الأربعاء، 26 فبراير 2020

تعزية .. المهندس احمد غميض



      تتزاحم مشاعر الصدمة ، ووجع الفقد ، ويتعذر قنص الاحرف والعبارات التي تليق بوقع الفاجعة .. الحزن يطفو على السطح .. دوامات عاصفة شاحبة من الكآبة .. نوبات الحزن عندما لا ترغب في التلاشي .. ولا جدوى في مقارعتها ، من كان يظن أن الحزن يمكن أن يكون مثخما !! .. ليلة امس .. الساعة الثانية عشر ليلا .. اتصل بي هاتفيا .. وكانه يريد ان يقول لي وداعا ، تبادلنا المزاح كعادته ، واخبرني انه وصل مدينة صفاقص ، وسيقضى الليلة هناك للاستراحة ، ويعتزم مواصلة الرحلة الى طرابلس صباحا ، بعد اسبوع قضاه بتونس العاصمة في رحلة علاج ، وهذا اليوم ، ما ان وصل طرابلس ، وعند جزيرة غوط الشعال ، توقف نبض القلب اثناء القيادة ، وتوقف كل شيء .
 
    بقلوب ملؤها الاسى والحزن .. نعزي انفسنا واسرة المرحوم والاهل والاصدقاء .. لذكرى عزيز رحل .. ودمعة تلقفها ثرى ارض يباب .. رحمك الله صديقي العزيز .. المهندس احمد غميض .. في جنات الخلد .. وداعا .
 


    
     ابن مدينة سبها .. ومدينة هون .. وفزان .. وصورة مع زمرة الاصدقاء من ابناء الجيل بسبها .. وقوفا الاستاذ عبدالله محمد بشير الهوني .. المرحوم المهندس احمد غميض .. الاستاذ محمد ايوب .. جلوسا من اليمين المهندس محمد سالم قاسم .. المرحوم الدكتور وطبيب العيون احمد سالم سيف النصر .

     كم هو الفقد مؤلم .. فقد الاصدقاء .. واي صديق .. طبعه البشوش .. الابتسامة التي لا تفارق محياه .. طيب المعشر .. نبل المحتد .. الانسان الطموح .. مؤسس مؤسسة الواحة للاستشارات والتقنية .. عز الرفقة والرفق .. بتاريخ 7 فبراير 2020 .. الرحلة الاخيرة سويا .. نحو الجنوب ومدينة سبها ..  في رحلة العودة من الجنوب بعدما قضينا عشرة أيام هناك .. توقفنا عند نقطة تسمى " عين مداكم " .. وطاب له شراء بعض الخضر وقد اصبحنا على مشارف العاصمة . وكانت لي هذه الصورة له .




قصيدة الارملة المرضعة

    
   
     بينما كان الشاعر العراقي الكبير / معروف الرصافي جالسًا في دكان صديقه محمد علي، الكائن أمام جامع الحيدر ببغداد .. وإذا بإمرأة محجبة وجميلة تحمل صحنًا وحدثت صاحبه همسًا،  ، فاستفسر من صديقه عنها . فقال له : إنها أرملة تعيل يتيمين، وهم الآن جياع، وتريد أن ترهن الصحن بأربعة قروش كي تشتري لهما خبزًا. فانشد ( قصيدة الأرملة المرضعة ):

لَقِيتُها لَيْتَنِـي مَا كُنْتُ أَلْقَاهَـا ... تَمْشِي وَقَدْ أَثْقَلَ الإمْلاقُ مَمْشَاهَـا
أَثْوَابُـهَا رَثَّـةٌ والرِّجْلُ حَافِيَـةٌ ... وَالدَّمْعُ تَذْرِفُهُ في الخَدِّ عَيْنَاهَـا
بَكَتْ مِنَ الفَقْرِ فَاحْمَرَّتْ مَدَامِعُهَا ... وَاصْفَرَّ كَالوَرْسِ مِنْ جُوعٍ مُحَيَّاهَـا
مَاتَ الذي كَانَ يَحْمِيهَا وَيُسْعِدُهَا ... فَالدَّهْرُ مِنْ بَعْدِهِ بِالفَقْرِ أَشْقَاهَـا
المَوْتُ أَفْجَعَهَـا وَالفَقْرُ أَوْجَعَهَا ... وَالهَمُّ أَنْحَلَهَا وَالغَمُّ أَضْنَاهَـا
فَمَنْظَرُ الحُزْنِ مَشْهُودٌ بِمَنْظَرِهَـا ... وَالبُؤْسُ مَرْآهُ مَقْرُونٌ بِمَرْآهَـا
كَرُّ الجَدِيدَيْنِ قَدْ أَبْلَى عَبَاءَتَهَـا ... فَانْشَقَّ أَسْفَلُهَا وَانْشَقَّ أَعْلاَهَـا
وَمَزَّقَ الدَّهْرُ ، وَيْلَ الدَّهْرِ، مِئْزَرَهَا ... حَتَّى بَدَا مِنْ شُقُوقِ الثَّوْبِ جَنْبَاهَـا
تَمْشِي بِأَطْمَارِهَا وَالبَرْدُ يَلْسَعُهَـا ... كَأَنَّهُ عَقْرَبٌ شَالَـتْ زُبَانَاهَـا
حَتَّى غَدَا جِسْمُهَا بِالبَرْدِ مُرْتَجِفَاً ... كَالغُصْنِ في الرِّيحِ وَاصْطَكَّتْ ثَنَايَاهَا
تَمْشِي وَتَحْمِلُ بِاليُسْرَى وَلِيدَتَهَا ... حَمْلاً عَلَى الصَّدْرِ مَدْعُومَاً بِيُمْنَاهَـا
قَدْ قَمَّطَتْهَا بِأَهْـدَامٍ مُمَزَّقَـةٍ ... في العَيْنِ مَنْشَرُهَا سَمْجٌ وَمَطْوَاهَـا
مَا أَنْسَ لا أنْسَ أَنِّي كُنْتُ أَسْمَعُهَا ... تَشْكُو إِلَى رَبِّهَا أوْصَابَ دُنْيَاهَـا
تَقُولُ يَا رَبِّ، لا تَتْرُكْ بِلاَ لَبَنٍ ... هَذِي الرَّضِيعَةَ وَارْحَمْنِي وَإيَاهَـا
مَا تَصْنَعُ الأُمُّ في تَرْبِيبِ طِفْلَتِهَا ... إِنْ مَسَّهَا الضُّرُّ حَتَّى جَفَّ ثَدْيَاهَـا
يَا رَبِّ مَا حِيلَتِي فِيهَا وَقَدْ ذَبُلَتْ ... كَزَهْرَةِ الرَّوْضِ فَقْدُ الغَيْثِ أَظْمَاهَـا
مَا بَالُهَا وَهْيَ طُولَ اللَّيْلِ بَاكِيَةٌ ... وَالأُمُّ سَاهِرَةٌ تَبْكِي لِمَبْكَاهَـا
يَكَادُ يَنْقَدُّ قَلْبِي حِينَ أَنْظُرُهَـا ... تَبْكِي وَتَفْتَحُ لِي مِنْ جُوعِهَا فَاهَـا
وَيْلُمِّهَا طِفْلَـةً بَاتَـتْ مُرَوَّعَـةً ... وَبِتُّ مِنْ حَوْلِهَا في اللَّيْلِ أَرْعَاهَـا
تَبْكِي لِتَشْكُوَ مِنْ دَاءٍ أَلَمَّ بِهَـا ... وَلَسْتُ أَفْهَمُ مِنْهَا كُنْهَ شَكْوَاهَـا
قَدْ فَاتَهَا النُّطْقُ كَالعَجْمَاءِ، أَرْحَمُهَـا ... وَلَسْتُ أَعْلَمُ أَيَّ السُّقْمِ آذَاهَـا
وَيْحَ ابْنَتِي إِنَّ رَيْبَ الدَّهْرِ رَوَّعَهـا ... بِالفَقْرِ وَاليُتْمِ ، آهَـاً مِنْهُمَا آهَـا
كَانَتْ مُصِيبَتُهَا بِالفَقْرِ وَاحَـدَةً ... وَمَـوْتُ وَالِدِهَـا بِاليُتْمِ ثَنَّاهَـا
هَذَا الذي في طَرِيقِي كُنْتُ أَسْمَعُـهُ ... مِنْهَا فَأَثَّرَ في نَفْسِي وَأَشْجَاهَـا
حَتَّى دَنَوْتُ إلَيْهَـا وَهْيَ مَاشِيَـةٌ ... وَأَدْمُعِي أَوْسَعَتْ في الخَدِّ مَجْرَاهَـا
وَقُلْتُ : يَا أُخْتُ مَهْلاً إِنَّنِي رَجُلٌ ... أُشَارِكُ النَّاسَ طُرَّاً في بَلاَيَاهَـا
سَمِعْتُ يَا أُخْتُ شَكْوَى تَهْمِسِينَ بِهَا ... في قَالَةٍ أَوْجَعَتْ قَلْبِي بِفَحْوَاهَـا
هَلْ تَسْمَحُ الأُخْتُ لِي أَنِّي أُشَاطِرُهَا ... مَا في يَدِي الآنَ أَسْتَرْضِي بِـهِ اللهَ
ثُمَّ اجْتَذَبْتُ لَهَا مِنْ جَيْبِ مِلْحَفَتِي ... دَرَاهِمَاً كُنْـتُ أَسْتَبْقِي بَقَايَاهَـا
وَقُلْتُ يَا أُخْتُ أَرْجُو مِنْكِ تَكْرِمَتِي ... بِأَخْذِهَـا دُونَ مَا مَنٍّ تَغَشَّاهَـا
فَأَرْسَلَتْ نَظْرَةً رَعْشَـاءَ رَاجِفَـةً ... تَرْمِي السِّهَامَ وَقَلْبِي مِنْ رَمَايَاهَـا
وَأَخْرَجَتْ زَفَرَاتٍ مِنْ جَوَانِحِهَـا ... كَالنَّارِ تَصْعَدُ مِنْ أَعْمَاقِ أَحْشَاهَـا
وَأَجْهَشَتْ ثُمَّ قَالَتْ وَهْيَ بَاكِيَـةٌ ... وَاهَاً لِمِثْلِكَ مِنْ ذِي رِقَّةٍ وَاهَـا
لَوْ عَمَّ في النَّاسِ حِسٌّ مِثْلُ حِسِّكَ لِي ... مَا تَاهَ في فَلَوَاتِ الفَقْرِ مَنْ تَاهَـا
أَوْ كَانَ في النَّاسِ إِنْصَافٌ وَمَرْحَمَةٌ ... لَمْ تَشْكُ أَرْمَلَةٌ ضَنْكَاً بِدُنْيَاهَـا
هَذِي حِكَايَةُ حَالٍ جِئْتُ أَذْكُرُهَا ... وَلَيْسَ يَخْفَى عَلَى الأَحْرَارَ فَحْوَاهَـا
أَوْلَى الأَنَامِ بِعَطْفِ النَّاسِ أَرْمَلَـةٌ ... وَأَشْرَفُ النَّاسِ مَنْ بِالمَالِ وَاسَاهَـا

الثلاثاء، 11 فبراير 2020

هل تسببت حرية التعبير في المزيد من الكراهية بمجتمعاتنا ؟ .


 
 
       موسى عبد الكريم .. مصور ومحرر صحفي بصحيفة " فسانيا " الليبية ، فزان .. اختطف من قبل مهاجمين مجهولين ، وعثر فيما بعد على جثمانه وأثار التعذيب ، والرصاصات القاتلة .
حرية التعبير تسببت في العديد من الوفيات .. هل نتوقف ، اذا اردت اخذ الامور على محمل الجد ، انتظر وسوف نطرق بابك لاحقا .
 
 
     أكثر من 30 صحفيا قتلوا حتى العام 2019 عبر العالم .. وبات من المؤلم أن نرى اتباع الأيديولوجيات الشمولية في حرب دائمة مع "حرية التعبير" ، فهي في الغالب ، تشكل خطراً قد يؤدي الى فقدان سيطرتهم وسطوتهم على المجتمع .
 
 
     حرية التعبير هي حرية الفرد والمجتمع في التعبير عن رأيه دون أي خوف من الانتقام أو الرقابة أو العقوبة . هذا هو ثاني أهم حق بعد حق الحياة بالوطن . فمن غير الممكن فرض التيار الفكري الخاص بك على الناس .. وعندما تفعل ذلك ، فأنت تمنع الناس من الحصول على أفق جديد لوجهات النظر.
 
 
     يصر معظم الناس على أن وجهة نظرهم لا يمكن أن تكون خاطئة .. يريدون أن يستمع إليهم كثيرون لدرجة أنهم يفضلون استخدام القوة في سبيل ذالك .. فإذا كنت تتحدث فسوف يتم اغتيالك او القبض عليك ! (لأسباب لا أساس لها ) .. وإذا اخترت أن تكون صامتًا ، فسيتم إلقاء اللوم عليك ! .
 
 
    هذا لا يعني التوقف عن التحدث عما تشعر به أو تفكر فيه ، فقط انه من الواضح لن يكون سهلاً. وكلمة السر .. مقالة غاندي : " كن التغيير الذي ترغب في رؤيته في العالم " .

صوت الصمت



      اجلس هنا كي تهدأ كل أفكاري ومخاوفي وخططي ورغباتي وأحكامي .. كي تتلاشى جميع الأصوات الخارجية في الطبيعة .. وكي تختفي كل الأصوات في داخلي ، نبضات القلب ، وضجيج الذهن .
 
 
      يلفني هذا الصمت بردائه ، ويدعوني للسباحة فيه ، أنه الفراغ الأكثر امتلاءً وضوءًا ، لقد اخترت هذه الرحلة ، ويمكنني أن أشهد على ذلك .. الصمت الحقيقي هو أشجى صوت سمعته على الإطلاق .
 
