الاثنين، 11 مايو 2020

وهم الروناما



    بعيدًا ، في صحراء حارة وجافة حيث يمكن العثور على القليل جدًا من الماء ، عاش رجل متغطرسًا لدرجة أنه عندما أصبح رئيسًا ، حول بلاده بأكملها إلى ملعبه الشخصي الغريب . اسمه صابرامورات نيازوف ، ولقبه " تركمانباشي ". أول رئيس لدولة تركمانستان المستقلة عن الاتحاد السوفياتي عام 1991 ، تميزت فترة حكمة بالترويج لعبادة شخصيتة كدكتاتور ورئيسًا مدى الحياة عام 1997 ، أعلن نفسه والد جميع التركمان ، واعلن والدته بطلة وطنية لأنها أنجبت الأب التركماني .

    
حظر الأوبرا والباليه والسيرك في عام 2001 لكونها لا تنتمي للثرات التركماني ، منع الرجال من تطويل شعورهم واوجب حلق اللحى . وفي عام 2005 ، أغلق جميع المكتبات والمستشفيات الريفية خارج العاصمة " عشق آباد " ، في بلد كان يعيش أكثر من نصف سكانه بالمناطق الريفية ، وقال : " إذا كان الناس مرضى ، فيمكنهم القدوم إلى عشق أباد". 


   
     كتب كتابًا اسماه " روناما " اي كتاب الروح او التوجيه الروحي للأمة وأساس الفنون والأداب في البلاد ، مزيجًا من الشعر والتاريخ المزور والمبادئ التوجيهية الأخلاقية . وفرض تدريسه بمرحل التعليم من المدرسة الابتدائية إلى الجامعة . واجبر التلاميذ في المدارس بتخصيص يومًا كاملًا كل أسبوع لقراءته . مع حفظ مقاطع منه لاجتياز امتحانات التعليم ، واشترط ذلك لشغل أي وظيفة حكومية او التأهل للحصول على رخصة قيادة . وعرضه بالمكتبات والمكاتب الحكومية والمساجد .

   
    في عام 2005 ، تم إطلاق نسخة من " روناما " مع العلم التركماني في الفضاء ، من قاعدة بايكنور الفضائية بواسطة صاروخ RS-20 " دنيبر" . لتتلقفها البشرية في القرون القادمة . واطلق اسمه على مطار العاصمة ، وعلى أكبر مدينة ساحلية في البلاد ، وإعادة تسمية أشهر السنة ، لقب شهر يناير باسمه . ولقب شهر سبتمبر " روناما " تكريمًا للكتاب الذي أنهى كتابته في 19 سبتمبر 2001 .

   
     المحطات التلفزيونية الثلاث تهلل باسمه وتنشد الترانيم في تمجيده على ان لا تغيب صورته عن الشاشة كل ساعة ، وطبع صورته على العملة ، وعلى زجاجات خمر " الفودكا " ، وشيد تمثال لكتابه " روناما " في العاصمة ارتفاعه 30 قدمًا ، وتمثال من الذهب الخالص لشخصه يبلغ ارتفاعه 50 قدمًا . وتمثال ذهبي آخر بقيمة 12 مليون دولار على قمة رخامية يبلغ ارتفاعه 250 قدمًا ، يدور مع حركة الشمس باستمرار . وهدم مبان قديمة من الحقبة السوفيتية واستبدالها بابنية رخامية بيضاء جديدة ومبهرة ولكنها غير جذابة . 

  
  أدار تركمانستان التي تتمتع بسادس أكبر احتياطي للغاز في العالم بقبضة حديدية ، وجعلها تعتمد بشكل كبير على مبيعات الموارد الطبيعية فقط . كان نموذجا لزعيم استبدادي غني بالثروة النفطية يمجد نفسه في حين يتضور شعبه جوعا ، وقد اغرق البلاد بكم هائل من صوره ، بما في ذلك الطائرات والكثير من المنتجات . 

   
    لا تزال هناك شكوك حول ما إذا كان قد كتب بالفعل " الروناما " بنفسه ؛ اذ زعم باحث مجهول في صحيفة " نيويوركر أن نيازوف" انه أمي إلى حد ما ". رغم انه كرّم نفسه بجائزة أفضل شاعر بين أمته .

    
     وفقا لمنظمة الشفافية الدولية احتلت تركمانستان في اخر سنوات حكمه المرتبة 142 من أصل 163 في مؤشر الفساد . توفي نيازوف في 21 ديسمبر 2006 ، بسبب نوبة قلبية مفاجئة .










ت . عين على فزان

ليست هناك تعليقات: