الاثنين، 31 ديسمبر 2018

احداث تحرير المختطفين بمنطقة " غدوة "



   الشاب احمد على احمد يحي .. من اهل الفقها .. الزيادين .. اختطف اثناء الهجوم الغادر لتنظيم داعش على واحة الفقها مع تسعة من ابناء عمومته قبل اكثر من شهرين .. توفي احدهم .. وقيل حينها ان المختطفين اقتادوهم الى منطقة جبال الهاروج القريبة .ثم ورد خبر قتلهم لعدد خمسة من المختطفين في اتصال هاتفي .

    مساء هذا اليوم تمكن احمد من الفرار .. خرج من فتحة تقديم الاكل للمحتجزين داخل " التريلة " .. وما ان وصل نقطة التغطية الهاتفية .. ابلغ عن وجود رفاقه في قبضة الخاطفين .. وان مقر تواجدهم مزرعة " غدوه " . جنوب شرق سبها بمسافة 70 كم .. وهو ما لم يكن بالحسبان .. بل واكثر من ذلك ان من بينهم الذين اختطفوا من واحة  " تازربو " بمنطقة الكفره .. ( 11 ) شخص من قبيلة زويه . 

   وتنادت فصائل وكتائب مختلفة لمحاصرة المكان ، كتيبة خالد بن الوليد ، والكتائب المساندة ، وبعض المواطنين من هنا وهناك .. وتم تحرير جميع الاسرى بعد مواجهات عنيفة استمرت لساعات .. فقدت خلالها القوى المهاجمة اثنان من عناصرها .. الشاب محمد علي ابوبكر معاد .. من كتيبة خالد بن الوليد .. ام الارانب .. والمواطن موسى والى عبدالله من منطقة غات .. الذي انضم من تلقاء نفسه للقوى المهاجمة .. وكان يعمل باحدى مزارع غدوه القريبة .. رحمهم الله .. وعدد 9 جرحى نقلوا الى مستشفى " تراغن " .. لتلقي العلاج .
 


محمد علي ابوبكر معاد .. من كتيبة خالد بن الوليد .. ام الارانب .

 المواطن موسى والى عبدالله من منطقة غات


 المختطفين يتلقون العلاج والإسعافات الأولية بمستشفى تراغن  العام .

احد المختطفين : سنوسي صالح من تازربو توفي تحت التعذيب .. فيما مصير
بلقاسم أحميد ساسي من الفقها لا يزال مجهول


 جانب من قرية الفقها
 
      جدير بالذكر ان العصابات قدموا الى قرية غدوة الوادعة قبل اشهر .. واستأجروا عدد 2 دوائر متسترين بلحاف مربي اغنام .. واحالوا المكان الى وكر للاختطاف والابتزاز .

     جدير بالذكر ايضا ان الشاب احمد ورد اسمه ضمن من تمت تصفيتهم .. واقيم له ولرفاقه عزاء امتد لفترة طويلة .. فكيف تلقت والدته نباء وجوده على قيد الحياة .. وكانت اول من اتصل بها .. واول من علمت ان ابنها لا يزال على قيد الحياة ..  الحمد لله 

 

الأحد، 30 ديسمبر 2018

تقرير حول مستقبل الاوضاع الامنية بالعاصمة طرابلس




المقدمة
     وصل المجلس الرئاسي التابع لحكومة الوفاق الوطني إلى قاعدة أبو ستة البحرية بطرابلس على متن سفينة قادمة من تونس في 30 مارس 2016 . وتم تأسيس المجلس الرئاسي في ديسمبر 2015 بموجب الاتفاق السياسي الليبي ، الذي تم توقيعه في الصخيرات في المغرب ) ICG, 2016 (. ومنذ إنشائه ، تعرض المجلس الرئاسي لضغوطات داعميه الخارجيين – الأمم المتحدة والحكومات الغربية - للانتقال إلى طرابلس رغم أنه لا يملك سلطة على أي قوات نظامية يمكن أن توفر الحماية. وفي وقت وصوله إلى طرابلس ، اعتمد المجلس الرئاسي على وعود مجموعة من التشكيلات المسلحة في العاصمة بتقديم الدعم له. وكانت مجموعة من الميليشيات الأخرى  معادية بشكل صريح ، في حين أن معظم التشكيلات المسلحة في طرابلس كانت غير ملتزمة بتوجه معين. ومنذ عام 2011 كان المشهد الأمني في طرابلس خليطا متشظي وغير مستقر من عدة تشكيلات مسلحة. ولكن في السنة التي تلت مجيء المجلس الرئاسي ، قامت أربع ميلشيات ارتبطت بالمجلس الرئاسي من البداية بتقسيم العاصمة فيما بينها. وقامت المليشيات الأربع – وهي قوة الردع الخاصة ، وكتيبة ثوار طرابلس ، وكتيبة النواصي ، وفرع أبو سليم التابع لجهاز الأمن المركزي - بتوسيع سيطرتها على وسط وجنوب وجزء كبير من غرب طرابلس ، وقامت تدريجيا بإزاحة التشكيلات المسلحة المنافسة من خلال سلسلة من الاشتباكات العنيفة. بالتزامن مع ذلك ، فقد حولوا سيطرتهم المناطقية إلى نفوذ سياسي ومكاسب مالية مما حولها إلى كارتل.
    
     - تحلل ورقة الإحاطة هذه الآثار والمخاطر المرتبطة بهذا التطور. حيث يتتبع الجزء الأول تطور كارتل مليشيات طرابلس ويضع إطارا لهذا التطور بناء على الصراعات التاريخية من أجل السلطة في العاصمة الليبية. ويغطي الجزء الثاني التغييرات في الأسس المالية للتشكيلات المسلحة في طرابلس على مدى السنوات القليلة الماضية وتحركها نحو الاستيلاء على مؤسسات الدولة وآثار هذه التطورات على ديناميكيات النزاع وإمكانية حصول تسوية سياسة واسعة النطاق . وتستند الورقة إلى 55 مقابلة تم إجراؤها مع قادة من التشكيلات المسلحة ومسؤولين حكوميين ومراقبين محليين في طرابلس ومصراتة ، وقد تمت هذه المقابلات خلال شهري مارس وأبريل من عام 2018 . كما تستند الورقة إلى المقابلات السابقة للمؤلفين وملاحظاتهم خلال زياراتهم البحثية المنتظمة منذ عام 2011 .


من حكم الجميع إلى حكم الأقلية :
     المشهد الأمني لطرابلس بين 2011 و 2018 ترتبط صراعات النفوذ على طرابلس منذ عام2011 ارتباطا وثيقا بالصراع الأكبر على النظام السياسي لما بعد حقبة القذافي. وكان استيلاء قوات الثوار على العاصمة في أغسطس 2011 فوضويا . ومع سقوط العاصمة بدأت كتائب الثوار المسلحة من مصراتة والمدن المختلفة في جبل نفوسة بالتنافس على النفوذ في العاصمة سواء فيما بينها أو مع الميليشيات التي خرجت من أحياء طرابلس بعد ذلك ، ونظرا لافتقار أي جماعة معينة للقدرة على السيطرة على العاصمة ، تعين على الحكومات الانتقالية المتعاقبة ضم ممثلين لفصائل متعددة. بدورها قامت هذه الفصائل باستخدام موارد الدولة لتقوية التشكيلات المسلحة التابعة لها وتعزيز شرعيتها بتحويلها إلى وحدات معتمدة رسميا. ونتيجة لذلك ، كان صراع السلطة داخل المؤسسات الانتقالية مرتبطا ارتباطا وثيقا بالتنافس على المناطق في طرابلس ثم تصاعد في النهاية إلى صراع مفتوح ابتداء من مايو 2014 . ومنذ البداية ، وازنت التشكيلات المسلحة بين السيطرة الفعلية على المواقع الاستراتيجية والمرافق الحكومية وتأثيرها على قرارات الحكومة. وهذه الرؤية لا تزال هي العامل الأساسي لتغذية الصراعات المستمرة للسيطرة على العاصمة.
منافسات متعددة الأطراف :
     أغسطس 2011 إلى يوليو 2014 في الأشهر التي تلت سقوط العاصمة ، تطورت المنافسات متعددة الأطراف. وكانت كتائب الثوار من مصراتة و الزنتان من بين أقوى الفصائل في العاصمة. كما قام الثوار المسلحون من المدن الأمازيغية في جبل نفوسة بإيجاد مكان لهم في طرابلس ، وفي المناطق الغربية بالدرجة الأولى. وشملت الجهات الهامة الأخرى عددا من التشكيلات المسلحة التي تشكلت وقاتلت في مدن جبل نفوسة ولكن أعضائها كانوا من عدة مناطق حيث انحدروا من الجبل أو من طرابلس نفسها أو من أماكن أخرى. وشملت نسبة كبيرة من المقاتلين في جماعتان من هذه التشكيلات – كتيبة شهداء 17 فبراير وكتيبة شهداء العاصمة – إسلاميين كان بعضهم عناصر سابقين في الجماعة الإسلامية المقاتلة في ليبيا المنحلة.  جماعة ثالثة - وهي كتيبة ثوار طرابلس - كان عناصرها أكثر تنوعا وأقل أيديولوجيا . كانت هذه التشكيلات وغيرها من تشكيلات المقاتلين من العاصمة موجودين في نالوت والرجبان والزنتان خلال الحرب ) .
     وفي طرابلس نفسها ، ظهرت ميلشيات تقوم بجذب عناصرها من أحياء معينة. وترجع أصول عدد منها إلى خلايا الثوار السرية - وتشمل الأمثلة التشكيلات المسلحة من منطقة سوق الجمعة التي قادها عبد اللطيف قدور وعبد الرؤوف كارة إضافة إلى الجماعة التي قادها عبد الغني الككلي المعروف باسم “غنيوة” .  بينما تشكلت تشكيلات أخرى بعد الثورة. وبحلول أوائل عام 2012 ، كان من الممكن تصنيف 30 جماعة مسلحة على أنها ذات أهمية عسكرية في طرابلس ، حيث تألف العديد منها من ثوار متمرسين. كما تنافست أيضا عدة تشكيلات صغيرة على المناطق ، وبعض هذه التشكيلات جماعات أهلية وبعضها الآخر مجرد عصابات إجرامية. وكانت الاشتباكات البسيطة حدثا يوميا تقريبا في أواخر عام 2011 وأوائل عام 2012 ، رغم أن المواجهات الكبيرة ظلت أمرا نادر الحدوث ) .)ICG, 2011 وفشلت جميع محاولات ضم جميع هذه التشكيلات المتزايدة تحت مظلة سلطة واحدة. كان هناك محاولتان مبكرتان قام بواحدة منها مجلس طرابلس العسكري ، بزعامة القائد السابق للمجموعة الإسلامية المقاتلة في ليبيا عبد الحكيم بلحاج ، والثانية من قبل اللجنة الأمنية العليا والتي تشكلت كرد مباشر على مجلس طرابلس العسكري على يد مسؤولين في المجلس الوطني الانتقالي. ومع تشكيل حكومة عبد الرحيم الكيب في نوفمبر 2011 ، أدت هذه المحاولات إلى إنشاء تكتلات ميليشيات منافسة من قبل ممثلي الفصائل المتنافسة في الحكومة. وبدأ العديد من المسؤولين بإضفاء الطابع الرسمي وتخصيص الرواتب للتشكيلات المسلحة القائمة أو بتوكيل حلفائهم بإنشاء تشكيلات جديدة ) .)Lacher and Cole, 2014 شملت الجهات الفاعلة الرئيسة في هذه العملية وزير الدفاع أسامة الجويلي من الزنتان ؛ ووكيل وزارة الدفاع الصديق المبروك الغيثي ، العضو السابق في الجماعة الإسلامية المقاتلة في ليبيا ؛ ووزير الداخلية فوزي عبد العالي من مصراتة ؛ ووكيل وزارة الداخلية عمر الخضراوي ، وهو من الإخوان المسلمين من الزاوية ؛ ورئيس الأركان يوسف المنقوش. وانضوت العديد من ميليشيات طرابلس تحت مظلة اللجنة الأمنية العليا ، والتي كانت من الناحية الرسمية مؤسسة تابعة لوزارة الداخلية ، رغم وجود هيكلين إداريين متوازيان داخل اللجنة الأمنية العليا وعملت معظم الوحدات بشكل مستقل. تشكيلات أخرى ، مثل كتائب القعقاع والصواعق ذات القيادة من الزنتان ، كانت وحدات رسمية تابعة لوزارة الدفاع حيث قام الجويلي من خلال الوزارة بتزويد تلك التشكيلات بأموال ومعدات ضخمة. وكانت قوات درع ليبيا منظمة مظلة أخرى زودت التشكيلات المسلحة بالأموال وأعطتها الطابع الرسمي. وعملت هذه الوحدات تحت سلطة رئيس الأركان وتضمنت درع المنطقة الوسطى وهو أكبر قوة من مصراتة في طرابلس. وزاد عدد أفراد جميع هذه الوحدات بسرعة نتيجة التجنيد واسع النطاق والتضخم الكبير لأعداد العناصر حيث سعى القادة للحصول على رواتب إضافية ) Lacher .)and Cole, 2014 وأفرز اقتصاد المليشيات الجديد العديد من الخصومات التي اشتدت بعد انتخابات المؤتمر الوطني العام في يوليو 2012 وتشكيل حكومة علي زيدان في نوفمبر 2012 . وكانت طرابلس مركز هذه الخصومات. واتبعت التشكيلات المسلحة أساليب فظيعة بشكل متزايد لممارسة الضغط على مؤسسات الدولة مما أدى بدوره إلى تصعيد هذه الخصومات. في أبريل 2013 ، فرض المتشددون الثوريون من داخل وخارج العاصمة حصارا على مقرات بعض الوزارات استمر لعدة أسابيع . كان الهدف الظاهري من الحصار هو الإجبار على تمرير تشريع يمنع مسؤولي النظام السابق من شغل مناصب عامة. ولكن عندما سن المؤتمر الوطني العام هذا القانون – رغم أنف الحصار وليس بسببه - استمر الحصار . وأصبح هدف الحصار هو السيطرة الفعلية على الوزارات نفسها وما يترافق مع ذلك من نفوذ فيما يتعلق بالتعيينات والقرارات Lacher and Cole, 2014 (. وانضوت القوات المحاصرة تحت مظلة غرفة عمليات ثوار ليبيا ، والتي شملت تشكيلات من مصراتة وجبل نفوسة وصبراتة وطرابلس والزاوية. وتفاوض قادة غرفة عمليات ثوار ليبيا مع ممثلي الزنتان حول السيطرة على مقرات الوزارات ونجحوا في حالة وزارتي الخارجية والعدل.
     بعد حصار الوزارات ، تداعت القيود المفروضة على استخدام القوة في طرابلس سريعا. وفي يونيو 2013 قامت تشكيلات مسلحة ذات القيادة من الزنتان بمهاجمة مقر حرس المنشآت النفطية بسبب نزاع حول الوظائف والرواتب مما أدى إلى اندلاع صراع عنيف مع فرع أبوسليم التابع لحرس المنشآت النفطية بقيادة صلاح البركي. وفي الشهر التالي ، هاجمت نفس التشكيلات المسلحة ذات القيادة من الزنتان المبنى الرئيسي لوزارة الداخلية الواقع على طريق المطار ، حيث سيطرت عليه ونهبته لأكثر من أسبوع ) Lacher and Cole, 2014 (. وخلال شهر رمضان وحده ، شقت تشكيلات مختلفة طريقها إلى مكتب رئيس الوزراء وأجبرت زيدان على دفع ما يقارب ملياري دينار ليبي ) 1.5 مليار دولار ( إلى المليشيات المتشكلة حديثا التي أقرتها الدولة. 

    
     وفي أكتوبر ، قام رجال مسلحون تابعون لغرفة عمليات ثوار ليبيا باختطاف زيدان قبل أن يطلقوا سراحه في نفس اليوم ) .)Gall, 2013 بعد ذلك انتقل زيدان إلى مقر جمعية الدعوة الإسلامية الذي تسيطر عليه كتيبة الصواعق ذات القيادة من الزنتان ، وبالتالي ربط نفسه بوضوح مع فصيل معين من الفصائل المتصارعة على العاصمة. وفي نوفمبر قامت القوات من الزنتان التي تسيطر على مطار طرابلس الدولي باختطاف نائب رئيس الاستخبارات الليبي لفترة وجيزة ) BBC, 2013 (. وتجنب الخصوم السياسيون لتشكيلات الزنتان بشكل متزايد السفر عن طريق المطار . في غضون ذلك ، سعت التشكيلات المسلحة من طرابلس إلى استغلال الغضب العام المتزايد في العاصمة للمطالبة بمغادرة التشكيلات من خارج طرابلس للمدينة .
     في نوفمبر 2013 ، قام المجلس المحلي لطرابلس ، وهو الإدارة البلدية المعينة ذاتيا منذ عام 2011 ، والذي كان لأعضائه علاقات وثيقة مع بعض التشكيلات المسلحة من طرابلس ، بتنظيم مظاهرة أمام مقر تسيطر عليه ميليشيا من مصراتة . وفتحت الميليشيا النار مما تسبب في اشتباكات أدت إلى مقتل 43 شخصا معظمهم من المتظاهرين ) Human Rights Watch, 2013 (.
    بعد ذلك انسحبت جميع الوحدات المصراتية من العاصمة ردا على ما اعتبره قادة تلك المدينة بمثابة حملة تشويه. قامت العديد من الميليشيات الكبيرة في طرابلس - بما فيها أكبر ثلاث وحدات ذات قيادة من الزنتان - بتنظيم مراسم قاموا خلالها ظاهريا بتسليم قواعدهم للسلطات . لكن على أرض الواقع ، ظلت هذه الوحدات في مكانها وخلال الأشهر التالية استغلت التشكيلات ذات القيادة من الزنتان رحيل تشكيلات مصراتة المسلحة لتوسيع نفوذها في العاصمة ) .)Lacher and Cole, 2014 .
     خلال هذه الفترة عمدت العديد من التشكيلات المسلحة في طرابلس إلى إعادة تقديم نفسها من أجل التخلص من التهم والسمعة السيئة أو للوصول بشكل أفضل إلى أموال الدولة. وقامت وزارة الداخلية بتفكيك اللجنة الأمنية العليا ببطء خلال أواخر العام 2013  وأوائل عام 2014 وسعت وحداتها إلى الحصول على غطاء مؤسسي جديد من خلال الانضمام إلى جهاز الاستخبارات العسكرية أو “ قوات التدخل الخاصة ” المكونة حديثا بما في ذلك قوة الردع الخاصة التابعة لعبد الرؤوف كارة ، والتي كانت متمركزة في مطار معيتيقة . وتم دمج وحدات أخرى في الجيش وبالتالي تم تعريفها بالأرقام-الكتيبة 121 والكتيبة 155 مثلا. غير أن تشكيلات أخرى انضمت إلى قوة العمليات الخاصة الجديدة ذات القيادة من الزنتان ، والتي كانت جزءا من وزارة الداخلية من الناحية الرسمية. 


