الأحد، 30 سبتمبر 2018

( حوار حول التعليم الجامعي - 1 )



    اصوات دولية كـ " اليونيسكو " .. ومتابعين لمسيرة التعليم الجامعي تتحدث عن تدني كبير في مستوى التأهيل في مقابل سعي الجهات الرسمية الى انكار الحقائق .. وعن تصنيف الجامعات في دول عربية ومنها ليبيا في ذيل القائمة .. وحالة انفصام عن الواقع ومتطلباته يجري تكرارها لتنتهي بتخريج الالاف من الطلبة الحاملين لشهادات لا تمنحهم فرصة في سوق العمل ، والذي يعود لأسباب عدة ابرزها المحتوى المعرفي الذي يكرر نفسه ، والفاقد للتحديث ، والمؤدلج في احيان عدة بما يخدم توجهات السلطات الحاكمة ، وفي كل الاحوال ، الضحية هم اولئك الطلبة الذين يقضون سنوات من اعمارهم ذهابا وإيابا الى المنابر الجامعية في روتين هو اقرب الى محاولة الهائهم وملء فراغهم ، اشبه بحالة سمسرة ، ما افقدهم الاعداد الجيد الذي تتوائم مخرجاته وسوق العمل .

   اعتمادا على هذا التقديم طرحنا السؤال : من المسئول ؟ وما العلاج الممكن ؟

    الحلقات الاولى من هذا الحوار محاولة لاستشراف رؤية بعض الاساتذة بجامعة سبها .. حول الواقع والمنغصات ، والإجابة على السؤال :

     - د ( أ . ب ) يقول : بالمعرفة تبنى الاوطان .. واختيار شخصيات من ذوي الكفاءة والخبرة لإدارة مؤسسات الدولة .. الخيار الامثل لرسم خطوط مستقبل واعد للأجيال القادمة .. اس البناء وعماد المستقبل .. التكليفات التي تتماهى مع الانتماء القبلي .. اشبه بتقاسم غنيمة .. في وطن تحول الى كعكة يسيل لها اللعاب .. وعندما يتعلق الامر بمؤسساتنا التعليمية .. يصير الاثر السلبي اكثر شراسة وقسوة .. وخنجر في ظهر الوطن .. وخداع للاجيال .

    - د ( س. ا ) .. احيانا يبدو اننا بحاجة الى اعادة هيكلة التعليم الجامعي في بلادنا عموما ، برمته ، انتشار غير مسبوق للجامعات والكليات ، امام امكانيات مبعثرة ، وإدارات مترهلة ، لكن هذا وحدة ليس السبب الرئيسي ، فلا زلنا نقبل مئات الطلبة سنويا في اقسام وتخصصات في حين ان خريجي جميع الدفعات التي سبقتهم لأجيال وأجيال مضت لم يجدوا لهم فرصة عمل في مجال تخصصهم ، فلماذا نستمر في هذا الاسهال الجارف ؟

    - د ( ع . م ) .. مع تحميل وزر الواقع المتردي للإدارة التعليمية بدءا من الوزارة اولا ، لا ننسى اننا فقدنا الطالب الطموح ايضا ، وهنا اظن اننا اهملنا نقطة هامة للغاية ، يتحمل وزرها الاكبر الاستاذ الجامعي القادر على زرع طموح التفوق في نفوس طلابه ، بمعنى ما افتقادنا للاستاذة الكفاءات ، في مقابل عدم قدرتنا حتى على توطين اولئك الذين هم ابناء هذه الجامعة ، سواء في الماضي ، او الان ، وقد صارت الامور اكثر سوءا بسبب الانفلات الامنى وتكرار حالات السطو والخطف لبعض الاساتذة ، واغتيال بعضهم ، والكثير من الاحداث الصادمة الاخرى .. من الذي قتل الاستاذ منصور حمادي استاذ الجغرافيا ؟ .. من خطف عميد كلية الصيدلة ؟ .. من اغتال عميد كلية القانون ؟ .. من اطلق الرصاص داخل الحرم الجامعي وقتل الطالبات وقد تكرر الحدث مرارا ؟ .. من هم هؤلاء الذين يطوفون بفناء الحي الجامعي وفي كل صباح تسجل حالة نهب حقيبة طالبة ، او هاتف نقال لطالب حتى بات السير على الاقدام مرعبا .. وعندما يتعلق الامر بتوطين الاساتذة الكفاءات من ابناء الجامعة الذين غادروا ، فالأعداد في تزايد ، فقدت الجامعة قامات علمية على المدى الطويل .. - على سبيل المثال - .. د . على عبداللطيف حميده .. د . عابور الشريف .. د . عبدالمجيد حسين .. د . سعد السني .. د . مصباح الغناي .. وغيرهم كثير مبعثرين في اصقاع الارض .. ممن تمرسوا باروقتها ومن ابناء فزان في العموم .
 

    - ( د . عابد الفيتوري ) ..الحديث عن الاصلاح ومشروع مستقبلي اصلاحي ، يقود القارىء احيانا الى تذكر اللحظة الرشدية داخل اروقة ذلك الكل المعرفي المتراكم عبر خمسة عشر قرنا من الزمان ، والى رعاية أبي يعقوب يوسف عبد المؤمن (1123-1184م) للفيلسوف العربي ابن رشد (1126م/520 هـ) وللفلسفة بوجه عام ، في بيئة تنعم بالحرية الفكرية والأمن السياسي . وأيضا الى شهادات تاريخية حديثة ومعاصرة لتقييّم تلك اللحظة .

    في كتابه ( تاريخ الفلسفة الغربية ) يقول الفيلسوف الانجليزي برتراند رسل : ” اما ابن رشد (1126 ( ولد في قرطبة حيث كان ابوه وجده قاضيين ، وكان هو نفسه قاضيا في اشبيلية اولا ثم في قرطبة ، بدا بدراسة الدين و الفقه ، ثم الطب و الرياضة والفلسفة ، وقد اوصى به “للخليفة ” ابى يعقوب يوسف ، ..فقربه هذا الحاكم اليه .. وجاء خلفه يعقوب المنصور ، فلبت احد عشر عاما يواصل خطة ابيه في رعايته لابن رشد ، لكنه فزع لمعارضة المتمسكيين باصول الدين لابن رشد فجرده من منصبه ، ثم نفاه الى مكان صغير بالقرب من قرطبة اول الامر ، ثم الى مراكش ، وكانت تهمته انه يرعي فلسفة الاقدميين على حساب الديانة الحق ، واصدر المنصور مرسوما يقول فيه ان الله قد اعد نار الجحيم لاولئك الذين يحسبون العقل وحده قادر على بلوغ الحقيقة ، والقى في النار كل ما وجده من كتب في المنطق والميتا فزيقا.. وطغت على العالم الاسلامي موجة من التعصب الجامد لاصول الدين ، فانتهى بذلك التامل الفكري . فعلى الرغم من ان ابن رشد كان مؤمنا ، .. فقد كان هناك مذهب يأخد به رجال الدين الذين لم يتهاونوا قط في الاستمساك باهذاب الدين في اصوله ، وهو معارضة الفلسفة كلها ، باعتبارها وخيمة العواقب على العقيدة الدينية ، و كان من هذا الفريق الغزالي ، كتب كتابا بعنوان ” تهافت الفلاسفة”. يقول فيه مادام القران قد ذكر كل الحقيقة الضرورية ، فلا حاجة بنا للتامل الذي لا ينبى على الوحى ، فرد عليه ابن رشد بكتاب اسماه “تهافت التهافت ” يعتبر الدين مشتملا علي حقيقة فلسفية صبت في قالب رمزي . وابن رشد اهم في الفلسفة المسيحية منه في الفلسفة الاسلامية ، فهو في الفلسفة الاسلامية يعد نهاية طريق مغلق ، بينما هو في الفلسفة المسيحية بداية الطريق .. وكان تاثيره في اوربا عظيما جدا . حفز المسلمون والبيزنطيون كلاهما بلاد الغرب على النهوض بعد ان زالت عنها غمرة البرابرة ” .
 

    وحول استحضار اللحظة عينها يقول الدكتور انطوان سيف من لبنان : ” ولعل ابرز هذه المواقف هو المجلد الضخم ( 466 صفحة ) الذي أصدرته ( لجنة الفلسفة والاجتماع ) التابعة للمجلس الأعلى للثقافة في مصر : بعنوان : ” الفيلسوف ابن رشد .. مفكرا عربيا ورائدا للاتجاه العقلي ” ( تصدير د. عاطف العراقي أستاذ الفلسفة في جامعة القاهرة ، وهو من ابرز المختصين في فلسفة ابن رشد ، وصاحب كتاب ” النزعة العقلية في فلسفة ابن رشد “) : “هذا المجهود لاستحضار الغائب الكبير ” ابن رشد ” لا يداور لحجب غايته : الوقوف بوجه حركات التطرف الديني المنتشرة في بعض بلدان العالم العربي اليوم ، التي تتوسل العنف المسلح كطريق أوحد للعمل السياسي وللتعبير عن مواقفها ، وترفض الحوار العقلاني الحر والاعتراف بالآخر والحق في الاختلاف . وان الخوف الواسع من هذه التوجهات وأمثالها ، ينبع من كون ذاكرة الناس تعج بالعديد من الأمثلة التاريخية الحية المرعبة “.
 

    ومختصر كلام المفكر المغاربي محمد عابد الجابري الفائز بجائزة ابن رشد للفكر الحر لعام 2008 : ” الفلسفة اليوم اما غائبة واما مهمشة ، كما في اقطار المشرق . اما في المغرب العربي حيث كان للفلسفة مكان و اعتبار في المدارس الثانوية والجامعات وسوق الثقافة عموما .. فقد تراجع حضورها وتقلص لاسباب سياسية في الغالب .
الفلسفة مطلوبة ، اليوم على الاقل .. من الكلام في الشؤون العامة ومناقشتها وابداء الراي فيها والحجاج حولها نشات الفلسفة في اليونان ، ومعلوم ان الكلام والمناقشة و الحجاج والجدال في الشئون العامة ، كل ذلك انما يتم بواسطة اللغة ، واللغة السياسية بالتحديد. وبتعبير – (جان فيرمان ) في كتاب له صغير لكنه جيد و مرجع في الموضوع –.. الحضور الدائم للكلام وتفوقه على الوسائل الاخري التى تمارس بها السلطة.. “العقل اليونانى لم يتشكل من خلال علاقة الانسان بالاشياء (الطبيعة) بقدر ما تكون خلال علاقة الناس بعضهم ببعض”. العودة الي الفلسفة هى اليوم ، كما كان الشان بالامس ضروره .. العودة الي الفلسفة حكمة.


    ( في الحلقة القادمة ننقل لكم بقية الاجوبة .. الحوار مستمر .. وننتظر اية مساهمات جديدة )

ليست هناك تعليقات: