الأربعاء، 27 يونيو 2018

الموت امنية للخلاص



    في بعض الأحيان تكون نهاية الحياة أفضل من الحياة نفسها . يحدث هذا عندما يكون كل يوم يعبر مثقل بالمعاناة ، ولا يتوفر بريق امل لفرص التحسن . قد تكون رؤية مشوهة ، وقد تكون موضوعية ، حسب الحالة .
 
    يقال ان هذه الحالة يمكن أن تؤثر على كل من الصغار والكبار. ومع ذلك ، تتكرر مع بعض كبار السن بصورة اكثر في العادة ، لأن التقدم في السن كثيرا ما يحمل معه مشاكل صحية ، وألم جسدي ، وهجر ، واكتئاب ، وفقد احترام الذات ... وان الاشخاص الذين عاشوا لعقود حياة رائعة لا يفضلون إيجاد أنفسهم في ظروف متدهورة .
 
    ومع انني - بحكم صغر سني - لا أعتقد أنه يمكن ان تكون حياة الشيخوخة ثقيلة الى هذا الحد ، طالما الرابطة الاجتماعية العائلية ضامنة ، إلا ان المعاناة مع الشيخوخة متى كانت مثقلة بإعاقات جسدية أو معرفية ، والتي قد تقتضي في احيان عزل المسن عن الاخرين ، تغير لغة المشاعر بشكل جذري ، ويصبح مملا مرور كل يوم جديد حاملا عبء جديد . وهذا الشعور وحده يفاقم صحة المسن .
 
    ليس تدهور الصحة فقط ، بل ان البعض اعتبر الوحدة هي الاخرى تعد عاملا أكثر خطورة .. المسن الذي فقدت زوجته ، وغاب عنه الأبناء والأحفاد في اصقاع الارض ، وكل الأشياء التي يعتز بها ، يصبح الموت بالنسبة له حدث مرغوب فيه وخلاص .
ليس فقط بعض كبار السن الذين ليس لديهم خوف من أن يكونوا ضحية . بل حتى العديد من الشباب نسبيا . وهذا أدى بهم إلى اختيار حياة جامحة مع العديد من تحديات الموت . بل ان بعضهم يجزم على ان حياة هنيئة تنتظره على الفور بعد الموت .. حياة اخرى هي اجمل واروع ولا مقارنة .
 
    الموت حقيقة لا مفر منها ، في أي عمر . أعتقد أن كل شخص يجب أن يقبل حقيقة أنه قادم على الموت في أي لحظة ، وانه لا يمكن التنبؤ بتلك اللحظة حتى وقوعها .
ما دفعني الى الكتابة في الموضوع من بين أمور أخرى ، حاجة كبار السن للتوقير ، ليس الوالدين والأقربون فقط ، بل اسلافنا جميعا من اهل قريتنا في حاجة لنا ، وتلك وصية اردت ان ادونها ، ولا اعرف انا الاخرى متى تأتي لحظة الرحيل . وقد تكون قاب قوسين او ادنى .
 
    إذا كنت تفكر في ذلك ، فهذا هو التأمل الجميل الذي فعله الكثيرون بوضوح .. الأرض التي نعيش عليها هي في الحقيقة مقبرة كبيرة .. مقبرة ضخمة مليئة بكل ما كان . ولو حفرنا قليلا الآن ، فسنجد عظامًا وقد تحولت الى رميم ، لبشر ونمل وأفيال ، بقايا الحياة الغابرة للأولين . هل تستطيع أن تتخيل مليارات المليارات من البشر الذين ماتوا ودفنوا في ثرى هذه الأرض ؟ انهم جميعا هنا حيث نسير ! .. إن رفاتهم يغذي هذه الزهور اليانعة . رفقا بهم ، وبمن على ابواب الرحيل. 


قال الشاعر ابو العلاء المعري :
صاح هذي قبورنا تملأ الرُحبَ فأين القبور من عهد عاد
خفف الوطء ما أظن أديم الأرض إلا من هذه الأجساد
وقبيح بنا وإن قدُم العهد هوان الآباء والأجداد
سر إن اسطعت في الهواء رويداً لا اختيالاً على رفات العباد
رُب لحدٍ قد صار لحداً مراراً ضاحكٍ من تزاحم الأضداد
ودفينٍ على بقايا دفين في طويل الأزمان والآباد
تعبٌ كلها الحياة فما أعجب إلا من راغبٍ في ازدياد

إنّ حزناً في ساعة الموت أضعاف سرورٍ في ساعة الميلاد
رحم الله اسلافنا
( زيغنية )
صفحة ( ذاكرة عرب الزيغن )

ليست هناك تعليقات: