الخميس، 29 أغسطس 2019

صفعة فنان




    دعاني صديق عزيز جداً وهو السودان الشقيق متيم بالفنون والآداب ، دعاني لمتابعة برنامج اغاني وأغاني.. كان ذلك قبل نحو خمس سنوات... لم استطع التذكر حينها وبسبب الغربة ... تابعت البرنامج الشهير الذي يقدمه الاستاذ الاديب والصحفي/ السر احمد قدور، وهو من أعمدة كتابة الاغنية في السودان ويقيم في القاهرة كنت قد التقيت به مرة بصحبة عدد من الفنانين والأدباء السودانيين المقيمين في بلاد الغربة، والحق ان عمنا الاستاذ/ السر، مقدم متميز جداً صاحب ذاكرة حاضرة وصاحب بديهية وقتية وصاحب همة عالية - متعه الله بالصحة والعافية-، وحيث انني لست من المختصين بشؤون الفن والأغنية على وجه الخصوص فهذه مجالات عصية صعبة على من هو بمثل حالي. لكن لابد من التعليق بصفة مشاهد شاهد جزء من البرنامج الرمضاني الشهير، واسمح لي قبل الإجابة ببعض الاستعراض الممل.

    فلقد حظيت وأبناء جيلي في ليبيا الحبيية بمشاهدة حية لحفلات كبار وعمالقة الفن في السودان الشقيق اذكر منهم على سبيل المثال:
 

   الراحل سيد مصطفى احمد، والراحل محمد وردي، والراحل حسن خليفة العطبروي، والراحل سيد خليفة، والراحل زيدان ابراهيم، ومن الأحياء؛ محمد ود الامين، عبدالكريم الكابلي، واحمد الريح، وحنان بلوبلو، والطيب عبدالله، وغيرهم من المشاهير متعهم الله بالصحة والعافية..

   صحيح انني لست من المختصين في شؤون الموسيقا والغناء، لكنني احب متابعة الموسيقي لانها غذاء الروح، وكانت عندي مكتبة متواضعة فيها مصنفات سودانية كثيرة جداً ، ومن احب الأصوات الي أصوات المطربين:
الجابري، والراحل عبدالعزيز دواد، والراحل عبدالعزيز العميري، وفرقة البلابل، وصلاح ود البادية ...


   لقد كنت أتابع اخبار فريقي المفضل عربيا وافريقيا الهلال السوداني عبر أثير إذاعة ام درمان واتابع كذلك برامج الفن وحقبة الفن وعمك عوض وغيرها من البرامج الهادفة الجيدة.. وكنت حريصا على متابعة برنامج تفسير القرآن الكريم للمرحوم عبدالله الطيب، وكذلك أتابع جل الحفلات والمناشط الفنية المقامة في ام در وفي عموم الخرطوم والسودان الكبير.

   وبعدها حدث طلاق بيني وبين الإذاعات المسموعة كلها لاعتبارات عديدة.. ولكن العلاقة والصلة مع الموسيقية السودانية ظلت موجودة خصوصا بدعم صديق الطفولة المهندس عباد، وجيراني من مختلف أهل السودان، وبخاصة عمك عصمان الشياقي والعزيز محمد زغلول وغيرهما..

    كانت هذه مقدمة ضرورية لتحديد موقفي من برنامج معاصر وجماهيري بحجم أغاني وأغاني ..

    البرنامج من حيث الهدف والتنفيذ وملاحظة نقذية:

    اولا: من حيث الهدف: وبالنسبة لي فانا أبارك مثل هذه الخطوة وهي تلتقي مع خطوات مشابهة في بلاد العرب الاخرى وهي تكريس الفن وإرساء ثقافة ذوقية راقية، وتأصليها في أرواح الجماهير للرفع من مستوى الوعي ولتنمية المجتمع من خلال الفن. إذن فالهدف العام واضح ونبيل..

    والهدف الخاص له شقين الاول هو إبراز أصول ومكنونات الغناء السودانية وترسيخها عبر أصوات معاصرة لاجل المحافظة على التراكم الثقافي والتاريخ الموسيقي في هذا القطر العربي الافريقي الزاخر بالإبداع.. والشق الثاني له اهداف لربما مادية من خلال الطرح الذي تتبعه القناة الوعاء الناقل للبرنامج ولن أخوض فيه لاعتبارت تتصل بعدم الإلمام به.

    ثانيا: من حيث التنفيذ: البرنامج مستمر بفضل الله على مدى اكثر من عشر مواسم. وهذا دليل نجاح وحياة ملؤها الامل. ارجو ان يوفق الله تعالى أهله لما فيه الخير لخدمة الفن والأغنية السودانية نحو آفاق النجاح كلها..

    ثالثا: الملاحظة النقدية: ارجو ان يحاول البرنامج خلق شكل ثابت بدل تغيير الاستوديو كل موسم، تغيير النهج نحو أفكار جديدة واستضافة مبدع او ملحن او استاذ مويسقي يختار هو وبدون تدخل مطربين يؤدون أغانيه وهكذا ينبغي ان تكون الامور فيها تطورات تتجاوز مناظر الاستوديو الى ترسيخ قيم معاصرة من قبيل الانفتاح على النقد الفني..

   انتهى حديث الوصف، ولنلج معا ايها الصديق، لحديث أخر أعرف انك سوف تخالفني فيه وبقوة، وفي المبيتدى اعبر لك عن استعداده لقبول كافة آراءك وآراء الاعزاء قراء هذه الخاطرة،

    كانت عندنا في ليبيا برامج تكاد تكون مشابهة في سنوات مضت، مثل :
 

     منتدى المواهب، وآمل الغد، وجيل الغد، أغانينا، الاغنية الليبية، وأخيرا البرنامج الذي انقطع منذ مدة الجلسة الليبية ( وان كانت الجلسة مكرسة للغناء الجديد لحنا وكلمة وصوت)؛ بيد إن اغاني اغاني مخصص لتأصيل التراث الغنائي السوداني، وكأنه اقرب لبرنامج الاغنية الليبية الذي انقطع عنا منذ حوالي عشرين سنة مضت!!

    الفارق بيننا كبير جداً والفارق -هنا- لصالح السودان بلا جدال! ، صحيح انه عندنا شعراء وعندنا كتاب، وعندنا العملاق محمد حسن، واعلم انك تحب صوت محمد السليني وعبدالله الأسود.. وأعلم انك تهتم بالغناء الشعبي في ليبيا، لكننا لسنا مثلكم نحن في ليبيا في الغالب الأعم وليس في الأعم طبعاً ! فالفن عندنا محتقر والفنان لا قيمة لديه والمشكلة ليست في المؤسسات الثقافية فقط، بل المناخ العام الذي لا يهتم بدعم وشراء المنتوج الليبي ولا تشجيع المبدعين كما الحال عندكم!

    هناك مشاكل عديدة ومن بينها، وجود عداء من طبقة التجار عندنا لكل إبداع ثقافي: ولقد أشغلت هذه الطبقة الهجينة والتي لم تكن يوما أصيلة بكل ما تملك من قوة ومال ونفوذ على تدمير القيم الفطرية للمجتمع ومحاربة الإبداع أينما كان، وهذه الطبقة التي تركز على ترسيخ ثقافة الاستهلاك وتسعى للربح فقط ولا علاقة لها لا بالحياة الإبداعية، ولا الثقافة. فقط همها كسر خشوم الخصوم، ونشر العوز، وعشق الذات في صورة نرجسية تؤكد بانها أسوء وأنكى مجموعة اقتصادية في العالم والواقع اليوم في ليبيا يوضح الحقيقة! لم اسمع في حياتي ان تاجرا ما ساعد في بناء مسرح! او مساعدة كاتب او مساعدة مطرب !
 

    وهناك مشكلة في فهم الدين أيضا، فالطبقة الدينية المتكونة من رجال الدين عليهم سلام الله ورحمته هي الأخري ليست عميقة ولا تملك قوت يومها من الفكر والوعي، مقارنة بعلماء الطين في السودان، فطبقة رجال الدين في ليبيا هي التي حرمت تعاطي الغناء بكل أشكاله، ونبهت على ذلك عملا وقولا، ومن بين التطورات الحالية التصدام بين الوهابية والجهادية من جهة ، ومن جهة إخرى الصوفية، ففد تم في هذا الاحتقان صدور فتوي، تقضي بتحريم السماع الصوفي والحضرة، وتم تنفيذ ذلك في ظروف بالغة الاقصاء والكراهية مصادرة أدوات الموسيقية حتى من الزوايا الصوفية بل تعداه لحرق المقامات وتدمير الأضرحة وشواهد صحابة رسول الله وتجاوز ذلك لهدم المساجد التي بها قبور، وتم ذلك بآمر آيات الله لدينا في ليبيا .. كل ذلك حدث ويحدث وسوف يستمر بتحريض من حراس ورجال الدين الذين افتوا بحرمة الفنون كلها الا فن اعتلاء المنابر، وهو على فكرة فن يوناني قديم..

    مشكلة الطبقة السياسية: جهل بالفن وإساءة لاهله، فالنسبة السياسية عندنا هي الأخري مارست ولاتزال إذلال وأهانة المثقفين، فقد صفع المرحوم الحاج/ مختار الأسود وتمت إهانته وهو رجل قراب التسعين من عمره أنذاك بسبب مواقفه السياسية، علما بأنه اول ممثل ليبي يظهر في السينما المصرية في ستينيات القرن المنصرم تماما مثل: محمد النوبي وابراهيم بدرخان وسيد خليفة عندكم!

    كذلك حبس الفنان يوسف الغرياني (قزقيزة) لاعتبارات لها نفس الصلة..

     لم تقدم الطبقة السياسية في ليبيا نماذج مبدعة من قبيل: صلاح ابراهيم وصلاح محمد صالح او الصديق مدثر او عمر الشاعر! ليس لدينا مثقف طليعي مثل: نقد الكبير او محمود محمد طه او حتى المهدي او الترابي الذين شاركا مؤخرا في تأبين المطرب الراحل محمد وردي،

     وليس لدينا من هم بحجم الشريف الهندي الذي كان يقاسم أهل الثقافة والفن ماله الخاص.. حتى بالامارة ان اعمال كبيرة وراقية لفنانك المفضل الاستاذ/ محمد حسن جاهزة وعلى اهبة الانتشار فقط هي متوقفة بسبب قلة الإمكانيات.... نعم قلة الدعم المادي في بلد بدد في حرب الأخوة الأعداء مئات الآلف من العملات بكل أنواعها ... بل الآلف الآلف من الرجال ومن التاريخ، لاجل مكاسب تافهة قائمة على الحقد والكراهية !

    وهناك ايضاً مشكل عميق جداً فنحن في ليبيا ليس لدينا تراكم ثقافي يضاهي الموجود في السودان ممثلة في النخبة الثقافية، وحتى الساسة لدينا ليس في جعبتهم معلومات كافية عن الفن والغناء في ليبيا وهم أصلا لا يهتمون بها، ودليل ذلك فبعد ثلاث سنوات من سقوط النظام السابق لم نشاهد برامج فنية ذات قيمة عالية! نأهيك عن ثقافة الاحتكار الموجودة منذ عهد الاستقلال.. الطبقة التي تعتقد الثقافة عندنا كئيبة جداً ومضحكة وليس كما تعتقد ايها الزول الطيب، انها طبقة أشباه المثقفين التي فاق فيها حقد افرادها على بعض حقد مراحل التاريخ كلها! صحيح أننا نملك في ليبيا مبدعين أجلاء فضلاء، لكننا لا نمتلك قاعدة ثقافية او طبقة فنية رصينة تماثل الموجود عندكم، وللاسف ايضاً لا نملك مثلمكم قاعدة صلبة بالرغم من التحفظات على اداء الكثيرين من أهل الثقافة السودانية الا انهم في المحصلة يعملون وللعامل اجر عمله، الفن تحول لديكم من هواية الى حرفة! والأدب رائج عندكم، والقارئ السوداني ممكن ان تحاور معه وان تختلف معه! طبعاً باستناء الاخوان الكيزان فهؤلاء جذرين لا يمكن التعويل عليهم، ومع ذلك فهم افضل حال من من هم عندنا، والكل الى اصله يرجع، وللغناء السوداني بالرغم من التداخل والتنوع الثقافي والإثني مصدره ورصيده المرجعي ...
 

     وعلى فكرة انتم بلد فيه أطول انهار افريقيا... ومنه قال عمنا هاشم الحاج:

         لو أعيش زول ليهو قيمة..... اسعد الناس بوجودي...
       أبقى دار او خيمة تدفئ لاجيء ... او حنان جوئ الملاجئ ...

      ايضاً ايها الصديق نحن لم يخرج منا محمد الفيتوري بالرغم من أن اصله منا، فهو خرج نتاج ثقافتي السودان ومصر، ذلك الذي قال :
أصبح الصبح فلا السجن ولا السجان باق...
 

     يا تري متى يطلع الصبح ويحلي عنا وعنكم هذه الظروف القاهرة، والحرب القذرة..
ايها الصديق اعتقد بأنكم في الخرطوم احسن حالا منا بكثير، ما تزال بالرغم المعاناة والجراح التي سببتها حركة الاسلام السياسي وفصيل الانقاذ، الا ان العاصمة المثلثة لا تزال، تسمى الشوارع والقاعات والمسارح باسم الفنانين والشعراء: شارع الهادي ادم ... قاعة عبدالله الطيب.. جائزة الطيب صالح.. مهرجان المجذوب، مهرجان التيجاني، مهرجان المك، مهرجان جماع..... وأخيرا مسرح زيدان ابراهيم في العباسية... عشرات عشرات المآثر من أهلنا في السودان، ذلك انهم الشعب الطيب - وليست الحكومة الظالمة-، هم من يكتبون التاريخ..
 

     أم أختها عروس المتوسط، فحالها لا يسر البتة! انها حزينة! بالامس القريب رحل كثير من أبناءها ولم تستطع ان تتذكر اي منهم، لعلك سمعت عن الموت في العلبة! تلك قصة أخرى فالمقام هنا لا يسمح بسردها!

     كتب الراحل المقيم الصادق النيهوم بكورة مقالاته - بحسب المعلوم- مقالة تحت عنوان:
 

     شعب يكتب تاريخه بالأغنية .. كانت مقالة معبرة لطالب في المرحلة الثانوية.. وبعد ذلك صار الصادق الذي تعرف وكان قريب الرفقة مع كاتبك العقلاني الجد/ راسل..

    أرجو ان تتحول مقالة الصادق يوما ما الى تفاصيل حياتية معاشة، تكرس لشعب ليبي مستقر يحيا تاريخه وحاضره مستقبله بالفن وبالأغنية ؛ عوض الرصاص والنحاس والنخاس وترهات المادة اللعينة.. واعلم انك سوف تقول لي أنه فعل ذلك في عديد المرات من خلال تراث ضخم: فيه شعر الأجواد وشعر الجهاد ونوبات المألوف والموشحات والغناء العربي والغناء التارقي ...

     واعلم انك تحفظ منه اضعاف ما احفظ، لكنك ايها الصديق الرائع وارجو أن لا تغفل عن مصيبتي الكبري وهي عدم مقدرتي على الحفظ، فأنا صاحب ذاكرة الكاسيت الفارغة كما يقول عني الاستاذ ود الفقي!

    لك التحية المعطرة بالحبق، والصندل، والابنوس، والقرنفل، والعود، والصمغ العربي، واللبان. وللسودان شعبا اجمل القبل والتحايا المعطرات، وعلى ليبيا الحبيبة من السلام السلام ... و حقق الله الأماني.

د . الغناي سالم 
سبها .. فزان

ليست هناك تعليقات: