الخميس، 7 يونيو 2018

تعديلات اتفاقية سايكس بيكو


  إنها محاولة للإجابة على الأسئلة الأكثر تعقيدًا من أي وقت مضى . فإن الفوضى الموجودة بالمنطقة اليوم تمتد جذورها الى زمن الحرب العالمية الأولى .. ولفهم هذه المسألة المعقدة  ، يجب علينا أولاً فهم سياق الوقائع ما قبل الحرب .. ففي عام 1914 ، كانت مصر ترزح تحت هيمنة بريطانية واستقلال شكلي .. ايضا عدن في طرف البحر الأحمر التي هي الآن جزء من اليمن ، ومجموعة الإمارات المتصالحة ( التي تسمى الإمارات العربية المتحدة اليوم ) ، وأيضا تمتعت بريطانيا في الوقت ذاته  بنفوذ كبير في إيران ، وأفغانستان وباكستان .. واستمر النظام الإمبراطوري لما بعد المرحلة العثمانية ، والذي أوجدته الضرورة زمن الحرب ، والطموحات الإمبريالية ، والجهل بالهويات المحلية على مدى قرن من الاستقلال والثورة والحرب .
      تبدو الخريطة السياسية لمنطقة الشرق الأدنى من عام 1930 مشابهة تقريبًا لخريطة عام 2018 .. لقد أصبحت حدود الشرق الأوسط مبدأ مقدسًا للعلاقات الدولية الغربية .. لقد سفك الأميركيون والأوروبيون الدماء لضمان بقاء هذه الحدود دون تغيير : لبنان في الخمسينيات ومرة ​​ أخرى في ثمانينيات القرن الماضي ، والعراق في عامي 1991 و 2003 ، ومالي في 2013 .. إن التدخل الغربي الأخير في سوريا له نفس الهدف تقريباً ..  وحتى مع استمرار ثورات ربيع الحريات المستمرة في النظام المعاصر بالشرق الأوسط ، تظل واشنطن وباريس ولندن وموسكو ملتزمة بالدفاع عن الوضع الراهن .
     قبل الحرب العالمية الأولى ، احتل الشرق الأوسط من قبل الإمبراطورية العثمانية التي تشكلت من بقايا الإمبراطورية البيزنطية بعد سقوط القسطنطينية عام 1456 .. كانت الإمبراطورية العثمانية أقوى الكيانات العسكرية التوسعية حتى ظهور الدول الأوروبية  في أواخر القرن 15-16 ؛ ثم فقدت السلطة بسرعة مع تحول طريق التجارة الى الشرق الاقصى - الصين والهند- عبر راس الرجاء الصالح والتفافة حول قارة افريقيا بدلا  طريق الحرير القديم  عبر البحر الأحمر .. وكان للبرتغاليين دور الريادة في اكتشافه .
     بعد أواخر القرن السابع عشر ، عرفت اوربا تطورات حديثة من خلال الظهور التدريجي للدول القومية الممثلة في العديد من الإمبراطوريات متعددة الأعراق ( الإمبراطورية النمساوية ، الإمبراطورية الفرنسية ، الإمبراطورية البريطانية ، الإمبراطورية الروسية ، الإمبراطورية الألمانية ) . أدت هذه العملية ، الى طرح مفهوم حق تقرير المصير ، وفي نهاية المطاف إلى أطول فترة من السلام العام في تاريخ أوروبا من 1815 إلى 1914.

      مع وضع هذا في الاعتبار ، لا ينبغي لأوروبا وأميركا أن تقف في طريق بلقنة الشرق الأوسط .. ولطالما كانت أسطورة دولة عربية قوية ومتماسكة خرافة .. وكما حدث في أوروبا ، غيرت الحرب العالمية الأولى جذريا الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط.
