السبت، 6 أكتوبر 2018

حوار حول التعليم الجامعي ( 4 )


 
    يشهد عالم التعليم تحولا عميقا وبسرعة أكثر مما يدركه غالبية الناس في الوقت الحالي . لا يتعلق الأمر فقط بدورات عبر الإنترنت ، ولا فصل دراسي . بل بإحداث ثورة في المفهوم الكامل لكيفية تعليم الناس الاساليب التي تمكنهم من تثقيف أنفسهم ، والكيفية التي يتم بها توفير هذه المعرفة لهم .

    هذه هي الحلقة الرابعة من " حوار حول التعليم الجامعي " نستشرف من خلالها مساهمات واراء بعض الاساتذة :

    د ( س . ع ) من جامعة سبها :

    فرصة العثور على مسار تعليمي مناسب .. القدرة على جمع المحتوى القيّم عن عدد من مؤلفين المختلفين .. الغوص إلى موضوع الدراسة .. مجموعة عناصر تؤسس للعملية التحويلية العميقة والبعيدة المدى .. القيمة التي يمكن توليدها لطلابنا من خلال مسار التعلم .. انها ثورة في التعليم والتعلم .

    طريق النهج التقليدي لتحفيظ العزف على الأوتار بالطريقة ذاتها لم يعد مجديا لدراسة أي موضوع وفهمه بشكل أعمق بكثير لمجرد حفظ الحقائق بشكل كلاسيكي .. النجاح يستدعي مشاركة الطالب في بحث الموضوع قيد الدراسة ، واستكشاف مضامينه من خلال وجهات نظر متعددة . والهدف في الواقع لا يتمثل في اعتماد تفسير شخص بعينه لحقيقة ما ، أو قضية ما ، ولكن لفهمها .

    عندما تبحث عن التعلم لمعرفة المزيد ، تحتاج لإنشاء خريطة ذهنية لشيء انت لست على دراية به ، والى تقديم الفروض الممكنة لتكوين اجابات .

    إضافة وجهات نظر وموارد جديدة إلى ما نعرفه الآن ، بطريقة مفتوحة ، تدعم فرصنا في التعلم والاكتشاف ، وفي توسيع فهمنا ونظرتنا للعالم المحيط بنا ، أسرع بكثير وأفضل مما لو كنا نعيش حصار نخبة مهتمة من الأوصياء على المعرفة .
التدبر او التفكر هو الشرارة التي تحرر البشر .. عندما تحتاج إلى فهم موضوع لست على دراية به .. التدبر هو الطريق للاكتشاف من خلال الجمع بين عناصر المعلومات التي هي اشبه بالقطع الفنية التي لا رابط بينها ولكنها ذات صلة ، أو التي تشترك في سمات وأنماط مشتركة ذات علاقة بالموضوع قيد الدرس .. عملية تصفية وتصنيف وتدقيق لما هو ذو قيمة ، وما هو غير ذلك .. وفي العلم لا توجد نظرية قاطعة ونهائية ، او حقيقة مطلقة .


    وبالإجمال .. التدرج كجهاز معرفي يخول لنا استقصاء العقول ، والاستجواب ، وقبول وجهات نظر متعددة ، ووقائع وحقائق يمكن أن تهز بعمق أفكار التعليم والتعلم كما نعرفها اليوم .

    د (قاسم عبد السلام الزين ) من جامعة سبها :

     ما اود الحديث عنه تطوير البحث العلمي التطبيقي في الدراسات الجامعية والعليا باستخدام أحدث أساليب المحاكاة الرقمية .

    ليس للبحث العلمي التطبيقي في واقع الحال سوى طريق واحد ألا وهو التجريب للوصول إلى استقراء جيد و فعال للحالة قيد الدراسة .. ينقسم التجريب هنا إلى أسلوبين ، فإما أن يكون معملياً ، او حسابيا . التجريب المعملي ينبغي أن تتوفر له مجموعة من الأدوات والأجهزة ، وكذلك المكان ، أي الظروف البيئية اللازمة سواء كانت طبيعية أو اصطناعية , اللازمة لإجراء التجارب بغية الحصول على نتائج . و يعتبر مرور زمن ما ( قد يكون قصيراً جداً يستغرق جزءاً يسيراً من الثانية وقد يطول فيمتد إلى سنوات عديدة ) عاملاً مهماً لحدوث التجربة ، وهنا لا يمكن إهمال دور الجهد البشري في هذه العملية. وعند إجراء تقييماً كاملاً لأسلوب التجريب المعملي أو الدراسة الحقلية فإننا سوف نصل إلى معرفة أن هذا الأسلوب يقتضي توفر مبالغ مالية كبيرة في أغلب الأحيان ، كما أنه يستهلك قدراً كبيراً من الزمن الذي يقيم أيضا بالمال ، و الحاجة الكبيرة إلى مقدار اوفر من الجهد البشري ، بالإضافة إلى ذلك ، يجب تبيان أن الأسلوب البحثي العملي قد ينطوي على مخاطر كبيرة جداً كما في الطاقة النووية ، أو قد يكون مكلفاً ، أو شبه مستحيل بدون توفر الشروط المناسبة كما في بعض بحوث الفضاء ، وهذا يقود مباشرة نحو الأسلوب الثاني ، أسلوب التجريب الرقمي والمعالجة الحسابية الديناميكية الحاسوبية.

    يمكن تعريف أي برنامج للمحاكاة الحاسوبية بأنه البرنامج المؤسس على عملية تقليد الظواهر الحقيقية بمجموعة من الصيغ الرياضية . وهو برنامج يسمح للمستخدم بملاحظة عملية ما عبر التقليد دون الحاجة إلى إجراء تلك العملية فعلياً . تستخدم برامج المحاكاة بشكل واسع في تصنيع المعدات ، وبهذا تكون أقرب ما يمكن للتصميم مع تلافي التكاليف العالية للتعديلات ، وكثيراً ما تستعمل برامج المحاكاة التي تعمل في الزمن الحقيقي في ألعاب الفيديو ، كما تستخدم بشكل كبير أيضاً في العديد من التطبيقات الصناعية المهمة ، فعندما تكون عواقب التدريب أو التشغيل الفعلي السيئ خطيرة أو باهظة التكاليف ، كما في تعلم قيادة الطائرات ، وتشغيل المحطات النووية ، أو تشغيل المحطات الكيماوية ، فإن توصيل لوحة التحكم الرئيسية الفعلية بمنظومة محاكاة ذات رد فعل طبيعي شبه حقيقي ، وتعمل في الزمن الفعلي ، سيعطي خبرة تدريبية قيمة دون الخوف من وقوع نتائج كارثية .

    إن برامج المحاكاة المتطورة يمكنها تقليد الظروف المناخية ، والدوائر الإلكترونية ، والتفاعلات الكيميائية ، والميكانيكا الإلكترونية ، والمضخات الحرارية ، والتغذية المرتجعة لمنظومات التحكم ، والتفاعلات الذرية ، وحتى العمليات الحيوية.
 

    نظرياً ، إن أي ظاهرة يمكن التعبيرعنها ببيانات رياضية ومعادلات حسابية فإنه يمكن محاكاتها على الحاسوب . إن المحاكاة في بعض الأحيان قد تكون صعبة جداً بسبب أن الظواهر الطبيعية تكون معرضة تقريباً لعدد لا متناهي من المؤثرات ، و لذلك فإن أحد الأساليب التي يتم إجرائها من أجل إنجاز محاكاة ناجعة هو تحديد أهم العوامل ، والأكثر تأثيرا في أهداف المحاكاة ، ثم تأسيس عملية المحاكاة عليها هي فقط ، حيث يمكن لاحقاً الأخذ في الاعتبار هامش الخطأ أو الانحراف المتوقع في النتائج الحقيقية بسبب إهمال المؤثرات الأخرى الأقل أهمية .

    بالإضافة إلى تقليد العمليات من أجل مشاهدة سلوكها تحت ظروف مختلفة ، فإن عمليات المحاكاة تستخدم أيضاً في أعمال البحث العلمي المجرد ، وفي اختبار النظريات ، فبعد تأليف نظرية ما بعلاقات سببية معينة ، يمكن لصاحب النظرية ترميز تلك العلاقات على هيئة برنامج حاسوب و تشغيله على أحد الأجهزة ، فإذا تصرف النموذج بنفس طريقة العملية الحقيقية ، فإن هذا يشير إلى أن هناك فرصة ممتازة لأن تكون العلاقات المقترحة على درجة كبيرة من الصحة.

    إن التفكير في أسلوب بحث غير التجريب المعملي أو الحقلي يعطي نفس الفاعلية وبتكلفة أقل ، قاد الإنسان إلى أسلوب التجريب الحسابي المعتمد على الحاسبات أو الحواسيب للحصول على تقديرات نظرية دقيقة للحالة قيد الدراسة ، وربما كان من المناسب تسمية هذه العمليات بالتجارب الرقمية ، والتي تعتمد على صياغة نماذج رياضية تحاكي الظواهر الطبيعية المختلفة أو التجهيزات والأدوات أو الآلات المتنوعة وإجراء الحسابات اللازمة عليها حتى التمكن من الحصول على استقراءات شبه واقعية للحالات المراد اختبارها ، و يمكن هنا ملاحظة أن الأسلوب الرقمي أو المحاكاة الحاسوبية السريعة المتوفرة الآن بكثرة وبأسعار في المتناول ، قد فرض نفسه كأداة رئيسية للبحث العلمي التطبيقي الأكاديمي والتجاري بشكل واسع نظراً للسمعة العلمية الممتازة التي اكتسبها الأسلوب الرقمي . من ناحية أخرى ، و تحرياً للدقة ، فإنه لا يجب نسيان أن الاعتماد على هذا الأسلوب وحده ربما يكون ناقصا أو غير ممكن في بعض الحالات التي تتطلب إجراء تجريب معملي ، أو دراسة حقلية مسبقاً للتحقق من النماذج الرياضية المقترحة ، والتأكد من نتائجها الفعلية. ولكن هذا ليس عائقاً أبداً على وجه الخصوص ، إذا ما كانت التجارب ستجرى على وحدات متكاملة في منظومة ما حيث الحكم النهائي على واقعية نتائج الاختبار الرقمي يتم من خلال توافقها من عدمه مع الخبرة العلمية المعروفة ضمن حقل الدراسة المقصود.

    من كل ما سبق يمكن لنا أن نصل بيسر وسهولة إلى نتيجة محددة تعتمد على مدى استطعنا اعتماد أسلوب التجريب الرقمي أو المحاكاة الحاسبية في برامج الدراسات العليا بالنظر لميزاتها الرئيسية الثلاث :

    - التوفير في المال كنتيجة للفارق الكبير بين أسعار المعدات و التجهيزات المعملية الحقيقية والأسعار الرخيصة نسبياً للبرامج الحاسوبية المحاكية لها.

    - توفير الوقت حيث أن الزمن اللازم لإجراء المحاكاة الرقمية يقل بفارق كبير جداً عن الزمن اللازم لأي تجربة معملية أو حقلية.

    - الجهد البشري الضروري للعمل مع الحاسبات كماً وكيفاً ، لا يقارن ألبته بالجهد المبذول في المعامل والدراسات الحقلية من حيث قلته أو ربما انعدامه.

    ( نلتقي في الحلقة القادمة .. وننتظر اسهامات الاساتذة ) .. اشكر الاساتذة بجامعة سبها الذين تفضلوا باثراء هذا الحواو خلال الحلقات الاربعة هذه .. وان كنت اشعر بشيء من الاحباط الوضيع .. فما ان اتممت لملمة مساهمات الحلقة .. اطلعت على مقالة لافتتاحية صحيفة " فسانيا " منبر الجنوب اليتيم .. تحت عنوان " يحدث في سبها " وعن جامعة سبها .. كتبت رئيسة التحرير : ( يحدث في سبها فقط أن تتحول الجامعة لجسم خاوٍ وجوده كعدمه تماما ، فلا حراك مدني ، ولا حركة تنوير تثقيفية ولا نخبة تقود المجتمع ، مؤهلات علمية تتنافس على ساعات الإضافي بينما يدخل الطلبة مسلحين ليتحول حرم الكليات لحلبات صراع واقتتال فتعلن إدارة الجامعة تعطيل الدراسة لأجل غير معلوم ! ) .

    عاصفة من الافكار هبت في رأسي .. وقد باتت اسنانك منزوعة ومخالبك مقلمة وصوتك مكسور .. متى تستعير اوراقي اجنحة وتطير الى ايد متعطشة للامل .. رعب الصورة التي استحضرها في ذهني بات حقيقة مساكنة .. حالة من القلق تنهش لوعجي .. النبض يخرج عن السيطرة .. مهدئات اقراص الباندول تنخر جسدي .. احاول ان اهدئ الضجيج في راسي .. ولا اجد .

ليست هناك تعليقات: