‏إظهار الرسائل ذات التسميات - الهجرة . الجنوب الليبي . فزان .الصحراء . . ليبيا. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات - الهجرة . الجنوب الليبي . فزان .الصحراء . . ليبيا. إظهار كافة الرسائل

السبت، 4 نوفمبر، 2017

الهجرة المتوسطية .. حبل التفكير الخاطئ .




       الفكرة القائلة بأن الرقابة المشددة على المعابر الحدودية ، وحدها يمكن أن توقف تدفق المهاجرين عبر البحر الأبيض المتوسط ​​هي مجرد خيال جامح .
        فى الاسبوع الماضى اجتمع سبعة من القادة الافارقة والاوروبيين فى باريس لبحث سبل الحد من الهجرة غير الشرعية من شمال افريقيا الى اوروبا.. تحديات كبيرة كانت في انتظارهم ،  ففي الأشهر السبعة الأولى من هذا العام نجح اكثر من مائة الف مهاجرا في عبور البحر الأبيض المتوسط ​​إلى أوروبا بحثا عن حياة أفضل.
        بالنسبة لأوروبا ، المهمة ذات ابعاد سياسية على علاقة بقلق الناخبين ، والحد من وصول هؤلاء القادمين الجدد يحضى بأولوية تقود الى كسب الرأي العام .. ومع ذلك ، فإن التخويف من حجم تدفقات اللاجئين يحجب الوجه الاخر للهجرة والمرتبط بتحديات طويلة الأجل ، جوهرها التنمية ببلدان المصدر .. اذ لا يمكن تخفيض تدفقات المهاجرين بصورة مستدامة ، ما لم يتم التغلب على تحديات التنمية .
     ليس من المستغرب أن تركز دول الاتحاد الأوروبي بشدة على مساعدة دول العبور ، لا سيما ليبيا والنيجر ، نحو تعزيز ضوابطها الحدودية بحثا عن إصلاحات سريعة .. وان تطلب الامر اقامة كنتونات لاحتجازهم بتلك الدول .
        إن نظرة فاحصة على الاقتصاد السياسي ببلدان العبور ، حيث تعتمد المجتمعات المحلية على الاتجار بالمهاجرين كمورد رئيسي للدخل والعمالة ، يجعل من الواضح أن أي انخفاض في حركة التدفق الذي يطمح  قادة أوروبا للاحتفاء به ، لن يتحقق ما لم تتم معالجة الازمة السياسية في ليبيا  . واستحدات تنمية حقيقية بدول الغرب الافريقي والساحل على وجه الخصوص .
        وعلى الرغم من الضغوط السياسية الناجمة عن حركة المهاجرين نحو أوروبا ، والتهويل الاعلامي ، إلا انها في الواقع صغيرة الحجم على الصعيد العالمي بالمقارنة مع أعداد اللاجئين والمشردين داخل القارة الافريقية .
       هناك حركة نزوح بشري هائلة من الدول الفقيرة وغير الساحلية نحو الاقتصادات الأكثر ازدهارا في ساحل غرب أفريقيا .. اذ تقدر حكومة كوت ديفوار أن 5.4 مليون من سكان البلاد البالغ عددهم 23 مليون نسمة هم من الأجانب.
       وهناك نسبة كبيرة من المهاجرين الذين يتوجهون إلى أوروبا يفرون من الصراع - ولا سيما في القرن الأفريقي - أو القمع السياسي في إريتريا ، على سبيل المثال .. وحتى عندما لا يكون الصراع أو انتهاك حقوق الإنسان المحرك الرئيسي لحركة الهجرة ، فإن الضغوط الاقتصادية توفر دافعا قويا بنفس القدر .
        ومن المؤكد أن التركيز على انماط الحكم والتنمية في دول العبور الرئيسية ، سيخفف من ضغوط الهجرة ويؤدي تدريجيا إلى معالجة القضايا الأوسع نطاقا على نحو أكثر فعالية .. لكن الدور الرئيسي الذي لعبته الهجرة في الاقتصادات والديناميات الاجتماعية في شمال النيجر وجنوب ليبيا يعني أن هذا لن يكون سهلا.
         لقد أصبح الارتفاع المفاجئ في الهجرة مولدا لأرباح كبيرة بالنسبة للمتاجرين الرئيسيين ، وسبل عيش مدفوعة الأجر للسائقين وعمال النزل والتجار المحليين ، وأحيانا المسؤولين أيضا . ومعظمهم سيكافحون في المناطق التي طرد فيها الإرهاب السياح. ويشكل الافتقار إلى فرص كسب الرزق ، ولا سيما بالنسبة للشباب ، عاملا رئيسيا يحفزهم على الانخراط في أعمال الاتجار.

       ومن المؤكد أن هناك مجالا لتحسين إدارة الحدود في ليبيا والنيجر وتشاد : فالعديد من حرس الحدود المؤقتين الليبيين لا يحصلون على رواتب الدولة ، في حين تفيد التقارير أن بعض وحدات الجيش النيجري تعتمد على دعم المهربين حتى لدفع ثمن وقود المركبات .. وسيكون من السذاجة الاعتقاد بأن تحسين مراقبة الحدود وحدها يمكن أن يعرقل طرق تهريب البشر .. ومن المرجح أن تؤدي الضوابط الحدودية الأكثر صرامة إلى دفع المهربين إلى طرق نائية  ، وسوف لن تزيد من أرباحهم فحسب ، بل ستزيد من المخاطر التي يتعرض لها الأشخاص الذين ينقلونهم.
       وفي غياب تنمية أوسع نطاقا ، قد يؤدي تعطيل تدفق المهاجرين إلى نتائج خطيرة غير مقصودة . اذ إن الاقتصاد غير المشروع يساعد ، في نواح كثيرة ، على استقرار النيجر ، ويبقى مثار قلق توجه الشباب العاطلين عن العمل إلى الجماعات الجهادية التي يمكن أن توفر لهم لقمة العيش .
      يعتقد كثير من الليبيين وأهل الجنوب " فزان " على وجه الخصوص ، أن البلدان الغربية تريد ببساطة جعل بلادهم أرضا للتخلص من المهاجرين ؛ في حين ينظر السكان المحليون في النيجر إلى القوانين التي تجرم التهريب ، بأنها املاءات يفرضها الضغط الدولي ، وناجمة سياسة تمييزية تهدف إلى تدمير سبل معيشتهم .
 إن نهج المعاملات الذي يتبعه الأوروبيون يعد نهجا ضارا على كل المستويات ، فقد اتضح مؤخرا من خلال ما اقدمت عليه إيطاليا من استئجار المتاجرين في مدينة صبراتة الى تحويل تدفقات الهجرة إلى شريحة مساومة تشجع الجهات الفاعلة الحكومية وغير الحكومية على حد سواء على التلاعب بالتدفقات.
     إن الفكرة القائلة بأن ليبيا الساحلية يمكن أن تكون خط المواجهة للمحاولات الرامية إلى الحد من الهجرة غير القانونية هي معيبة بشكل واضح . غير أن اقتراح الرئيس ماكرون بدفع التدخلات إلى الداخل هو أيضا إشكالية. وقد رفضت تشاد فكرة أن دول الساحل يمكن أن تستضيف مراكز معالجة اللجوء ، في ظل مخاوف من أن تصبح هذه المراكز مجرد " نقاط ساخنة " للأزمات.
     ولا يزال هناك العديد من القضايا الاجتماعية والاقتصادية التي يتعين التصدي لها. وإلى أن يتم ذلك ، سيظل النهج الأوروبي معيبا يندر بالفشل.

الجمعة، 29 سبتمبر، 2017

أزمة الهجرة .. وضحايا في الخفاء




    مرياما تبلغ من العمر 18 عاما .. فقدت والدتها العام الماضي عندما غرقت في البحر المتوسط وهي في طريقها إلى إيطاليا .. تقول :

    عندما اكتشفت أن أمي كانت قد ماتت ، وقعت منهارة على الأرض وبدأت اصرخ بصوت هستيري مفزع ، ولا ارادي ، شخص ما حملني إلى المستشفى .. لقد حاولت عائلتي إخفاء الحقيقة عني ، ولكن الجميع كان يبكي .. في نهاية المطاف ، قال لي والدي : أن أمي غرقت في البحر الأبيض المتوسط ، قبالة الساحل الليبي .. وان القارب الذي كانت تسافر فيه انقلب ، ولم يتم العثور على جثتها قط .
 
   لم أكن أعرف أنها كانت تنوي السفر - عبر الطريق الممكن - في محاولة للوصول إلى إيطاليا .. كنا قريبين جدا ، أشبه بالأخوات من علاقة الأم وابنتها .. كانت تقول لي معظم أسرارها ، لكنها لم تحدثني بكلمة عن خططها للذهاب إلى أوروبا .. أبي على ما يبدو كان يعرف بأن فكرة المغادرة تراودها ، لكنه لم يحاول وقفها .. وبعد وفاتها ، تركني اعيش الآن مع أخي الصغير.
 
    لقد حاولت امي بالفعل الذهاب إلى إيطاليا من قبل .. في المرة الأولى ، قالت لنا أنها كانت في طريقها إلى السنغال ، ولكن عندما قررت الاستمرار ومواصلة الرحلة الى ليبيا .. وجدت اخوة لها جعلوها تتردد في قرارها ، وتعود مرة أخرى ، ولكن ما حدث بعد ذلك .. انها غادرت مرة أخرى ، دون أن تخبر أحدا .. عرفت أنني لن أتركها تذهب أبدا فيما لو اخبرتني .. هذه المرة ، لا أحد يستطيع يثني عقلها عن قرارها ، لكنها خسرت حياتها .
 
    أنا لا أريد مجرد التفكير في ما ان يحدث خلال الرحلة .. اعرف ان الطريق خطير جدا .. ويتم سلب الناس العابرين ، واغتصاب النساء ، وفقد الكثير منهن لحياتهم ، وقتلوا عنوة .
 
    امي كانت شجاعة بما فيه الكفاية واكثر .. حد المغامرة .. لقد فعلت ما لا تستطيع العديد من النساء القيام به ، اختارت المغامرة بالذهاب إلى أغاديز ، ومن هناك إلى طرابلس بمفردها .
 
    ما زلت لا اتطيع فهمه ، لماذا فعلت ذلك ؟ .. اعتقدت ان أمي كانت سعيدة معي هنا .. كانت امرأة قوية تمتلك عزيمة صلبة .. ربما اعتقدت ان فرها الى ايطاليا سوف يجعل حياتنا افضل ، وستجني المال الوفير .. ربما أرادت فقط ضمان مستقبل أفضل للطفل الذي كانت تحمله في رحمها .. كانت حملها في شهره الثالث عندما غرقت في البحر الأبيض المتوسط .. أنا مدمرة واشعر بالمرارة وانا ادرك انها غامرت ولقيت حتفها من اجل ان تكون ام افضل .. الكثير من الناس هنا في غامبيا يعتقدون أن الحياة في أوروبا حلوة وسهلة ، وأن هناك الكثير من الوظائف في انتظارهم هناك ، لكن هذا ليس صحيحا .. نجا ثلاثة من أشقائي خلال رحلة نقلتهم إلى إيطاليا ، لكن واحد منهم فقط يعمل الآن .. وقال : انه اشترى لي هاتف ، وفي أحيانا يعدني بأنه سوف يرسل لنا المال .. لست متأكدا من الطريقة الأخرى التي تمكن من العيش هناك ، دون وظيفة .
 
    الغوص في زواريب الماضي والعيش فيها مسألة خطير جدا .. وأنا لا أريد أن أفعل ذلك .. وأود البقاء هنا في غامبيا ومواصلة الدراسة .. أنا على ما يرام في المدرسة ، ولا زلت اعمل بكد وجد . وسأنهي قريبا امتحاناتي . آمل أن تكون والدتي فخورة برؤية مدى قوتي بدونها ، وحتى وهي ليست بجانبي .. منذ وقت ليس بالبعيد ، وقبل فراقها ، قالت لي : يجب أن تتقبلي أي حياة هي قدرك والمصير الذي يقذف به الزمن في وجهك ، دون أن تفقدي أبدا إيمانك .. كانت هذه هي آخر مرة تحدثنا فيها .. إذا بقيت هنا واعمل بجد ، آمل ذات يوم ، وكما قالت أمي ، كل شيء سيكون على ما يرام.
ت . عين على فزان

قصة الالم لبلوغ الحلم




  نومو توراي، شاب من غامبيا، عمره 18 عاما .. يقف على شاطئ مدينة باليرمو الإيطالية ليحكي رحلة الالم لبلوغ الحلم :

    عندما فقدت كل عائلتي في سن الخامسة عشرة قررت مغادرة غامبيا .. لم يكن لدي أموال لشراء تذكرة الحافلة ، اخترت الرحيل سيرا على الأقدام ، والمشي لساعات وساعات نحو حدود السنغال .

     كانت تلك بداية الرحلة .. اضطررت بعدها إلى عبور خمس دول خلال سفري : السنغال ، مالي ، بوركينا فاسو ، النيجر ، ليبيا .. استغرق زمن الرحلة بمجملها سبعة أشهر ..  قضيت منها بضعة أيام في السنغال ، وشهرين في مالي ، وبضعة أيام في بوركينا فاسو، وشهر في النيجر، وأربعة أشهر في ليبيا.

   لم يكن لدي أي شخص يمكنني ان اتواصل معه للحصول على المساعدة المالية .. اضطررت للعمل في معظم هذه الأماكن التي وطأتها اقدامي خلال رحلتي ، وعادة ما عملت بالمناولة في مجال البناء .

        في مالي ، التقيت بشبابين كانا أيضا يراودهما الحلم ذاته ، جميعا نفس الهدف ، شعارنا البقاء على قيد الحياة والمضي قدما .. لذا اعتدنا على دعم بعضنا البعض ، والبقاء على مقربة من بعضنا ، ذلك يشعرنا بأننا اكثر أمانا . وكنا نقدم النصائح لبعضنا البعض ، ونتبادل المعلومات عن الطريق وما ينتظرنا .. وانا أتساءل اليوم :  أين هم يا ترى ؟.

      أتذكر انني تعرضت ثلاث مرات لحالة اغماء وانهيار تام بسبب الجوع والإرهاق .. لم أتمكن من تحمل الاعتماد على وجبة واحدة في اليوم ، وعمل لمدة اثنتي عشرة ساعة ، مع استراحة واحدة لمدة 15 دقيقة فقط ، في بعض الأحيان لم أكن أعرف ما إذا كنت سوف انهي يومي وانا على قيد الحياة .

      طوال سيري بالطريق كنت أخشى أن يسطو أحدا ما على مدخراتي ، ويسرق المال الذي كسبت بشق الأنفس . عند نقطة ما ، سافرنا على متن حافلة ، وصلنا إلى نقطة تفتيش . طلبت منا مجموعة من الرجال المسلحين يلوحون بالبنادق النزول ، وتسليم أموالنا . قلت لهم : ليس لدي أية أموال . صرخوا في وجهي وهددوا بقتلي إن وجدوا أية اموال عندي .  اجتاحني رعب شديد جدا ، وأعطيت لهم دعوني ما بحوزتي وواصلت رحلتي بجيوب خاوية  .



       بعد رحلة استمرت عشرة أيام عبر الصحراء ، وصلت أخيرا إلى ليبيا . في نهاية المطاف ، لقد تحولت ليبيا إلى أخطر مكان في رحلتي بمجملها ، ثمة عصابات اجرامية تستهدف اللاجئين وتبتزهم . بعد وصولي بفترة وجيزة ، اختطفت وعذبت من قبل عصابة طالبتني الاتصال باسرتي في غامبيا وإبلاغهم ارسال المال للافراج عني ، كنت أتمنى لو كان لي شخص يمكنني الاتصال به  ، ولكن لم يكن لدي . بيت في الحجز لكنني في نهاية المطاف ، كنت قادرا على الهرب منتصف الليل.

    عند شاطئ البحر الأبيض المتوسط ​​القريب منا ، كنت أعرف أن المحطة الأخيرة من رحلتي تتجلى أمامي .. عملت في ليبيا لمدة أربعة أشهر للحصول على ما يكفي من المال كي ادفع لمهرب يساعدني في عبور البحر​​بالقارب.

     قبل يومين من موعد العبور ذهبت إلى الشاطئ . نظرت إلى البحر ، وجدته شاسعا جدا الى ما لا نهاية ، ولا يبدو ان هناك أي شيء على الجانب الآخر . وسألت نفسي : هل بالإمكان عبوره في قارب بلاستيكي صغير وغير آمن ؟

     عندما صعدت القارب ، جنبا إلى جنب مع ما يقرب من 130 شخصا آخرين ، للوهلة الاولى أردت النزول ، وراودتني قناعة بأنني سوف اموت غرقا لا محالة .. ولكن بعد لحظة تفكر في ما تركته ورائي ببلدي ، وما دعاني للوصول إلى هنا . قررت البقاء على متن القارب ، وكنت أعرف أن فرص العيش والموت مناصفة  50/50.

عندما وصلنا إلى شواطئ إيطاليا بأمان ، شعرت بأنني أسعد شخص على وجه الأرض .. كنت أعرف أنني سوف اكون  في النهاية ، قادرة على تدبير امور حياتي ومستقبلي .



    نومو توراي ، هو حاليا من بين أصوات الشباب المدونين .. ويقول عن نفسه " أحب الأصدقاء والطبيعة والسفر .. أعتقد في التصميم والصدق سبيل النجاح ".

السبت، 26 أغسطس، 2017

اتسعت مصيدة الموت




     الطرق الصحراوية بعيدا .. وما ان تتوارى مدنية " أغاديز" خلف الانظار .. مركز انطلاقة الرحلة شمالا نحو ليبيا .. يتخلى المهربون عن المئات من المهاجرين .. ثمة هنا في شمال افريقيا .. حالة طوارئ دولية كبرى تتكشف .. ولم يلقي العالم حتى الآن اهتمامه بما يحدث .. المهربون يتخلون عن مئات المهاجرين وهم يحاولون عبور الرمال .. تلفحهم حرارة الصحراء التي لا ترحم . الموت من العطش في عزلة صحارى مقفرة .
     اتسعت مصيدة الموت من البحر الأبيض المتوسط إلى الصحراء .. وازدادت مخاطر عبور الصحراء .. بل تفاقمت بسبب سياسة الاتحاد الأوروبي التي دفعت بتلك المخاطر بعيدا عنها .. وبعيدا عن وسائل الإعلام والاهتمام العالمي.
لقد ثبت فشل جهود الاتحاد الأوروبي لوقف موجات المهاجرين الذين يعبرون البحر الأبيض المتوسط .. وصار الامر أكثر تعقيدا .. وانجاز ما كان متوقعا صار بعيد المنال .. لقد فشلوا في وقف وصول القوارب .. والشراكة مع النيجر والدعم المالي واللوجستي لها من اجل سد الطرق والمعابر لم يثمر .. ..ولا استخدام القوات العسكرية لدول جنوب الصحراء .
      منذ عام 2016، ألقت النيجر القبض على أكثر من 100 من المتاجرين بالبشر وصادرت أكثر من 95 مركبة .. وفي الوقت نفسه ، اعترضت أكثر من 000 2 مهاجر على الحدود بين النيجر وليبيا وأرسلتهم إلى بلدانهم الأصلية. وقد انخفض عدد المهاجرين من النيجر إلى ليبيا .. انخفاضا حادا منذ سبتمبر 2016 عندما دخلت التدابير الجديدة حيز التنفيذ.
    من المعروف .. الطرق تتغير وأصبحت أكثر خطورة ، مما يعرض المهاجرين لمزيد من المخاطر .

الثلاثاء، 22 أغسطس، 2017

مرحبا بكم في الجحيم






    تتغير مسارات وقصص الناس الذين يسافرون .. على عكس السنوات الماضية ، في المحطات "الأسطورية" لشركات الترحيل خفية .. مهاجع مغلقة وبوابات .. هنا لا أحد يعتقد بعد الآن ان بإمكانه الوصول إلى شواطئ إيطاليا. ليس لدينا المزيد من المال .. لا أحد لديه المال للذهاب إلى أوروبا ! وقد قرر الكثيرون العودة إلى ديارهم ولكنهم لا يعرفون ماذا يفعلون .

    بعد أن رحلت من ليبيا .. ها انا انام في محطة ريمبو .. نحن حوالي خمسين رجلا وامرأة وراء اسوار المهجع .. من غامبيا .. مالي .. السنغال .. ليبيريا .. نيجيريا .. سمعنا في الإذاعة أن الحكومة الألمانية تعطي الكثير من المال لدول المنطقة من أجل مساعدة المهاجرين ، ولكننا لا نرى ذلك .. لم نر بعد يورو واحد منذ أن اصبحا هنا! .. ولا يمكننا الاعتماد على أنفسنا فيما نتأمل فقط  العودة إلى ديارنا.



    مرحبا بكم في الجحيم .. أمشي طوال اليوم تحت شمس نيامي الحارقة .. اجوب الشوارع بحثا عن عمل يكفيني لقمة عيش للبقاء حيا ..  او معونة انسانية .. فيما النيجيريين انفسهم .. يجوبون الشوارع مثلي .. فرص العمل معدومة حتى لاهل الوطن ..  تشنجات المعدة قادتني لنبش القمامة اطراف سوق الخضار المزدحم .



    أنا سعيد جدا بأن أكون قادرا على إعادة رواية قصتي ..  وخلافا للشهادات "الكلاسيكية" للمهاجرين ، فإن الجحيم الذي اصفه لكم ..  لم يكن على الطريق نحو ليبيا ، ولكن بعد العودة منها ..  كان الذهاب سهل يسير ، والعودة بدلا من ذلك كانت فظيعة للغاية .. فيما كانت الحكومة النيجيرية هي الأسوأ من ذلك كله .. منذ أن غادرت غامبيا ، على الطريق نحو ليبيا ، لم أر أبدا مثل هذا الوضع ..  بعد اعتقالي على متن قارب غادر لتوه من شاطئ ليبيا .. نحو جزيرة  لامبيدوزا .. وفي بلاد نيامي .. ابتزاز الشرطة النيجيرية لا ينقطع .. لقد اخذوا ما تبقى لدي من مال ..  حوالي 1500 يورو .. وعلى الطريق المؤدي إلى نيامي ، على بعد ألف كيلومتر من أغاديز .. تتوقف الحافلة عند حوالي ثلاثين نقطة تفتيش ، وعلى المهاجرين أن يدفعوا لمواصلة الرحلة .

    كنا مجموعة من 100 -150   شخص ، سلمنا الليبيين إلى السلطات الحدودية النيجيرية .. في ليبيا أخبرني أحدهم بمنظمة في أغاديس تساعد المهاجرين على العودة إلى ديارهم .. ومع ذلك ، عندما أحضرنا الجيش النيجيري إلى المدينة ، لم يسمحوا لنا بالذهاب إلى المنظمة الدولية للهجرة .. أبقونا بمركز الشرطة .. لم يعطونا الطعام أو الماء ، كان علينا أن نبكي من أجل الحصول على المياه .. وقالوا لنا : إنه لا توجد منظمة دولية تساعد المهاجرين .

      رحلة مضنية تسببت في اصابة زوجتي برمد العين ..  تركنا طفلين في غامبيا .. وكانت فكرة تراودنا بعد تردد طويل  .. يجب أن يكون لديهم الصبر و ينتظرون عودتنا ..  لا أستطيع البقاء بعد الآن في هذا المهجع .. اكواخ الطين والصفائح المعدنية ..  غرف محيط نيامي .. مهاجع الأحلام المكسورة لكثير من المهاجرين جنوب الصحراء الكبرى.

الاثنين، 13 فبراير، 2017

ليبيا ارض الاحلام



     كلما عرفت تفاصيل الامور ودواخلها ، صعب عليك شرحها لمن لا يعرفها .. فررت من بلدي اريتريا مكرها ، الفقر وضنك العيش يحاصرني ، التجنيد الاجباري ، الاستبداد السياسي ، عوامل طاردة اجتمعت وصار الخيار الوحيد امامي هو الهجرة ، بل اظن ان كل الشعب يفكر في الهجرة ولا يجد السبيل ، فمن الصعب الفرار من اسوار الطغمة الحاكمة ، والعقاب المزري يتوعد كل من يفكر في الفرار ، لكن المهربين المحترفين يتمتعون بمهارة المراوغة ومعرفة بالمسالك ، ولك ان تغامر وتدفع المال . وهذا ما حدث معي . ولا زلت اذكر الاوقات التي قضيتها داخل الحدود الارترية في طريقي الى النفاد ، كانت اشد وطأة على النفس ، تتراى امامي قضبان السجون ، وتجارب اخرون بلغتنا اخبار فشل تجربتهم بالرحيل ، والنهايات المرعبة .



    
   لكن لحظة دخولنا الحدود السودانية ، لا شك انها اشبه بلحظة الإنعتاق النهائي من كوكب الجور ، وان كنا على يقين ان كثير من المتاعب لا تزال تنتظرنا . ولعل وقوعنا في قبضة قطاع طرق ، سلبوا اموالنا بعدما استلمنا مهربين سودانيين ، خبأت بعض منها في قبعتي ، وتركونا لنواصل سيرنا على ظهر سيارة طاوية مهترئة ، الى ان بلغنا الحدود الليبية ، وهناك تركنا المهربين في العراء ، صحراء رملية مقفرة ، قالوا لنا انتظروا حتى يأتي المهربين الليبيين لنقلكم ، وظللنا هناك سبعة ايام ، نفذ الزاد ، وبلغ بنا الاعياء الشديد حد اليأس من الحياة ، وفي اليوم السابع وصل المهربين الليبيين ، لإتمام مرحلة اخرى الى الجنوب الليبي عبر منطقة الكفرة ، ومنها الى مدن الشمال والساحل .
      في السودان لا حل لمن نفذ ماله سوى بيع الاعضاء ، الكلية على وجه الخصوص ، وهناك عصابات على علاقة بمصر لهم دكاترة مختصون في اجراء العمليات . ويتطلب نقل من يوافق الى مصر . وتغيير خط سيره .
    ليبيا ارض الاحلام كما نسميها ، لن تتعرض هناك الى هذا النوع من الابتزاز ، واذا ما نفذ المال ، ستجد فرص العمل بيسر ، وتستطيع خلال فترة قصيرة جمع ما يكفي لعبور المتوسط . كما ان وقوعك في يد شرطة مكافحة الهجرة لن يكون مضنيا ، سيتكفلون بإعاشتك ، وستعاني السجن لفترة محدودة ، وقد تجد ممرا للهروب ما لم يكونوا ملوا من سجنك ، فهم لا يملكون حلول لإعادتك الى بلدك ، وسيضطرون للإفراج عنك بعد طول انتظار ، وأحيانا اقل ، كنا نعرف كل هذا . ولا نخشاه .
      لم افكر في العمل في ليبيا ، اتصلت بشقيقي الذي يعمل بدولة ما ، ارسل لي مبلغا من المال ساعدني على اجتياز المرحلة الثالثة ، لكنا وقعنا في قبضة خفر السواحل الليبي في عرض البحر . وتمت اعادتنا الى اليابسة من جديد ، وها نحن ننتظر لحظة الافراج عنا .



  
           اغاديز شمال النيجر .. نقطة التجمع ومحطة الانطلاق للقادمين من غرب افريقيا .. هواتف الثريا توفر شبكة تواصل بين المهربين ، من أي دولة في غرب افريقيا يمكنك الاتصال هاتفيا لتجد من يرشدك .. الهواتف معلومة ومتداولة للجميع .. وترتبط ببعضها البعض .. من النيجر الى ليبيا الى اوروبا ، وايطاليا على وجه الخصوص حيث مركز القيادة للعمليات .. جميعنا على تواصل ببعض .. يقول مهرب .. وعندما تغيب الشمس تبدأ الشاحنات رحلة الهجرة نحو الشمال  .. ليبيا ارض الاحلام .
     فقط 170 الف مهاجر من غرب افريقيا عبروا العام 2016 وبلغوا مرادهم الشواطئ الباردة الاوروبية .. والحمد الله .. الاضطربات بشمال مالي ، والتأشيرة الجزائرية للعبور ، جعلت الطريق من غرب افريقيا الى غات اكثر كلفة ، ومحفوف بالمخاطر ، والبوبات وما تستوجب من دفع رشاوى .. الطريق عبر اغاديز النيجر صار افضل .. حوالي خمسة ألاف مهاجر يغادرون اغاديز شمال النيجر نحو ليبيا كل شهر .. الهجرة عبر الشاحنات خيار أبطأ ، اغاديز الى سبها من 8 إلى 10 ايام . لكنها اقل تكلفة ، السلع جوهر أعمال السائق ، والركاب لزيادة هامش الربح .. الغالبية العظمى من المهاجرين العابرين على طول ممر النيجر ليبيا يفضلون السفر عبر سيارة تويوتا .. اسرع لكنها اكثر كلفة .. الاتجار وتهريب البضائع والأشخاص بين النيجر وليبيا ليست بأي حال تدفق في اتجاه واحد ،، هناك سلع تأتي من النيجر ولها سوق رائجة بليبيا .. مهمة التهريب والاتجار بالبشر تقتضي نقل المهاجرين عبر الصحراء بأسرع وقت ممكن . 4 ايام من اغاديز الى سبها .. عائدات تهريب المهاجرين  قوة للاقتصاد وللاستقرار في شمال النيجر .. ازدهرت اغاديز ، وصارت مركزا تجاريا مرموقا ، نقل الركاب عبر الحدود ، ولا اقول الهجرة الغير مشروعة ، وفر فرص عمل للكثيرين ، هناك اليوم ليس فقط التجار ، بل واعضاء الحكومة ، والشرطة ، واصحاب المطاعم ، وكانتونات الايواء ، والهواتف ومكاتب الاتصال ، الكل مستفيد ، واية قوانين تحاول اليوم كبح هذا الحراك ، ستواجه بغضب شعبي عارم بلا شك .