    في عام 1700 ، أصبحت الإمبراطورية العثمانية تنعت بـ " رجل أوروبا المريض " ، حيث فقدت الأرض والسلطة لمدة 200 عام قبل أن تنهار في نهاية المطاف في ظل عدم الكفاءة والفساد .. وفقدت السيطرة على ممتلكاتها الأوروبية واراضيهم في الشرق الاوسط قبل الحرب .. وحوّل الحلفاء المنتصرون الشرق الأوسط إلى شكله الحالي ، بأسمائه وأعلامه وحدوده الأوروبية .. أصبحت المقاطعات العثمانية ممالك عربية ، بينما تم نحت الجيوب المسيحية واليهودية في لبنان وفلسطين .. وأعطيت سوريا وليبيا وفلسطين أسماء تعود إلى العصور القديمة .. ثم عادت ليبيا للظهور في عام 1934 ، عندما جمع الإيطاليون برقة ، وتريبوليتانيا ، وفزان التي هي الآن محل تقسيم مرتقب على غرار جنوب السودان باصرار فرنسي .. فيما سمح التفويض الفرنسي لاول مرة باستخدام " سوريا " كاسم دولة ، فيما كانت " فلسطين " مجرد ملحق سوري .. كان العراق مقاطعة من العصور الوسطى للخلافة العثمانية ، ولبنان اشارة إلى جبل .. والأردن اشارة الى اسم النهر.
       اعتمدت الدول الناطقة بالعربية الجديدة شعارات علم الثورة العربية ، التي صممها بالكامل الدبلوماسي البريطاني السير مارك سايكس .. ومثلت الألوان الأربعة للعلم العربي - الأسود والأبيض والأخضر والأحمر - معايير السلالات العربية المختلفة : العباسية ، الأموية ، الفاطمية ، الهاشمية .. وبقيت ذات الالوان الى اليوم .. ولا توجد أية علاقة بين أسماء أو رموز الدول الجديدة مع سكانها .. والأكثر إشكالية ، أن حدود الدول الجديدة لم تكن محددة بالتضاريس ولا بالديموغرافيا .
    لا تزال اتفاقية سايكس بيكو عام 1916 ( وهي الاتفاقية الفرنسية - البريطانية - الروسية ) السرية التي حددت المناطق وقسمت الاقاليم بهدف السيطرة ، مخططًا لخريطة اليوم ، لكن الأوروبيين لم يهتموا كثيرًا بفهم متاهة الهويات الشرق أوسطية .. وقد تم تقسيم امة الأكراد - يصل عددهم اليوم إلى 25 مليون نسمة - بين أربع دول : تركيا وإيران والعراق وسوريا .. تم تقسيم العرب الشيعة بين العراق والكويت والبحرين ، والمقاطعات الشرقية من المملكة العربية السعودية .. والعلويون ، وهم طائفة عربية شيعية غير متجانسة ، يقيمون اليوم على طول السواحل التركية الشمالية اللبنانية والسورية والجنوبية الغربية .. تم توزيع الدروز بين إسرائيل ولبنان وسوريا اليوم .. وكان لبنان ، الذي يُفترض أنه معقل مسيحي ، يضم عدداً كبيراً من السكان السنة والشيعة ، فضلاً عن العلويين والدروز ، وبقية العرب السنة ، الذين يشكلون النسبة المهيمنة للسكان في الشرق الأوسط ، انقسموا إلى عدة ولايات .. وتم عزل جيوب التركمان والشركس والأشوريين واليزيديين والكلدانيين في جميع أنحاء المنطقة .
      كانت التسوية السلمية المبكرة بعد الحرب العالمية الأولى غير مستقرة على أقل تقدير .. كانت الانقلابات شائعة ، وتمت الإطاحة بالممالك ، بينما مارس الفرنسيون والبريطانيون تأثيرًا قويًا على الشؤون المحلية .. وبحلول الستينات من القرن الماضي ، تجاوز عدد الجمهوريات العربية الأنظمة الملكية العربية .. وبلغت الجهود العربية لإلغاء التقسيم الإقليمي ذروتها في اندماج العديد من الدول ، مثل سوريا مع مصر والعراق مع الأردن ، التي ضمت أجزاء من الانتداب الفلسطيني القديم الذي لا تحكمه إسرائيل ، وهو ما نتج عن الدعم البريطاني لبلفور عام 1916 .. ووعد عبر عن الرغبة الرسمية لليهود الأوروبيين في إعادة توطينهم في فلسطين او إسرائيل القديمة كما روجوا لها .. كانت جهود إعادة التوحيد قصيرة الأجل ، وأدى الفشل المتكرر لإزالة الدولة اليهودية الوليدة من الشرق الأوسط إلى إنهاء فكرة الوحدة العربية في الواقع .. وأثبت الزعماء العرب في نهاية المطاف اهتمامهم بالحفاظ على قواعدهم الفردية الموروثة عن الأوروبيين أكثر من دعمهم للقضية العربية الكبرى .. من خلال كل ذلك ، ظل النظام القديم في مكانه .. لم يغير استقلال 1918 .. ولا إنشاء دولة إسرائيل عام 1948 خريطة ما بعد الحرب العالمية الأولى.
    في حين بقيت الحدود الخارجية دون تغيير ، بدأت النزاعات العرقية والدينية على الفور بعد الاستقلال .. أدى إنشاء " لبنان الأكبر " ، الذي تحول إلى جيب مسيحي إلى دولة متعددة الطوائف ، وإلى عقود من السخط ، انتج  في نهاية المطاف حربًا أهلية شاملة  ثمانينيات القرن الماضي ، ذهب ضحيتها أكثر من 100 ألف .. وفي العراق وسوريا ، تبنّى رجال أقوياء من الأقليات البعثية ، وهي إيديولوجية قومية علمانية تسعى للاستحواد على السلطة وإخضاع التوترات العرقية ، لكن دون جدوى .. تم سحق الانتفاضات السنية ضد النظام العلوي السوري في 1980م .. والانتفاضات الشيعية ضد النظام السني في العراق 1990م .. في نهاية المطاف ،  سايكس بيكو لا تزال سليما.
    وبطريقة مماثلة ، بذلت جهود مختلفة لتهميش الهوية الكردية أو استبدالها بالقوة .. تم تجريد الأكراد السوريين من جنسيتهم في عام 1962 .. وحاول نظام حافظ الأسد في سوريا ، ونظام صدام حسين في العراق " تعريب " المناطق الكردية بطرد السكان المحليين واستبدالهم بالعرب من أماكن أخرى .. وكان استخدام صدام للأسلحة الكيماوية سيئة السمعة وقتل أعداد كبيرة من الأكراد في حلبجة عام 1988 ، وحملة الأنفال للتطهير العرقي الأوسع نطاقا .. هي أيام قاتمة في التاريخ الكردي .. وفي تركيا ، حاولت الأيدلوجية القومية العلمانية التي أسسها كمال أتاتورك " ترسيم " أعداد كبيرة من الأكراد في البلاد ، وصولاً إلى حد إنكار وجودهم من خلال الاستخدام الواسع لمصطلح " الأتراك الجبليين " .. والتهمت المواجهات عبر جنوب شرق تركيا لعدة عقود ، ما يزيد عن 000 50 ضحية ..  واليوم ، تعود الفوضى على طول الحدود التركية السورية.
       حتى بعد التخلي عن السيطرة الإقليمية المباشرة على الشرق الأوسط ، تدخلت القوى الخارجية مرارا وتكرارا لمنع العنف العرقي من زعزعة استقرار النظام الإقليمي .. الرئيس ايزنهاور أرسل 15000 جندي أمريكي الى لبنان يوليو 1958 اثر اشتباكات الموارنة والسنة .. وفي عام 1982 ، تدخلت قوة متعددة الجنسيات مرة أخرى للحفاظ على عدم الانفصال .. وبعد حرب الخليج ، فرضت مناطق حظر الطيران في شمال العراق ، ولاحقًا جنوب العراق بغية حماية الأكراد والشيعة من هجمات البعثيين السنة .
     القوات الفرنسية والامريكية هي الآن في طور التراجع عن دولة الطوارق الانفصالية في شمال مالي .. في هذه الأثناء ، تعارض واشنطن بشكل قاطع الاستقلال الكردي ، منتقدة التعاون الاستراتيجي بين تركيا والحكومة الإقليمية الكردية (KRG) في شمال العراق ، بينما تدعم الحكومة المركزية في بغداد .. وفي الولايات المتحدة واوروبا يتفق المسؤولون على الحفاظ على سورية سليمة ، حتى لو اختلفوا حول كيفية القيام بذلك .. مهما كانت العواقب ، فقد تمسكت واشنطن وباريس ولندن بالنظام المعمول به منذ قرن من الزمن بعد الحرب العالمية الأولى.
     إن التردد الغربي في التفكير في إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط أمر مفهوم .. التقسيم يقود الى الإمبريالية والحرب ، وأثار ذكريات الهند وفلسطين عام 1947 ، والعديد من الأقسام سيئة التوزيع في الشرق الأوسط ، ومختلف جيوب الحرب الباردة في ألمانيا ، وكوريا ، وفيتنام ماثلة . علاوة على ذلك ، فإن الحدود السياسية غير القابلة للانتهاك هي السمة المميزة للدولة القومية ذات السيادة ، وهي أساس العلاقات الدولية منذ منتصف القرن السابع عشر .
     بدون السيادة ، فإن المفهوم الحديث للمواطنة أو الجنسية لا معنى له .. ويستند السلوك المتبادل بين الدول إلى الاعتراف المتبادل بسيادة كل منها .. فقط في ظروف استثنائية ، مثل كوسوفو .
     إن انتهاك حرمة الحدود السيادية يضع سابقة مزعجة ، ولهذا السبب تظل كوسوفو غير معترف بها من قبل الدول التي لديها حركات انفصالية خاصة بها ، مثل إسبانيا ، وروسيا ، والصين .. إذا كان الكوسوفيون يستحقون تقرير المصير ، فلماذا لا يكون التبتيون أو الكاتالونيون أو الشيشانيون؟ .. من أجل الحفاظ على الاستقرار العالمي ، تنأى الدول عن تغيير الحدود ، وتشعر بالقلق من أن عملية إعادة الرسم قد لا تنتهي أبداً.
    ومن المفارقات ، أن أوروبا اليوم هي نتاج قرن من التقسيمات والانفصال وحروب تقرير المصير . كانت أوروبا أيضًا تتكون من إمبراطوريات متعددة الأعراق .. حكم العثمانيون ذات مرة جنوب شرق أوروبا ، بما في ذلك اليونان والبلقان ورومانيا وبلغاريا .. وقبل الحرب العالمية الأولى ، كانت الإمبراطورية الروسية تسيطر على ثماني دول أوروبية حديثة .. وحصلت النرويج على استقلالها عن الدنمارك ثم السويد فقط في عام 1905 .. كانت النمسا - المجر - مجموعة من المجموعات الوطنية المختلفة وقد أفسحت المجال اقيام ست دول قومية مستقلة بعد قرابة قرن من إنشائها ..  أدى حل يوغوسلافيا إلى قيام سبع دول في البلقان .. في هذه الأثناء ، قد تبدو إسبانيا والمملكة المتحدة وبلجيكا مختلفة في السنوات القادمة في الوقت الذي تتصارع فيه مع القومية الكتلانية والاسكتلندية والفلمنكية .. لقد أصبحت أوروبا قارة من الدول القومية - خمسين دولة - مما يستلزم دراسة الكيفية التي يمكن أن تؤدي بها الحدود المتعرجة إلى سلام واستقرار أكبر.
      مع بعض الاستثناءات القليلة ، تتكون اليوم الدول الأوروبية من شعب واحد له عرق ولغة ودين مشترك .. يتحدث الفرنسيون الفرنسية في فرنسا .. الألمان يتكلمون الألمانية في ألمانيا .. وعلى النقيض من ذلك ، فإن الشرق الأوسط الحديث يحتوي فقط على أربعة كيانات من هذا القبيل - إيران ، والعرب ، وإسرائيل ، وتركيا - وحتى هذه ، كما كتب مؤرخ الشرق الأوسط الشهير برنارد لويس ذات مرة ، لديها استثناءات : إيران مصطلح حديث ، ولا يوجد للكلمة نسب بالعربية .. فيما يشكل عرب إسرائيل حوالي 20٪ من سكان الدولة اليهودية .
   لقد تم التفكير في تطبيق مبادئ تقرير المصير في الشرق الأوسط ، ولكن لم يتم تحقيقها بالكامل .. وشملت النقاط الأربع عشرة للرئيس ويلسون إشارة محددة للحكم الذاتي للأقليات غير التركية في الدولة العثمانية ، لكن سايكس - بيكو حل محلها .. بعد طرد الحاكم الهاشمي الذي أنشأه البريطانيون في دمشق عام 1920 ، أنشأت فرنسا خمس دول شامية على غرار المحافظات العثمانية القديمة : لبنان الكبير ، والجزيرة العلوية ، والدولة الجبلية الدرزية ، ودولة حلب ، ودولة دمشق .. لكن فرنسا التي أبدت قلقها من أن ألمانيا صاعدة في غزو مستعمراتها ، امتثلت لفكرة سورية موحدة عام 1936 ، منهية التجربة القصيرة الأمد .. فقط لبنان نجا ككيان مستقل ، واحتجت مجموعات كبيرة غير مسيحية على التوجهات الفرنسية .
      وبالمثل ، منحت معاهدة سيفر عام 1920 ، التي أنهت الحرب بين العثمانيين والحلفاء ، الاستقلال الفوري للحجاز ( شبه الجزيرة ) وأرمينيا العثمانية - التي تُعرف أحيانًا باسم " ويلسون أرمينيا " بعد أن حددت الولايات المتحدة حدودها - فضلا عن دولة في نهاية المطاف لكردستان العثمانية .. لكن هذه الترتيبات انهارت بعد ثلاث سنوات ، عندما سحقت القوات التركية الجيوش اليونانية والأرمنية المدعومة من الغرب .. وانتهت تسوية معاهدة لوزان ، التي أعيد التفاوض بشأنها ، على تحقيق حلم كردستان الكبرى .. وأرمينيا الكبرى ، وتحديد حدود تركيا الحديثة.

      اليوم ، من المرجح أن تشهد خريطة الشرق الأوسط الحديثة تغييرات جذرية خلال العقود القليلة القادمة .. إن نهضة القومية الكردية (مرجعية كردية ) ، الناجمة عم الحرب التي قادتها الولايات المتحدة على العراق ، تهدد بإعادة رسم الحدود الإقليمية في الهلال الخصيب القديم .. وصارت حكومة إقليم كردستان في شمال العراق تُصدر تأشيراتها الخاصة ، وترفع علمها ، وتتحدث بلغتها الخاصة .. في مقابل اعتراف تركي رسمي أكبر بالهوية الكردية .. هدنة مع تركيا .. وتخلى النظام السوري عن الشمال الشرقي ذي الأغلبية الكردية .. فيما قام الأكراد العراقيون بتوسيع نطاق علاقاتهم مع إخوانهم السوريين ، وقبول الآلاف من اللاجئين الأكراد وتدريب المقاتلين الأكراد السوريين علانية.
     كانت الإطاحة بنظام الحكم السني لصدام حسين في العراق بقيادة الولايات المتحدة لحظة محورية في الشرق الأوسط الحديث .. عاد حكم الأغلبية الشيعية إلى بغداد للمرة الأولى منذ القرن السابع عشر ، مما أثار آمال السكان العرب الشيعة المحاصرين في الكويت والبحرين وشرق المملكة العربية السعودية .. المقاتلون الشيعة العراقيون يساعدون النظام السوري العلوي .. في هذه الأثناء ايضا .. السُنّة العراقيون المُهجَّرون حديثاً يسعون لمحاكاة حكومة إقليم كردستان ، يطالبون باستقلال ذاتي أكبر عن الحكومة المركزية في بغداد .. وبينما ينشط السنة في التمرد ضد استمرار مركزية السلطة في بغداد ، يتصاعد العنف العرقي والديني .
    العرب السنة الساخطون في غرب العراق ، قد ينضمون إلى إخوانهم في سوريا ولبنان .. وإذا كان المتمردون السوريين منتصرين .. قد ينشأ جيب درزي في جنوب سوريا ، يضم ما يقرب من مليون درزي لبناني وسوري .. وحتى في مصر ، فإن التوتر السني الشيعي يغلي .. نهايات هذا الوضع فوضى بالتأكيد .

     بالطبع يمكن أن تستغرق هذه التغييرات عقودا من الزمن ، لكن ، مع ذلك ، اتخذت الكيانات الجديدة خطواتها الأولى نحو الاستقلال . في عام 2011 ، انفصلت جنوب السودان على هدى الخطوط العرقية والدينية ، مما يمثل أول تغيير معترف به دوليًا في حدود دولة شرق أوسطية منذ حوالي 80 عامًا .. في هذه الأثناء ، يمكن أن يؤدي سقوط نظام القذافي الى نقل السلطة إلى الدولة المدينة الليبية السابقة بما يمكن حركة الامازيغ المكبوتة منذ فترة طويلة والتي تمتد على مساحة كبيرة من منطقة شمال إفريقيا من تكوين كيانها المستقل .. لقد تحدث وزير في الحكومة المغربية مؤخرا عن اللغة البربرية ، لأول مرة في البرلمان .. وفي نيسان / أبريل 2012 ، أعلنت الحركة الوطنية لتحرير أزواد استقلال شمال مالي .. وتدخلت فرنسا بدعم مالي من الامارات ، وجيش تشاد ، لتقليص الانفصال واستعادة السيادة المالية.

     لا يعني إنهاء سايكس بيكو من جانب واحد إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط من قبل واشنطن .. فالأحداث على الأرض ستؤدي إلى إحداث تغيير ، سواء كانت على صعيد القومية الكردية أو التراجع العلوي أو العرب السنة ..والى ظهور كردستان أو علويين أو تقلص المنطقة المارونية في لبنان .
    يمكن أن ينفجر العنف العرقي والديني الطويل الأمد ويقسم الأمم المتصارعة .. وسيتنافس العرب الشيعة في بغداد ، وسنة دمشق العربية والمارونية في بيروت واللاذقية العلوية ، والكردية أربيل ، والقدس الاسلامية اليهودية ، وأنقرة التركية السنية ، وطهران الفارسية الشيعية ، لكن الرهانات المنخفضة يمكن أن تؤدي في نهاية المطاف إلى منطقة أكثر استقرارًا وسلمية . على غرار بلقنة أوروبا ، لكن هذه العملية ستكون بطيئة.

     في عام 1989 ، قارن المؤرخ ديفيد فرومكين التطور السياسي لأوروبا بتطور التطورات في الشرق الأوسط . وإنه مع طول الوقت قد يكون مختلفا .. لكن القضية هي نفسها : كيف ينبغي على الشعوب المتنوعة أن تعيد تنظيم صفوفها لتخلق هويات سياسية جديدة لنفسها بعد انهيار نظام إمبراطوري قديم كانوا قد اعتادوا عليه .
    اقترح الحلفاء مصطلح ما بعد العثمانية للمنطقة في أوائل 1920م .. ليبقى السؤال المستمر هو ما إذا كانت شعوب المنطقة ستقبله .
     بعد مرور 20 عامًا ، يتم الإجابة عن سؤال فرومكين ، وإن كان بطيئًا .. حيث تركزت الاحتجاجات الأخيرة المناهضة للحكومة التركية في قلب العاصمة العثمانية السابقة عند ساحة تقسيم ، والتي من المفارقات أنها تعني التقسيم .. لم تعد شعوب المنطقة تقبل نظام ما بعد العهد العثماني ، ودعواتها إلى تقرير المصير هي صدى للشعوب الأوروبية بعد عام 1700.

     يلخص غابرييل شاينمان الوضع في مقاله بعنوان " خريطة تدمير الشرق الأوسط " .. في مناقشته سلطت الضوء على قضية إسرائيل بالذات ، التي كانت في حد ذاتها نتيجة لوثيقة الحرب العالمية الأولى المذكورة "وعد بلفور " .. وبمجرد أن قامت القوى الأوروبية بتأسيس عصبة الناتو ، سعت إلى التأثير على إقامة جيب يهودي في فلسطين ، دون أن يزعجها أن تستشير او تطلب من الفلسطينيين القاطنين بالمنطقة منذ حوالي 1000 عام ، إذا ما فكروا في مشاركة منطقتهم مع اشخاص من منطقة أخرى غير مألوفة .. وحاولت بريطانيا الحفاظ على السلام في فلسطين قبل وأثناء وبعد الحرب العالمية الثانية ، ولكن في نهاية المطاف في عام 1948 ، كان لديها ما يكفي للخروج .. وبدعم من أمريكا وأوروبا ، أعلنت إسرائيل استقلالها ، وهو عمل كان له نتيجة مباشرة لبدء حرب بين الدولة الجديدة ضد دول الجوار ، مصر والأردن وسوريا وكل دولة مسلمة أخرى في المنطقة .. وتوالت المواجهات في حروب - السويس في عام 1955 ، وحرب الأيام الستة في عام 1967 ، وحرب عام 1973 ، والتوغل في لبنان عام 1983 .. ولا يمكننا تجاهل الأعمال التي تقوم بها إسرائيل ضد حماس في غزة .. والانتفاضتان الفلسطينيتان من عام 1987 إلى عام 1993 .. ومرة ​​أخرى في عام 2000 ، مع ثالثة بعد قرار ترامب الاحمق لنقل السفارة الأمريكية إلى القدس خلافاً للأعراف الدولية المقبولة.
      القرحة الإقليمية الملتهبة هي النتيجة المباشرة لسايكس بيكو ووعد بلفور ...  لقد نظرت في هذه المسألة منذ حوالي 45 عامًا ، ولا يوجد تفسير مباشر آخر لما يوجد اليوم .. والآن أفترض أنه يمكن القول بشكل معقول أن الفوضى التي تحدث اليوم قد تكون تطورت في النهاية دون هاتين الوثيقتين الأوروبيتين .. أفترض أن ذلك ممكن ، لكني أزعم أنه في حين تطورت الفوضى بالفعل ، كان يمكن ان تكون مختلفة من دون وجود جيب يهودي في ما كان منذ حوالي 1500 سنة منطقة إسلامية .. اما الحجة القائلة بأن الصهاينة اعطيت لهم إسرائيل من قبل الإله ، هي ببساطة غير مدعومة من قبل أي شخص عاقل .. وبدون دعم أوروبي وأمريكي ما كان لمشاكل الأرض الفلسطينية  المسروقة ، وغزة ، والضفة الغربية ان تكون موجودة .. ومع ذلك ، فهي موجودة بالفعل .. وبالنظر إلى السياسة الواقعية المعاصرة ، فإنها لن تنتهي قريباً ، ولا أريدها شخصياً .. وبما أنني كنت في إسرائيل وغزة وغرب نهر الأردن وسوريا ، فإنني لا أعتقد أن حل المشكلة هو القضاء على إسرائيل .. هذا الكلام هراء .. إسرائيل موجودة وهذه حقيقة .. كان الوقت المناسب لحل مسألة القومية والهوية اليهودية في فرساي ، لكن معاداة السامية منعت الأوروبيين والأميركيين من معالجة القضية بعقلانية ، اما ما يجب فعله بشأن الصراع الذي يبدو مستعصيا على الحل .. فقد فات الأوان على التغيير ، ونحن في عام 2018 .. ولا تتوقع من القادة العرب التوصل إلى حل .. لأنهم لا يستطيعون حتى حل قضايا التنوع العرقي داخل دولهم.

   أخيراً : لماذا يلقى اللوم على الولايات المتحدة في كابوس الشرق الأوسط ؟ ..  باختصار لأن الولايات المتحدة تستحق اللوم .. إذا أرادت الولايات المتحدة إنهاء النزاع ، كان من الممكن أن تفعل ذلك عام 1968 كما فعلت خلال أزمة السويس عام  1955 .. عندما هددت بالتدخل العسكري . كان للتدخل ان اضاف تعقيدا أكثر للمسألة عام 1967 عندما دعم السوفيت مصر .. ونظرت الولايات المتحدة إلى إسرائيل كدولة بديلة .. وسمحت لإسرائيل بإفشال مخططات مصر وسوريا .. فيما كان بإمكان الولايات المتحدة أن تخبر حكومة حزب العمل الإسرائيلي آنذاك بأن غزو الدول المجاورة لن يكون مقبولاً .. وبدلاً من ذلك ، أعطت الولايات المتحدة معلومات استخباراتية لاسرائيل ،  ودعمتها في الأمم المتحدة .. وشهدت الأحداث اللاحقة قيام حزب الليكود بوضع سياسة استيطانية في الأراضي المحتلة .. وكان يمكن للولايات المتحدة رفضها بدلا من تقديم الدعم المالي للحكومة الإسرائيلية .. فقد قامت الولايات المتحدة بتمويل المستوطنات بطريقة غير مباشرة .. قد نتساءل في هذا الوقت المتأخر عن السبب ، ولهذا أقول ، إنه سؤال جيد جدًا.  .يدافع الإسرائيليون الأميركيون عن العلاقة الخاصة المزعومة بين الولايات المتحدة وإسرائيل .. ولكوني كنت في إسرائيل ، يمكنني أن أخبرك أنه لا توجد علاقة خاصة .. إسرائيل هي أبعد بكثير عن طريقة التفكير الأمريكية أكثر من الدول التي لها علاقة خاصة بها - المملكة المتحدة ، كندا ، أستراليا ونيوزيلندا .. ولعشرات الأسباب ، فإن الارتباط الوثيق بين الولايات المتحدة وإسرائيل يساعد هذه الأخير في الوقت الذي يلحق الضرر بالأولى ، وطالما أن الحكومة الأمريكية لا تزال في غيها لابد أن يظل الحال على ما هو عليه دائمًا .. أنا أؤيد حق إسرائيل في تقرير المصير ، لكنني لا أؤيد دعم حكومة الولايات المتحدة الأحادي الجانب للسياسات التي لا تخدم المصالح الأمريكية - وكما هي عليه اليوم .. إن هذا الأمر واضح وضوح الشمس لكل شخص .. الناس الوحيدون الاغبياء بما فيه الكفاية الذين يشترون علاقة خاصة من القمامة هم بعض الأمريكيين .. لقد أدركت بريطانيا وفرنسا على الأقل أن دعمهما الأعمى لإسرائيل كان ببساطة غير قابل للدوام مثل السياسة الوطنية التي انتهت منذ عقود .. لكن حكومة الولايات المتحدة تستمر في تثبيت اسرائيل اشبه بتثبيت العريس على فرس.
   لذلك ، هناك سبب للفوضى الإقليمية في الشرق الأوسط .. واللوم يقع على الولايات المتحدة أكثر من أي طرف آخر .

ليست هناك تعليقات: