‏إظهار الرسائل ذات التسميات -ري الغليل الجنوب الليبي . فزان .الصحراء . . ليبيا. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات -ري الغليل الجنوب الليبي . فزان .الصحراء . . ليبيا. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 17 مايو، 2017

مذكرات رحالة من فزان 1852 .. ( 12 )


   في الليل .. تسلل الشيخ عبدالرحمان صحبه اثنان من عبيده .. مرزوق .. ومهدي .. ودخل دار الشيخ سليمان حيث شقيقته .. انزعجت شقيقته من قدومه ليلا .. قالت له : ما بك ؟ وما الذي اضطرك للقدوم الينا في مثل هذا الوقت المتأخر من الليل .. قال لها : اين زوجك سلمان ؟ .. قالت ليلته مع زوجته بنت شيخ تماسين .. خرج وذهب اليه حيث ينام .. يود قتله .. لكنه حين هم بكسر قفل الباب .. استيقظ الشيخ سلمان .. وما ان شعر بصحوته .. انسحب وعبيده .. لكن الشيخ سلمان خمن انها مكيدة وراءها الشيخ عبدالرحمان .. وانها الخديعة كما كل ما قال له يوم ادخله دار الخزنه واهدى له ريالات الذهب طلبا لوده .. وتناسي ماض التناحر بينهما .
      كان الشيخ سلمان قد تأكد حدسه عندما اخبرته زوجته شقيقة السلطان .. ان اخيها حضر اخر الليل يبحث عنه .. وفي عيونه شر الحقد .. ويود قتله .. وحذرني  من تسريب الخبر لك .. هددني بالقتل انا الاخرى .. لكنك ابن عمي وتظل اقرب لي من شقيقي الضال .
    في الليلة التالية .. عاد الشيخ عبدالرحمان لتنفيذ مخططه .. رفقة اربعة من غلمانه هذه المرة .. لكن الشيخ سلمان كان يقضا .. اشهر بندقيته .. وقال له : ما تريد عند داري في هذا الوقت المتأخر ؟ والله .. لو لم نكن حلفنا على كتاب الله .. وعهد سيدي عبدالله بن ابو حميره .. لقتلتك .. ضحك الشيخ عبدالرحمان قائلا : لا تذهب بعيدا انما جئت لأراك وأتعلل عندك .. لكنك يبدو وكأنك فقدت عقلك .. سأعود اليك عندما لا تكون سكران .. وانسحب صحبة غلمانه .
في الصباح كلف الشيخ عبدالرحمان حفنة من غلمانه برصد حركة الشيخ سلمان .. وعدم السماح باختلاطه بآخرين .. وان لا يدخل بيته سوى غلامه النمله .. وخديمه احمد المرابط ابن سيدي اممد بن يحي .. وفي المساء قال له خديمه : لما لا تحاول الهرب شيخ سلمان .. لتنجو من مكائده وحشره لك ؟ .. لدي خطة للهرب .. قال له : اذا هربتني خارج حدود سطوته  .. ابايعك .. وتصبح الحبيب والخديم حقا .
   كان عدد الغلمان الذين يراقبون الشيخ سلمان اربعون غلام .. ذهب الخديم احمد المرابط الى سيدهم يستلطفه .. ويراوغه بالحديث .. وقال له : ان الشيخ سلمان رأى رؤية في المنام .. رأى فيها وجه رسول الله .. وانه يود اقامة وليمة فاخرة .. يدعو لها الضيوف .. لكنني اشرت عليه ان لا يدعو الناس ” البرانية ” .. والحراس منا وفينا .. وهم اولى بالضيافة .. وان الشيخ قبل قولي .. وها انا ابلغك الامر .. فرح سيد العساسين .. وفي الليل حضروا الوليمة .. اكداس اللحم ول قصعتين .. على كل قصعة وليمة عشرون رجل .. وفي حضرة الشيخ سلمان .. واطمئنانهم لوجوده بينهم .. صار اولئك المجندين المعدمين يأكلون بنهم .. ويتناهبون اللحم فيما بينهم .. اشعل لهم المرابط قبس ضوء نار جريدة نخل .. وحينما انطفأت .. اشعل اخرى .. وحينما انطفأت .. واظلم المكان .. فر الشيخ سلمان .. ولحق به غلامه عبدالله النمله  ..  وخديمه لمرابط بعدما اوعز لهم انه ذاهب الى السوق لإحضار فتيل ضوء .. تسلقوا جداران سور البلدة .. ارتفاعه قدين ..  وفروا نحو تماسين .. وما ان شعر الحراس بالمكيدة .. وتوجسوا عقاب الشيخ عبدالرحمان .. فروا هم الاخرون الى سيدي يحي .. وأعطى الشيخ عبدالرحمان اولاد سيدي بن يحي الامان عليهم .
     وصل الشيخ سلمان الى تماسين .. ومن هناك ارسل جواب مع عبدين له .. الحاج المهدي .. وأخر يدعى سعيد .. الى الكولونيل بودفيل ببلاد بسكره .. قال له فيه : ان اوكل للحاج المهدي النيابة عنه .. ونزل الحاج المهدي بدار الضيافة .. وقال للكولونيل :  ان الشيخ عبدالرحمان بن عمر بن جلاب اراد قتل ابن عمه الشيخ سلمان ظلما .. وانه فر من سطوته الى ارض تماسين .. وان الشيخ سلمان ينتظر ردكم .. ويعرب لكم عن رغبته في التعاون معكم .. وخدمة فرنسا والفرنسيين ..   علم الشيخ عبدالرحمان بالجواب وعرض التقارب .. فأرسل هو الاخر جوابات الى الكولونيل .. والى شيخ العرب القائد محمد الصغير .. قال للكولنيل : اذا شجنت الحاج المهدي فسوف اقدم لك دية دمه .. اربعة وعشرون مئة ريال تونسي .. وأعطى لشيخ العرب عشر مئة ريال .. رفض شيخ العرب العرض .. لكن الكولونيل راقه المال .. فأمر مسيو سروري متولي امر العرب ببسكرة ان يضع  الحاج المهدي في السجن .. ولم يكن موافقا له .. الرجل طاب الامان منا .. ويريد ان ينضم الينا .. وهو شيخ صغير سن وله مكانته .. لكن الكولونيل وقد سلمه المال مبعوث الشيخ ابوشمال ومسعودي بن مهدي خديم الشيخ عبدالرحمان .. تنكر .. وطلب تنفيذ امره .. ووضع الحاج المهدي خلف قضبان السجن .
        الكولونيل بودفيل ينصت الى مشورة الدواوده .. وهم لا يهمهم خير الوطن ولا خير الفرنسيين .. سوى رجلان منهم .. محب للفرنسيين يدعى محمد الصغير .. ورجل اخر يدعى السي خالد .
      شيخ العرب وغيره كثيرون لا يدركون مصلحة الوطن .. وليست همهم .. منشغلين بمناهضة الفرنسيين كي يجدوا لأنفسهم مكانة ويقال عنهم من اكابر الناس . وجميع الدعوات ضد الفرنسيين خرجت من بيت قانه .. وعندما صاروا من اكابر البلدة .. واسترضاهم الفرنسيين ونصبوهم .. ارادوا الانتقام  من كل من عاداهم سابقا .. مثلهم  مثل ابوزيان في قسنطينه زمن احمد بي .. نافق بيت قانه وأنصارهم الفرنسيين .. ولا سقط من عساكرهم احد خدمة للفرنسيين .. غنموا اموال طائلة بسبب فساد الامر على الفرنسيين .. فمما لا شك فيه ..  ان جميع العرب .. السلمية .. رحمان .. الاشراف .. وأهل بن علي .. بل وأكثر الناس تشهد ان بيت قانه افسدوا .. ولو ان الفرنسيين اختاروا لنا قيادة من عندهم فرنسيين .. ومشائخ .. من اناس كبار .. عن كل عرش .. وتحت امرة كولوينيل فرنسي .. لكان افضل لنا .. فجميع القادة الذين نصبهم الفرنسيين فاسدين .. ولا معرفة لهم بسياسة الحكم .. ولو الامر لنا لاخترنا ذلك .
    تعجب الشيخ سلمان من فعل الفرنسيين الذين نقضوا عهد الامان .. نصحه الخديم : طالما الفرنسيين لا يريدون المودة معك ولا قبلوا ان تعمل معهم .. واستكانوا لمن كان سيقتلك .. لما لا تسل جواب الى الشريف محمد بن عبدالله بأرض ” وارقله ” .. وتنضم اليه .
   قدمت قافلة اهل الحرزلي الى تغرت .. وأعربوا الى الشيخ عبدالرحمان عن رغبتهم في خدمة الدولة الفرنسية .. فأرسل الى الكولونيل بودفيل واعلمه بالأمر .. فأوعز اليه ان يقبلهم عنده .. وأعاد لهم شيء مما اخذ منهم  من الدية .. ونزل عند رغبة اهل تغرت الذين قالوا : انه من العيب ان نسلبهم اموالهم وقد طلبوا الينا الامان .
        قدمت قافلة اخرى محملة بالصوف والدهان والغنم .. فلما علم بها الكولونيل بودفيل .. ارسل لها اولاد مولات .. بالليل وقبل وصولها .. قبالة باب سيدي عبدالسلام .. بغية سلبها .. وتكلم البارود .. وسقط اربعة رجال من ال الحرزلي .. وهرب اللصوص دون ان ينالوا من القافلة . . وعلم اهل الحرزليت ان الفرنسيين لا عهد لهم .. وأنهم يناصبونهم العداء .. ويبتزون قوافله بإرسال اولاد المولات لسلبها ..فما ان خرجوا من تغرت .. اتصلوا بالشريف محمد بن عبدالله .. عزوة لهم ونصير ضد الفرنسيين وأنصارهم .. وأغاروا على اولاد مولات في وادي سطيل .. اخر رمضان 1367 هـ .. قتلوا منهم سبعة عشر رجل .. وعديد الجرحى .. واستولى على بيت الشيخ المبارك .. وأقام به ثلاثة ايام يخدمه خدام الشيخ .. ثم رحل .. وعاد الى ورقله .
    قدم الشيخ عبدالحميد من وادي سوف الى تغرت .. استقبله الشيخ عبدالرحمان في ارض المقارين .. ولما وصل تغرت نزل ضيفا في دار عمه الشيخ علي بن جلاب .. وفرح بقدومه غاية الفرح .. وفي حواديثهم .. قال له الشيخ عبدالحميد  : انا رجل تركي .. لكني اميل الى خدمة فرنسا .. لقد فعل الفرنسيين كل الخير .. وهم يسعون الى بسط الامن والسلام في البلاد .. كان الشيخ عبدالحميد من رواد المسجد .. وممن يحضرون حلقات تدارس العلم .. احبه الناس .
     في تغرت .. اضناني المرض .. حتى تقوست ساقاي .. وعييت عن المشي خطوات .. فأتى الينا رجل محب لنا يدعى سيدي حموده بن سيدي بوعزيز .. قال لي : ان رجل تركي قدم من وادي سوف .. وقيل انه ضليع في معرفة الطب .. اذهب اليه لعله يشير اليك بالدواء وتشفى .. ذهبت رفقة سيدي حموده الى الشيخ عبدالحميد .. فرح بقدومنا غاية الفرح .. وقال لي : اذا بقيت في هذه البلاد فلن تشفى .. اقصد ” بسكره ” .. تداوى بطب الفرنسيين .. قلنا لا بأس .. نفكر بالامران لم نتعافى .
   اتى خبر قدوم الشريف بن عبدالله الى تماسين .. وفي طريقه الى تغرت .. فخرج اليه الشيخ عبدالرحمان برفقة الشيخ عبدالحميد لمواجهته وحربه .. وتقابل العساكر .. وكان يوما شديد البأس .. حدث اثناء المعركة ان بدأت صفوف عساكر الشيخ عبدالرحمان تتقهقر .. وبعضهم حاول الهرب .. وفطن الشيخ عبدالحميد للخطر الذي يتهددهم .. فصار يقتل كل من يحاول الهرب .. وقاتل الشيخ عبدالحميد قتالا باسلا  .. وفي صولة له على فرقة من الشعانب ..  وقع جواده على الارض .. لكنه نهض وقاوم .. واضطر عسكر الشريف الى التقهقر والانزواء .
    انتهت المعركة .. لكن عسكر الشعانب اختطفوا معهم وهم منسحبون رجل من اكابر تغرت .. يدعى المقدم محمد بن ابراهيم .. نقلوه الى تماسين .. وهناك بصره الحاج محدق .. سأله وتأكد من هويته .. ثم اخرج بشطولة وأطلق عليه الرصاص .. قتله في الحال .. ثم استل سيفه وقطع جثثه اربعة قطع .. وغمرها بأكوام الحطب .. وأشعل بها النار .. فاحترقت .. وصار رماد .
    عاد الشيخ عبدالرحمان .. والشيخ عبدالحميد الى تغرت .. وأعرب الشيخ عبدالرحمان عن امتنانه للشيخ عبدالحميد الذي لولاه لضاع ملكه .. اعترف له بالجميل وسأله ان يقدم له المشورة فيما ينبغي فعله .. نصحه ان يكتب رسالة الى الكولونيل بودفيل تطلب اليه ان يمدكم بمحلات عساكر لدحر غارات شريف وارقله .. وحمل الشيخ عبدالحميد الجوابات بنفسه .. لكن الكولونيل رفض .. ولو انه وافق لصار ملك وارقله تحت سلطة الفرنسيين ..  وجميع ارض الصحراء .. من وطن الشعانبة الى وادي سوف .. ولكان الطريق لإخضاع  بر السودان لسلطانهم  .. ويجلب الطوارق السلع والبضائع المختلفة من بر السودان الى وطن الجزائر .. ويتعرفون اكثر على الفرنسيين .. ويتوجسون منهم .. فهم لا يعرفونهم كما نعرفهم نحن .. وان حكمهم عادل .. وأفضل من حكم الترك .. لا يظلم احد .. ولا يشتهي العقاب .
     اشتد بنا المرض .. قصدنا الشيخ عبدالحميد .. قلنا له : نريد التوجه الى بسكرة .. كتب لنا جواب .. وأرسلنا الى الكولونيل بودفيل في بسكرة .. قدمنا له الجواب حال وصولنا .. ونزلنا عند رجل من اهل تونس يدعى حسن بوشناف .. ثم ارسل الينا شيخ العرب القائد محمد الصغير .. وسئلنا عن احوال تغرت وابن جلاب .. والحاج عبدالحميد .. وعلي الشريف صاحب وارقله .. فأخبرته بما في معرفتي .. ثم توجهنا برفقته الى الكولنيل .. سئلنا واخبرناه بحال مرضنا وبما في علمنا .. فأوعز لنا بالعلاج في السبيتار .. مستشفى الفرنسيين .
    ونحن ببسكرة .. شاع خبر قدوم الشيخ عبدالحميد .. وقد ارسل الكولونيل ثلاثمائة خيال لاستقباله .. والتقوا بركبه عند موضع ” الشقة ” .. وحال اقترابه من اسوار بسكرة .. خرج الكولونيل بودافيل لمصافحته والترحيب بقدومه .. ونزل ضيفه بالقصبة القديمة .
كان هناك رجل تلقبه العرب بالمملوكي .. عمل في معسكر فرنسا .. وهرب منهم الى بلاد القبائل .. يؤلب الناس لمحاربة فرنسا .. وتنقل بين البلدان .. وفي بسكرة صار خديم للقائد   محمد الصغير بن قانه .. قائد بسكرة .. وكتب يتعهد للفرنسيين خدمتهم وصحبتهم .. ولما وصل الحاج عبدالحميد بسكره .. ارسل الكولونيل هذا المملوكي الى تغرت بغرض إثارة الفتنة بينه والشيخ عبدالرحمان .. وعاد المملوكي من تغرت يحمل هدايا الشيخ عبدالرحمان للكولونيل بودافيل .. وألحقه بإرسال خديمه يحمل جوابات للكولونيل .. والشيخ عبدالحميد .. قال لهم فيها : انه مريض وفي شدة .. وقد انهكه السعال وضيق الصدر .. ويريد الدواء من  بسكرة .. ولكن اذا حكم الله بالموت .. فإن اولادي على عهدي .. والقائمين مقامي .. في الوفاء خدمة للدولة الفرنساوية  .. وان الحاج عبدالحميد وكيله ونائبا عنه .  
      وصل خبر وفاة الشيخ عبدالرحمان بن جلاب .. ولما علم الكولونيل بودفيل بالخبر .. ارسل الحاج احمد بن قانه لتولي حكم تغرت ..   فتوجه اليها ونزل بالقرب منها  .. استقبله الناس بالطعام والشراب .. وأرسل الى خدام الشيخ عبدالرحمان يريد استعطافهم ودخول تغرت بالخديعة .. فلما علموا بذلك .. هب اهل البلدة وقالوا له : قبل ان يموت سلطاننا خلف وصية لأبنائه من بعده .. ليسيروا على نهجه في خدمة فرنسا .. وأننا كنا نعتقد ان الفرنسيين اهل معرفة ومودة وعدل .. وكنا نتوقع منهم ارسال جلباب السلطنة والختم لابنه الوصي من بعده .. ولكن طالما هم ارادوا السطو على بلادنا لمجرد موت السلطان وخلفه ابنه الطفل .. فنحن لن نقبل .. وسنقاومهم قدر ما امكننا .. ونحن في حرب معهم ، ما لم يأتي الينا ابن عمه الشيخ سلمان الذي نقبل مشورته  .. اما الدواوده .. لن نقبل بهم ، ولا حاجة لهم ببلادنا .. وتكلم البارود بين الفريقين .. وهرب احمد بن الحاج وعساكره .. ترك خيمته وخزنته  .. وكتب للكولونيل بودفيل يطلب فيها محلة لتعضيد جنده .
      ثم ذهبوا الى قسنطينة حيث الجننار لعرض مظلمتهم .. فأكرمهم وأرسل معهم جلباب السلطنة وختم الطابع للشيخ عبدالقادر بن عبدالرحمان بن جلاب .. اما الشيخ سلمان فلم يقبلوا به .. وذهب الى تماسين صحبة الشريف محمد بن عبدالله .. ورحبوا به اهل تماسين .. وفي الليل نزل بالقرب من تغرت عند موضع يقال له قبور المشائخ .. وأرسل لأنصاره في تغرت يخبرهم بقدومه .. وكان الشيخ المبارك والي اهل سوف ومن المحبين للشيخ سلمان .. نزيل القصبة .. ففتح لهم الباب .. وتكلم البارود بين الفريقين حتى الصباح .. مات من خدام الشيخ عبدالقادر اثنان .. ومات من خدام الشيخ سلمان ثلاثة وجرح رجل .. ثم تدخل المرابطين لإطفاء نار الفتنة ووقف الحرب .. واخرجوا خدام الشيخ عبدالقادر من القصبة بأمن وسلام .. ودخل الشيخ سلمان القصبة .. وحكم تغرت .. وقتل في ذلك اليوم عددا من انصار وخدام الشيخ عبدالقادر .. منهم : احمد المقدم محمد بن ابراهيم وإخوته الاربعة .. وقتل مسعود بن مهدي خديم الشيخ عبدالرحمان .. وسبعة عشرة رجل من رجالات الشيخ عبدالقادر .. وأرسل الشيخ سلمان الى ولاة الدولة الفرنسية ، والى الحاج عبدالحميد .. قال لهم : كنت صاغرا لحكم ابن عمي الشيخ عبدالرحمان .. كان كبيرنا وكنت خليفته .. واستطاع الحاقدين اذكاء نار الفتنة بيننا .. وعندما تيقنت انه يود قتلي هربت من بطشه سطوته .. وأرسلت الى الكولينيل بودفيل اخبره بما انتهى اليه حالي في تماسين حيث التجأت .. لكنه بدلا من ان ينظر في مظلمتي سجن رسولنا وخديمنا .. ورفض مقابلتنا .. كما ان الشيخ عبدالرحمان ارسل الى شيخ تماسين يطلب اليه قتلي او تسليمي اليه .. وعلمت بالأمر .. فهربت الى نواحي الغرب والتجأت الى حيث الشريف محمد بن عبدالله .. وما ان بلغنا خبر موت الشيخ عبدالرحمان .. عدنا الى بلادنا وحكمنا مملكة اباءنا وأجدادنا ..  ومن يدخل ملكه لا يتسمى طالما ولا معتدي .. وهذه سيرتنا اولاد جلاب .. من كبير الى كبير .. وما دخلنا تغرت إلا برضاء اهلها .. وهي ليست من البلدان التي تؤخذ غصبا .. لقد غلبت الاتراك في زمانهم ..  تركوا مدافعهم وأشلاء جنودهم .. وفروا منهزمين .

الثلاثاء، 9 مايو، 2017

مذكرات رحالة من فزان 1852 – ( 7 )

مذكرات رحالة من فزان 1852 – ( 7 )

  

       يوم الثاني عشر من شهر رجب .. تأتي القوافل من مكة والطائف .. ومن جميع بر الحجاز .. يرحل اهل المدينة .. لا يبقى إلا القليل .. تقيم المراحيل ثلاثة ايام عند قبر سيدنا حمزة .. ويوم اثنى عشر .. يوم اغتيل .. وان كان في سائر الايام مزاره مكتظ بالمتبركين .
     ليلة الخميس .. جبل احد .. ممتد تكسوه حجارة حمراء  ..  اعلى الجبل  قبة سيدنا هارون .. وفسقية من عمل الناس الاولين .. اذا هطل المطر .. امتلأت .. قرب المكان .. اصنام حجرية وتماثيل .. كتب عليها بقلم الاولين .. ظهر الجبل غربا .. عين البركة .. واصل التسمية .. انها عين قديمة .. طمرها التراب .. فاراد اهل البركة في سنة ستين ومئتين والف .. حفر العين وتجديدها .. سقاية النخل والابل .. وكان امامها بناء قديم .. فلما دخلوه ..  عثروا على جثامين لسبعة عشر رجل ..  وسيوف بأيديهم .. وأجسادهم لم تتحلل ..  وكأنهم نائمون .. ابلغوا شريف باشا امير يثرب .. حضر وتفقد بنفسه .. وقال : ردوا عليهم التراب .. هؤلاء اناس ماتوا مجاهدين .. ردوا عليهم التراب .. وتوقفوا عن حفر العين .. موضع العين القديمة .. قريب من موضع الجديدة .
        اشجار النخيل تحف المدينة .. حزام اخضر  .. ظهرها مسجد القبلتين .. منبر نحو بيت المقدس .. ومنبر اخر نحو مكة  .. غرب المدينة جبل حجري ضخم .. اعلاه مغارة .. وبيوت امام كل منها حجر كتب عليه بقلم الاولين ..  قبلي المدينة مسجد قبا ..  اول مسجد بناه المسلمين .
      عندما خرج سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم مهاجرا من مكة الى المدينة .. عبر وادي قبا .. وأول من قابله هناك .. فتاتان من بنات النجار .. يعملان بالحقل .. وفي ايديهن طار .. ودف .. يغنون ترحيبا بقدومه  :
يا مرحبا يا مرحبا .. بهلال هل في وادي قبا .
طلع البدر علينا من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا ما دعا لله داع
أيها المبعوث فينا جئت بالأمر المطاع
جئت شرفت المدينة
مرحباً يا خير داع
      مكتوب في الاثر النبوي عند اهل المدينة .. من زارني ولم يزر بنات النجار .. لم تقبل منه زيارة .. بنات النجار استضافوا النبي .. واول من هللوا لقدومه .. ونزل عندهم يستريح من عناء السفر والمهجر .. وبالموضع بني جامع قبا ، كتب اعلى الباب ..  ( هذا اول مسجد اسس على التقوى  ) .. بئر ماء غرب المسجد .. يقال لها ” بير الخاتم ” .. فيها سقط خاتم النبي صلى الله عليه وسلم .
          ” الجيشية ” .. جنائن تتحلق حول المسجد متنوعة القطاف .. النخيل .. العنب .. الرمان .. التين .. الغلال بأصنافها .. وأبار تروي الزرع بالدلو والجمال .. جنائن مسجد قبا لا تضاهيها جنائن اخرى بالمدينة .. بها ستة ابار .. وجملين على كل بئر للسقاية ..  بلغت قيمة منتوجها السنوي هذا العام .. اربعين الف قرش .
       ثمر ” الشلبي ” .. شهير عندهم .. الصاع .. بسعر ستون قرشا .. وسبعون .. وللثمر عندهم انواع حسب الفسيلة .. تمر الحلية .. الوحشي .. الغزاب .. الطابون .. العلجية .
        العين الزرقه .. يقال ان ماءها ينبع من ارض بغداد .. كما العين التي بمكة .. وسميت هكذا لشحط المسافة التي يقطعها الماء من ارض العراق الى ارض الحجاز .. ففي الاثر عندهم  .. العين الزرقاء لقبت به امرأة شهيرة بحدة النظر ..  كان لون صبي عينها ازرق .. وكانت تترقب القوافل القادمة وترصدها قبل الناس بوقت طويل .
     غرب المدينة  .. اقرب لناحية القبلة .. حطايا النخل يقال لها ارض الاجابة ..   كان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ..  ان اراد ان يدعو ربه بالحاح .. واثقا بالاجابة .. ينزوي متوحدا بذلك المكان .. الدعاء مستجاب به .. هكذا سمعنا من اهل المدينة .. والله اعلم .
      اواخر الربيع واوئل الصيف .. تأتي قوافل العرب محملة بالسلع .. السمن بالاوقية .. في كل رطل ست عشر اوقية .. رطلين ونصف بسعر ستون قرش .. فيما الدور الفرنسي .. سنة ستون .. يعادل اربعة وعشرون قرش .
       تجلب القوافل من بر نجد الغنم ..  جميعها لونها كحلي .. ووجوهها بيض .. ومن غير قرون .. ولها إلية مكتنزة الدهن ..  وهي اوفر حجما من غنم برنو .
      عند بئر نجد  حيث الماء .. ملتقى القوافل .. عرب اهل نجد .. يربون الماشية ..  الغنم .. الابل كثير .. ولا افضل من مهاري نجد في الارض برمتها ..  لكن ما يتميز عندهم هي الخيل .. خيل نجد شهيرة ..  صبرها وجلدها وهي تعدو ..  خيل اصايل ..  وهي اقصر ظهرا من خيل بر الغرب .. واجود منها  .
     عرب نجد يرتدون ملابس اشبه بملابس اهل مكة والمدينة .. يمتشقون سلاح الفتيل .. والأكابر منهم والأغنياء تتصدر احزمتهم ” جنبية ” .. موشحه بالذهب او الفضة  .. وجنبية من نحاس لرقيق الحال .. ومن ادرع الغنم يصنعون .. اسباس .. ينظفون مجرى وسط العظم .. يعلقونه رقابهم بسلسلة فضة .. يلازمهم اشبه بالمسبحة .. يدخنون به التبغ .. وعندهم هذا شيء جليل .. ويدخنون الغليون .. وهم اناس كرام .. وهذا ما شهدنا من امرهم .
          توجهنا الى مكة ثانية .. وعدنا للمدينة .. والى الصفرة والجديدة مع رجل من اهل الصفرة والجديدة اسمه درغام .. نزلنا داره ..وتنزهنا بحقله ..  اشجار الارنج .. التين .. الموز .. النخيل .. الحنة .. ومن الصفرة والجديدة توجهنا الى بدر وحنين .. ومن بدر وحنين توجهنا الى ينبع النخل ..  تزدهي بالنخل وماء العيون ..  ومنها خرج مولاي ادريس الاكبر .. دفين الغرب ..  ومن ذريته مولاي سليمان .. ومولاي عبدالرحمان .. كان اليزيد بن معاوية قد انتصر على خصمه سيدنا الحسين رضي الله عنه .. وقتله بارض الكرب والبلاء  .. ثم توجه الى المدينة وغلبها وقتل الكثير من نسل الاشراف .. وضاق الخناق علي مولاي ادريس  .. هاجر غربا .
        في بلاد المغرب وجد الترحاب .. وتزوج ابنة سلطان البربر ..  زمن سلطنة بني مرين .. ثم مات السلطان .. فبايعوا مولاي اديس سلطانهم .. ومن نسله اشراف المغرب .. وابنه ادريس الاصغر .
        من ينبع النخيل توجهنا الى ينبع البحر ..  بلاد مطلة على ساحل البحر .. لا غرس ولا زرع .. وفي ناحية الغرب صروح لمآثر الاولين .. قصورهم وبصمات اقلامهم على الجدران والحجر .. مرسى بحري .. يأتي اليه القمح والرز وجميع الحبوب من مصر .. تكثر به حشرة الذباب الطائرة .. لا تترك لك فرصة لتناول طعام .. نزلنا في دار رجل من اشراف ينبع اسمه السيد عبدالعالي .. وفي الليل اطلعنا على كتاب يؤرخ لغزوات الصحابة للجاهلية .. نقلنا منه غزوة وادي السيسبان .. غرب الجبل ..  عشب الطرفة الناضجة .. وقصب رعي الماشية .. الاغنام  .. البقر .. وادي خصب تكتنز عنده الطير والأنعام .. وهي هكذا :
       قال ابن عباس رضي الله عنه ، صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم .. واسند ظهره لحائط محرابه وهو يحدثنا ونحدثه ، ويخاطبنا ونخاطبه ، فلا يعلو كلامنا على كلامه ، ولا خطابنا على خطابه ، فإذا بأعرابي قد اقبل علينا من البرية يمتطي ناقة اضناها السير بالليل والنهار .. نزل من على ظهرها ، ربطها بفضل زمامها في صحن باب المسجد .. وقال السلام عليكم يا معشر النبوة ومعدن الرسالة ، افيكم محمد بن عبدالله المختار من خير خلق الله ، فقال له رجل من الانصار: اما تنظر الى صاحب الوجه الاقمر ، والجبين الازهر ، فذلك سيد البشر ، فعرف بذلك الاعرابي .. نهض وتخطى الصفوف حتى اتى النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال : الصلاة والسلام عليك يا رسول الله ، فإني رجل من اهل مكة ، كانت لي رجال وأبطال ، فقام الدهر عليّ فأبكاني في رجالي وأبطالي .. رحلت الى ارض اليمن امدح الرجال والأبطال لعلهم يعطوني شيء استعين به على زماني ، فلما عبرت عند ارض اليمن .. نالني العطش .. صادفني سارح اغنام .. قلت له : انهكني العطش .. هل لي عندك شربة ماء ؟ .. قال :  كأنك يا فتى من غير اهل ارضنا ، جاهل بنا .. كيف تطلب الماء في ارضنا ؟  .
    قلت له : انا من ارض مكة ، وكان لي مال ورجال ، فقام الدهر عليّ فأبكاني في مالي ورجالي ، واتيت امدح مشائخ العرب لعلهم يعطوني شيء استعان به على زماني .
     رفعت بصري .. رأيت قصرا عالي القرار .. فسيح الباحات .. سألت السارح .. ما اسم ذاك القصر ؟ ..  قال لي : القصر اسمه قصر الارقم .. وسيدته ومالكته  تدعى حسن بنت منعم ..  اما المضارب والخيام لملك من ملوك العرب الجاهلية اسمه العفريط ..  عنده سبعين محلة .. في كل محلة سبعون الف فارس ..  عاهد نفسه على ان يتزوج صاحبة هذا القصر .. وان يقدم لها كل ما اشتهت وطلبت ..  من مال ورجال ..  فقالت له لا اريد منك مال ولا رجال ..  اريد منك ان تأتيني براس محمد ، وابن عمه علي ابن ابي طالب .. عندها سأتزوجك .. فلما سمع قولها .. جمع جنوده ومحاله .. وها هو قادم اليك ..  فلما علمت بذلك .. اتيت اليك وأخبرتك صلى الله عليك وسلم .. فما اتم الاعرابي من كلامه إلا وأبواب السماء قد فتحت .. نزل جبريل ..  وقال : السلام عليك يا محمد ، العلي الاعلى يقرئك السلام .. ويخصك بالتحية والإكرام ، ويقول لك .. صدق الاعرابي فيما اخبرك ..هؤلاء يكيدون لك وقد جمعوا اربعمائة الف فارس .. فإن سبقوك الى وادي السيسبان غلبوك وانتصروا عليك ، وان سبقتهم غلبتهم وانتصرت عليهم . فقال اين بلال ؟ فأجابه بالتلبية ، فقال له اذن في الناس للجمع ، فركب بلال صحن المسجد وقال : يا معشر خلق الله ورسوله ، اركبوا الى الجهاد ، فبادروا للنبي صلى الله عليه وسلم ، فاجتمعت القبائل على باب مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال لهم : هل بقى في المدينة احد ، ، فقالو له ما بقي في المدينة إلا طفل صغير لا عقل له ، او شيخ كبير لا جهد له ..  فقال لهم : القوم عبادون الاشجار .. اتوا بأربعمائة الف فارس .. ولا كفتهم هذه الكثرة حتى اتوا بكبارهم وصغارهم ولا خلفوا ورائهم دنار ولا نافخ نار .. كيف نذهب لحربهم ونترك حريمنا خلفنا ..  فقال اين بلال ، فأجابه بالتلبية ، قال له اذن للناس من له حريم فليأتي به الى بيت رسول الله ، فأذن بلال : يا معشر خلق الله ، من له حريم فليأتي به الى بيت رسول الله ، ولا يبقى بالمدينة سوى فاطمة الزهراء والحسن والحسين رضي الله عنهم .
    رحل النبي وجد السير اليوم الاول والثاني والثالث الى ثمانية ايام ..  صلى صلاة الصبح .. وقال : من يذهب يستكشف لنا وادي السيسبان .. وله قصر في الجنة .. فنهض رجل اسمه الداهية الكبرى والمصيبة العظمى ، عمر ابن اميه الضمري رضي الله عنه . فقال له : نحن يا رسول الله ، فجد السير حتى دخل وادي السيسبان ، فوجد به قصر يحده السهل والوعر .. بداخله تخت .. اعلاه قبة من الذهب ، واعلى القبة صليب من الذهب ، وتسعون كرسي من الذهب يجلس عليها تسعون وزيرا ، وكرسي بالوسط مرصع باحجار الزمرد الاخضر يعتليه رجل  كبير السن .. يستحلفون اصنام يعبدونها على قتل محمد وابن عمه على بن ابي طالب ..  عاد عمر ابن اميه على عقبيه .. وفي اليوم الثاني من وصل المدينة  وقت اقامة صلاة العصر ، صلى وراء النبي .. التفت الرسول للمصلين .. فوجده بينهم  ..  قال يا عمر ابن امية اخبرني بحقيقة الامر ، فاخبره بما رأى .. بكى النبي .. وبكت كافة المسلمين لبكائه .. فقال اعلموا يا معشر المسلمين ، ان هذه الغزوة يشيب منها الوليد ، ويلين لشدتها الحديد ، فبكت المسلمين .. فأتى اليهم رجل اسمه خالد ابن الوليد وقال له .. ضع في امرتي عشرون الف فارس .. نثخن بهم ..ونغلبهم .. ببركتك .. قال رسول الله اين بلال ؟ . فأجابه بالتلبية  .. قال له .. اذن للناس بالرحيل .. قال بلال : يا معشر المسلمين ، ويا خير خلف الله ، ارحلوا بارك الله فيكم ، وأحسن اليكم … رحلوا .. وفي اليوم الثالث دخلوا ارض الوادي .. حطت الرحال للاستراحة .. صباح يوم اثنى عشر .
     رأى النبي جيش المشركين فعرفهم ، وراء العفريط جيش المسلمين فعرفهم ، وكان عند العفريط وزير اسمه الحلام ..( رأى في المنام انه يسلم على يد رسول الله ) .. قال : له ما هذه القوم يا وزير ؟  فقال له : انك تريد ان تقاتل محمد وعلي ، ها هم سبقوك الى وادي السيسبان .. رد العفريط : هذه شرذمة قليلة  .. مثل سراح الابل عندنا ، فقال له لا تستخف بالشرذمة القليلة .. ففيهم خالد ابن الوليد ، والمقداد ابن الاسود ، والزبير ابن العوام ، وعبدالله ابن مالك ، وفيها الرجال الابطال .. قال له : اذا تريد .. اذهب معهم ،  عندي غلامين ، لو امرت واحد منهم .. لأتاني برؤوس الذي طلبت مني حسنة بنت منعم .
     رتب وزرائه يمينا وشمالا ، وقال النبي : اتوني بصف الرايات ؟ فأتوه بها ، فأخذ راية حمراء وسلمها سيدنا عمر بن الخطاب .. كتب عليها نصر من الله وفتح قريب .. وراية خضراء عقدها على سن رمح طويل ، وسلمها لسيدنا عثمان ابن عفان .. كتب عليها وما النصر إلا من عند الله .. اعطى الراية بعد الراية حتى كملت الرايات .. دخل الخيمة صحبة سيدنا ابي بكر
     قال ابن عباس تقاتلون الله فوق ، وتجردون السيوف ، ولا ترى واحد إلا صريع او جريح .. ونار الحرب شعلت السنتها ، وعلا في السماء دخانها ، اليوم الاول ، والثاني ، والثالث ، والنبي وسيدنا ابوبكر يدعون نصر المسلمين على عدوهم ، فلما كان اليوم الثالث خرج النبي يتفقد المسلمين وما بقى من جيشه سبعة الف من ثلاثة عشر الف ، مات منهم ست الاف ..  ومات من الجاهلية العدد الكثير .. قال سيدنا ابوبكر : مات من المسلمين النصف وبقي النصف ولم تنزل آية الجهاد بعد ، فما ان تم كلامه ، إلا وابواب السماء قد فتحت .. وجبرائيل قد نزل بالوحي يرشد .. قال : السلام عليك يا محمد  ، العلي  الاعلى يقرئك السلام ، ويخصك بالتحية والإكرام ، ويقول لك بشر المسلمين ، قال فبما ابشرهم ؟  قال بشرهم بأن الله اشترى من المؤمنين اموالهم وأنفسهم بأن لهم الجنة ، وان لا يولوهم الادبار ..  فخرج النبي وقال : اسمعوا يا معشر المؤمنين الاية التي نزلت من الله في حقكم .. قرأها عليهم سيدنا ابي بكر ، فلما علم بذلك المسلمين اسندوا رؤوسهم على صفح سروجهم .. يتقدمهم خالد ابن الوليد ، وحملوا على المشركين ..  اليوم الاول والثاني ، وفي اليوم الثالث .. تفقد النبي جيش المسلمين ، فما بقي منهم سوى المسلمين سبعمائة فارس ، وسمع سيدنا عثمان ابن عفان يغيث ويستغيث ويقول : يا سيداه .. ويا ديناه محمداه .. وقد اصابته طعنة على سرته فوقع من على جواده الى الامام .. فلما اتى اليه النبي ، فإذا بفتاتان من  المهاجرين والأنصار قد خرجوا وعروا رؤوسهم وهم وراء النبي يقولون .. يا مهتك حريمنا ، ويا ميسر اولادنا ، فبكى النبي . وبكت جميع المسلمين ، ثم دخل خيمته ، يدعو مفرج الكروب .. قال اللهم سيدي ومولاي .. اسئلك بالذي بيني وبينك ليلة الاسراء ، إلا ان تغلبني وتنصرني وتأتيني بإبن عمي على ابن ابي طالب ، وكان علي بمكة .. في زيارة عمته عاتقه ..  قالت عاتقه : فصاح علي صيحة عظيمة وقال لبيك :  لبيك اللهم لبيك .. انا بين يديك ، ونهض قطيب الحاجبين  .. بين عينيه كأنه قطيب ياقوت .. واحمرت عيناه .. وهاج هوجة عظيمة ..  فقلت له مالك يا ابن اخي صرخت هكذا صرخة .. قال : يا عمتي ، رأيت ابن عمي واصحابه في شدة عظيمة ، وهو يغيث ويستغيث إليّ ، فقلت له يا ابن اخي ، اذا اردت ان تلحق به .. اختار السير ليلا . ففي مكة لا احد إلا وله دين او حق عليك ، لقد قتلت منهم خلق كثير ، وان ظفروا بك .. قتلوك .. فقال لها : لا  .. وعزت ربي .. سأرحل نهارا .. قالت عاتقه .. بقى على حاله حتى بزوغ  الشمس .. ركب الجبل .. وقال : يا اهل مكة .. من عرفني فقد عرفني ، ومن لا يعرفني فإني اعرفه بنفسي ، اني علي ابن ابي طالب ، فمن له حق علي ، او دين ،  فليرفع رأسه ويأخذه مني .. فقالت عاتقة .. فوالله ما لاحق الامام علي أي منهم ، حتى وصل وادي اليمون .. توضأ وصلى ركعتين ،  وقال : اللهم سيدي ومولاي اسئلك بالذي بيني وبينك وبين نبيك محمد صلى الله عليه وسلم ، ان تطوي لي كل بعيد قريب ، وتهون علي كل شدة وضيق ، فما كان بزوغ شمس اليوم الثاني .. دخل المدينة يثرب .. وجدها خالية من الناس .. قصد داره .. فوجد السيدة  فاطمة الزهراء ، والحسن ، والحسين رضي الله عنهم .. فقال : يا فاطمة من اوعز لأبيك القيام بهذه الغزوة ؟ .. قالت له :  جبرائيل ..  فقال لها كم بيننا وبين وادي السيسبان ؟ . قالت : احدى عشر يوما ، وقد لا نصل اليه إلا وقتلوا أبي  ..  ومن معه من المسلمين  .. قال لها : هل ترك ابيك شيء من رواحله ، قالت : ناقة الغضب .. قال لها : حضريها .. حضرتها ، ركبت السيدة فاطمة الزهراء والحسن والحسين ، وجدوا السير ، اليوم الاول والثاني ، وفي اليوم والثالث وقد وجدت السيدة فاطمة الزهراء نفسها وزوجها واطفالها يجوبون صحراء مقفرة ، وطال السفر .. بكت ..  التفت اليها الامام علي وقال :  يا فاطمة .. بكائك  زادني بكاء .. وقد بكت ملائكة السماوات والارض لبكائك .. قالت له : كيف لا نبكي وبيننا وبين وادي السيسبان احد عشر يوما ..  منهم ثلاثة ايام وبقي لنا ثمانية ايام .. قال لها : يا فاطمة .. دعائك مقبول ، ويا حسن ويا حسين دعاؤكم مقبول ، ادعوا الله بجاه جدكما ان يطوي لنا كل بعيد قريب ، ويهون علينا كل شدة وضيق ، قالت فاطمة .. فرأت الناقة مسرعة حتى تكاد  تطير بين السماء والأرض ، فما كان وقت صلاة الظهر إلا دخلوا الوادي ، فقال للحسن والحسين : اقصدوا انتم وأمكم خيمة جدكما ، فقال يا ابانا نجاهد معك ، قال لهم .. لا زلتم صغار .. بارك الله فيكم ، وخرج الامام  للحرب .. قصد الميدان .. وكان العفريط يراقب .. ووزيره الحلام .. قال له :  يا وزير .. اني ارى طفل صغير لا نبات له ، يرتدي درع كامل .. من يا ترى يكون ؟ . قال له : هذا علي ابن ابي طالب ، فقال له : هذا المطلوب الذي طلبت مني حسنة بنت منعم ..  قال له نعم .. فقال لغلام من غلمانه اذهب اليه وقل له : اين كنت يا فتى ونار الحرب اشعلت نيرانها وغشي السماء دخانها ؟ .. ركب الفتى الفيل .. اقترب منه وقال ، دون ان يفشي السلام ..  يقول اليك سيدي اين كنت يا فتى ونار الحرب قد اشعلت نيرانها وعلا في السماء دخانها .. قال له  كنت في مكة ، فقال له : متى خرجت من مكة ، فقال له : نحو اربعة ايام ، فقال له : متى حضرت ، قال له : الساعة .. ثم شهر سيفه .. وبضربة واحدة جدع اذن الفيل .. ولطم بها وجه الغلام .. فعاد مذعورا  .. وشرد الفيل ينزف دما .. ولما بلغ سيده اخبره بما كان .. قال له .. ماذا قلت له ، وكيف كان رده .. قال له : قلت له اين كنت يا فتى ؟ ونار الحرب قد اشعلت نيرانها وعلا في السماء دخانها ؟ .  فقال لي : كنت بمكة .. ومتى خرجت من مكة ؟ . قال منذ نحو اربعة ايام ، ومتى حضرت الى هنا ؟ .  قال لي الساعة الان .. ثم اشهر سيفه وحف اذن الفيل .. خلعها ولطمني بها .. قال له : ارجع اليه وقل له : عد من حيث الطريق الذي قادتك الى هنا .. ولسوف يأتيك سيدي .. وسيقتلك شر قتلة .. او بأخذك اسير عنده ..  فرفض الغلام .. فأرسل اليه غيره ليبلغه ما قال سيده .. فلما سمع الامام علي من الغلام ذلك القول .. شهر سيفه .. وضرب رقبة الغلام .. سقط ومات .. عجل الله بروحه الى النار وبئس القرار ..  فلما رأى العفريط غلامه .. قال لوزرائه اطلبوا المبارزة معه .. قالوا : لا احد جدير بمبارزته سواك .. وانت لذلك اهل .. قال نعم : انا لها .. انا انازله .. سأتيكم برأسه .. وان غلبني .. اطلبوا النجاة لأنفسكم ..  جيشهم ردع .. وهذا الرجل ردع اخر .. صنديد وفارس عنيد ..  قال ابن عباس رضي الله عنه : تقابل الاثنان .. كأنهم جبلين شامخين .. او صيدين جسورين .. وحملو على بعضهم .. ومضى اليوم الاول والثاني والثالث .. والنبي وجميع الصحابة يدعون له بالنصر على عدوه ، وفي اول ساعات النهار الثالث ..  سمعوا صيحة الامام علي ..  بسم الله .. الله اكبر .. فتحا ونصرا .. ابشر يا من كفر بالويل والمحق ، وضربه بسيفه ذوي الفلقتين .. فحز رأسه .. فلما رأى الوزير الحلام قتل سيده .. اتى طائعا عند قدم الامام علي .. أراد الامام علي ان يقتله ، فقال له : امدد يمينك .. اني اقول لا اله إلا الله محمد رسول الله . فقال له : لا يتم  اسلامك حتى تجاهد معي ..  فجاهد معه .. وبدأت سيوف المسلمين تحز رقاب المشركين .. اليوم الاول والثاني وفي الثالث .. تحقق النصر للمسلمين .. وتفرق شمل المشركين .. أطمأن المسلمين بالظفر .. دفنوا اخوانهم .. لملموا الغنائم .. تقاسموها ..  ورجعوا الى يثرب .. مؤيدين مسرورين .. والحمد لله رب العالمين . وقد تمت غزوة وادي السيسبان وما نظرنا في الكتب كتبناه ، وما يعلم بالغيب إلا علام الغيوب والسلام ، وكل انسان ميزه الله بالعقل يخمن هذا القول وغيره ، والعارف لا يعرف ، والسلام على القارئ والمستمع من لسان محمد بن عبدالجليل بتاريخ سنة 136 هـ.

الاثنين، 6 مارس، 2017

كتاب " ري الغليل " الحلقة الرابعة




واما نحن لما وصلنا الى الجبالي ابو نعجة فاكرمنا غاية الكرم وتفرجنا في منزل الفيوم كله الى الجبالي ابو نعجة ما فيه من الفلاحين وعنده الجبالي ابو نعجة قصر بقرب المنزل مبني مثل بنيان بلدان المدن وهو فيه خمسة عشة من البيوت معمرين من جميع حبوب الارض مثل القمح والشعير خارج البيوت والفول والعدس والحلبه كلها خارج البيوت وخارج الارض ما فيهم خلاف السمسم والرز والقطن وقد خبرنا ابنه احميد قال كل عام يدخلوا فلاحتنا وحرثنا الفين وخمسة وعشرين مئة اردب من القمح ومثلهم او اكثر منهم من الشعير وخمسة مئة اردب من الفول ومثلهم من الحمص وثلاث مئة اردب من الحلبه واربع مئة اردب من العدس واما بر مصر كل عام وقت الخريف يحملوا النيل ويفيض على جميع الارض بالموضع الذي ينشف يزرعوه وهم يزرعون الفول والحلبه كثيرا ، فاما الموضع الي يكبر فوله او حلبته يطولوا فيه الحيوان ، فاما الغنم يزرعوا لها الحلب والابل يزرعوا لها الفول لاجل لما عندهم الحشيش كثير وهم يزرعون البرسيم للخيل واذا الخيل تاكل الحلبة والبرسيم والدرى الصفراء  وعندهم يزرعون القطن والتكروري لاجل يجعلون منه القماش والحبال متع المراكب ويزرعون الكتان والدره البيضه والدره الحمراء والدره الشامية ويزرعون الحبحب وهو الدلاع والبطيخ وعندهم ابراج يجعلونها للحمام فيبنون ابراج ويجعلون فيها اعواد مرسقه ويجعلون فيها غيران من اسفلها وعاليها ويجعلوا بها باب فلما يرى الحمام ذلك البرج وفيه العواد مرشق ياتي من كل فج ومكان ويسكنوا في ذلك القصر ويولدوا فيه فبعد خمسة ايام او عشرة يدخل اليه صاحب القصر فيحكموا ذلك الحمام الي قربوا الطيران فيذبحهم ويبيعهم مذبوحين واما الزبل الحمام يتباع اغلى من الرز لاجل الفلاحين يجعلونه في الارض الذي يزرعوا فيها الدلاع.
 واما نحن لما مشينا نصطادوا احنا واحميد ابن الجبالي ابو نعجه لقينا قصر من قصور الاولين في الصحراء الذي غرب ارض الفيوم وفي ذلك القصر اربعة تصاوير من الناس الاولين ومكتوب على حرف قدام كل تصويرة بقلم الناس الاولين ، وعلى اعلى ذلك القصر حجرة مبني ومكتوب عليها بقلم الاولين فقيلنا في ذلك القصر حتى عشت العشية وخرجنا وبتنا قبلته من الغرب ، وكان عنده خدام عندهم مناديف فنصبوا ذلك المناديف بالليل فاصبحوا تسعة اشياه من الغزال متعلقين في ذلك المناديف ، فخلصوهم من المناديف وذبحوهم ونحن مشينا نصطاد بالاسلاق ، فكل ما راينا شاة من الغزال طلقنا عليها الاسلاق حكموها ، ومن جملة ذلك عنده سلوقية جيدة  اصلها هداها له رجل من سيوه قال اصلها من التوارق ومولد في ارض فزان وكان الرجل الذي اهداها الى الجبالي ابو نعجة جابها من وطن فزان ،واننا في ذلك اليوم لقينا اربعة شياه جليبه وحده فطلقناها عليهم ، فلما خلطت الى الاول حكمتها من المفرش وشركت مفرشها وسيبتها ولحقت الثاني والثالث والرابع فلما قتلتهم جملة رجعت الى عندنا ترحب وتهز بذيلها ، فقال للخديم لوح لها شيء من الطعام ، فلوح لها الخديم شيء من الطمين معجون بالدهان والعسل وهو الطمينة عندهم هو دقيق القمح مقلي مثل القهوة ويخلطوه بالدهان والعسل او الثمر ، فلما اكلت نقزت من الارض الى قدام سيدها على الجواد وقعدت ترحب به حتى لقينا شاة اخرى من الغزال فاراد المشي اليها فحكمها ولا اراد يخليها تذهب اليها ، فكادت تتمزق غيظا ، فطلق عليها سلوقية اخرى فحكمتها وقعدت عليها حتى اتوا اليها الخدام وحكموها ، ولقينا بقر الوحش الابيض والاحمر ، فاما البقر الاحمر يجري شيء كثير ، واما الابيض لا جري له فيلحقوه الاسلاق ولا يقدروا لهم على شيء حتى نخلطوا اليه ونظربوه بالبارود ، واما البقر الابيض واعر في العراك ودامي على الادمي ، فاذا وجد احد في الصحراء ولم عنده سلاح او ضربه بالبارود ولم يقيسه ياتي اليه وينطحه بقرونه حتى يموت ذلك الادمي ، واما اذا يعرف الرجل صنعة البقر الوحش الابيض ، فان لم يكن له سلاح فلا ياتيه البقر الوحش يرقدوا على وجهه ويطيح الى الارض فلا يقدر الوحش على شيء لان بقر الوحش قرونه مرفوعة الى فوق ، فاذا يكون الرجل واقف يشكموا بقرونه وان يكون راقد فلا يمكن للوحش على شكانه ، فاذا صاب رجل اتى اليه فان رقد ذلك الرجل شخ عليه وعفسه وذهب في شغله واذا رجل عنده سكين فلما ياتي اليه الوحش ويريد يعفسه يضربه الرجل بذلك السكين ، واما البقر الاحمر فاذا اراد الادمي لا يرحل الا اذا عنده اولاد صغار كيف ولدو فلا يهرب عليهم ويعاركوا عراكا شديدا ولا يهربوا حتى يموت او يقتل الرجل ، واما الودان اقل من البقر وهو قصير وعريض ونحن نقتلوه بالبارود على الخيل وهو موجود في الصحراء الذي بقرب بني الوليد نواحي ارض طرابلس ، وسحرائها ونواحي ارض ترهونه ، واما العاج موجود في الصحراء الذي قيلت غدامس وقربها وهو على صورة الكبش وفيه ليه مثل الكبش فيها الشحم  لكن صغيره ، وهو لا يقدر على الجري وهو ما يسكن الا في الارض الخالية ، واما عظامه احسن من عظام الفيل ولحمه احل من جميع لحم الحيوان كله ، واما الكركدن فهو مثل عنز السودان الا هو عريض عنهم ، واما قرونه فهي تصلح يجعلوها مقابض للسيوف وهو  اذا جعل احد من قرن الكركدن فلجان وجعل من قرون لفعة مثل العمود فاذا لسع احد حنش او لفعه او عقرب او طعم احد بالسم يجيبوا الفنجان الذي مصنوع من قرن الكركدن وجابوا له قرن لفعة وحطوا الزيت في ذلك الفنجان وحكوه بقرن لفعه وسقوا ذلك الزيت للمسموم فانه يبرى باذن الله وهو الكركدن موجود في صحراء اغدامس وصحراء ودان وفزان  وصحراء سيوه ويوجد قرون لفعه عند الناس الاكابر من اهل اغدامس واهل فزان واهل سوكنه بقرب فزان واهل هون بقرب سوكنه ، ويوجد الضب والفهد وعناق الارض وجميع الحيوان في الصحراء الذي ذكرنا واما من النعام وبقر الوحش الابيض والاحمر شيء كثير واما النمر موجود في الصحراء فليس هو الا في بعض الاماكن ، وهو يقتل بقر الوحش في الصحراء وموضع موجود فيه الفنك وموجود في الصحراء الحبار والارانب والحجل والكروان والعقاب والحديه والنسر موجود في الصحراء الذي فيها البطوم كثير واما البلارج يسكن في نواحي بر تمبكتو وفي الربيع يخرج من غابة تمبكتو وياتي الى ارض تونس وارض قسنطينة وعمالتها ،وهو ما يسكنو الا في اعلى اليار وفي الموضع الذي قريب من الخاطر فيولد ولما يدخل الصيف ويتناصف ويكبر اولاده يروح الى ارض تنمبكتو او يسكن في الشجر قريب من الخاطر وهو ياكل الاناش ولفاع والعقارب والردان وهذا ما كان من الامر ، واما نحن لما مشينا نحن واحميد ولد الجبالي ابو نعجه اصطدنا ذلك اليوم بالاسلاق وقتلنا من الغزال والارانب وبقر الوحش وقتلنا بالطيور الحبار والكروان ورجعنا الى المنزل بعد يومين فلاقونا النساء والصغار فحكموا المصيد ، جميع المصيد فاخدوا منه شهوتهم وهذا ما كان من امر المصيد ، واما الجبالي ابو نعجة اصله من الجبل الاخضر من نواحي بني غازي وكان رجل قليل ولا يكسب شيء خلاف نعجه واحدة فهرب من ارض بنغازي وتوجها الى ارض مصر ، فلما وقعت كائنة الغزي في بعضهم واتى الملك المرحوم بونابرت حكم ملك مصر فركب الجبالي ابو نعجه عند مولى مصر وكان رجل صنديد في الفتن وكان يصدق بالصحبة الى محمد على ، فلما خرج السلطان وبعد باربعة سنين تولى محمد على باشا على مصر فحط الجبالي ابو نعجه شيخ العرب عنده واكرمه غاية الكرم وصار الجبالي رجل كبير وكسب من الدنيا شيء كثير والان مات وخلف ابنه الحاج حسين شيخ في موضعه واما الجوازي اصلهم من بني هلال ولما خرجوا من نواحي بر نجد دخلوا بر مصر وصاروا من بر مصر واتوا الى ازنات وخرجوا ازنات من بر تونس ثم خرجوا ازنات الهلالي وطردوا من كل مكان فالان فرقة منهم في نواحي وادي سوف يسموهم اطرود واما اولاد زازي من الهلالي رجعوا نواحي بر المشرق وسكنوا ارض ريف نواحي البهنس بقرب وادي سوف واما كبار الجوازي الى الان عيلت امطيريد وما زال من عيلة امطيريد ثلاثة رجال وهم عبدالنبي وعبدالله وعمر ، وهذا ما كان من امرهم ، واما نحن لما رجعنا الى الجبالي ابو نعجة واردنا التوجه من عنده الى بر مصر ، فاهدى الينا مئة وخمسين خيرية واهدى لنا عود جيد واهدا لنا ابنه احميد خمسون خيرية وارسلنا الى كرداسه بقرب الجيزة فمشينا من عنده وسافرنا على الظهرية في اجبال من الصوان والجير تسعة ايام حتى وصلنا الى ارض الجيزة ، فلما اتينا الى الجيزة لقينا بنيان الناس الاولين وهو ثلاثة ديار ، منهم واحد صغير واثنين اكبار في كل واحد احجار مكتوبين وتحتهم بين ظهره الة الشرق جبانة الناس الاولين واقرب الى نواحي الشرق وهو كان في ذلك الموضع مدينة يسموها بلسان الناس الاولين منفس واما جبانتهم غطاها الرمل ولا يظهر منها الا بعض المطارح وقد راينا كتاب في مصر ونظرنا فيه وقال ذلك الكتاب ان كان اول الزمان الماء يخرج من تحت البنيان الذي معبد فيهم سلطان الناس الاولين حتى يردوا ذلك الماء الى نواحي ارض الفيوم واما البحر الذي نواحي ارض الفيوم خرجه سلطان من سلطنة الاولين على اجل ان النيل لما يفيض يخرب الارض نواحي مصر ونواحي مدينة منفس فكان ذلك السلطان صاحب عقل وسياسة فخرج الماء على اجل لم يضروا ذلك البلدان بقرب النيل واما المباني الذي فيها مدفونين الاكبر من الناس الاولين صفتهم هكذا .... وفي هذا المكان غلب بونابرت المرحوم الغزو وقهرهم واخذ مصر وتنخي فيها ، وقد خبرنا رجل مدارس في الجامع الازهر ومرابط اسمه السيد محمد السمان على دعوة بنابرت المرحوم فقال لنا اتى بنابرت واخذ اسكندرية واتى بجنوده وامحاله في البر حتى وصل الى ارض الجيزة بقرب الهرمين الذي صورنا وتلقا هو والغزي وصار بينهم حرب شديد وغلبهم واخذ ملكهم ، فلما غلب مصر جعل محبته مع اهل المدارس والزوي واللماء والمرابطين وقال لهم اني اسلمت فحبوه لذلك القول وجعل صحبة مع شريف مكة وصحبة مع سلطان الحج وصحبة مع سلطان الهند ومحبة مع سلطان اسطنبول وقال لنا لو  ما صارت الدعوة في بر فرنسا وخرج بونانبرت المرحوم دسة من مصر وخلف جننار في موضعه ولكن الجننار الذي خلفه في موضعه ليس عنده عقل بسبب ذلك خروج الفرنصيص من مصر ولو دام بونابرت المرحوم مدة قليل في مصر لكان اخذ جميع بر العرب والعجم وهو سبب حباب العرب والعجم في بونابرت المرحوم على اجل قال  لهم اني اسلمت وكان رجل كريم وصاحب عقل ودراع وسياسة وهذا ما علمنا من امره رحمه الله عليه واما نحن لما بلغنا الى كرداسة فلقيناها بلاد مليحة وفيها النخل مليح وثمره جيد احسن من ثمر بر مصر كله وما يعلى على ثمر كرداسة إلا ثمر سيوه والواح ، واما البلدان الذي بقرب النيل تمر كرداسة احسن منهم جميعا واما كرداسة فهو بلاد مليحة وهو اءها طيب وهي ليس فيها كثر الغنم واما زرعهم فهم يزرعون الحمص والدلاع والقمح والدره والفول وهي بلاد غربها وقبليها من نواحي الغرب الاجبال من الحجر امغار والرمل وقريب منها بنيان الناس الاولين ومقابرهم وقرب منها غلب بونابرت الغزو فلما وصلنا اليها قعدنا فيها حتى ارتاحت جمالنا ثم ركبنا في البحر حتى قطعنا الى بولاق ومن بولاق قطعنا الى مصر وفي مصر كرينا بيت في وكالة قرب العجمين وكرينا الى زواملنا قرب باب المتولي ثم ارسلنا زواملنا الى  مولد السيد البدوي مع رجل محب لنا من اهل طرابلس لاجل حكمتنا الحمة في مصر ومرضنا مرضا شديدا فقمت في مصر مدة من الايام حتى جاء وقت الحج وضاق خاطري في مصر من شدة المرض وغربتنا ومصيبتنا من فراق ابينا واخوتنا فكرينا باربعة مئة واربعين قرش جمل وركبنا عليه وعليه قنطارين مونتنا ورحلنا من مصر الى الحصوت فقمنا بالحصوة ثلاثة ايام ثم رحلنا وتوجهنا الى عجرود وكان عجرود ماؤه مر مثل الحنضل فجابوا لنا العرب ماء الغدير فشربنا منهم وسربنا من ماء الغدير فزادت علينا الحمة وعدينا سفرتنا من مصر حتى الى مكة الا في الحمة ، فلما وصلنا الى موضع يقال له مغار اشعيب وكان فيه غابة من اشجار الطرفي ، فلما قريب اليها حكمتنا الحمة بالليل ونحن مسافرين بالليل وكان عندنا زوج اغداري ملاح بالذهب والديمش اصلها اهداهم يوسف باشا مولى طرابلس لابينا فاحتازوا معنا لما خرجنا من القاره الذي مات فيها ابينا وعمنا واخوتنا وكانوا يسوو ذلك الغداري خمسمئة دور وكانوا معلقين قدامنا في الموضع الذي اخدتنا فيه الحمة بالليل وهو يقال له مغار شعيب وكان الرجل الذي نحن كاريين عنده اسمه الحاج عرفات فاتا الينا ونحن مرضى راقدين وسرق ذلك الغداري ،فلما فقنا تفقدنا ذلك الغداري متعنا فلم لقيناهم فعيطنا على الحاج عرفاة وسالناه فقال لنا خير وحشى لله ما رايتهم فلما اصبح مشينا الى كبير الركب المصري من اطراف محمد علي باشا وشكينا له فارسل الى الحاج عرفاة وساله فقال له حاش فضل الله ما رايتهم ولكن اني رايت رجل من الفلاحين بالليل يمشي بقرب الجمل الذي راكب عليه هذا المغربي فقال له تعرف الرجل فقال له اعرفه فقال له اذهب اليه وجيبه فذهب اليه وجابه وساله كبير الركب فقال خير الله ما رايت غداري هذا الرجل ولا اتيت يا سيدي ماشي الى الحج واسرق فهكذا شيء باطل فحكمه يريد يضربه بالعصاة فلما راينا اراد ان يضربوه ذلك الرجل فرق حاطري فقلت له سيب ذلك الرجل فيمكن انه ليس سرق ذلك الغداري ونستذنبوا منه لعله مظلوم فان كان فيهم قسم ياتي بهم الله وان كانوا فدوا فداي واهلي قبلهم فسيب فسيب ذلك الرجل فلما رجعنا وقمنا بمغازر شعيب ذلك اليوم وفي الليل رحلنا من مغار اشعيب وجلبوا لنا العرب الغنم والسمن والعسل وكان العرب متع ذلك الموضع ناس احرايمية فيلحقوا الركب فكل من تخلف سرقوه واخذوا الذي عنده واما القتل ليس يقتلوا احد وهم رقاق الذات ومعظمين الوجوه ولهم شعر مظفور مثل شعر النساء ويدهنون رؤوسهم بالسمن وهم يلبسون على رؤوسهم شاشية من القطن صغيرة ويجعلون على رؤوسهم محرمة مثل العبروق الذي يجعلونه نساء اهل بنغازي على اكتافهن وهو في بنغازي يقال له العبروق  وفي تقرة يقال له محرمة فم احزام ولكن الناس الاكابر يجعلونها من حرير والناس القليلين يجعلونها من القطن وهي تاتي من مصر والشام ومن بر الهند ومن بر اليمن ويجعلونها على رؤوسهم ، واما نسائهم شينين الصفات ولا يوجد فيهم الزين الا قليل وهم  ساكنين الا في اعالي الجبال . وعندهم بعض اشجار النخيل ويوجد الموضع الذي فيه العيون وهم يزرعون فيه القمح والدخن وعندهم اشجار الموح واشجار الارنج وياتي اليهم الوز من بلاد الهند واما العرب الذي في الجبال فلا عند كثير ما كلت في القمح الذي ياتي اليهم من بر مصر وهم ياكلون الا الدخن والرز والقمح الذي يزرعونه في بلادهم وهو يسمونه الحمط واما قمح بر مصر قالوا فمن  ياكل منه دائما يكثر فيه القمل وعندهم كسب المعز وهم معزهم ليس كبير وهو مغير وهو على لون الغزال فسالنا على ذلك الامر فقال لنا رجل منهم سبب معيزهم على صورة الغزال لانها وقت تسرح ياتي اليها الغزال ويطردها يخرج اولادها على صيفة الغزال واما الغنم في العرب الذي ما بين بر مصر ومكة شيء قليل والابل كذلك وهي اشجار صحرتهم اكثرها الطلح وهم يجمعون من اولاده ويهرسوهم ويدبغوا بهم الجلد فيخرجوا الجلد مدبوغ ولا يعطل في الدباغ واما اولاد الطلح على كاسم اولاد الخروب وهم عندهم اشجار الجداري فهم يدبغون بعروق الجداري مثل القرب واما اولاد الطلح ما يدبغوا به الا جلود البقر والجلد الذي يعز عليهم واما سلاحهم اكثره بالفتيل وعندهم سكين على كاسم الغنيمي فيقول له جنبية وهي عرضها حكر اربعة اصباع واما راسها رقيق وطولها يجي ثلاث اشبار ويرفعون في ايديهم الرمح وهم من عادتهم يتبعون الركب والقوافل بالحج ، فاذا تخلف احد سرقوه وبالليل يسرقوا الركب وكل من لم يعسوا على نفسه ولم يكن فطين يسرقوه وهم ناس رقاق لا لحم في وجوههم وسيقانهم رقاق وهم جرئين ووعرين في الفت على الاجبال ، واما في الارض لا يقدروا على الفت وقد حدثنا رجل منهم اسمه حسنان قال لنا كاينه حشيشة في الجبل الذي غرب بدر وحنين وهم جبل عالي وهو من الرمل