الجمعة، 28 سبتمبر 2018

" حرب التيوتا " .. ملخص حرب تشاد




   عام 1965 اشتعل فتيل الحرب الاهلية التشادية .. بظهور ما سمي حركة ) فرولينا FROLINAT) جبهة التحرير الوطني الإسلامية في تشاد وإعلان حربها ضد الرئيس فرانسوا تومبالباي ، والقوات المسلحة التشادية (FAT) .. أبدى الملك إدريس الأول ملك المملكة الليبية تعاطفا مع حركة فرولينا التي اتخذت من الشمال معقلا لها .. لكن تعاطفه لم يتجاوز ايواء قادتها وامدادها بالمؤن والمستلزمات الغير قتالية .. وفي 1 سبتمبر 1969 ازيح الملك ادريس عن السلطة ، وتولى القذافي الذي ادعى تبعية قطاع أوزو في شمال تشاد لليبيا .. وبدأ القذافي ، بدعم من الكتلة السوفيتية تسليح وتمويل حركة FROLINAT .. فاقدم تومبلباي على قد قطع العلاقات مع ليبيا واتهمها بدعم التمرد ضده .. لكنه استأنف العلاقات تحت ضغوط فرنسية ، ولإيجاد مخرج له من التهديد الشمالي الذي بات يؤرق مستقبله ، تنازل عن قطاع أوزو مقابل 40 مليون جنيه .. اثر ذلك توقف القذافي عن دعم حركة FROLINAT .. وخلال ستة أشهر ، تمركز الجيش الليبي  بالقطاع وأنشأ قاعدة عسكرية تحميها صواريخ أرض - جو.
      سرعان ما انتهت العلاقات الطيبة بعدما تم خلع تومبلباي في انقلاب عسكري بقيادة الجنرال فيليكس مالوم .. بتاريخ 13 أبريل  1975 .. كانت احدى المبررات التي ساقها الانقلابيين ، بيع تومبالبي قطاع اوزو الى ليبيا . وهو ما رأى القذافي فيه تهديدا لنفوذه هناك .. فاستأنف دعمه لحركة فرولينات بالسلاح ، بل وأرسل مفارز من  القوات الليبية لمساعدتهم في القيام بهجمات مباغتة على مناطق وسط تشاد .
       اثر ذلك انقسمت حركة فرولينات FROLINAT إلى مجموعتين .. القوات المؤيدة للتدخل الليبي (FAP) والتي يقودها " كوكني وداي Goukouni Oueddei " والمتمركزة بمنطقة تبستي شمال تشاد ، والقوات المناهضة بقيادة (FAN) حسين حبري .. واقدمت ليبيا على تقديم المزيد من الدعم  لقوات " كوكني FAP " .. مئات من القواذف طراز( AK-47 و RPGs ) .. ومدافع الهاون ، والرشاشات الخفيفة والمتوسطة ، وبنادق ( اف ان - كلاشنكوف ) .. وبالإجمال تم تحديث تسليح  قوات FAP .. وقد اختارت مهاجمة معاقل معاقل FAT من ( بردي Bardai وازوار Zouar وفي Borkou ) .. وفقدت فصائل FAT  في تلك الهجمات قرابة 300 مسلح ، والعديد من تجهيزاتها القتالية .
      أدرك الرئيس مالوم الذي كان في امس الحاجة إلى حلفاء جدد لمواجهة الخطر القادم من الشمال ، ان الفرصة حانت ، فأقدم على توقيع اتفاق مع حسين هبري .. وقد نص على اعادة تشكيل الحكومة تحت مسمى "حكومة الاتحاد الوطني " .. وتولي " هبري " مهام  رئيس الوزراء.
      كان القذافي ينظر إلى الحلف على أنه تهديد خطير ، فأرسل هذه المرة قوات برية لدعم فصائل FAP بقيادة كوكني .. وفي أواخر يناير 1978 تمكنت فصائل FAP من الاستيلاء على مدينة " فايا لارجو Faya-Largeau " الشمالية .. والحقت هزيمة بفصائل قوات هبري التي صار يطلق عليها " المتمردون " ، واستخدمت في تلك المعارك اسلحة متقدمة .. صواريخ ستريلا 2 جو - جو  .. ما افقد فصائل هبري 20 ٪ من قوتها البشرية .. استغل " كوكني Goukouni " هذه الانتصارات لتعزيز موقعه بين فصائل فرولينات FROLINAT ؛ وسرعان ما أصبح الامين العام للحركة .. وأعرب عن عزمه مواصلة القتال حتى تحرير العاصمة " انجامينا " .. اقصى الجنوب .
     حصل مالوم على دعم 2500 جندي فرنسي وصلوا انجامينا حال تأزم الاحداث ، إلى جانب دبابات وطائرات حربية .. وتمكن من صد هجوم لقوات الشمال واجبارهم على التراجع بعدما فقدوا اكثر من  2000 مقاتل .. مستعينا بالتفوق الفرنسي وسيطرة الطائرات الفرنسية على الاجواء .
    بعد شهر من الهجوم الفاشل ، سعى " احمد اصيل Ahmat Acyl " قائد احدى الفصائل الشمالية فرولينات ، وبدعم من القوات الليبية الى ازاحة " كوكني Goukouni " من هرم السلطة .. وهاجم مدينة " فايا لارجو " ، لكن قوات كوكني تمكنت من صد الهجوم ، وعلى اثر ذلك ، طرد كوكوني جميع المستشارين الليبيين وبدأ في البحث عن حل وسط مع فرنسا.

      في نجامينا ، حادثة بسيطة تشعيل فتيل اشتباكات ضارية بين قوات FAT ( القوات المسلحة التشادية الموالية للرئيس ) وقوات FAN الموالية لحبري رئيس الوزراء .. قتال عنيف مزق العاصمة في 12 فبراير 1979 .. وفي 16 فبراير استثمر " كوكني Goukouni ) الموقف ، ودخل على خط النزاع داعما حليفه القديم هبري .. وفي 16 مارس ، غادرت قوات FAT العاصمة وأعادت تنظيم نفسها في الجنوب بقيادة ( الجنرال عبدالقادر كمودجي Wadel Abdelkader Kamougué ) .. وخلال المعارك المحتدمة ، لم تفعل الحامية الفرنسية أي شيء لمساعدة مالوم ، بل إنها أمرت طائراته بالتوقف عن قصف العاصمة .
    توقف القتال ، وخلال مؤتمر للسلام ، استقال الرئيس مالوم من منصبه ، وتولى كوكني رئاسة البلاد .. وتوحدت FAN و FAP لتشكيل الحكومة الانتقالية للوحدة الوطنية ، التي تم الحفاظ عليها ، وكان لتصميم الطرفين على اخراج الليبيين من تشاد دور في ذلك التلاقي مجددا .
     غضب القذافي عندما لم يتم ادراج احقيته في قطاع اوزو ضمن مداولات المؤتمر وما تم التوصل اليه ،  وفي 25 يونيو هاجم مناطق شمال تشاد . لكن قوات كوكني المدعومة بالطائرات الفرنسية اوقف الهجوم ، ودفعت القوات الليبية الى التراجع .
    في اغسطس عقد مؤتمر جديد بالعاصمة النيجيرية " لاغوس "  ، وتم توقيع اتفاقية جديدة تمنح كل فصيل مكان بالحكومة الاتحادية GUNT .. وطالب القوات الفرنسية مغادرة تشاد على ان تستبدل بقوات حفظ سلام أفريقية متعددة الجنسيات.
         في نوفمبر ، باشر الرئيس كوكنيGoukouni  مهامه ، وتولى عبدالقادر كمودجي  Kamougue مهام نائب الرئيس ، فيما كلف هبري بحقيبة وزير الدفاع ، واحمد اصيل حقيبة وزير الخارجية .
        لن يتوقف حبري حتى يسيطر على أعلى منصب في البلاد .. وخلصت ملاحظات إلى أن قوات هبري سوف تصطدم في نهاية المطاف مع القوى الموالية لليبيا ، وكذلك قوات كمودجي Goukouni نفسه .. وفي 22 مارس 1980 ، اندلع القتال بالعاصمة مرة أخرى بين FAN و FAP .. وسقط آلاف الضحايا ، وفر نصف سكان المدينة عنها .. وأعلنت القوات الفرنسية المتبقية ، وقوات حفظ السلام أنها محايدة .. وتوحدت قوات كمودجي Goukouni ، بدعم من FAT كوكني ، و CDR قوات أصيل ، جنبا إلى جنب مع ليبيا ، وأجبر هبري على الفرار من البلاد .. على الرغم من ذلك ، أعلن حبري أنه سيواصل القتال ضد قوات الحكومة الاتحادية .
       في يناير 1981 ، أعلن الرئيس كوكوني أنه اتفق مع القذافي على " العمل من اجل تحقيق الوحدة الاندماجية بين البلدين " .. تسببت خطة الدمج في رد فعل سلبي قوي على المستوى الدولي ، وأدانت فرنسا هذا الخطوة .. وأعلن كوكوني أنه بحاجة إلى الابقاء على القوات الليبية ، فيما قوات FAN هبري ، تحضى بدعم مصر والسودان ووكالة المخابرات المركزية الأمريكية.
      بدأت العلاقات بين كوكوني والقذافي تتدهور .. كانت القوات الليبية تدعم قوات أصيل ضد الفصائل الأخرى ، بما في ذلك قوات كوكني .. واندلع القتال بين قوات القذافي الإسلامية وقوات كوكوني ، إلى جانب شائعات تفيد بأن أصيل كان يخطط للقيام لانقلاب .. عندها أمر كوكوني بالانسحاب الكامل للقوات الليبية من تشاد .. امتثل القذافي ، وإعادة نشر جميع قواته في قطاع أوزو .. وجرى احتفال بمدينة سبها لاستقبال قوات السلام العائدة من تشاد .
      خطط القذافي للعودة إلى تشاد بمجرد ان تتجدد الفرصة ، والتعامل مع الوضع بترقب ، وفي عام 1986 ، تخلى الشيخ بن عمر دعم حكومة كوكني ، زعيم المجلس الثوري الديمقراطي (CDR) ، وأعلن نفسه قائد لقوات الحكومة الاتحادية .. بالتنسيق مع القذافي الذي تبنى دعمه ،  واشتد فتيل التشاحن بين الفصائل يمزق الجزء الشمالي من تشاد .. واشتعل قتال يدور حول صراع قيادي بين غوكوني والشيخ بن عمر .. استثمر حبري الفرصة وسعى الى تعزيز موقعه في جنوب تشاد

     في عام 1989 ، تفاوض كوكوني مع حبري برعاية القوات الفرنسية ، واصدروا معاً وثيقة تحفظ حقوق الأشخاص الذين فروا إلى دارفور .. وغاب ابن عمر عن المشهد .. وشوهد آخر مرة في ليبيا ، و لم يسمع عنه منذ ذلك الحين .  
     لم يدم التحالف طويلاً من دون عدو مشترك بعدما تفكك القوات الاتحادية GUNT ، وقاد كوكني هجوما عبر الخط الأحمر .. خط 16 الفاصل بين الجنوب والشمال ، بقوة قوامها ٥٠٠٠ جندي .. للقضاء على البؤر الاستيطانية في : جوبا ، أولاجنغا ، وألبيت ، أوم شلوبا ، وتم صد الهجوم بمساعدة القوات الفرنسية .
    خلال السنوات السبع من عام 1983 إلى عام 1990 ، قام الرئيس هبري بتأمين سيطرته على تشاد .. والحقت قواته هزائم بالقوات الليبية والقوات التشادية المتحالفة معها ، وكان لفرنسا الدور الاكبر في تلك الانتصارات ، بل وتسلل الى داخل الحدود الليبية واحتل قاعدة " السارة " في العمق الليبي ، واحدث مجزرة رهيبة ذهب ضحيتها حوالي 600 جندي ليبي ، ونقل المئات اسرى اثناء انسحابه في اليوم الثالث .
     تميز حكم هبري بسطوة حزبه الواحد ، وبخرق فاضح لحقوق الإنسان ، قتل عشرات الآلاف من خصومه .. وخلص المراقبون الدوليون إلى أن حبري مذنبا بارتكابه لجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية والتعذيب .. وفي عام 1990 ، انشق العديد من أعضاء GUNT ولجئوا الى جنوب تشاد .. وتمكن هبري من القبض على عدد كبير من معارضيه ، وتعذيبهم ، ما أدى إلى ظهور تمرد جديد بقيادة ادريس ديبي تدعمه ليبيا  ، تحت مسمى حركة الخلاص الوطني .
     انتهى المشهد بطرد هبري وتولي دبي رئاسة البلاد .. وفي أوائل عام 2001 قرر ديبي أن الوقت قد حان لاستعادة الشمال .. عبر 000 6 جندي تشادي الحدود الحمراء واتجهوا شمالا .. استفاد جيش ديبي من الارتباك والاقتتال الداخلي في صفوف قوات الشمال ، وسرعان ما توغل في أكتوبر 2008 لمسافات في العمق ، واستولت قواته على فادا ، عاصمة شمال تشاد .. ومع ذلك ، واصلت عدة فصائل متمردة حرب عصابات .
     في عام 2002 ، قام شخص يتمتع بشخصية كاريزمية يدعى محمد نورعبد الكريم ، بتوحيد الفصائل المتمردة باسم الجبهة المتحدة للتغيير الديمقراطي (FUC) ، وسيطر على زوار وبرداي ، وسارع إلى جمع المؤيدين عبر شمال تشاد.. وفي عام 2003 كان قد سيطر على النصف الغربي بأكمله من شمال تشاد ، وقتل القائد كمودجي .. وانضمت أغلبية الجيش الأول اليه ، واستولى على بقية شمال تشاد ، وبلغت ذروة القتال في معركة فايا لارجو ، حيث دمر معظم مؤيدي غوكوني وأجبروه على الفرار إلى أجزاء مجهولة .. استعاد بعد ذلك فادا من قوات ديبي وأجبرهم على العودة إلى جنوبا . ومن هناك ، أعلن نور عن GUNT جديدًة.
   لعل من بين ابرز الملاحم التي خاضتها القوات التشادية .. تلك التي تمكنوا فيها من اختراق جدار حصن " نجمة الموت الليبية " .. كما ينعتونها هم .. او قاعدة وادي الدوم .. كتب جندي تشادي وصفا للواقعة .. قائلا : " في صباح يوم 19 مارس 1987 ، بدأت الشمس تغمر الصحراء حول " بير كورا " في شمال تشاد .. وكشفت عن منظر قاحل مقفر حيث لا نباتات على الإطلاق ، فقط أحجار صلدة تكسوها حمرة  .
      ثم الكشف عن كتيبة دبابات ليبية في وضع الاسترخاء والاستراحة عند منطقة " لاغر " .. كان الليبيون قد خرجوا في اليوم السابق من المعسكر المحصن في " وادي الدوم " في مهمة لاستعادة بلدة فادا .. لم يقم الليبيون بنشر أي طلائع استطلاع طوال الليل ، ولم يعرفوا أن القوات التشادية عثرت عليهم وتحاصرتهم.
     كانت  القوات التشادية قد استعادت " فادا " قبل شهرين .. بعد سلسلة من المعارك التي خاضتها على مدى السنوات التسع الماضية.
     لم تتلقى القوات الخاصة التابعة للجيوش التشادية سوى ستة أسابيع من التدريب.. وكانت القوات الليبية قد أقامت قاعدة في وادي دوم .. محصنة بشكل كبير وبها مدرج طويل يمتد بين اثنين من التلال .. وعلى قمة تلك التلال كان هناك نظام رادار سوفييتي "Spoon Rest"  موجه لبطارية صواريخ SA-6 .. وبها أكثر من 5000 شخص بين عسكري وطلبة مدارس يدافعون عن هذا التكتل المعقّد في خلاء الصحراء .. وصفه أحد مسئولي الاستخبارات الأمريكية بأنه اشبه بنجم الموت في حرب النجوم .
      على مسافة حوالي 400 متر من موقع تمركزهم تلة صخرية تغطي حوافها الرمال  .. كانت هناك شاحنة بيك اب من طراز تويوتا مخبأة في أعلى التل مزودة بقذائف موجهة مضادة للدبابات من طراز "  ميلان "  .. من أحدث الأسلحة الموردة من فرنسا.. يقودها جندي تشادي .. وهو احدا القلائل الذين تحصلوا على درجة من التدريب المتقدم .
      عندما اعطى قائد المعركة الاشارة  .. انطلقت صواريخ ميلان تفجر الدبابات الليبية .. وتصيبها ببراعة فائقة وسهولة ويسر .. وغالبا ما تسببت في تفجير برج الدبابة .. بدأ الليبيون في إطلاق النار على الرغم من أن جولاتهم لم يكن لها اي تأثير يذكر ، حيث كانوا يحاولون الوصول إلى هدف بحجم رجل يبعد 400 متر .. لكن القذائف  تمكنت من ازاحة الصخور التي كان يستخدمها التشاديون كغطاء.
      أمر القائد الليبي قواته بالتحرك لمواجهة اتجاه النيران القادمة .. وأطلق التشاديون هجومهم الحقيقي المباغت .. ودفعوا بالمزيد من سيارات تيوتا Toyotas  نحو الجناح الخلفي الضعيف .. حاولت الدبابات القليلة المتبقية الدفاع ، وكانت يائسة ولم تتمكن اسلحتها من تتبع او اصابة سيارات البيك اب تويوتا التي كانت تتحرك بسرعة عبر الرمل الناعم .. فيما تمكن بعض الجنود الليبيين من توجيه أسلحتهم نحو الهدف ، وهم على وشك الانهيار ، ولكن دون جدوى .. كانت عدتهم قليلة للغاية لم تمكنهم من صد الهجوم وتم اختراق خطوطهم .
    حاول الليبيون تحويل بعض دباباتهم مرة أخرى لمواجهة التهديد ، لكنهم سرعان ما تعثروا في وحل تلك الرمال الناعمة .. فيما بدأ التشاديون الاشتباك مع حملة الاسلحة الخفيفة  .
     كان القائد الليبي قد أصيب بالذعر والارتباك طالبا النجدة من وادي دوم  ، لكن قبل أن تتمكن قوة الإغاثة من الخروج ، انتهت المعركة بانتصار ساحق على للقوات التشادية .. تمكن عدد قليل من الليبيين من الفرار عبر الطريق المؤدي إلى وادي الدوم .
      كانت التكتيكات التي استخدمها التشاديون مماثلة لتلك التي استخدمتها القبائل الصحراوية منذ قرون .. فقط لتحل التيوتا محل الخيول والجمال .. وقال يوسكو حسن ، القائد المساعد للقوة للصحفيين في وقت لاحق : " نحن التشاديين ، لم يكن لدينا شيء تقريباً .. جيشنا شاب ، مع القليل من الوسائل .. حاولنا العمل في حدود إمكانياتنا ".
      التقى الليبيون الفارين برتل الإغاثة على مسافة 12 ميلاً ، واتخذت قوة الإغاثة موقفاً مماثلاً طوال الليل مع بطارية مدفعية من عيار 122 ملم .. وفي صباح اليوم العشرين ، كرر التشاديون هجومهم بنفس الطريقة تقريباً .. هذه المرة كان أكثر وضوحا .. هرب الليبيون دون اي قتال تقريبًا مع المدفعية .. ودون إطلاق النار ، وتركوا أحد عشر سيارة T55  بموقع تمركزهم .. المفاتيح بها .
      وصلت القوات الفارة المذعورة إلى قاعدة وادي دوم الجوية ، وحذرت المدافعين من أن الجيش التشادي في الطريق .. تجاهل المدافعون التحذيرات القاسية واستمروا في روتين حياتهم اليومي .. كان البعض منشغل بري الحدائق الصغيرة التي كانت النباتات الخضراء الوحيدة لمئات الأميال .. وقام آخرون بصنع لوحات عليها مقاطع من كتاب القذافي الأخضر أو ​​القرآن .. كانت الكلمات مصنوعة من خلال لصق الحجارة والحصى على لوحات .
     ظن المدافعون أنهم آمنون داخل حلقتين من الخطوط الدفاعية وحقول الألغام .. واعتقد البعض أن سحب الغبار المتقاربة هي عودة جنودهم المفقودين .. فيما هاجم التشاديون ، بسرعة ساحقة خط الدفاع الخارجي .. حدث عام 1986
      عندما علم بعض الجنود التشاديين بحقول الألغام ، اعتقدوا أن سيارات تويوتا يمكنها أن تتخطى ما حدث من انفجارات دون أن يصابوا بأذى ، وقد حاول ذلك حوالي 12 سيارة من طراز تويوتاس لكن سرعان ما دمرت .. تشكل رتل من Toyotas  متسللا عبر الطريق الذي يقود إلى البوابة الرئيسية.
   أصيب الليبيون بالذعر ، وعلى الرغم من الأعداد الهائلة وقوة النيران ، فإنهم فروا من دون أي محاولة لقتال منسق .. كان التشاديون يتدافعون الى داخل المعسكر ، لتدمير اي جيوب من المقاومة .. وبسرعة مذهلة تم القضاء على اية مقاومة ..  وفي غضون ساعة واحدة تمت السيطرة على المدرج ، وفي وقت مبكر من المساء تمت السيطرة على بقية القاعدة.
      خلال البحث في القاعدة عثر الجيش التشادي على كميات هائلة من الأسلحة .. كانت هناك مرافق للتخزين تحت الأرض تحتفظ بأسلحة وذخيرة ، وجد في احداها اثني عشر دبابة جديدة غير مستعملة من طراز T2 .. وفي الخارج ، كان يوجد في موقف لسيارات وناقلات صهاريج .. تم اغتنام العديد من الطائرات غير التالفة أيضا ، على الرغم من أن الهجوم قد أحرق بعض منها .. والجائزة الابرز هي منظومة صواريخ سوفيتية متكاملة طراز SA-6 ، وهي من نوع حديث لا معرفة لحلف الناتو بأسراره .. عندها طلبت القوات الفرنسية نقل تلك البطاريات إلى الجنوب على الفور خشية الانتقام الليبي .
       بدأ الليبيون قصف القاعدة جوا في محاولة لتدمير بعض المعدات بقيمة 1 مليار دولار التي تم الاستيلاء عليها .. وسقطت احدى الطائرات المهاجمة  L39 Albatross  بواسطة صاروخ ستينغر .. ومنذ ذلك الحين على الليبيين حلقت على علو شاهق ، وعلى الرغم من أن التشاديين أطلقوا المزيد من ستينغر .. فإن الليبيين كانوا خارج النطاق .. من ذلك الارتفاع المرتفع ، كان التفجير غير فعال إلى حد كبير .
       قتل  1300 جندي ليبي ، وتم أسر 500 .. كما تم القاء القبض على القائد الإقليمي الليبي العقيد خليفة حفتر ، وقتل نائبه العقيد قاسم أبو نوار في الهجوم .. كما فقد الليبيون المئات من الدبابات وسيارات APC والشاحنات .. وخسر التشاديون 29 قتيلاً و 58 جريحا .
      لكن هناك ما هو أكثر من القصة .. عدد قليل من الليبيين الذين تمكنوا من الفرار من المعركة ، وركض بعض الليبيين في اوحال حقول ألالغام التي زرعوها ..  وتقطعت بهم السبل ، وتعذر عليهم الحركة .. وتم القبض عليهم واحد تلو الاخر .. لم تكن قوات تشاد بحاجة إلى إطلاق رصاصة واحدة ، حيث كان الليبيون يركضون قبل وصولهم .

ليست هناك تعليقات: