الخميس، 4 أكتوبر 2018

حوار حول التعليم الجامعي ( 2 )




    عندما لا تتوائم مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل ، ينتهى المطاف بخريجي الجامعات الى العطالة او البطالة ، من المسئول ؟ وما العلاج الممكن ؟
 

     يمكن القول ان اجابات الاساتذة في الحلقة الاولى اهتمت بوصف الواقع ، او تشخيص الحالة ، والذي يعود في جانب كبير منه الى ترهل وعجز الادارة التعليمية ، وفقدان الخطط الكفيلة بمعالجة منغصات الواقع ، من هجرة العقول والكفاءات ، الى تردي الاوضاع الامنية بالمؤسسات ، ومن ناحية اخرى امكانية استدعاء لحظة تاريخية ، تمكنت خلالها الحضارة العربية من تدشين صرح معرفي مستنير ، كان للفلسفة فيه مكانا بارزا وجسر التأسيس لمشروع اصلاحي واعد .
 

    في هذه الحلقة نواصل عرض مشاركات الاساتذة .. في محاولة لإلقاء الضوء على مكمن الداء وسبل العلاج :
 

    – د . ( ا . ب ) من جامعة سبها يقول :
     اعتقد ان الامر لا يخلو من علاقة بالمحتوى المعرفي للمناهج المدرسية ما قبل التعليم الجامعي ، المرحلة الجامعية امتداد لرحلة طويلة من تسلق سلم تعليمي مترهل ، وبالتالي سننتهي ضمنا الى هذه النتيجة المؤسفة ، حيث الاعداد المكدسة من الخرجين .. المريب ان الظاهرة في تزايد وتراكم مستمر ، ففي الوقت الذي نعاني من تدني مستوى الرعاية الصحية بالمستشفيات العامة ، بل والخاصة ، لا يجد خريجي كليات الطب فرصة الانخراط بهذه المؤسسات ، وفي بلد النفط والغاز يقف طوابير خريجي كلية النفط والتعدين على قارعة الطريق ، وبالمثل خريجي كليات الهندسة مع كل ما يطرق اذاننا من مشروعات تنموية ومرحلة اعادة بناء ما هدمته الحرب .. ولا تسل عن خريجي العلوم الانسانية ، كعلم الاجتماع ، والخدمة الاجتماعية ، والتاريخ ، والجغرافيا ، والمكتبات . الاعداد مفزعة والإسهال مستمر .. ورغم الاقرار المتكرر بحالة التردي في مقابل تحري الاسباب ، فلا يبدو في الافق وجود الرغبة في حلحلة العلل الاساسية الكامنة وراء تلك البيئة الراكدة بالجامعات .
 

    اجمالا .. لا تقدم الجامعات جميع الأدوات اللازمة لتمكين الناس من الحصول على المهارات المطلوبة في السوق .. وقد أدت هذه الفجوة بين المهارات التي تقدمها الجامعات وتلك التي يتطلبها سوق العمل إلى ظهور أشكال جديدة من التعليم مثل الدورات التي تعزز التوافق بين الطلب والابتكار في سوق العمل.
 

    – الدكتور عبد المجيد حسين .. من جامعة سبها .. يقول :
 

    رغم ما تثيره المنظمات العالمية من تقارير حول تدني مستوى التعليم فى دول جنوب المتوسط وغيرها ، إلا انه حري بأي بلد أن يتحقق على الدوام من جودة مخرجات التعليم الذى هو لب التنمية والنهضة لأي مجتمع. ليبيا بالطبع ليست استثناءً فهي ضمن الدول التى يشار إليها كونها تعاني من ازمات عدة فى قطاع التعليم ومخرجاته ، ولهذا كانت محط انظار المؤسسات العالمية ذات العلاقة مثل صندوق الامم المتحدة للتنمية UNDB والاتحاد الاوربي عبر برامج عدة لتشخيص الاختلالات الهيكلية والمنهجية التى يعانيها قطاع التعليم فى ليبيا وغير من الدول المماثلة ، ويُعد برنامج TEMPUS الممول من الاتحاد الاوربي احد المبادرات الكبرى فى هذا السياق . هذا على سبيل التعاطي الدولي مع مشاكل التعليم فى ليبيا ، ولكن من الملاحظ جدا غياب المبادرات المحلية الجادة لتطوير التعليم فى ليبيا.
 

    إننا نرى أن العامل الاساسي لنجاح أي عملية لتطوير التعليم ينبغي ان تبدأ أولاً بتحييد القطاع عن التسييس ، ومن هنا ينبغي مراجعة فلسفة التعليم ورسالته وجميع السياسات التعليمية الرائجة منذ عقود . الابتعاد عن تسييس التعليم سيمّكن من مجابهة كافة الاسئلة الصعبة والمسكوت عنها ، تلك التى غالبا ما عملت بصورة معاكسة لأهداف التعليم وطموحاته . فمثلاً ، هل ينبغي للتعليم ان يكون مجانياً ؟ هل ينبغي تلييب التعليم الجامعي بالكامل ؟ ما هو الموقف من التعاطي مع اللغات الاجنبية كأداة للتدريس ؟ هل سيستأنف فتح مؤسسات تعليمية للاثنيات العرقية مع احتفاظها بالمتطلبات الوطنية ؟ هل من الممكن اختيار أجانب مميزين لقيادة الجامعات ؟ هل سيستمر التركيز على ” الكم ” بدل ” الكيف ” ، وتحديد التوسع فى عدد الجامعات وعدد الخريجين والتخصصات ؟ هل ستراعى المؤشرات الدولية فى قطاع التعليم مثل نسب ( المدرسين : الطلاب)، ( اعضاء هيئة تدريس جامعي : موظفين)، ( خريجين : ملتحقين بسوق العمل ) ترتيب الجامعات محلية دولياً ، إلخ .
 

    لقد تضرر قطاع التعليم فى ليبيا بسبب السياسات العشوائية وتدخل السلطات الحاكمة واذرعها السياسية والاجتماعية فى القطاع . فبدءاً من القيادات التعليمية على مستوى الوزراء والوكلاء ورؤساء الجامعات ، هؤلاء جميعا يكون العامل الاول فى اختيارهم اعتبارات الولاء السياسي او القبلي او الجهوي . وهذا ينسحب على جميع النظم التى حكمت ليبيا إلى الآن . كل هذا يأتي فى إطار أدلجة التعليم بما يتوافق مع التوجهات السياسية للنظم الحاكمة . فقرار تعريب التعليم هو سياسي بالدرجة الاولى رغم مشروعية اعتباره خياراً ، وإنشاء الجامعات والمعاهد العليا النائية يكون فى الغالب لاعتبارات أمنية ، أو استجابة للنافذين سياسياً أو اجتماعيا دون النظر للعامل الاقتصادي أو المخرجات السلبية المحتملة . ولعل سياسة التمويل الحكومي الكامل للجامعات احد اسباب هذا الانتشار الافقي العشوائي للجامعات . فإلزام الجامعات بتوفير مانسبته س% من ميزانياتها ذاتيا سيجعل قرار إنشاء الجامعات خاضع للعامل الاقتصادي ايضاً.
من المشاكل الهيكلية لقطاع التعليم أنه ليس هناك فصل بين المؤسسات الرقابية والتنفيذية وغيرها . جميع المؤسسات ذات العلاقة تخضع لسلطة الوزارة وبالتالي ينتفي محاسبتها ، ونجدها غالباً تتماهى مع المسؤولين فى الادارات العليا . فمثلاً لا يمكن للمركز الوطني لضمان الجودة والاعتماد ان يوقف جامعة عامة او برنامج دراسي مختل المخرجات نظراً لخضوعه لسلطة أمانة أو وزارة التعليم . وهذا يعتبر ضعف هيكلي فى الجانب الرقابي . الجانب الرقابي ينبغي تعزيزه وفصله بالكامل عن سلطة الوزارة ذاتها ، وهذا يعتبر داعم وبوصلة لمؤسسات التعليم لتحسين أدائها . فى الكثير من الدول تساهم النقابات المهنية المستقلة فى اداء دور رقابي على مؤسسات التعليم . فنقابة المهندسين المدنيين او نقابة الملاحين الجويين تعدان أقدر على تقييم البرامج التعليمية فى الكليات ذات العلاقة بهذه المهن .
 

    ختاما ، من أين نبدأ ؟ أرى انه ينبغي اطلاق حوار مجتمعي تطرح فيه كافة الاسئلة اعلاه . ومن خلال ذلك يمكن صياغة سياسات جديدة للتعليم ، ثم تحدد استراتيجات تنفيذ هذه السياسات وترجمتها الى برامج ومشاريع خلاقة للتغيير . (والله أعلم وأحكم) .

ليست هناك تعليقات: