الأربعاء، 28 أغسطس 2019

الثقافة أداة للتحول الاجتماعي في الثورة الكوبية




     كان انتصار الثورة الكوبية في 1 يناير 1959 ، بداية لتغيير جذري في النظام السياسي ، والذي سيحدث ببطء نسبي الى حد ما ، ذلك ان النظام الجديد عمل بموجب الدستور الوطني لعام 1940 حتى عام 1976 . ولكي يكون التغيير في العمق ، استوجب تغيير الهياكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية السائدة . وقد أدرك الثوريون حال وصولهم الى السلطة أن الثقافة يمكن أن تكون وسيلة قوية لتحقيق أهداف المساواة والعدالة الاجتماعية.
 

    من هنا بدأ اهتمام السياسة الثقافية في المقام الأول بدعم الإبداع الادبي والفني من خلال المعاهد الوطنية ، والاتحاد العام للكتاب والفنانين الكوبيين ، بهدف وضع ثقافة في متناول الناس ، وفي عام 1961 ، أنشئ المجلس الوطني للثقافة ، وانحصرت مهمته في الترويج للأنشطة الثقافية . تلاه انشاء وزارة الثقافة في عام 1977.
 

     كانت مخصصات الميزانية تتناسب مع الإرادة السياسية ، لتشمل ليس فقط إنشاء معاهد وطنية ، بل وإنشاء شبكة من المدارس الفنية المجانية ، والمكتبات العامة . والمسارح .

    عُين نيكولاس غويلين ، ( وهو شاعر مشهور حظى شعره بشعبية لرصانة موضوعاته وجزالة نظمه ) ، رئيسًا لاتحاد الكتاب والفنانين في كوبا . وكان المتحدث باسم الثورة .
 

    كانت تلك ثورة أدبية تطورت بموازاة الثورة السياسية ، بمعنى أن الأدب تغير في العمق . وصار المحتوى الأدبي يتواءم مع أيديولوجية الثورة .

     عملت الحكومة الثورية على إعادة نشر الأعمال السردية التي تُعتبر جزءًا من التراث الثقافي ، وشهدت الرواية انتعاش وحيوية . لكن مسألة الرقابة التي برزت بوضوح لاحقا ، اجبرت بعض الروائيين الى اختيار الهجرة ملاذا في نهاية المطاف ، بداية السبعينيات . وبعدما ازدهرت اعمالهم . وفي المنفى شهد الادب الكوبي تطورا اكبر مما حظي به سنوات تشنج نظام كاسترو.
 

    " الثقافة ، مثل التعليم ، لا يمكن أن تكون غير سياسية ، ولا محايدة " . هذه الجملة وردت ضمن إعلان المؤتمر الوطني الأول للتربية والثقافة الكوبي عام 1971 . وما ترتب عن ذلك من تأميم أجهزة الراديو والتليفزيونات ، وإنشاء وكالة حكومية تحتضن المبدعين . بل واستحدث قطاع ثقافي آخر ، ( قطاع إنتاج الملصقات ) ، ليكون بمثابة أداة اتصال للثورة . او بالأحرى وسيلة ترويج وضفت الثقافة في خدمة النظام . وقد لعب عمال الملصقات من موظفو الدولة ، دورًا هاما في التأسيس لمجتمع مختلف ، وفي الدفاع عن هذا المجتمع ، والتحريض على الإنتاج بشعارات ذات صدى . وكان فيدل كاسترو واضحًا في تحديد دور الفنان : " الفنان حرا في إنشاء موضوعاته بشرط ألا يشكك في الثورة " .
 

    لم يكن الملصق السياسي الكوبي حزينًا أبدًا ، كانت الألوان مشرقة ؛ حيث الرقص ، والزهور التي تشكلان معا نمط حياة شعوب البحر الكاريبي . الى جانب ذلك ، يجب بذل الجهد بحماس ثوري . ولم يغب الملصق الاجتماعي الداعي الى محو الأمية والنظافة الصحية والوقاية والتعليم والتدريب والعمل التطوعي.
 

    كان دعم الملصقات هو الأكثر أهمية ، على واجهة الجدران والألواح المعدنية ، وغالبًا ما كان التلويح بالعنف ظاهرا . ما حدا باحد الفنانين المبدعين الى القول : " في كوبا نحن أحرار بكل وضوح . لكن ليس لدينا حرية التصرف ضد النظام . "

     خلال الثلاثين عامًا الأولى ، أظهرت الثورة اهتمامًا بإضفاء الطابع الديمقراطي على الثقافة ، كوسيلة لتثقيف الناس من اجل بناء مجتمع جديد. كانت هذه السياسة الثقافية الجماهيرية جزءًا من أيديولوجية يكون فيها الإنسان محور اهتمامات الدولة ، والثقافة هي الضامن للنجاح .

    لقد سارت عملية دمقرطة الثقافة جنبًا إلى جنب مع توفير التعليم للجميع . كان هذان إنجازان عظيمان للثورة ، ولم تستطع الأزمة الاقتصادية - في السنوات التي أعقبت سقوط الاتحاد السوفيتي - من تعرضهما للخطر. فالشعب الكوبي شعب متعلم ، والمشروع السياسي الثقافي بني على نماذج مستوردة ، مزيجها الشعور بالانتماء إلى ثقافة معينة - الكوبية - يتقاسمها ويمارسها الجميع .
 

     دور الثقافة لا غنى عنه أكثر من أي وقت مضى .. كان الرئيس الكوبي فيدل كاسترو يردد عباراته الشهيرة : " ان أفضل ترياق للاستهلاك هو الثقافة .. الثقافة هي أول شيء ينقذنا .. لا تأتي القضايا الثقافية بعد القضايا المادية ، لكنهما يتزامنا معًا ..  خنادق الأفكار تستحق أكثر من خنادق الأحجار .. الثقافة هي سيف الأمة ودرعها".
 

      في غضون 16 عامًا ، نشر 5000 عنوان و 4 ملايين نسخة ، خدمة للمبادئ الثورية .. كان كاسترو يقول : " لن نجبرهم على أن يؤمنوا ، وسوف نقول لهم أن يقرؤوا ".
 

     في عام 1991 ، بسبب انهيار الاتحاد السوفيتي وتجدد الحصار التجاري الذي تفرضه الولايات المتحدة على كوبا ، دخلت البلاد في أزمة اقتصادية طويلة وعميقة انخفض الناتج المحلي الإجمالي إلى 35 ٪. زكان انقطاع التيار الكهربائي يستمر من 16 إلى 20 ساعة في اليوم .

     كانت اللحظة التاريخية قد فرضت تخفيض ميزانيات الثقافة بشكل كبير. إذا لم يكن هناك شيء للأكل أو الطهي ، فلماذا ننفق مواردنا المحدودة للغاية على الأنشطة الثقافية؟

ليست هناك تعليقات: