الاثنين، 11 مايو 2020

نزيف الدهر .. سبعة عشرة عاما وراء القضبان



     خطرات قلب اضناه الالم ، تنهش بأظافرها ذكريات كليمة لسبعة عشر عاما خلف القضبان ،  تمزق احشاء الزنازين والجدران ، تستدعى اسماء رفاق الدرب ، ممن تجرعوا سقم المأساة ذاتها .. يطلق العقال لزوابع من الاحاسيس تتفجر ينابيع من المشاعر الدفينة في ركام الذاكرة .

        أود ببساطة أن يُسمح لي أن أقول ما أفكر به في هذه الحقبة من تاريخنا .. أريد أن أشارك ما خبرته مع أولئك الذين لم يختبروا ذلك ، يحتاج الناس إلى القراءة ، ومحاولة فهم ما حدث ، قصتي كشاهد وضحية ، آمل أن يفعل الآخرون ما فعلت ، حتى يكون هناك في النهاية نقاش جاد يعري الحقيقة ، وحجم الالم لعقود من الزمن المر .

         نزيف الدهر ، سجل لعمر انقضى خلف القضبان ، قرابة العقدين ، تجرعت فيها اسوأ صنوف الاذى ، وامتهان الكرامة ، وتقييد الحرية .

    اما ذلك الجلاد ، فقد كان لديه نصيب وافر من السادية ، والميكيافيلية السياسية الشاذة . وهذا هو ما تسبب في انزلاق وطن نحو هاوية التاريخ .

        غرب الجلاد ، وأصبح الصبح حقا ، او هكذا ينبغي ،  وماذا بقي بعد كل هذا النزيف .. صرخات المحنة الكأدة ، هل لا يزال يسمعني ، اريد ان ازف اليه صرخات الرفاق ، وآهاتهم المقبورة لدهر .. تنزف هذه المرة بدفق حر ، لقد رحل الجلاد .. " ان المصائب يجمعن المصابينا .. وكنا جميعا مصابين ، وايضا ، الوطن كان ينزف اكثر منا جراء طعنة العقيد الباسلة "

       " لقد ألفت حالة الذبول والأرق ، وعصفت بي الأنواء والرياح السوداوية حتى لم تبق أيامي إلا عبثا ، وأطبقت ضروب الألم والعذاب ، واستولى الضجر والاكتئاب ، وكأنه انحدار لابد منه ولا مرد له سوى الموت ، وبت لا أرى في الغد ما يغريني البتة ، أتنهد بغير إرادة مني . حال من لحقه اليأس من فرص السلام . وفي الأفق ضباب وغيوم . فيا أيتها الأوقات الغوالي التي طالما أسفت عليها ، أعيدي إلى مجراك وأسعفيني بتذكر ذلك المعتزل الموحش لأربعة عقود مضت "

         خفقان اجنحة داخل قفص ، لوحات مجتزأة من حركة الاحياء الاموات ، السجان والسجين ، الجلاد والضحية .. والوطن ليبيا ، ويوم تلاوة الحكم ( غير القضائي ) .. تعالت خفقات قلبه بتسارع شديد ، حتى كاد ان يهتف بأعلى صوته ( يحيا العدل ) .

       " . ثمة فرق بين جلاد وأخر ، الروائح النتنة الكريهة ، اكتظاظ المكان ، وتوالي الرواد ، في سؤال سجين جرئ " لماذا اخذت كمية الطعام التي تمنحونها لنا تتناقص ..؟  رد العريف بهدوء ، وهو يضرب الغارف مكفيا على الصحن : كثرت امة محمد ! "

      تعتصره المساحة الضيقة ، يتفحص الجدران الكالحة الواجمة ، بحثا عن اثار من سبقوه . يقتفي في كتاباتهم ، سجل المكان الآسن ، والوطن الاسير . " عودنا انفسنا على توقع المساوئ ووطناها على تقبل اخبار المصائب "

    " اقدر قيمة الحصول على فرصة بأن تقول وداعا .. نظرت حولي ، وبدا كل شاهد قبر كأنه غلاف كتاب اغلق الى الابد .. هناك الكثير من القصص التي لن تروى ابدا .. ما اخر شيء فكروا فيه قبل ان تغادر ارواحهم اجسادهم ؟

    دوت صرخة بالمكان ، اطرف سريره " مقه " ، صحراء جرداء ، كثبان رملية تحتضن قرية نائية ، غابات نخيل ممتدة تداعب وطأة القفار الموحشة ، صرخة مجلجلة لطفل قدم للتو ، صرخة الميلاد ، قالت الجدة  : ان العجب يملأ عينيه ، وحيرة متخمة بالأسئلة الفاقدة للإجابات ، وان شفاه نطقت بكلمات وغمغمة غير مفهومة ، وقالت الداية التي تفهم لغة حديثي الولادة  ، انه يتساءل عن القدر والمصير ، لما هنا وليس على سفوح جبال الالب ،  احضان الخضرة والماء ؟ .. لما هنا ، في قرية " ونزريك " احضان صحراء فزان ،  حيث لا نهر ، ولا بحر ، ولا ظل ظليل ؟ .

         كان قلقا ، وضجت ولولة زغاريد ، لم يدرك مغزاها ، وجوه مستبشرة بقدومه ،  اطمأن قلبه وتوقف عن الصراخ .

         " شلال الذكريات الحزينة ، حين لم تستطع ان تنسى كان الحل في ان تتذكر ، تجارب حبيسة ذهن موجوع بأثقال المحنة ، من حقهم ان يعرفوا اين دفن رفاقهم  ، ومن حقه ان يدفن في قبر لائق "

      لا يمكنني الصراخ ، فلا يوجد هواء كاف في رئتي ، رائحة الغبار احرقت انفي ، كتمت انفاسي كي لا اسعل ، ان السحب المظلمة سوف تنقشع قريبا  .

د . سالم هارون .. ( ونزريك - فزان )

استاذ بجامعة طرابلس







ليست هناك تعليقات: