‏إظهار الرسائل ذات التسميات ري الغليل الجنوب الليبي . فزان .الصحراء . . ليبيا. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات ري الغليل الجنوب الليبي . فزان .الصحراء . . ليبيا. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 14 مايو، 2017

مذكرات رحالة من فزان 1852 .. ( 11 )


المدية بلاد العنب الفاخر .. اجود انواع العنب ببلاد الجزائر .. ويها غرس التين  والرمان ..
من المدية توجهنا برا الى ” مليانه ” .. بلدة مليحة .. تحفها الجبال من كل جانب .. الماء العذب وفير .. اطلال مآثر الناس الاولين .. اشجار العنب ..الاجاص .. استأجرنا دار للسكنى .. وظللنا ننتظر احد من اهل الغرب نرافقه الى وهران .. ومن وهران نركب البحر نحو الغرب حيث اولاد عمنا ..مولاي عبدالرحمان سلطان الغرب .. وقد جاءنا الخبر انهم يسكنون ارض تافيلالت .. عزمنا التوجه اليهم .. ومن تافيلالت الى توات .. ومن توات الى ارض تبو .. فخيب الله مقصدنا .. مرضت بمليانة مرضا شديدا .. حتى ترهلت اقدامنا .. ما استطعت المشي تى لمسافة محدودة .. شهرين متتاليين وانا اتعذب .. ونصح لنا العرب بالذهاب الى حمام علاجي طرف الجبل .. مسيرة يوم .. استأجرنا بغل بخمسة فرنك .. ووجدنا حمام لطيف .. مآثر الاولين تحفه من كل جانب .. الماء الساخن ينبع من قمة الجبل .. بنى حوله الفرنسيين برج .. وغرس اشجار القسطلي .. اقمنا بالحمام اربعة عشر يوما .. استحم بالماء الساخن حتى تعافت ارجلنا .. وصرت قادرا على المسير ..  تداركت امري .. مواصلة السفر غربا امر مرهق .. عدت الى البليده .. ومنها عبرنا ببلدة  ” بوسعادة ” .. بلدة في احضان الصحراء .. بها غرس النخيل .. يبني بها الفرنسيين برج .. ومنها الى ” بسكره ” .. وهناك نزلنا بجامع سيدي احمد دبابس .. وفي الليل مر علينا القاضي يسألنا .. من اين ؟ قلنا له حجاج من اهل الغرب .. فقال للجماعة .. هذا الرجل ضيف عندكم .. كل يوم يستضيفه احدكم .. قالوا له : نعم .. وأخذني القاضي ضيفا عنده اول ليلة .. تناولنا العشاء سويا في داره .. وفي حديثه يشكو افعال الفرنسيين .. قال لنا : لم نعد نعرف ما يجب علينا فعله .. اولاني الفرنسيين القضاء ببلاد بسكرة .. وإذا حكمنا بشرع المسلمين .. وما جاء في كتبهم .. يغضب منا الفرنسيين .. وإذا تبعنا الفرنسيين .. خشينا معاقبة الله ورسوله .. قلت له : لما لا تقدم لهم طلب اعفاء من مهام القضاء .. لن يفرضوا عليك غصبا ؟ .. قال : اخاف ان ينهبوني .. وتنالني ملاحقتهم .. لكني افكر في مراوغتهم .. واقول لهم انني ذاهب الى الحج .. واحمل اولادي ومالي .. واهجر عن المدينة ولن اعود حتى يخرج الفرنسيين من وطننا .. او يحكم لنا .. وهو خير الحاكمين .. وكل من مات تحت حكم الفرنسيين يموت كافرا مشرك .. قلت له : انت رجل طالب علم .. تعرف كتاب الله .. ألم تتأمل قوله تعالى : ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ” .. اما وقد ولى عليكم الفرنسيين .. اطيعوا ولاة امركم .. واصبروا .. والفرنسيين ليسوا مثل الانجليز .. فوالله لو حكمكم الانجليز لترك وطنكم كما وطن اهل الهند .. احمد الله .. لعل الفرنسيين افضل من غيرهم .. ولا ادري لما تشتكون كما الامس عندما حكمكم الاتراك .. ولى الله عليكم الفرنسيين .. اصبروا  حتى يحكم الله لكم ولنا وهو خير الحاكمين .. تجولنا في حواري بسكره وأزقتها .. وعزمنا مغادرتها نحو بلدة تقرت .. ومنها الى وادي سوف .. الى بلاد غات .. ثم بلاد تبو .. عند اعمامنا وإخوتنا .. وننسى ما حدث .. وما جرى علينا .. وراء ظهورنا .
    غادرنا بسكره ووصلنا ” سيدي عقبة ” .. بلدة مليحة .. بها سوق رائجة  .. يجلب اليها العرب الخيرات من كل مكان .. تحفها الجبال ناحية الشرق .. تجولنا بها .. زرنا ضريح سيدي عقبة .. والجامع المقام الذي هو اشبه بالمدرسة .. يأتي اليه طلبة القران من كل مكان .. يهاجر لأجل حمل القران ..  يسكنون البيوت الملحقة .. مأكولهم بعهدة وكيل المسجد .. فلكل مسجد ” حبوس ” .. ومن ايرادها يتعيش الطلبة الحفاظ .. لكن ما حدث .. ان الفرنسيين عندما حكموا .. اخذوا املاك المساجد والزوي الصوفية .. لان العرب تنصت بإمعان وطاعة لكلام حفظة القران .. والمرابطين .. وبسبب ذلك تخلق الفتن على الفرنسيين .. بسبب فتوى حافظ .. او امر مرابط .. او شريف .
غادرنا سيدي عقبة .. بلغنا بلدة ” الحوش ” .. سكانها مرابطون جاء جدهم الاول من ارض ” وادي سوس ” غربا .. وهم من ذرية سيدي احمد موسى .. جاء في متقدم الزمان وكانت ارض بور .. غرس النخل .. وبدر الزرع .. وصار له اولاد وأحفاد .. وأملاك ..  فلما تولى الفرنسيين .. صادروا بعض املاكهم .. وأراضيهم .. ووزعوها على عرب اخرين .. لهذا تجدهم دائما مع من يناهض حكم الفرنسيين .. وان سمعوا بنداء لجهادهم تجدهم سارعوا وانضموا للنداء .
     حدثنا رجل منهم عن دعوة ابوزيان لقتال الفرنسيين .. وكيف انضم اليه اهل اقليم الزاب جملة .. وأهل الجبل احمر خده .. وأهل سيدي عقبة .. واهل وادي ريع .. و اهل الحوش .
حان الرحيل والسير نحو تغرت .. لكننا لم نجد قافلة ننضم اليها .. كان وقت الخريف .. وفيه تداهم البلدة حمة قاتلة .. هي اخطر على البشرة البيضاء منها الى السمراء .. وهي اشد فتكا بالغريب .. قليل هم من يسافرون اليها في هذه الاوقات .
  غادرت الحوش بمفردي .. دلني احدهم على الطريق نحو وادي سطيل .. حل الليل .. توقفت وقضيت ليلتي بالوادي .. حدث ذلك شهر ذي الحجة من عام 1344 هـ .
      في الصباح تابعت سيري بارض سبخة .. امضيت في عبورها خمس سعات .. وعند منتصف النهار بلغت ” الوريري ” .. بلد صغير .. بها قليل من اشجار النخيل .. قصدنا المسجد .. قدم لنا قيم المسجد الماء .. والتمر الطازج .. ا كلنا شهوتنا .. وتابعت سيري حتى بلغت بلدة ” المغير ” .. بينها وبين الورير مسافة ثلاث ساعات .. بت ليلتي لدى مرابط يدعى ابن سيدي مبارك الصائم .. اكرمنا غاية الكرم ..  في الصباح تجولت بحواري وأزقة البلدة  .. ممتدة المعالم .. كبيرة ..  اكبر من بلدات وادي دريغ .. واقل حجما من بلدة تقرت .. تحفها غابات النخيل من الفسائل الجيدة .. والعرب تختارها لتخزين محصول زرعهم .
   تابعت سيري ووصلت ” عين الكرمة ” .. موضعها ما بين سيدي خليل ، والمغير .. الماء العذب يتدفق من باطن الرمل .. تقذفه يمينا وشمالا ..  تحفها ست نخلات طويلة .. غادرت عين الكرمة .. وبلغت سيدي خليل .. اهل متصوفة .. اصحاب زوايا الحضرة .. يطعمون الطعام لكل عابر سبيل لا يمتلك زاد .. و ” سيدي خليل ” .. كان سلطان وملك وادي ريغ .. يدعي انه مرابط .. وملك ملكا ليس لأحد من اهل الوادي .. يمتلك ثلاثمائة شريعة .. وكل حقل منها غابة من الغرس .. منها ما يتجاوز الخمسة الاف شجرة .. اصله من المغير .. واذا نظرت الى الغرب .. الغابة الممتدة من ارض السبخة حتى مكب وادي خروف .. هي ملكا لسيدي خليل .. اما نسله فهم بيض البشرة .. ونساؤهم جميلات .. يزرعون القمح والشعير .. والتمر عندهم من اجود الاصناف .. ولا اجود من تمر نخيل سيدي خليل في وادي ريغ .
     قبر سيدي خليل وضريحه ظهر الغابة والبلدة .. وقريب منه قبة ضريح سيدي سالم .. والناس عندما يحلفون صادقين .. يقولون : ” وحق سيدي خليل وسيدي سالم ” .. ولا  يحنثون ..  وهم كرام وأكثر لطفا من اهل المغير .
    غادرت سيدي خليل صباحا .. عين المعريز شمال الطريق الى تقرت بنصف ميل  .. حولها اشجار نخيل .. ثم عبرنا تندل ، والبارد .. وهي بلدات صغيرة .. بها ابار وليس بها عيون .. والى نواحي غرب الطريق ظهر شرائع سيدي خليل .. وادي مالح .. مشينا ساعة زمن .. ووصلنا وادي مالح اخر .. ونصف ساعة اخر .. وادي مالح .. وساعتين اخرى حتى بلغنا ” عين اغفيان ” .. شمال الطريق بنحو ربع ميل  .. تحفها اشجار النخيل والسمار والطرفه .. بعدها بميلين بلغنا وادي مالح .. واصلنا سيرنا حتى بلغنا ” زاوية ارياب ” و ” مازر ” و ” وغلان ” وهي بلدات صغيرة . يزرعون القوت ويعتمدون الفلاحة معيشتهم .. ومنها الى جامع ” دسرة العريان ” .. ثم جامع  سيدي عمران ناحية القبلي .. ثم ” تنقدين ” .. ومنها الى ” سيدي يحي ” .. زاوية وأبار ماء حولها .. اهله يعتاشون على الصيد .. الغزلان والوحش والأرنب والذئب .. الوحش بالبارود .. والبقية بزرع الفخاخ والمناديف .. سيدي يحي الذي تحمل البلدة اسمه .. يملك خمسة عشر شريعة طرف البلدة .. ناحية الغرب .. غرسها نخيل .. قبلي ” سيدي يحي ” .. تظهر معالم ” تمرانت ” القديمة ..
   دخلنا ” تمرنت ” .. التقينا برجل اسمه الشيخ احمد الطلحي ..طفل صغير لا يتجاوز عمره سن العشرين .. كان ابيه شيخ تمرنت .. مات ابيه وتركه طفل صغير .. تولى المشيخة  ابن عمه الشيخ علي بن طاهر .. ثم الشيخ عبدالرحمان بن عمر بن جلاب .. الذي يتهمه الشيخ احمد الطلحي بأخذ ما خلف والده .
   قبلي البلدة .. مسجد من بنيان الاولين ينتصب اعلى  جبل صغير .. بني من الجبس والياجور .. تهدم اثره ولم تبقى سوى الاعمدة .. كما حضرنا عرس اثناء اقامتنا .. حفل طرف البلدة .. خرجت النساء والولدان وأهل البلدة .. دقت الطبول .. زغردت النساء .. وتغنوا الغيطه .. وتكلم البارود .. اشعل الرقص .. رقصت الفتيات .. تتشابك ايديهن .. وتترنم اكتافهن .. يقتربون من الاولاد من جيلهن .. يتكلم البارود .. وتعلو الزغاريد .. ويشرع الاولاد في نثر اوراق الحبق على رؤوس الفتيات .. .. وعندما اقترب الليل .. عادوا الى دار العريس .. تناولوا طعام وليمة العشاء .
      عين ” المراية ” في تمرنت .. ماءها عذب .. وأفضل مذاقا من جميع عيون وادي ريغ .. كما نخل تمرنت .. قوي الجدع مخضر .. افضل اصنافه ” دقلة نور ” .. ويزرعون القمح .. يصل ثمن القنطار اربعين ريال تونسي .. وتكثر عندهم أشجار العنب والتين والرمان والتفاح والبرقوق .. ومن تمرنت القديمة .. توجهنا الى تمرنت الجديدة ناحية القبلة .. وهي قريبة منها .. وهي بلدة رائعة .. يحفها البحر .. نخيلها وزرعها مخضر زاهي .. اهلها اغنياء .. بيض البشرة .. قليل هم سمر البشرة .. يفضلون تربية الماعز التركي .. وتهجينه بفحل الضان .. ماعز بلا قرون .. اذانه طويلة متهدلة .. يدر الحليب بوفرة .
غادرنا تمرنت الجديدة .. بين سيدي راشد وتمرنت عين ماء حولها اشجار نخيل يقال لها شريعة سيدي بن عثمان .. قطعنا مسافة اثنى عشر ميل تقريبا .. وبلغنا ” سيدي بو راشد ” .. نواحي القبلة والغرب تحفها كثبان رملية .. ومن الشرق سبخة ماء .. حسن اهلها ذات وصفات .. بها زاوية لاستضافة عابري السبيل .. الطعام يقدم مجانا لكل عابر او محتاج .. اشجار النخيل والبرقوق والورد تمتد لمساحات شاسعة .. مخضرة زاهية اكثر من أي منها في وادي ريغ .
   لضريح سيدي راشد توقيرا لدى الناس .. ومن اقترف جرما ولجأ اليه .. سلم من ملاحقة السلطات ..ويظل يتمتع بالأمن والطعام في ذلك الضريح .. ولا يجرؤ احد على القبض عليه .. حتى يأتي اولاد سيدي راشد لنجدته .. يلبسونه سبحة سيدي راشد .. سبحة كبيرة الحجم .. حباتها ضخمة .. بها خمسة الاف خرزة .. عشرة ارطال من حطب الرتم .. يؤخذ الجاني الهارب في زفة الحضرة الصوفية .. الاعلام الحمراء والصفراء والخضراء .. دندنة بنادير الدف .. الى ان يصلوا بلدة تقرت مقر السلطان .. عندما يصلون الى موضع قريب من تغرت يقال له ” دبوسة ” .. تشرع الاعلام .. وتبدأ جوقة المديح .. ودندنة البنادير .. حتى باب القصبة .. مقر السلطان .. وعند باب السلطان .. يشتد وقع الشطح والمديح .. يخرج لهم السلطان .. يسلم له الجاني .. يقبل السلطان .. يعتذر له .. وفي الحين يعلق المرابط السبحة برقبة السلطان قائلا : الامان لهذا الرجل .. ولك بركة صاحب هذه السبحة .. سيدي خليل .. فيقول لهم : اني عفوت عنه .. يقبل السلطان السبحة .. ويأتي كبير المرابطين ليحوم بها سبع مرات حول رأس السلطان .. ويدعو له بالنصر وكول العمر .. ويهدي لهم السلطان شيء من امور الدنيا .. او يرمي على كبيرهم برنوص ملف احمر او اخضر .. ويستضيفهم السلطان ثلاثة ايام .. ثم يعودوا الى بلادهم .. وثمة جبل يقال له ” كديت النصف ” .. نصف المسافة بين سيدي راشد ، وتغرت  .
    غادرنا سيدي خليل .. سبخة طينية ووحل في طريقنا الى ” ابرام ” ..  بلدة كبيرة ..بها الكثير من غابات النخيل .. غير ان اهلها شياطين الانس .. قبح ولا اصل لهم ..  اذا قدم غريب لأرضهم .. احتالوا كيف يقتلونه ويسلبونه المال .. وفي عرفهم عمل حلال .. واوصيك يا من تعبر وادي ريغ .. الحذر من اهل مغرت .. انهم سراق غدارين ، ولا امان عندهم للغريب ولا القريب .
      تابعت سيري نحو بلدة ” الهرهير ” .. وفي الطريق اليها ناحية الشرق .. ضريح سيدي سليمان .. بلدة تنتصب على جبل صغير  .. بها غرس النخيل .. واصل فسيلة دقلة نور من هرهير .. ومنها انتقلت لبقية البلدات .. ويقال ان اصل فرعون مصر منها .. قبل كل البلدان .. ويقال انه في اول الزمان كانت هناك امرأة اسمها ” نور ” .. درويشه .. تختار العزلة في موضع خارج البلدة .. اعتادت ان تحمل معها التمر طعامها .. ومع الايام والسنين .. نمت تلك النوى التي كانت ترميها .. وأنبتت فسيلة نخيل جيدة المذاق .. مختلفة عن سابقها .. هي ما سمي باسمها .. ومن تغرت نقلت الفسائل منها الى بلاد الزاب .. وارض وادي ريغ .. وارض الجريد .
وفي كل ليلة جمعة يشعل اهل الهرير القناديل .. ويحرقون بخور الجاوي .. ويخرج الساكنة نساء واطفال ورجال في كوكبة صوفية لزيارة سيدي عيسى بن نوح .. للتبرك ..  حفظا للنخلة .. وهو رجل مرابط تخافه جميع اهل وادي ريغ .. يهدون له اعز ما عندهم .. وحتى سلطانهم يخافه ويحرص على تقديم الهدايا له كل عام ..  يقيم في بيت تعلوه شجرة طرفي  .. يجلس امامه ويشعل النار ليل نهار .. شتاء وصيف .. وتجدهم يتحلقون حولها ويشربون التكروري .
       فصل الشتاء .. وهممت بالرحيل نحو ” غمره ” .. والسفر اليها عبر طريق المقارين محفوف بالمخاطر .. ومرهق .. فثمة سبخة واوحال موسم المطر  .. فيما السفر عبر نواحي الغرب ايسر حالا والأرض رملية .. وثمة على الطريق موضع يقال له ” ابو رخيص ” .. ارض خصبة يعظم بها القمح والشعير وجميع الخضر .. لكن اشجار الطرفي الكثيفة تفرض  على من يستصلح الارض عناء قطعها .
       من غمره الى بلدة ” ثالت ” تكثر بها اطلال مآثر الاولين .. قصورهم .. مساجدهم .. وكانت ذات يوم في اول الزمان .. مقر كرسي سلطان وادي ريغ .
المقارين الجديدة بلدة كبيرة يكثر بها غرس النخيل .. واكثره تداولا تمر ” الحلوة ” .. احمر مدور جاف .. حاذق الطعم .. ومنها الى بلدة المقارين القديمة .. اطلال ومآثر الاولي .. وما بقي منها سوى القليل المتهدم .. اهلها جميعهم سمر البشرة .. يزرعون الخضر .. وتنمو بأرضهم افضل من اراض غيرهم .. لذا هم معظمهم اثرياء من بيع الخضر في بلاد تغرت .
من المقارين تتوجه الى تغرت .. تترك بلدة ثالت ، وغمره ، على يمينك .. تصل موضع به نخل جديد .. حول عين يقال لها ” عين السبخة “.. ومنها الى بلدة قديمة يقال لها ” ارقيوي ” .. حدود عشرة مباني تسورها غابة نخيل قديمة .. ومنا الى زاوية سيدي العابد .. وهو سلطان من سلاطين اول الزمان تسمى المكان باسمه .. ويقال لها ايضا ” زاوية سيدي حموده ” .. فقد جاء بعده سلطان اخر يسمى احموده .. اقام بالزاوية .. وصارت له املاك اضعاف ما ملك سيدي العابد .. فحملت اسمه .. والان خلفه ابنه سيدي المنور .. رجل غني .. وله دين على كثير من اهل البلاد .. وجميعهم يخافه .. فهو الثري صاحب الاموال .. وهو المرابط صاحب الدعوى .. يأتمرون بأمره .. بشرته تميل للسمرة .. عريض الوجه والحواجب . له اخ من امه اسمه سيدي عبدالرحمان بن سيدي  بوعزيز  ..  من اولاد سيدي ابوعزيز .
       لم يبقى من ذرية سيدي العابد إلا رجل ضعيف الحال ، يقال له سيء السوق .. لا يملك شيء من متاع الدنيا .
    من زاوية سيد العابد تعبر الى بلدة صغيرة يقال لها ” سيدي بن جريو ” .. ومنها الى ” تبسه ” .. بلدة كبيرة ممتدة بها النخل الكثير .. يرونه بماء البحر القريب منهم .. عبر ساقية تخرج من شرق تغرت .. ومنها اناس اهل مشيخة يقال لهم اولاد رقية .. ومعظم اهلها سمر البشرة .
       مقابل تبسه قبتان يقال لها قباب ” رجال المليحة ” .. ضيرح لامراءة يقال لها لالاء  مليحة .. مزار تأتي اليه الناس من جميع بلدات  وادي ريغ .. ويقيمون اعراس المديح .. ويتولى سلطان تغرت توفير الطعام لزوار التبرك .
من سيدي بن جريو توجهنا نحو تبسه .. ومنها الى سيدي بن لسود .. ومنه الى سيدي بوعزيز .. تغرت .
   تغرت .. يحكمها رجل يدعى الشيخ عبدالرحمان بن عمر جلاب .. اصله في متقدم الزمان من اسر  سلاطين مراكش .. من بني مرين .. ولما ذهب ملك بني مرين .. وتشتتوا .. عمل تاجرا للغنم .. يجلبها الى وادي ريغ .. وتطاول الدهر وكسب الكثير من المال ..  وكان يبيع الناس بالدين .. حتى صار اهل المكان جميعهم مدينون له .. ولما طالبهم دينه وحقه .. لم يجدوا ما يقدموا له .. اتوا اليه وقالوا له .. انت فعلت معنا كل الخير .. الناس مدينون لك ولا لهم قدرة على سداد ما عليهم .. ملكتنا بدينك .. وارتأينا ان نبايعك ملكا علينا .
قال لهم : اقبل بيعتكم حال بايعني سيدي امحمد بن يحي .. واسمع منه بنفسي .. فهو سلطانكم اليوم .. فأتى اليه سيدي امحمد .. وقال له : تنازلت لك عن سلطنة تغرت .. انت سطانها وقد غلبتني فيما املك .. بدينك وجلبك .. وبويع عن طيب خاطر .. وخلف ذرية .. ومن سلالته الشيخ عبدالرحمان بن عمر بن جلاب .. والشيخ سلمان بن علي بن جلاب .. وكان علي قد تولى حكم تغرت  .. ولما توفي كان ابنه   الشيخ سلمان .. صغير سن .. وابن اخيه الشيخ عبدالرحمان بن عمير راشدا .. فتولى عبدالرحمان حكم مملكة تغرت .. وقتل خلق كثير من خدم عمه علي .. وصار يحكم تغرت .. وأمه هي من يعطي له المشورة .. وانزوى الشيخ سلمان .. بعيدا متحسرا .. وذات يوم خطط وارسل خدمه لاغتيال الشيخ عبدالرحمان بن عمر بن جلاب .. تسلق خديم الشيخ سلمان جدار بيت الشيخ عبدالرحمان ليلا .. ودخل عليه داره وهو نائم .. وأطلق عليه من غدريه يحملها سبع رصاصات  ..اصابت رقبته .. وذراعه .. وصدره ..  وتركه يتخبط في دمائه .. وهرب .. اتوا له بطبيب من لمامش .. ظل يعالج جروحه لزمن حتى شفي .
    هرب الخديم  .. ولجأ الى ضريح سيدي بن يحيا .. وكان اسمه عبدالله بن النخلت .. شوشان مولد .. وصار حبيس الضريح لا تناله ملاحقة .. لكن زوجته وهي في زيارته تحمل له الطعام .. دست بالطعام ” مبرد حديد ” .. وفي الليل .. برد الحديد الذي يكبل رجليه .. وهرب .
     في الصباح دخل الخفراء يتفقدوه .. فلم يجدوه بالضريح .. خرجوا يبحثون عن اثره اطراف سيدي يحيى .. فلم يجدوا له اثر .. ولا الى اي وجهة قصد .. لكن امرأة كانت قد قابلته بواكير الصباح وهو هاربا .. قالت لهم :  اذا كنتم تبحثون عن العبد سجين سيدي بن يحيا .. التقيت به بواكير الصباح وسط الغابة .. نواحي تماسين .. فلما سمعوا قولها .. ركبوا خيلهم ولاحقوا اثره .. وعند السبخة ما بين تماسين وتغرت .. رأوه راي العين .. اقتربوا منه .. هرب وغطس في  بحيرة مرجاجت القريبة .. قبلي تغرت .. فلما رأوه توغل وسط البحيرة .. ظن رجل منهم يدعى احمد بن عمير انه يفلت من ايديهم .. اعتلى ركاب خيله .. وأطلق عليه رصاصه .. ارداه قتيلا . سحبوا جثمانه الى اليابسة .. قطعوا رأسه .. حملوه معهم .. وتركوا جثثه مكانها .
      قدموا رأسه للشيخ عبدالرحمان بن جلاب .. قال لهم .. من قال لكم اقتلوه ؟ لما لم تنتظروا حتى يخرج اليكم ؟ كان يمكنكم ان تأتوا به حيا .. حينها كنا نعرف خبره ومن وراءه ..  قالوا له .. خشينا ان يفلت من بين ايدينا وقد ظفرنا به .. قال لهم : والله لو لم يكن معيب قتلكم مكانه .. لقتلتكم ؟
    اما نحن وقد بلغنا تغرت بعد كل هذه الخطوب التي تقاذفتها .. وجدنا الشيخ سلمان بن علي بن جلاب تحوط داره حراسة .. لا يخرج من داره إلا اذا خرج ابن عمه الشيخ عبدالرحمن بن عمر .. وهذا ما شهدنا .
       في تغرت التقيت رجل من اهل صفاقص .. حمود الويز .. جرى الود بيننا وتشاركنا في تجارة .. اشترينا سلعة بثمن عشرون دورو .. سلعة تغرت ووادي ريغ وقت الخريف التمر .. نستبدل سلعتنا .. قنطار الحنة ثمانون ريال تونسي .. قنطار ورد قمام  اربعون ريال تونسي .. النيله الرطل بثمن سبعة ريالات تونسية .. القرنفل الرطل ثلاثة ريالات  .. المستكة الرطل ثمانون ريال ..البارود اربعون ريال .. زرابيط وغبابيط لعب الاطفال ريال للميت .
          توجهنا الى تماسين .. وفتحنا حانوت هناك .. ازدهر حانوتنا وتجارتنا .. وصار لدينا التمر الكثير .. مما بادلنا من سلع .. وعبرت قافلة  من اهل الحرازلي واولاد ساسي والاد بن نايل .. اشتروا منا بسعر الجملة .. حمل جمل .. اربعة وعشرون ريال تونسي .. الحمل اربعة قناطير .. فبعنا لتلك القافلة بما قيمته مائة وست واربعون دورو .. واتت قافلة اولاد بن نايل .. ويقال لهم اود ” دام لخوي ” .. وهم اربع واربعون رجل .. اشتروا منا التمر .. وجلبوا معهم الى تماسين الغنم والصوف والسمن .. الكبش الاملح باثنى عشر  ريال تونسي ..  الصوف كا خمس جزات بثمن دورو اسباني .. السمن بالجلدة .. الجلدة بثمن ستون ريال .. اشتريت منهم جلدة بخمسون .. واشتروا البارود بثلاثمائة ريال للقنطار .. والرصاص مائة ريال .. البارود والرصاص يأتي من صفاقص وقابس .. يأتي عبر البحر .. اهل صفاقص يبيعونه اهل الطوية .. ينقلونه الى ارض الجريد .. ومن الجريد الى اهل سوف .. ومن ارض سوف الى وارقله .. ثم الى الاغواط .. الى ابوسعاده .. الى ان تصل تغرت .. الى سائر وطن الزاب .. الى وطن ازواوه .. وكل اولئك الذين يناهضون حكم الفرنسيين .. يصل اليهم البارود عبر هذه الدروب .
شيخ تماسين اسمه علي بن عبدالله .. وهو طفل صغير .. عمره لا يتجاوز الثمانية عشر عام .. يعدو في شوارع تماسين حافي القدمين .. بلا نعل .. وكل ما التقى بمرأة رفع اللحاف عن وجهها .. وقبلها .. وجميع اهل تماسين يخافونه .. يحلفون باسمه .. ” وراس سيدي الشيخ ” .
      في احتفالية عاشوراء عام 1366 هـ .. كنا ليلتها مع شريكنا في الحانوت .. اقبل علينا عدد من الرجال والصبية يتقدمهم شيخهم  .. يرتدون ليف النخيل .. يطبلون ويتغنون ويتوسلون .. ” نحن حجاج شواشين .. ومن يعطينا يربح ” .. تصدقنا عليهم ببعض ريالات .. وعبروا .. سألت شريكي : اليس هذا هو شيخ تماسين الذي يتقدمهم ؟ .. كيف لرجل يدعي انه شيخ البلاد  ويتسول الناس  ؟ ..  قال : نعم .. هذه عادة عندهم في هذه البلاد .. فتعجبت منهم ومن عاداتهم .
تغرت .. عشرة اميال مسافة عن تماسين .. تماسين غرب تغرت . اما بحيرة مرجاجت قبلي تغرت .. مسافة خمسة اميال .. تحفها اشجار الطرفى والقصب الاكحل والسمار .. بها الحوت .. وتجد طيور الاوز والدجاج الاكحل وقت الخريف والشتاء فيها ملاذ ..  وكنا نعتاد الذهاب اليها كل يومين او ثلاث للصيد .. نتموضع في مكان قريب من الماء .. نختبئ ونراقب قدوم الاوز والدجاج حتى يدنو منا .. نطلق الرصاص .. كنا نصطاد منها الكثير .. وفي الليل يصير الاوز ايسر صيدا .. تجده يجوب رمل الشاطئ .. بأعداد وفيرة .. ولما سمع بنا ابوبكر بن عباس .. وعن مهارتنا في الصيد .. وهو خليل ام الشيخ عبدالرحمان بن عمر بن جلاب .. ينام عندها .. ويصبح عندها .. وجميع اهل تغرت يعلمون بذلك ..   بمن فيهم ابنها السلطان .. ولا احد يجرؤ على قول .. ام الشيخ تصاحب رجل ” براني ” بلا فاتحة او صداق .. عرض علينا ابوبكر هذا ان يذهب معنا الى الصيد .. وكان فصل الشتاء وشدة البرد  .. وكل يوم يأتي الينا .. يقدم لنا بغل او فرس .. لنرافقه الى الصيد بالبحيرة .. كنا نصطاد الكثير من الاوز .. وما كان له حظ بالصيد .. لكننا ما ان نصل قرب تغرت عائدين .. يأخذ الصيد لنفسه .. يقول لنا .. انت لا دار ولا عيال .. ويذهب به الى ام الشيخ ليقول لها .. انظري كم انا صياد .. اخبرنا خديم ام الشيخ واسمه الطاهر .
   لما علمنا بأمره .. في اليوم التالي قدم الينا .. قلت له لا رغبة لي بالصيد .. ذهب لوحده ولم يصطاد طير واحد .. وفي اليوم التالي اعتذرت بأنني مريض .. وعند ذلك عرف اننا لا نرغب مرافقته .. وشاع الخبر ان عرفت ام الشيخ ان الصيد الذي يأتي به ليس من صيده .. وان محمد بن عبدالجليل رفيقه هو الصياد .. وعاتبته لكذبه .. وبلغ الامر الشيخ .
     الشيخ  عبدالرحمان بن جلاب .. رجل صغير السن .. عريض الوجه .. ضخم الجثة .. كبير الانف .. في ذمته اربع نساء .. اثنتان من تماسين .. واخرى بنت الشيخ علي عمه ..  واخرى من الدواود بيت ابو عكاز .. وهو زير نساء .. كلما سمع برجل من تغرت سيتزوج بامرأة جميلة .. ارسل اليها ..طلبها الى نفسه لينام معها قبل ان يدخل بها زوجها .. وفي كل خمسة عشر يوما ..  الى العشرون يوما .. ترسل ام السلطان الى نساء القرية للحضور .. وتختار من بينهن من تراها تروق لابنها .. واحدة .. اثنان .. ليقضي معها لياليه .
     الشيخ سلمان رجل احمر البشرة .. رقيق الوجه  والجسد .. اكحل العينين .. فارس خيال .. صنديد وقت الحرب .. في ذمته زوجتان .. زوّجه السلطان عبدالرحمان  شقيقتة .. كان ذلك عام 1367 هـ  .. اقاموا لهما عرس استمر سبعة ايام بلياليها .. جمع كل اهل وادي ريغ .. جاءوا بسلاحهم .. وشاركوا الفرح برقصاتهم امام القصبة .. بيت السلطان .. لمدة اربعة ايام .. وفي اليوم الخامس حملوا هودج العروس على اكتافهم .. اربعة منهم .. وساروا بها من البلدة الى زاوية سيدي العابد .. واحضروا الحنة .. وخضبوا ارجل العروس ويديها .. وخضب الشيخ سليمان يده بالحنة ..  دندنة طبلة الدربوكه .. والرقص وبهجة السمر .. فرح شيخ .. جال الفرسان .. اطلقوا البارد والجياد تعدو .. طال السمر وان اوآن الزفة .. دخلت العروس من باب  سيدي عبدالسلام .. ودخل العريس من باب الخضرة ..  واهتاج الحفل بدخول كوكبة العرس سور القصبة .. واطل الشيخ عبدالراحمان من شباك غرفته .. لكن عينه كانت على النساء الحضور اكثر .. وكلما اعجبته فتاة ارسل وراءها الى امه .. ترسلها له .. لا يستحي هذا الرجل في فعل العيب .. وبعلم امه .
في اليوم السادس للعرس .. حملوا العروس في هودجها على الاكتاف .. ثم على بغلة وذهبت لمزار سيدي امحمد بن يحي .. واستقبلتها النساء تقبل ايديها وتبارك لها .. ودخلت الباب وخبيرة الحنة .. اقفلوا الباب .. ومن ثم حضر العريس الشيخ سلمان .. وخضب هو الاخر انامل يده اليسرى بالحنة .. وتعالت الزغاريد لحظة خروجهم .. وعجت باحة السوق بالراقصين والراقصات .. ولديهم رجال يرقصون رقص النساء .. ويرتدون زي النساء .. يتغنون مثلهن ..يخضبون ايديهم بنقش الحنة .. يظفرون شعورهم جدائل .. يعفرونها بالطيب .. لا يخشى دخولهم لأي بيت .. ولا حرج عليهم في مقابلة النساء .. يسمونهم اعلاج .
     في الليل اتى اهل تماسين يزفون هودج شقيقة الشيخ علي .. شيخ تماسين .. ناخ جملها .. وترجلت .. وتكلم البارود .. وعلت زغاريد النساء .. واهتاج الرقص .. دخلت باب القصبة .. وفي الليل زف الى ابنة عمه اولا .. دخل بها .. واتم ليلته مع عروسته الاخرى شقيقة شيخ تماسين .. ودخل بها .
      في اليوم السابع .. نادي الشيخ عبدالرحمان على الشيخ سلمان .. ادخله معه دار الخزنة .. واهدى له بمناسبة الزيجة .. حفنات من محبوب الذهب .. وقال له : يا ابن عمي .. هذا ما خلف والدي .. وهذا ما خلف والدك .. وهذا ما خلف اجدادنا .. وما نكنزه إلا لك .. ولذريتك .. وذريتي .. ولا عندي مال دونك .. لا تترك الحاقدين ينسجوا بيننا الفتن .. انا بضعة منك .. وانت بضعة مني .

الاثنين، 24 أبريل، 2017

كتاب " ري الغليل " .. الحلقة التاسعة




     فلما دخلنا اليه فلا عرفنا احد فتوجهنا الى قهوة فبتنا ذلك اليوم في قهوة وفي اليوم التاني بعد نصف النهار نحن نحوسوا في البلاد واذا برجل من اهل غريان يقال له ابو عيشة تعرض لنا فعرفنا لانه كان عندنا في تبو، وكان عمه كاتب عند ابينا ، فلما نظرنا ففرح فرحا شديد واكرمنا غاية الكرم ، فتوجهنا معه الى الجبل خارج البلاد وهو عنده صناع يخدموا له في الجير ، وعنده رجل شريكه ساكن في البلاد يقال له عبدالحفيظ فلقيناهم في خير وعندهم ست اكوش يخدموا فيهم في الحرير وعندهم صناع وهم في احسن المراد فاكرمونا غاية الكرم الشديد وقلنا لهم نريد نتوجهوا الى ارض الغرب الى عند عمتنا ... فعطوا لنا ستون دور وكروا لنا كروسة من سور الغزال حتى لربع ، فلما وصلنا الى لربع لقينا فيها السوق ذلك اليوم وكان سوقها بالاربعاء ، وكان قايد ذلك الارض وهو يقال له بدر الدين ، وهو عند العرب يدعي بأنه مرابط وولد زاوية وعند الفرنصيص يدعي بأنه يحبهم وحبيبهم وهو يكذب على الفرنصيص وعلى العرب وما يحب الا ان يربح منهم وما هو محب الفرنصيص الا على اجل نفعه ، واما العرب يقول لهم انني مرابط وابن زاوية لاجل يطيعونه ويخدموه بلا اجرة ويهدوا اليه اموالهم ، واما نحن بتنا ذلك الليلة في الاربعة ومن الاربعة ركبنا في كروسة وتوجهنا الى الجزائر ، فلما دخلنا الى الجزائر فلقيناها بلاد مليحة وحكمها مليح ليس مثل البلدان الاخرين ، وما عجبنا الا حكم الجزائر وقسنطينة واما سور غزال واسطيف حكم فاسد وخدام بير عرب ظلام اكثر من خدام بير غرب اقسنطينة ، واما الجننار بقسنطينة في ذلك الوقت حكمه عدل يحكموا بالحق وجميع العرب تحبه وهو اسمه سنطرنو ، واما سور غزال فيه رجل من الفرنصيص اسمه ابوبريط فهو خبرنا عليه ذلك الرجل الذي كنا عنده في سور الغزلان فقال الينا انه كان رجل من اهل قابس يخدموا في الجير في سور الغزلان فعند يوم صارت بينه وبين مرأة شرموطه في الدوار الذي نازلين فيه السبايس وصرف على ذلك المرأة دراهم كثير وكل ما خذا خذاته منه ذلك المراة فكان ليلة بالليل مرابطها ليبات عندها فلما توجه اليها تلاقى هو ورجل من السباييس متوجها لذلك المرأة فلما دخل ذلك القابسي الى البيت الذي فيه المرأة دخل عليه السباييس وسل سيفه وضرب ذلك القابسي فقال كيف تضربني ، فزاد ضربه بالسيف ضربة اخرى ، فخرج القابسي بشطوله له وضرب ذلك السبايسي فجاته الضربة على يده فانجرح فهرب ذلك القابسي ومنع على السبايس ، في الصبح مشوا وشكوا الى بوبريط فتوجه الى البيت الذي كان ساكن فيها القابسي فلم يلقاه ةما لقي الا شريك له وصاحبه وكان ذلك الرجل مريض وهو يهز فيه الحمة ، فقال له ابوبريط اين صاحبك فقال له لا علم لي به وانا مريض .. فخرج بوبريط بشطولة وقتل ذلك الرجل ظلما وعدوانا فاستعجبنا من ذلك الامر ، وقلنا كيف يقول الفرنصيص ناس يحكموا بالحق ، واذا كان حكمهم مثل ما فعل بوبريط ومثل بير عرب من قسنطينة اذا اتى اليه رجل غريب يريد يشتكي يخرج اليه خديمه ويضربه ، فهذا ليس حكم عدل ، وما هو إلا باطل اذا كان كل الحكم مثل هذا ، ولكن لما دخلنا الى الجزائر عجبنا حكمها وعجبتنا البلاد وهي احسن من تونس وحكمها عدل وهي بلاد على سواحل البحر وفيها جميع  الغلال وفيها عيون ووديان ودايرة بها من كل جانب ومكان واكثر خدام الجزائر اهل اصفا نية ، فاقمنا بالجزائر سبعة ايام ومن الجزائر توجهنا الى ابوفريك ، ومن ابوفريك توجهنا الى البليدة ، واما البليدة فهي بلاد مليحة ودايرة بها الجناين والغروس من كل جانب ومكان واكثر غرسها البرتقال والتين والهندي ، فاقمنا بالبليدة فتفرجنا بهذا ، وبحكمها عدل وناسها ليس هم ناس ملاح لا يشتهي لا الفرنصيص ولا جميع البراني وانهم مثال اليهود ليس يحبوا الا بعضهم ، فاقمنا بها وتفرجنا فيها ومن البليدة توجهنا الى المدية ، فمشينا في جبال فد خدموهم الفرنصيص وخرجوا منهم الكروسة والمدفع وهم جبال قاوية ولهم مياه دافعة ولقينا برج على اعلى جبل وتحت ذلك الرج معدن من الذهب يخدموا فيه الناس وقريب منه معدن من الجفت فتفرجنا في ذلك المكان وتوجهنا الى المدية فدخلنا المدية نتفرجوا فيها فلقيناها بلاد مليحة وبها مآثر الاولين ودايره بها الجبال من كل جانب ومكان ، وفبلة البلاد وادي دافق وهي بلاد مليحة وحكمها عدل ، واما ناسها اكثرهم ساكنين خارج البلاد في الجناين ، وهم ساكنين في البلاد

الخميس، 13 أبريل، 2017

كتاب " ري الغليل " .. الحلقة السادسة



   ولا بنو المسلمين جامع قبل جامع قبا ، وهو لما خرج سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم من مكة وتوجه الى المدينة ، فلما كان في الموضع الذي يقال له وادي قبا ، فاول ما لقوه من اهل مدينة يثرب لقوه جوز بنات ساكنين في الجناين بقرب الموضع الذي سمي قبا ، فلما وصل سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الى قبا ، لقوه بنات النجار بطار في ايديهم وهم يغنون ويقولون :
يا مرحبا يا مرحبا .. بهلال هل في وادي قبا
ويا مرحبا بهلال هل واقبل الينا من تنية الوداع
فجود الفضل علينا .. ما دعا لله داع
فأول ما لقوه بنات النجار واول ما سلموا في مدينة يثرب لما اتى المصطفى إلا بنات النجار وضيفوه ونزل بالموضع الذي بني فيه الجامع الذي يسمونه جامع قبا ، وهوينا فيه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم واصحابه واول جامع في جميع الارض للمسلمين جامع قبا ومكتوب على حجر في اعلى باب جامع قبا ( هذا مسجد من اول يوم اسس على التقوى  ) وقداه بير من نواحي الغرب وهو قريب منه يسمونه بير الخاتم ، وهو سبب سموه بير الخاتم لاجل فيه خاتم سيدنا محمد ثلى الله عليه وسلم ، وكان مدلي رجليه في اسفل البير وفخده عريان ودايرين به جميع اصحابه ، ولما دخل عليه سيدنا عثمان بن عفان غطى فخده منه واستحى منه لاجل انه رجل كبير السن ، فقال له عثمان ابن عفان كيف تغطي فخدك عني وانا اريد انظر لحمك لاجل نستباركوا به ، فقال له استحيت منك لاجل انك رجل كبير السن ، واستحت منك ملائكة الرحمان ، فلاجل ذلك استحيت منك .
  وسمي ذلك البير بير الخاتم على طاح فيه خاتم سيدنا محمد ، واما بنات النجار فمذكور ومكتوب عند اهل المدينة من زارني ولم يزور بنات النجار لم تقبل منه زيارة ، واما مسجد قبا دايرة الجناين وفي ذلك الجناين النخيل والعنب والرمان والتين وجميع الغلة ، واما الماء الذي يسقون به الجناين يحفرون ابيار ويسقون على الجمال بالدلو ، وكاينه جنينة كبيرة وما كان في المدينة اكبر منها يقال لها الجيشية وهي فيها ست ابيار وعلى كل بير جوز من الجمال يسقون الماء دائما ، وحصرنا لها عام اتباع صيب ذلك الجنينة باربعين الف قرش ، وهي فيها النخل كثير والعنب وجميع الغلة ، وعندهم ثمر يقال له الشلبي يتباع عندهم الصاع بستون قرش وسبعون ، وكل صاع فيه ست عشر رطل ، وعندهم ثمر يقال له الحلية ، وثمر يقال له الوحشي ، وثمر يقال له الغزاب ، وثمر يقال له الطبون ، وثمر يقال له صوابع العلجية ، وعندهم عين يقال لها العين الزرقه ، فيقول انها اتى من بغداد مثل العين الذي في مكة ، وما سميت العين الزرقة إلا على اجل ذلك العين مرأة اسمها الزرقة ، فلاجل ذلك سميت العين الزرقة ، وكاين ما بين غرب وقبلة المدينة موضع في حطايا النخل يقال له جامع الاجابة ،  وهو كان سيدنا محمد لما يريد يدعو الله فيمشي في ذلك الموضع ، فإن الدعاء مقبول فيه ، وهكذا سمعنا من الناس بالمدينة والله اعلم ، واما في وقت اواخر الربيع واول الصيف يجيبون العرب شيء كثير من السمن والجبن الطري ويتباع الجبن من غير وزن ، ويتباع بالدانات ، واما الدهان يشري عندهم كيله يكيلوا بها السمن وهي فيها خمسة عشر وقت وكان في الوقت اربعين وقية وفي كل رطل ست عشر وقية وفي كل وقت رطلين ونصف وهي تسوى عندهم الخمسة عشر وقت ستون قرش وكان الدور الفنصيص في سنة ستون في المدينة باربعة وعشرون قرش ، ويأتي اليهم من بر نجد الغنم وهي غنم كلها كحل واوجوهها بيض وهي من غير قرون ولها معابيص كبار بالشحم وهي اغلظ من غنم برنا ، ويأتي الماء مار كثير من بئر نجد  ، واما عرب نجد عندهم الغنم والابل كثير وعندهم المهاري الملاح ولا يوجد في الدنيا احسن من مهاري بر نجد ولا احسن من خيلهم ولا اصبر من خيل بر نجد في الجري ولا يوجد الخيل الاصايل إلا في بر نجد ، إلا هم لطاف ليس مثل خيل بر الغرب ، وهم اقصر منهم واجود منهم ، وهم ياكلون لحم بعد ثمانية ايام ، فمن عنده جواد من خيل بر نجد فلابد بعد ثمانية ايام يطعمه لحم ويسقيه المرق ، واما عرب نجد فهم يلبسون مثل لبست عرب مكة والمدينة وسلاحهم بالفتيل ، ويرفعون الناس الاغنياء منهم جنبيات من الذهب ومن الفضة ، واما الناس الذي على قدر الحال يرفعون جنبيات من النحاس ويجعلون  من درعان الغنم اسباس ، ويجلون ذلك العظم الذي من دراع الغنم بالفضة ، ويجعلون له سلسلة من الفضة ويعلقونه مثل السبحة ويشربون فيه الدخان ، وهو حاجة عظيمة عندهم ،  واما السبسي الذي يشربون فيه الدخان يسمونه الغليون ويجعلون سقوف السباس من الحجر من الاجبال ، وهم ناس اجواد وهذا ما شهدنا من امرهم .
  ولكن قمنا بالمدينة وتوجهنا الى مكة ثانية ورجعنا الى المدينة وتوجهنا الى الصفرة والجديده مع رجل من اهل الصفرة والجديده اسمه درغام ، ونزلنا في داره في الصفرة ورحنا الى الجنان متعه فلقينا فيه اشجار الارنج والثين والموز والنخيل ويزرعون الجنة في الصفرة والجديده .. ومن الصفرة والجديدة توجهنا الى بدر وحنين ومن بدر وحنين توجهنا الى ينبع النخل ، وهو ينبع النخل فيه العيون كثير وفيه النخل كثير وهو البلاد الذي خرج منها مولاي ادريس الاكبر الذي مدفون في الغرب ، وهو الذي من ذريته مولاي سليمان ومولاي عبدالرحمان ، وهو خرج وهرب من ينبع النخل لما اتى اليزيد وغلب سيدنا الحسين وقتله بارض الشام ، واتى الى المدينة وغلبها وقتل خلق كثير من الاشراف وغيرهم ، فهرب مولاي ادريس الاكبر لما سمع باليزيد ابن معاوية ، واتى الى بلاد الغرب ، وناسب سلطان البربر بالمغرب الذي منه جنس بني مرين ، فأخذ بنت سلطان الغرب ثم مات السلطان فصار سلطان في موضعه مولاي ادريس الاكبر ومنه خرجت شرفة في بلاد الغرب ، واما هو اصل بلاده ينبع النخيل ، ومن ينبع النخيل توجهنا الى ينبع البحر ، واما ينبع البحر فهو بلاد على جنب البحر ولا فيه شيء من الغرس ، وظهر ينبع البحر من نواحي الغرب مآثر الناس الاولين وقصورهم وقلمهم على الاحجار ، وهو مرسى فيأتي اليه القمح من مصر والرز وجميع الحبوب ، وهو مرسى المدينة وما يوجد فيه اكثر من الدبان ، وهو فلا يقدر واحد ياكل الطعام من كثرة الدبان ، ونزلنا في دار رجل من اشراف ينبع اسمه السيد عبدالعالي ، وصرنا معه بالليل ، واخرج لنا كتاب  مكتوب فيه الغزوات امتع الصحابة والجاهلية ، وفيه غزوة يقال لها غزوة وادي السيسبان ، فنقلنا منه غزوة وادي السيسبان وهي هكذا :

قال ابن عباس رضي الله عنه ، صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة من الصلوات واستند بظهره الى حائط محرابه وهو يحدثنا ونحدثوه ، ويخاطبنا ونخاطبوه ، فلا يعلى كلامنا على كلامه ، ولا خطابنا على خطابه ، فإذا باعرابي قد اقبل علينا من البرية راكب على ناقة له قد اضناها السير بالليل والنهار ، فنزل من على ظهرها وربطها بفضل زمامها في صحن باب المسجد وقال السلام عليكم يا معشر النبوة ومعدن الرسالة ، افيكم محمد بن عبدالله المختار من خير خلف الله ، فقال له رجل من الانصار اما تنظر الى صاحب الوجه الاقمر والجبين الازهر ، فذلك سيد البشر ، فعرف بذلك الاعرابي ونهض وتخطى الصفوف حتى اتى الى النبي صلى الله عليه وسلم وقال : الصلاة والسلام عليك يا رسول الله ، فإني رجل من اهل مكة وكانت لي رجال وابطال فقام الدهر عليّ فأبكاني في رجالي وابطالي ، وتوجهت الى ارض اليمن امدح الرجال والابطال لعلهم يعطوني شيء استعين به على زماني ، فلما تعديت ارض اليمن فالهفني العطش ، فأتيت الى سارح من سراح الغنم فقلت له : هل عندك شيء من الماء فقال لي كأنك يا فتى من غير ارضنا ، وكأنك جاهل بنا ، كيف تطلب الماء في ارضنا ، فقلت له انا من ارض مكة ، وكان لي مال ورجال ، فقام الدهر عليّ فأبكاني في مالي ورجالي ، واتيت امدح مشائخ العرب لعلهم يعطوني شيء استعان به على زماني ، فرفعت عيني فرأيته قصرا عالي القرارة واسع المكانات وحول ذلك القصر ، فقلت لذلك السارح ما اسم ذلك القصر ، فقال لي القصر اسمه لرقم ومولات القصر اسمها حسن بنت منعم ، واما المضارب والخيام لملك من ملوك العرب الجاهلية اسمه العفريط ، وعنده سبعين محلة وفي كل محلة سبعون الف فارس ، وحكم على نفسه وارد ان يتجوز صاحبة هذا القصر ، فكل ما تطلب عليه من مال ورجال يأتيها به ، فقالت له لا اريد منك مال ولا رجال ، اريد منك ان تأتيني براس محمد وابن عمه علي ابن ابي طالب وانا اتجوزك ، فلما علم منها ذلك القول جمع جنوده ومحاله وها هو قادم اليك ، فلما علمت بذلك اتيت اليك واخبرتك صلى الله عليك وسلم ، فما اتم الاعرابي من كلامه إلا وابواب السماء قد فتحت وجبريل قد نزل وقال السلام عليك يا محمد ، العلي الاعلى يقرئك السلام ويخصك بالتحية والاكرام ، ويقول لك صدق الاعرابي فيما اخبرك ، ان هؤلاء العرب قد جمعوا لك اربعمائة الف فارس واربعمائة وعشرين الف فارس ، فإن سبقوك الى وادي السيسبان غلبوك وانتصروا عليك ، وان سبقتهم غلبتهم وانتصرت عليهم ، فقال اين بلال ؟ فاجابه بالتلبية ، فقال له اذن في الناس للجمع ، فركب بلال على صحن المسجد وقال : يا معشر خلق الله ورسوله ، اركبوا الى الجهاد ، فبادروو للنبي صلى الله عليه وسلم ، فاجتمعت القبائل على باب مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال لهم هل بقى في المدينة احد ، ، فقالو له ما بقي في المدينة إلا طفل صغير لا عقل له وإلا شيخ كبير لا جهد له ، فقال لهم القوم عبادون الاشجار اتوا باربعمائة الف فارس واربعة وعشرون الف فارس ولا كفتهم هذه الكثرة حتى اتوا بكبارهم وصغارهم ولا خلفوا ورائهم دنار ولا نافخ نار  ، وكيف نمشوا اليهم ونخلفوا حريمنا ، فقال اين بلال ، فأجابه بالتلبية ، فقال له اذن للناس من له حريم فليأتي به الى بيت رسول الله ، فأذن بلال يا معشر خلق الله من له حريم فليأتي به الى بيت رسول الله ولا يبقى في المدينة خلاف فاطمة الزهراء والحسن والحسين رضي الله عنهم ، فرحل النبي وجد السير اليوم الاول والثاني والثالث حتى الى ثمانية ايام ، فلما صلى صلاة الصبح فقال من يمشي ويكشف لي وادي السيسبان ويهنيني في رجالي وابطالي وله قصر في الجنة ، فنهض رجل اسمه الداهية الكبرى والمصيبة العظمى عمر ابن اميه الضمري رضي الله عنه فقال له ، نحن يا رسول الله ، فجد السير حتى دخل وادي السيسبان فوجد فيه قصر يحده السهل والوعر وتخت وعلى التخت قبة من الذهب وعلى اعلى ذلك القبة صليب من الذهب وتسعون كرسي من الذهب وكرسي في الوسط مرصع بالاحجار والزمرد الاخضر وعلى ذلك كراسي تسعون وزيرا وعلى ذلك الكرسي رجل  كبير السن وهم يستحلفون بالاصنام على قتل محمد وابن عمه على بن ابي طالب ، فرجع عمر ابن اميه ووصل الى النبي اليوم الثاني عند وقت صلاة العصر ، فصل وراء النبي صلاة العصر ، فالتفت النبي فلقاه ، فقال يا عمر ابن امية اخبرني بحقيقة الامر ، فاخبره بما راى في واد السيسبان ، فبكى النبي وبكت المسلمين لبكائه ، فقال اعلموا يا معشر المسلمين ان هذه الغزوة يشيب منها الوليد ويلين لشدتها الحديد ، فبكت المسلمين ، فأتى اليهم رجل اسمه خالد ابن الوليد وقال له سلملي عشرون الف فارس ناخذهم ونغلبهم ببركتك يا رسول الله ، فقال رسول الله اين بلال ، فأجابه بالتلبية ، فقال له اذن للناس للرحيل ، فقال بلال يا معشر المسلمين ويا خير خلف الله ارحلوا بارك الله فيكم واحسن اليكم ، فرحلوا المسلمين اليوم الاول والثاني وثالث ، فلما كان يوم احد  عشر دخلوا الوادي فباتوا بجنب الوادي ، ويوم اثنى عشر عند طلوع الشمس دخلوا الوادي وحطوا في وسط ذلك الوادي ، فرأى النبي جيش المشركين فعرفهم ، وراة العفريط جيش المسلمين فعرفهم ، وكان عند العفريط وزير اسمه الحلام يرى انه في المنام يسلم على يد رسول الله ، فقال له ما هذه القوم يا وزير ، فقال له انك تريد ان تقاتل محمد وعلي ها هم سبقوك ولقوك في وادي السيسبان ، فقال له العفريط هذه شردمة قليلة ليس يجوا مثل سراح الابل عندنا ، فقال له ما تنظر الى الشردمة القليلة فيها خالد ابن الوليد وفيها المقداد ابن الاسود وفيها الزبير ابن العوام وفيها عبدالله ابن مالك وفيها الرجال والابطال فقال له اذا تريد اذهب معهم فإني عندي غلامين لو امرت واحد منهم الى هذه الشردمة القليلة لأتاني برؤوس الذي طلبت مني حسنة بنت منعم .

الثلاثاء، 28 فبراير، 2017

نوادر كتاب " ري الغليل " ( 1 ) في الطب





    رجل اسمه امستان ابن غلاب التارقي ، اصله من التوارق وجاء جده ماشيا للحجيج ، ولما رجع قعد في جالو وتجوز في جالو ويدعي بانه طبيب وخلف كتب مكتوبة بقلم التارقي ولا يعرف يقراهم الا ابن ابنه الذي اسمه امستان ، واما امستان رجل طبيب جيد وهو له معرفة في الطب شيء عجيب ، وما يداوي إلا بالاشجار من الصحراء ، وهو يجي حتى الى وطن فزان ويمشي ويداوي في العرب نواحي بني غازي وبرقه ويرفعوه الناس من مكان الى مكان ، ومن جملة ذلك يداوي حتى في شرك مصرانه ، يخيطه ، وهو يخيط المصران بالنمل ، يحكموا النمل الفارسي الذي محزم من وسطه وهو نمل احمر له اسنان طوال يعض اكثر من جميع النمل ، فيحكموا النمل ويحكموا جميع النمل مثل ما ذكرنا ويحكمو شرك المصران جميعا وياخذوا النمل ويجعله على الشرك فيعض النمل ، فلما يعض يفصلوا راسه بالمقص ، فيقعد حاكم ، ثم ياخدوا اخرى ويجعلها على الجرح ويقصوا راسها حتى يغلق الجرح بروؤس النمل ، ثم يرش عليهمم شيء من دقيق الخياط وهي شجرة يقال لها الخياط تنبت في الصحراء في الموضع الذي فيه الحجر وهي مثل شجرة الشيح ولها اوراق يميل الى البيوض فيسحقها سحقا ناعما ويدروا بها على الجرح فهي تلم الجرح الى بعضه وتيبسه عاجلا
فرغ من كتابته عام .1852