 
     الصمت المفرط يمنح الذهن فرصة البحث عن شيء ما للاستماع إليه ، دقات القلب ، هسيس الزفير ، تشنجات المعدة ، وفي هذا البراح المقفر اشعر انني محاط بشيء لا مفر منه .. فراغً يمكن للضوضاء كسره ، او انه شكلاً من أشكال الضوضاء ، على الرغم من أن الضوضاء الصامتة هي ضوضاء .
 
 
      بعض من الصمت موسيقي الايحاء ، تشعر من خلاله بالراحة من الطنين ، أو الصفير ، أو التحدث مع النفس .
 
 
     الصمت ممارسة خطابية تفضل عدم قول أي شيء عندما يتوقع الخصم في النقاش قول أي شيء .. لذا غالباً ما يستخدم السياسيون الصمت لمصلحتهم .. وبالمثل ، الحق في الصمت حماية قانونية للأشخاص الذين يخضعون لاستجواب الشرطة .
الصمت سكون داخلي ، تحرر من هجمات الأفكار ، هدف وخطوة مهمة في التطور الروحي .. العديد من التقاليد تعي أهمية البقاء هادئًا لاتاحة مساحة عقلية وجسدية " للتنفس".
 
 
 
     يمكن أن يعني الصمت غياب الصوت ، والهدوء ، والغموض ، والنسيان ، والإخفاء ، والسرية ، وعدم التواصل ، وما إلى ذلك ، ويمكن أن يعني أشياء كثيرة في مواقف مختلفة.
 
 
    يمكنك الاستماع إلى الصمت والتعلم منه .. فلا شيء يقوي السلطة كما يفعل الصمت .. طوبى للذي لا يمتلك أي شيء يقوله .. " الصمت صديق حقيقي لا يخون أبداً " على راي كونفوشيوس
 
 
     الصمت هو النوم الذي يغذي الحكمة .. تستمع من خلاله لعيوب الآخرين ، وتخفي عيوبك .. انطلق بهدوء وسط الضوضاء واسرع ، وتذكر ما قد يكون هناك من سلام في الصمت .
 
 
 
     بنفس الطريقة التي لا يمكنك أن تعرف بها الضوء دون أن تتعرض للظلام ، لا يمكنك معرفة الصوت دون الشعور بالصمت .. لا يهم مدى سرعة الصوت ، يجب أن يكون الصمت دائمًا في انتظار وصوله .. وفي البحث عن الصوت ، ننسى جمال الصمت . وننسى ان في الصمت تطهير للعقل من الضوضاء .. وان كل الأصوات تحدث في صمت.
 
 
     الصمت وسيلة لتحقيق ارتباطنا بالمحيط ، وعي عميق بالعالم من حولنا ، وكلما فتحنا افواهنا ، تبدأ معركة.
 
 
     ما اروع ان اكون هنا بعيدا عن ضوضاء العمران ، اتون صحراء واحتي " الزيغن " بالجنوب الليبي فزان ، اتطلع لسماع الأزيز البعيد للمجرات الكونية ، وصراخ الثقوب السوداء ، وانفجارات نجوم المجرة .. هذا الصمت الرهيب ، الطريق السريع الفارغ .. إنه أمر مثير للاهتمام عندما لا تحاول التحكم في تدفق حركة المرور .. الصمت عالم هائل من التفكير العميق وتحسين الجوانب السيئة للنفس .. ما اروع سماع صوت الصمت بوضوح بنقاء تام .
 
 
 
    الصمت مثل السرطان يسري ويتمدد في مجتمع لا يستمع فيه أحد ، يموت هذا المجتمع .. وفي آبار الصمت ، جريمة ضد الانسانية .. قد يكون هذا خارج السياق تمامًا ، ولكن لا يمكن مقاومته .
 
 
       أستمتع بصمت الحياة هنا .. هسيس الريح في سعف النخيل .. وطائر صغير يغني اعلى النخلة ، وذئب يعوي بعيدا خلف التلة ، معلنا افول يوم اخر لحظة الغروب .. الصمت التام يعني الموت .
 
 
     هذا الصمت الآمن من شأنه أن يجعلني أفقد عقلي بمجرد أن أدرك غيابه .. صوت الصمت ضوء ساطع مبهر .. وثمة صمت محرج ، مقلق ، قسري ، وصمت صامت .
أود أن أقول ، قبل ما يقرب من نصف قرن مضى ، كان العالم من حولنا أكثر صمتًا ، والمحادثات كانت ناعمة .
 
 
       إذا كان عقلك لا يزال يتحدث ، فأنت فاقد التمتع بالصمت في أنقى صوره ..
 
 
     ما أعرفه هو أنني توقفت عن التفكير ، وبالتالي ، أدركت ان "صوت الصمت " أغنية جميلة رائعة : مرحبا صديقي القديم .. صوت الصمت الرخيم .