الريع واستدعاؤه أفكاراً اقتصادية تنتمي إلى القرون الخوالي. فكان كمن يرمّم قبراً ليسكنه قبل حلول أجله. هذا هو القبر الذي حاول سيف الإسلام إغلاقه وبناء صرح ضريح علّه يكون أكثر ملاءمة لاستقبال أحياء”؟
وكيف يمكن أن يكون طليقاً من ولد وهو يحمل اسماً مبصوماً بأوهام أبيه العُظاميّة: من “سمّاه أبوه سيف الإسلام، لأنّه، عندما كانت أمّه حاملاً به، رأى أبوه في منامه الرّسول وهو على فرس أبيض يقدّم له”سيفاً"؟ ألم يقضِ حياته وهو سيف مسلّط على أبيه يصارعه، لينهيها وهو سيف يتقلّده أبوه ليواصل هذيانه إلى آخر لحظة؟
ليس هذا التّقديم تحليلاً نفسيّاً لشخصيّة سيف الإسلام. فالتّحليل النّفسي لا يكون متاحا إلاّ بسماع الذّات في إطار معيّن، وفق قواعد يجب أن تراعى. إنّه تحليل نفسيّ أدبيّ لمصير سيف الإسلام، شاركتُ فيه الكاتب حياءه واستنكافه من الفرجويّة المستبيحة لكلّ المجاهل.
بقلم: رجاء بن سلامة 
موقع الاوان
---------- 
المؤلف محمد عبدالمطلب الهوني .. ابن مدينة مرزق بالجنوب الليبي فزان
====== 
سيف الإسلام القذافي «الإصلاحي الفاشل» ... حين راهن على «الإخوان»


 صحيفة الحياة 
- كميل الطويل
يقبع سيف الإسلام القذافي في سجن بمدينة الزنتان في غرب ليبيا ينتظر مصيره بعد اتهامات تصل عقوبتها إلى الإعدام مرتبطة بتورطه المزعوم في جرائم حرب على خلفية مشاركته في قمع ثورة «17 فبراير» التي قامت ضد نظام والده معمر القذافي عام 2011.
اعتقل ثوار الزنتان سيف في تشرين الثاني (نوفمبر) 2011 في جنوب ليبيا فيما كان يحاول الفرار، بعد أسابيع فقط من اعتقال رفاقهم ثوار مصراتة والده معمر في مدينة سرت وقتله بعد التنكيل به. لم تبدأ محاكمة سيف الإسلام حتى الآن، في حين اختلف ثوار الزنتان مع ثوار مصراتة، وانقسمت ليبيا إلى إقطاعات قبلية ومناطقية تتنافس على «اقتسام الكعكة».
في ظل هذا الانقسام الذي يزداد دموية وتعقيداً، خصوصاً بعد دخول تنظيم «الدولة الإسلامية» على الخط، باتت محاكمة سيف القذافي أمراً ثانوياً لكثير من الليبيين المهتمين أكثر بمصير بلدهم واحتمالات تشظيه وبتأمين لقمة عيشهم.
لكن، من هو سيف الإسلام حقاً؟ هل هو فعلاً مجرم الحرب الذي يتحدث عنه «الثوار»، أم أنه ذلك «الإصلاحي» الذي حاول –وفشل– في تغيير «جماهيرية» والده… ووراثته، فانتهى الابن سجيناً والأب قتيلاً؟
تولى الجواب على السؤال الدكتور محمد عبدالمطلب الهوني، المعارض اليساري السابق (عاد إلى ليبيا عام 1984) الذي عمل طوال 12 عاماً مساعداً مقرباً لسيف في إطار مهمة تحضيره لـ «استخلاف» والده. لا يخفي الهوني هذه الحقيقة في كتابه «سيف القذافي– مكر السياسة وسخرية الأقدار» (دار مدارك للنشر)، بل يكشف منذ البداية عن أنه انضم إلى فريق سيف، بناء على طلب عديل العقيد القذافي رئيس الاستخبارات العسكرية السابق عبدالله السنوسي القابع بدوره في سجن ليبي بمدينة مصراتة (شرق طرابلس).
يقول: «تكلمت مع عبدالله السنوسي مراراً عن إمكان وقوع فراغ في ليبيا قد يدمر الوطن إن غاب معمر القذافي لأي سبب في الأسباب في بلاد ليس لها دستور ولا مؤسسات ولا جيش يمكن أن يسد الفراغ، وتوافقنا على أن يكون سيف الإسلام هو الشخص الذي يمكن أن يقي البلاد الكارثة». لكنه يضيف: «يجب أن أقر بأن رحلتي في قافلة ترميم النظام ومحاولتي مع آخرين درء الكارثة، انتهت قبل بلوغ محطتها الأخيرة، وإني اعترف بهذا الإخفاق المروع، فقد كانت هزيمة بحجم وطن».
يقدم الهوني في صفحات كتابه سرداً مفصلاً عن شخصية سيف، بحسناته وسيئاته، غارقاً في تفاصيل صراعاته مع إخوته، ووالده، وقبيلته (القذاذفة)، ومع اللجان الثورية التي وقفت سداً منيعاً في وجه برنامجه الإصلاحي المعروف بـ «ليبيا الغد»، كما يقدّم معلومات، ربما للمرة الأولى، عن اتصالات سيف مع التيارات الإسلامية، ورهانه على إشراكهم في الحكم، بما في ذلك محاولة الاستعانة بمرشد جماعة «الإخوان المسلمين» الليبية وجلبه من منفاه السويسري وتكليفه قيادة الحكومة الليبية. لم يترك رهان سيف على الإسلاميين ارتياحاً لدى كثيرين من أركان حكم القذافي الأب، وبعضهم يتشكك أصلاً في النيات الحقيقية للإسلاميين الذين دأب النظام على وصفهم بـ «الزنادقة».
ولا شك في أن بعض هذه المعلومات عن علاقة سيف بالإسلاميين كان معروفاً على نطاق واسع، لكن أهمية كشف تفاصيلها الآن تكمن في أنها ترِدُ على لسان الهوني نفسه، وفي أحيان كثيرة نقلاً عن سيف بالتحديد.

«معركة كسر عظم»
يروي الهوني في كتابه البدايات الأولى لمحاولات الإصلاح التي قام بها سيف داخل «جماهيرية» والده، قائلاً إن تحركاً بدأ في العام 1999 من خلال «مؤسسة القذافي العالمية للجمعيات الخيرية» وكان الهدف تحسين أوضاع المساجين، وهو أمر حاولت الأجهزة الأمنية لوالده عرقلته. ويشرح: «قال لي سيف مرة إن هذه الأجهزة لا تريد تحسين ظروف السجناء، وبالأخص زيارة ذويهم، لأن من شأن ذلك أن يكشف الأعداد الكبيرة من السجناء الذين قُتِلوا في سنة 1996 في ما يعرف بمذبحة بوسليم، فما كان من سيف إلا أن استغل بشكل ذكي هذا الحدث، وطفق يتحدث علانية عن مجزرة بوسليم، مطالباً بمعاقبة من قام بها، وأوصل الأمور إلى درجة الصدام مع تلك الأجهزة، حتى يحصل على الحد الأدنى، وهو تحسين ظروف السجناء».
ويؤكد الهوني أن سيف نجح خلال سنوات في «إخلاء السجون الليبية بالكامل من سجناء الرأي (…)، ولم يكن ذلك الأمر نزهة، فقد صارع سيف الإسلام من أجل ذلك كل أركان النظام، من حركة اللجان الثورية، إلى قادة الأمن الداخلي، إلى المسؤولين في الأمن الخارجي، ومن يومها بدأت معركة كسر العظم بينه وبين هؤلاء».
ويكشف تفاصيل دقيقة عن نوع العلاقة التي ربطت سيف بقبيلته: «كان سيف يحتقر مؤسسة القبيلة عموماً، وكان لا يحب الارتباط حتى بعلاقة صداقة مع أحد من قبيلته (القذاذفة)»، شارحاً أن جزءاً من هذا الاحتقار يعود إلى استغلال أفراد من القذاذفة الدولة الليبية من أجل «نهب المال العام»، ويلفت في هذا الإطار إلى أن تنامي نفوذ القذاذفة في حكم معمر جاء عقب محاولة الانقلاب التي قام بها عمر المحيشي سنة 1975، ما دفع بالقذافي الأب إلى الاعتماد على قبيلته للتحكم بمفاصل الجيش خشية قيامه بالانقلاب عليه. لكن احتقار سيف قبيلته، كما يضيف الهوني، كان مرتبطاً بعوامل قديمة، منها تأثره بما كان يخبره به والده معمر عن مواقف أبناء عمومته وإساءتهم إلى جده محمد أبو منيار «بسبب فقره وقلة حيلته»، كما قال القذافي الأب لسيف. ويؤكد الهوني «أن إظهار سيف العداء والاحتقار لأفراد القبيلة... كان السبب الرئيسي في التفافهم حول أخيه المعتصم، وحتى في أحلك الظروف التي مر بها النظام إبان الثورة عليه، كان ذلك الصراع مستمراً داخل الأسرة والقبيلة بين سيف والمعتصم»، علماً أن الأخير نجح في إقناع والده بمنحه منصب مسؤول «الأمن القومي» وبقي معه حتى الأيام الأخيرة من الثورة، حيث قبض عليهما في سرت وقُتلا معاً.
ويغوص الهوني في تفاصيل الإصلاحات التي حاول سيف إدخالها على نظام الحكم، وتحديداً من خلال الدفع بالراحل شكري غانم لتولي عجلة «الإصلاح الاقتصادي» من داخل الحكومة، لكنه يضيف: «كنت والدكتور غانم على اتصال دائم، وكنا ننسق المواقف، في محاولة يائسة لدفع عجلة الإصلاح، لذلك اقترحنا على سيف أحد أمرين: إما أن يشكل هو شخصياً حكومة إصلاح ويترأسها، وتبين لنا بعد ذلك أن هذا الأمر غير ممكن لأن معمر القذافي يرفض أن يكون هو أو أحد أبنائه عرضةً للمساءلة في مؤتمر الشعب العام، وإما أن يدخل بنفسه عش الدبابير ويتحكم فيه من الداخل ويغذيه بدماء جديدة من الشباب المؤمن بالإصلاح، ونقصد بذلك مكتب الاتصال بحركة اللجان الثورية. ورفض سيف الاقتراح الأخير، لأنه كان يقول إنه يرفض تدنيس اسمه بحركة مسؤولة عن قتل الليبيين وتعذيبهم وتخريب الاقتصاد وامتهان الإرهاب».
ويتحدث الهوني عن «الصراع داخل الأسرة» قائلاً إن سيف عندما دخل «معترك السياسة» وجد أن شقيقه الساعدي الذي يصغره بسنة، ومحمداً أخاه الأكبر من أبيه «دخلا الحياة العامة من باب الرياضة، وكانا يتصارعان من خلال أكبر ناديين لكرة القدم، الأهلي والاتحاد، وقد حولا الناديين إلى شبه حزبين متنافسين (…) واستولى الساعدي على ممتلكات عامة وعقارات من الأوقاف، ولم يحرك والده ساكناً (…) أما محمد فلم يكن مشاغباً، لكنه استولى أيضاً على مصلحة البريد والهاتف، وأدارها كأنها ملكه الخاص، وعندما اضطر إلى التنازل عنها بضغط من سيف الإسلام، رتبت معه صفقة تجارية، وأخذ أموالاً حتى يتنازل عن المصلحة». ويؤكد الهوني أن سيف حاول التصدي لـ «انحرافات» إخوته، لكنْ «اتسع الرقع على الراقع، وكبر بقية الإخوة وأصبح كل منهم يريد حصة من الكعكة».
ويوضح أن المعتصم كان ضابطاً طبيباً استقطبه بعض أفراد «مكتب اللجان الثورية وبعض المتنفذين في قبيلة القذاذفة، وجعلوا منه واجهة للصراع مع سيف». ويقول: الفارق بين المعتصم وبقية إخوته هو أن المعتصم يريد أن يكون الخليفة لأبيه بدلاً من سيف، أما الآخرون فيريدون المال، وكانوا يتهافتون عليه، لذلك عندما اندلعت الثورة، رأى فيها المعتصم الفرصة السانحة للانقضاض على سيف الإسلام باتهامه بأنه سبب هذه الثورة وكل البلاء الذي حل بليبيا».

خيار سيف الخاطئ
يقول الهوني إن سيف أخطأ في الخيار الذي تبناه عندما اندلعت ثورة 17 فبراير فدفع ثمن موقفه، حين رفض نصائح كان هو أحد الذين قدموها إليه. يقول إنه سمع سيف شخصياً في أول أيام الثورة في بنغازي يتحدث على الهاتف ويحذّر الذي يتكلم معه من مغبة إطلاق الرصاص على المحتجين، قائلاً إنه «سيشنق» من يفعل ذلك، كما ينقل عنه تحسره على الضحايا الذين سقطوا في مدينة البيضاء في أول أيام «ثورة فبراير»، قائلاً إن أخواله قتلوا أعمامه، في إشارة إلى أن قبيلة والدته صفية (قبيلة البراعصة) في البيضاء قتلوا حوالى 100 من أبناء القذاذفة الذين أرسلوا للتظاهر إلى جانب النظام في مواجهة الثائرين ضده. ويوضح الهوني: «كان أمام سيف الإسلام عندما بدأت الثورة في الشرق الليبي والتململ في مغربها، الخيار بين أربعة مواقف: إما أن يذهب إلى بنغازي ويقود التظاهرات المعارضة ويستجيب مطالب الناس حتى يتمكن من احتوائها، وإما أن يلقي خطاباً... ويبدأ في تحقيق الإصلاح الحقيقي ويشكل حكومة من الشباب يكون هو على رأسها، أو أن يترك البلاد غاضباً وإن لم يعلن ذلك، فيكون ذلك الحل الوسط الوطني والإقليمي والدولي الذي سيلجأ إليه الجميع في لحظة معينة، وإما أن يعتمد الخيار الأسوأ الذي اختاره في 20 شباط (فبراير) 2011 بانحيازه إلى النظام في مواجهة المنتفضين. إن خطاب سيف الإسلام في تلك الليلة، وتحدّيه للجماهير الغاضبة، وتهديده ووعيده للشعب، كان أكبر نفخة في جذوة الانتفاضة، أذكتها وحوّلتها ثورة عارمة».
يحوي الكتاب تفاصيل كثيرة عن علاقة سيف بوالده وكيف حاول الأخير إقناع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بتزويج ابنته لسيف، وعن علاقة القيادة الليبية آنذاك بالمسؤولين القطريين الذين يقول إنهم شاركوا في إقناع سيف بخيار الإسلاميين. كما يروي قصة الأيام الأخيرة التي قضاها سيف في طرابلس وبني وليد قبل فراره منها وتعرضه لغارة شنها طيران «الناتو» فأصيب وبُترت أصابع يده اليمنى، إلى أن اعتقله الثوار في جنوب ليبيا ونقلوه إلى الزنتان.

ويتضمن الكتاب أيضاً ما يشبه النبوءة عن واقع ليبيا اليوم، إذ يقول الهوني: «قال لي سيف الإسلام ذات مرة: إن والده قد فصّل ليبيا على مقاسه، وإنها سوف تنتهي بنهايته». ربما يجب أن يسمع الليبيون ذلك خشية أن يتحوّل توقُّع سيف حقيقة.

الأربعاء، 2 نوفمبر، 2016

الخفايا المذهلة في فيلم الرسالة









     شاهدت مطلع الأسبوع الجاري فيلما وثائقيا عن مراحل إعداد فيلم "الرسالة" الشهير، كان قد أهداه لي في الكويت الصديق هائل المحاميد، وكان دافعا للبحث عن تفاصيل أكثر خفاء في شبكة الانترنت.



   يا إلهي ما هذه التفاصيل والصعوبات والتحديات التي تشق الأكباد وتذهب بالعقول، ومن له القدرة على حملها، وكأن هذه الرسالة السماوية فعلا شاقا سواء للمكلف بتبليغها (سيدنا محمد صلى الله عليه سلم) أو المعني بالدفاع عنها (مصطفى العقاد).



    ولدت الفكرة في رأس مصطفى العقاد رحمه الله في أمريكا عام 1970 حين رأى جهل الناس بالإسلام يزداد وأراد أن يقدم للمواطن الغربي ما يعرفه بدين الإسلام.. كانت فكرته إنتاج فيلم روائي وعارضه صديقه المثقف السيناريست الكويتي محمد السنعوسي وقال لابد أن يكون فيلما وثائقيا عن الإسلام.



    توجها إلى بيروت والتقيا برجل الأعمال الشهير عدنان خاشقجي ووعد بالتكفل بالفيلم وتم تأسيس شركة فيلمكو عام 1971 غير أنه قدم لهم 350 ألف دولار فقط.



     الإحباط الذي أصاب العقاد نتيجة الشح المادي عالجه صديقه السنعوسي وقال له لن يخذلني أهلي في الكويت وهناك كان الفضل الكبير لوزير المالية والنفط عبدالرحمن العتيقي الذي نصحهم بالذهاب إلى البحرين لتأسيس شركة إنتاج، لأن القيود القانونية الضريبية سهلة التعاطي وأرسل العتيقي رسالة لنظيره البحريني يوسف الشيراوي وكان الأخير أكثر حماسا لإنتاج الفيلم، وفي المنامة تم تأسيس "الشركة العربية للإنتاج العالمي" وقدم الشيراوي تعهدا خطيا بإعفاء الشركة والفيلم من الضرائب 15 سنة.



    تحمست الكويت ودفعت 25% من رأسمال الشركة ومثلها البحرين وليبيا والربع الأخير كان قرضا على ذمة الشركة.



    بدأ العمل وطاف العقاد كل صحاري ليبيا والجزائر والمغرب بحثا عن بيئة للتصوير مضاهية لبيئة مكة والمدينة.



    من التفاصيل المدهشة جدا أن فيلم الرسالة هو أول فيلم يخرجه مصطفى العقاد، وإن كان سبق له إخراج مسلسلات في أمريكا.



    ومع أن التقنيات لم تكن عالية حينها واستخدام الكمبيوتر والتكنولوجيا الرقمية والكاميرات الحديثة وإنتاج الخدع السينمائية كلها لم تكن موجودة إلا أن العقاد تجاوز ذلك بتوفير أفضل وأمهر الفنيين والمهندسين والمصورين وحشرهم إلى الصحراء من كل العالم... كان يقول هذا فيلم يقدم دين الإسلام ونريد له الخلود والبقاء.



    من التفاصيل المدهشة أيضا أن الموسيقى التي رافقت الفيلم في كل مشاهده كانت بهندسة ورؤية فنية عظيمة.. كان العقاد يرى أن يرافق الفيلم صوت موسيقي يليق بجلالة الإسلام.. فذهب للتعاقد مع الموسيقار العالمي موريس جار وأحضره للقاهرة والمغرب للاستماع للأذان في الأحياء والمدن وعمل موسيقى تليق بمقام هذا الصوت الإلهي حين يصدح به بلال لأول مرة من سطح الكعبة.



     ثم الذهاب إلى أفضل كتاب السيرة النبوية وهو عبدالحميد جودة السحار في القاهرة.. وطلب منه كتابة أفضل وأدق ما في السيرة.. ولأن العقاد رجل عظيم وواعي عرض النص على كبار الأدباء والمؤرخين والعلماء ثم بحث عن إجازة خطية من الأزهر والمجلس الشيعي الأعلى بلبنان، فالأزهر لوحده استغرق سنة كاملة في قراءة ومراجعة السيناريو مع السحار والشرقاوي وتوفيق الحكيم وأحمد الشلبي والمراجعة مع كاتب النص السنياريست الأمريكي هاري كريد.



     واجه العقاد ضغطا شديدا جدا من مفتى السعودية العلامة عبدالعزيز بن باز الذي استطاع إقناع الملك فيصل "رحمهما الله" بمعارضة الفيلم.. وهنا قرر العقاد زيارة الإمام بن باز لإقناعه فقالوا له كيف تزور رجل يعتقد أن التصوير حرام أصلا، ورغم حضور العقاد إلى مقر رابطة العالم الإسلامي بمكة إلا أنهم أصروا على حرمة التصوير، فالتفت إلى جواره ورأى صورة الملك فيصل على جريدة عكاظ، سألهم عنها فالتزموا الصمت، واللافت هنا بحسب شهادة العقاد أن العلماء الذين رفضوا الفيلم لم يكونوا سعوديين، بل من المقيمين في السعودية، وكان من بين العلماء عالم سعودي اسمه أحمد الجمال هو الوحيد الذي وقف مع العقاد!!.



      وفي لبنان قال لهم رئيس المجلس الشيعي الأعلى موسى الصدر -من خلال قراءته للسيناريو- لماذا يظهر سيف علي "ذي الفقار" فقط.. أعرضوا علي شخصيا.. فأقنعه العقاد أن المسألة فوق طاقتهم.



     بعد رحلة بدايات تشق الأكباد قرر العقاد أن يكون التصوير في قرية تبعد نصف ساعة عن مراكش المغربية وتم إحضار أمهر الحرفيين والعمال والنساجين من كل العالم.. وإنشاء كل متطلبات مدينة إنتاجية مصغرة.. واستئجار كامل فندق "هولداي إن" في مراكش للمثلين وطاقم الانتاج.



     ومن الأسباب التي جعلت الفيلم يطول زمنيا أنه كان بنسختين عربية وانجليزية..

"وتم بناء بيوت لآلاف البشر الذين تم الاحتياج لهم" -هكذا بشهادة السنعوسي- وجاءت الحاجة إليهم في المعارك وفي خطبة الوداع.. وبعد كل هذا العمل الجبار والجهد الاستثنائي بدأ التصوير.. وهنا داهمهم الزلزال من حيث لم يحتسبوا وهو مذكرة من وزارة الإعلام المغربية تقول لهم الضغوط توالت علينا من الدول العربية والإسلامية والجمعيات تطالب بتوقف تصوير فيلم "محمد رسول الله" وتقرر إيقاف التصوير ابتداء من هذه اللحظة، والمذكرة سبقها حديث الملك شخصيا للعقاد بأن الملك فيصل يتعرض لضغوط من العلماء ولن يستطيع حضور القمة الإسلامية في المغرب قبل إيقاف التصوير..



     أثناء التصوير كان المكان مزارا لكل السياسيين الزائرين للمغرب.. ولا يزال إلى اليوم يتم اصطحاب السياح إلى قرية فيلم الرسالة التي لا يزال بنيانها قائما بما فيه بناء الكعبة الرمزي.

     ويلتمس السنعوسي العذر للملك فيصل الذي استجاب لضغوط علماء السعودية وباكستان والهند واندونيسيا وضغوط ضجة إعلامية مرعبة، فالأهرام نفسها كتبت "انطوان كوين سيؤدي دور رسول الله!!"وتسببت بضجة في كل العالم، والغريب أن كل المعارضين لم يقرأوا صفحة واحدة من سيناريو الفيلم، فضلا عن استجابة المغرب السريعة لحاجتها إلى صوت السعودية في قضية الصحراء الكبرى التي ستعرض في الأمم المتحدة لاحقا.



      وبذكائه المعهود أسرع العقاد إلى طلب السماح لهم باستكمال تصوير مشاهد الكعبة لأنه يتعذر بنائها في مكان آخر، وتمت الموافقة... يشفق السنعوسي ويقول أن معظم الشيب الذي ظهر في رأس مصطفى العقاد كان بسبب هذا التوقف المفاجئ للتصوير، لأن مدة العقود ستنتهي مع كبار الممثلين والفنيين والشركات المصاحبة، والفيلم لم يكتمل بعد، ومنهم الممثل العالمي انطوان كوين.



     وبفضل نصيحة عبدالفتاح الوسيع للعقاد بالذهاب إلى الرئيس الشاب في ليبيا العقيد معمر القذافي لطلب سنده في استكمال الفيلم.. ذهب العقاد ووافق القذافي فور مشاهدته للقطة يصرخ فيها المسلمون بمكة "الله أكبر" فصرخ معهم وقال لابد لهذا الفيلم أن يكتمل، وتم نقل المعدات ببواخر لشهور طويلة.. وتكفل اسطول بحري بنقل بيوت جاهزة من بريطانيا الى صحراء جنوب ليبيا مساكن للمثلين وطاقم العمل.. وتم التصوير في مرتفعات بنغازي ولم يتم الانتهاء من الفيلم ومنتجته في استيديوهات لندن إلا في مايو 1977 ودشنَ العرض بدار سينما بلندن، واستمر لمدة سنتين، وحين عُرِضَ في أمريكا تسبب بإسلام المئات من الأجانب.



     وبعد ثلاث سنوات من عرض الفيلم في كل الكرة الأرضية، ماعدا العالم الإسلامي، جاءت فتوى شيخ الأزهر عبدالحليم محمود بتحريم الفيلم.. ورغم أن الخميني تجاوز مشكلة كون الأذان سُني، وليس فيه جملة "علي ولي الله" وبرر ذلك بأن أيام رسول الله لم يكن هناك شيعة، وتم عرض الفيلم في إيران، بقت مصر رافضة عرض الفيلم حتى لحظة وفاة العقاد!.



      من طرائف الفيلم أيضا أن العقاد لم يستطع الحصول على لقطة تعبيرية لوجوه الجموع المكشرة، فلجأ إلى حيلة وقال لهم غدا إجازة لكم بمناسبة عيد ميلاد الملك الحسن وسيحضر الضابط المصري الذي عبر قناة السويس في حرب أكتوبر والضابط السوري الذي عبر الجولان، وتم إلباس الممثل المصري عبدالله غيث زي ضابط مصري والممثل السوري طلحت حمدي زي ضابط سوري، وصعدوا إلى المنصة يتحدثون كضباط أبطال والكاميرات الخفية تسترق لقطات وجوه الجموع الفرحة، وفي خطبة حجة الوداع تم التحايل وحضر شخص مجهول بقفطان رجل دين يتحدث عن الأيام الأخير في عهد رسول الله، كان الرجل يخطب بطلاقة والدموع تسيل والكاميرات تسترق اللقطات.



     ومن أغرب الطرائف أن جماعة عبدالخالص "السود المسلمين" في أمريكا اجتاحت واشنطن بعد مشاهدة الفيلم واحتجزت رهائن انتصارا للرسول الذي تم تمثيله بشخصية "انطوان كوين", رغم أن الأخير أخذ دور حمزة بن عبدالمطلب في النسخة الانجليزية، وأخذ "غيث" نفس الدور في النسخة العربية.



    ومن الطرائف أن مشهد اغتيال حمزة تكرر التمثيل فيه مرات، والمتحاربين لا يسمحون لوحشي بالمرور حتى لا يقتل حمزة!.. والأكثر طرافة أن الشاب الليبي "علي سالم قدارة" الذي كان يعمل مهندس كهربائي في الفندق الذي يقيم فيه العقاد قد أدى دور وحشي، وبعدها جلب المشائخ لإقناع أمه بأنه ليس قاتل حمزة!.



     ومشهد انسحاب المسلحين في غزوة أحد رفضوا وقالوا نحن مسلمين لن ننسحب.. واللافت أن شهادات الشكر ورسائل التهديد لم تتوقفا في حياة العقاد حتى وفاته.



    أما كيف تحولت التسمية من "محمد رسول الله" إلى "الرسالة" فيرويها العقاد أن المسلمين الأسيويين في لندن احتجوا بشدة على الفيلم، فطلب منهم الحضور إلى صالة في المجمع الإسلامي لرؤيته، وعند انتهاء عرض الفيلم انهالوا يقبلون يده ورأسه، وقالوا له نريد عمل دعاية للفيلم في كل مكان بما فيها البارات والحانات ولا نريد وضع اسم رسول الله في هذه الأماكن، وظل يتوددونه بتغيير الاسم، واقترحوا تسميته بـ"الرسالة".



     من شهادة العقاد والسنعوسي نجد أن الفضل -بعد الله- يعود إلى الرئيس القذافي ثم وزير المالية والنفط الكويتي عبدالرحمن العتيقي فهو من راسل نظراءه في كل الدول وسهل لهم كل الصعاب، ثم رجل الأعمال عدنان خاشقجي الذي منحهم ضوء البداية.

وقد كان لنجاح فيلم الرسالة دافعا للرئيس الليبي أن يطلب من العقاد عمل فيلم عن شيخ المجاهدين الليبين، فكان فيلم أسد الصحراء "عمر المختار".



    رحم الله ابن حلب مصطفى العقاد فقد خدم الإسلام في كل عمل وترصدته الفتاوى في كل منعطف، وشاءت له الاقدار أن يكون ضحية عمل إرهابي لم يستهدفه لشخصه وإنما في جملة من حصد مع ابنته ريما في تفجير استهدف فندق حياة جراند في عمان الأردن في نوفمبر 2005.




Writer Ahmed Al Arshi

    

سحب فيلم “الرسالة” يثير حفيظة المدافعين عن حرية التعبير


    تورّطت إحدى دور السينما الاسكتلاندية في نزاع حول حرية التعبير، إثر قرارها إلغاء عرض فيلم عن حياة النبي محمد، بعد تلقيها عدة شكاوى بشأنه.
      وكان من المقرر عرض فيلم “الرسالة”، الذي رشح لأوسكار 1977 يوم الأحد، بدعوة من الجمعية الإسلامية في بريطانيا (ISB)، في سينما “غروسفينور”. لكن الأخيرة سحبت الفيلم، بعد تلقيها عريضة من مجهولين تحمل 94 توقيعاً، لم يكن غالبيتهم من اسكتلندا، وإنما من نيجيريا والمملكة العربية السعودية، انتقدوا الفيلم، واصفين إياه بأنه “غير لائق” بالإسلام.
    وبحسب “الإندبندنت”، فقد ناشدت الجمعية الإسلامية في بريطانيا إدارة السينما، بالتمسك بالاتفاق الأصلي، والعودة عن قرار الإلغاء الذي اتخذته، لا سيما أنّ عدد المحتجين قليل. وأكدت أن “هؤلاء المحتجين يسعون إلى إظهار أسوأ العناصر في مجتمعنا، عبر فرض معتقداتهم على الآخرين”.
    كما شددت الجمعية على عملها لعقود، من أجل تعزيز ثقافة حقوق الناس، وجعل الإسلام مرتبطاً بالمجتمع البريطاني، وأضافت: “لن يخيفنا هؤلاء الناس، ونتحداهم بالكشف عن أنفسهم”.
    وتضمنت الشكاوى ضد الفيلم أنه يقدم مغالطات تاريخية، وفيه رقص وموسيقى، وهذا غير لائق، إضافة إلى اعتراضهم على تأدية ممثلين غير مسلمين، لشخصيات مهمة مثل صحابة النبي.
    بدورها، دانت منظمة المجتمع العلماني الوطني (NSS) سحب الفيلم، في بيانها الذي نشرته على موقعها الإلكتروني، ووجهت رسالة إلى السينما حذرتها من أن رفضها عرض الفيلم سيكون “مساهمة في خلق مناخ من الرقابة الناجمة عن الآراء غير المعقولة والرجعية لبعض المتطرفين الدينيين”.
     كما أيد قضيتهم حمزة يوسف، عضو البرلمان الاسكتلندي عن الحزب الوطني الاسكتلندي، الذي “روّعه” رضوخ السينما “لعدد قليل من ضيقيّ الأفق”.
     ويتناول فيلم “الرسالة” قصة الرسالة النبوية التي جاءت بالإسلام، وقد أُنتج الفيلم بنسختين، عربية، وأخرى إنجليزية “The Message”. وكانت العربية من بطولة عبدالله غيث في دور حمزة بن عبدالمطلب، الشخصية التي أداها بالنسخة الإنجليزية أنطوني كوين. أما البطولة النسائية في النسخة العربية للفيلم، فكانت للممثلة السورية منى واصف، التي أدت دور هند بنت عتبة، الشخصية التي أدتها الممثلة العالمية أيرين باباس بالنسخة الإنجليزية.
     وقد واجه الفيلم مشكلة المنع من العرض في الدول العربية حتى وقت قريب، حيث بدأت قنوات التلفزيون الفضائية بعرضه. وبعد أن وافق الأزهر على سيناريو الفيلم في نهاية السبعينيات من القرن الماضي، واعتبر أن المحظور تجسيدهم في الأفلام السينمائية هم فقط العشرة المبشرون بالجنة، وليس من بينهم حمزة، تراجع عن هذا الموقف، ومنع عرض الفيلم بسبب تجسيد شخصية حمزة عم الرسول، في الفيلم.
     منتج ومخرج الفيلم، الراحل مصطفى العقاد، الذي ولد في سورية وغادرها شاباً إلى الولايات المتحدة لدراسة الإنتاج والإخراج السينمائي، كان قد أكد في أكثر من مرة أن واجبه كمسلم عاش في الغرب، جعله مصرّاً على أن يروي قصة الإسلام، التي لا يعرفها كثيرون من خلال فيلمه، ليكون جسراً للتواصل ما بين الشرق والغرب.
   جدير بالذكر، أن الذكرى العاشرة لرحيل العقاد كانت قبل يومين، حيث قضى في تفجير انتحاري في 9 نوفمبر/تشرين الثاني 2005، الذي حصل في فندق “غراند حياة” بعمّان، حيث كان رفقة ابنته ريما التي ماتت فوراً، بينما أسلم العقاد الروح بعد العملية بيومين متأثراً بجراحه، تاركاً وراءه فيلمي “عمر المختار” و”الرسالة”، وأحلاماً معلقة.