    تداخلت الخصومات بين التشكيلات المسلحة في طرابلس بشكل متزايد مع تصاعد التوترات السياسية . وفي فبراير 2014 أصدرت أكبر جماعتين ذات قيادة من الزنتان في طرابلس إنذارا نهائيا للمؤتمر الوطني العام وأعطته خمس ساعات لتسليم السلطة – ولم يكن من الواضح لمن سيتم تسليم السلطة - أو مواجهة الحل القسري . في نهاية المطاف تراجعت ميليشيات الزنتان بعد تدخل مبعوث الأمم المتحدة طارق متري ) ، 2015 (. وفي مارس قامت نفس الميليشيات بنهب قاعدة الجيش في جنوب طرابلس ، وهاجمت مرارا رئاسة الأركان العامة مما اضطره إلى نقل مقره . وفي نفس الشهر قامت جماعة مسلحة من الزنتان بالاستيلاء على شحنة أسلحة كبيرة  قادمة من بيلاروسيا في مطار طرابلس الدولي والتي كانت متجهة إلى قوات مصراتة في جنوب ليبيا ) .)Lacher and Cole, 2014
      أدت الحركة التوسعية لتشكيلات الزنتان والاستعراض المتفاخر بالمعدات الجديدة مثل المدرعات إلى تنامي القلق في كل من مصراتة وبين التشكيلات المسلحة التابعة لغرفة عمليات ثوار ليبيا .
    11 في مايو وبالتنسيق مع انطلاقة حملة اللواء خليفة حفتر في بنغازي وتشكيله لقيادة جيش متمردة هاجمت كتيبتا القعقاع والصواعق المؤتمر الوطني العام أثناء انعقاده مما أسفر عن مقتل اثنين من العاملين واختطاف عدة أعضاء ونهب الأرشيف وأعلن المهاجمون حلها ) .)Elumami and Laessing, 2014على المستوى الوطني ، كانت هجمات حفتر وقوات الزنتان أساسية في انقسام مؤسسات الدولة واندلاع حرب أهلية واسعة النطاق بعد شهرين .
   وفي طرابلس ، أدت هذه الهجمات إلى عودة التشكيلات المسلحة من مصراتة وتشكيل تحالف لطرد تشكيلات الزنتان من العاصمة ، بعد انتخابات مجلس النواب في يونيو .
عاصمة من غير حكومة:
    يوليو 2014 إلى مارس 2016 في 13 يوليو 2014 ، بدأ تحالف فضفاض بين التشكيلات المسلحة بمهاجمة مواقع تشكيلات الزنتان في طرابلس ) راجع الخريطة 1  (. وكان الائتلاف ، الذي عرف فيما بعد باسم فجر ليبيا ، مكونا إلى حد كبير من قوات مصراتة ، لكنه ضم أيضا قوات غنيوة الككلي ) من أبو سليم ( و “ فرسان جنزور” ) الذين اشتبكوا مع الصواعق في الأسبوع السابق ( والقوة الوطنية المتحركة ) وهي تشكيل ينحدر معظم أعضائه من المدن الأمازيغية ( وتشكيلات مسلحة من الزاوية ) Lacher and Cole, 2014 (. وبالمقابل ، فإن عدة ميليشيات كبيرة من طرابلس ، ورغم دعمها للعملية ، امتنعت عن المشاركة – وشملت الأمثلة على ذلك كتيبة ثوار طرابلس بقيادة هيثم التاجوري ،  وقوة الردع الخاصة بقيادة عبد الرؤوف كارة . واشتبه قادة فجر ليبيا بأن تشكيلات أخرى بما في ذلك تشكيلات من تاجوراء والفشلوم متعاطفة مع تشكيلات الزنتان ، على الرغم من أنهم لم يتحركوا لدعم تشكيلات الزنتان بعد أن نجحت قوات فجر ليبيا في طرد تشكيلات الزنتان من العاصمة في أواخر أغسطس - وتدمير مطار طرابلس الدولي خلال هذه العملية - بدأت تغييرات واسعة النطاق في المشهد الأمني في طرابلس . فقد استولت تشكيلات من مصراتة على موقع تشكيلات الزنتان السابقة على طول طريق المطار بالإضافة إلى مقر جمعية الدعوة الإسلامية الذي كان سابقا تحت سيطرة كتيبة الصواعق. وقامت عناصر أخرى من فجر ليبيا بتوسيع نفوذها بشكل ملحوظ في العاصمة. وتم تدريجيا طرد القوات التي يشتبه بأنها لا زالت على علاقة بحفتر أو القوات من الزنتان ، مع انسحاب تشكيلات مسلحة من تاجوراء والفشلوم من العاصمة في أواخر أبريل 2015 بعد اشتباكات عنيفة. قام لواء المحجوب من مصراتة بنشر قوة في مقر ديوان رئاسة الوزراء في وسط طرابلس ، حيث كان عمر الحاسي يرأس “ حكومة الإنقاذ الوطني ” التي قامت على بقايا المؤتمر الوطني العام للحفاظ على شرعيتها الظاهرية.
     مارس قادة التشكيلات المسلحة التي شاركت في قوات فجر ليبيا تأثيرًا كبيرًا على تشكيل حكومة الحاسي . ومن الأمثلة على ذلك وزير الدفاع ، خليفة الغويل - الذي رشحه قادة من مصراتة - ووزير الداخلية محمد شعيتر - الذي مثل التشكيلات المسلحة من بنغازي التي حاربت ضد قوات حفتر وكانت متحالفة مع تحالف فجر ليبيا. ورشح قادة من القوة الوطنية المتحركة ذات الطابع الأمازيغي وزراء العمل ووكلاء الوزارات الحكم المحلي والتخطيط والاتصالات ، وكذلك العديد من وكلاء الوزارات. ومع سعي الحاسي لاستيعاب الأرقام التي تدعمها التشكيلات المسلحة ، ارتفع عدد وكلاء الوزارات في يناير 2015  إلى 2016 . 
      بعد أن حل الغويل محل الحاسي كرئيس للوزراء في عام 2015 ، عين عبد اللطيف قدور ، الذي كان قائدا لكتيبة النواصي من سوق الجمعة ، وزيرا للداخلية. وقام هؤلاء الوزراء المعينون حديثاً بإعادة تشكيل الترتيبات المؤسسية للتشكيلات المسلحة في طرابلس . وخلال فترة توليه منصب وزير الداخلية ، قام محمد شعيتر بتعين عمر الخضراوي ، الذي كان وكيلا لوزير الداخلية في الفترة 2013 - 2011 ، كرئيس لجهاز الأمن المركزي الذي تم إنشاؤه حديثا .ً  وأشرف الخضراوي على دمج التشكيلات المسلحة في جهاز الأمن المركزي مما وفر لهذه التشكيلات الانتماء المؤسسي الذي كانت تفتقر إليه منذ حل اللجنة الأمنية العليا . وأصبحت كتيبة ثوار طرابلس التي قادها هيثم التاجوري الفرقة الأمنية الأولى لجهاز الأمن المركزي ؛ وأصبح فرع أبو سليم التابع للجنة الأمنية العليا بقيادة عبدالغني الككلي هو فرع أبو سليم في جهاز الأمن المركزي ؛ وأصبحت كتيبة النواصي من سوق الجمعة هي فرع شمال طرابلس التابع لجهاز الأمن المركزي . وتم تعيين صلاح البركي، أحد قادة الميليشيات في أبو سليم الذي تميز في المعركة حول المطار في عام 2014 رئيسًا لجهاز المباحث العامة التابع لوزارة الداخلية.
     تشظت القوة الوطنية المتحركة لأن ممثليها في حكومة الحاسي )لاحقاً الغويل ( قامت بتأسيس وحداتها الخاصة.  في محاولاتهم لإعادة صياغة ولاءات  التشكيلات المسلحة باستخدام الحوافز المالية ، افتقرت سلطات طرابلس في عهد الحاسي ثم الغويل لاحقاً إلى ميزتين حاسمتين . أولاً، تم نبذ حكومة طرابلس على المستوى الدولي ، بعد فشل خطتها في استغلال سيطرة تحالف فجر ليبيا على العاصمة للحصول على اعتراف دولي . وثانيا ، وهذا يعزى أيضا جزئياً إلى افتقارها إلى الاعتراف الدولي ، أنها لم تستطع الحصول على ميزانيات منتظمة.
      قرر محافظ المصرف المركزي،  الصديق الكبير، تقييد بنود الإنفاق الخاصة بالحكومات المتنافسة في طرابلس ومدينة البيضاء الشرقية التي سيمولها . ويعني هذا أن الصديق الكبير استمر فعليا في دفع المرتبات على أساس جداول الرواتب قبل عام 2015 ، وخصص المساعدات وفقا لموازنات المصرف المركزي ، مع رفض تمويل التوسع في كشوف المرتبات الحكومية والنفقات الأخرى ) .)ICG, 2015 لذلك اضطرت الحكومتان المتنافستان إلى إيجاد طرق أخرى لتوفير الموارد لتخصيصها للتشكيلات المسلحة . وفي حالة حكومة الحاسي ) والغويل لاحقا (، فإن هذا يعني بشكل رئيسي استخدام الأموال المتبقية من موازنة عام 2014 لحكومة زيدان والاستيلاء على النقد من المؤسسات التابعة للدولة مثل الشركة الليبية للبريد والاتصالات ). UNSC, 2017, pp31 – 230 (. من الممكن أن يكون كل من الحاسي والغويل ووزرائهم قد جمعوا ما بين ملياري دينار ليبي ) 1.4 مليار دولار ( و 3 مليارات دينار ليبي ) 2.1 مليار دولار(  بهذه الطريقة ، ولكن قوتهم الشرائية كانت أقل بكثير من الحكومات السابقة . فقد كانت حكومة الحاسي ) والغويل لاحقا ( غير قادرة على تلبية مطالب العناصر الرئيسية. فعلى سبيل المثال ، بعد انتهاء العقود المؤقتة لدرع المنطقة الوسطى الذي تهيمن عليه القوات من مصراتة في أغسطس 2014 ، لم تتمكن حكومة الحاسي من إيجاد ترتيب جديد يسمح لعناصر درع الوسطى السابقين بتلقي الرواتب. إلا أن الغويل قام بقطع رواتب أكبر مجموعتين من مصراتة - وهما لواءا الحلبوص والمحجوب - بعد أن دخلتا في وقف إطلاق نار محلي في منطقة ورشفانة ، جنوب غرب طرابلس ، في أبريل 2015 . وعندما زاره قادة اللوائين في نوفمبر 2015 ، عرض الغويل زيادة الدفعات وليس فقط استئنافها في حال تخليهما عن اتفاقات وقف إطلاق النار. وفي الوقت الذي أدت فيه الاضطرابات في أنماط تمويل التشكيلات المسلحة إلى إعادة صياغة الاستراتيجيات المالية لميليشيات طرابلس ، فإن الانشقاقات السياسية داخل تحالف فجر ليبيا السابق أثارت أيضاً توترات في العاصمة وما حولها. ووقف إطلاق النار الذي تم التفاوض عليه من قبل لوائي الحلبوص والمحجوب في ورشفانة يعكس ظهور تحالف قوي بين قادة كتائب وسياسيين وشخصيات بارزة من مصراتة ، ممن دعموا إنهاء الحرب وتشكيل حكومة وحدة وطنية . وقد واجهوا معارضة من السياسيين الرافضين والميليشيات من مصراتة وطرابلس والزاوية الذين كانوا مرتبطين بحكومة الغويل أو قيادة المؤتمر الوطني العام ، وعارضوا المحادثات التي قادتها الأمم المتحدة حول حكومة وحدة وطنية . كما تفاوض قادة لوائي الحلبوص والمحجوب مع الزنتان ، وفي صيف 2015 شارفوا على التوصل لاتفاق كان سيعيد تشكيلات الزنتان إلى العاصمة لدعم حكومة وحدة وطنية . زاد هذا الاتفاق من خطر الصراع المفتوح مع العناصر الرافضة في طرابلس . وتم تجنب مثل هذه المواجهة في نهاية المطاف لأن المفاوضين من تشكيلات مصراتة والزنتان فشلوا في إبرام صفقة . في هذه الأثناء ، ظل قادة بعض التشكيلات المسلحة من مصراتة  وطرابلس يزورون مسؤولين من الأمم المتحدة في تونس للتعبير عن دعمهم لمفاوضات الصخيرات وتشكيل حكومة وحدة وطنية . وفي بعض الحالات ، واجه هؤلاء القادة أصواتاً معارضة من صفوفهم ، مما جعل الأطراف الدولية فريسة للتخمين بشأن أي الأطراف التي تدعم أو تعارض إنشاء حكومة وحدة وطنية . وأدت الشكوك المحيطة بشأن إمكانية التوصل إلى اتفاق ، وإمكانية تولي الحكومة لمسؤولياتها في طرابلس ، إلى الحيلولة دون تحول هذه التوترات إلى مواجهة مفتوحة . وعندما تم توقيع اتفاق الصخيرات في ديسمبر 2015 ، لم يكن هناك تفاهم مفصل حول الترتيبات اللازمة لتأمين طرابلس من اجل حكومة وحدة تمثل جميع الفصائل الرئيسية . وفي الواقع ، لم يتم عقد محادثات جادة مع التشكيلات المسلحة أو فيما بينها . وأفرز الاتفاق مجلسا رئاسيا مؤلفا من تسعة أعضاء بزعامة فايز السراج كان من المفروض ، كما كان يأمل مؤيدوه الغربيين ، أن ينتقل قريبا إلى طرابلس لتأسيس “حكومة الوفاق الوطني .” لكن العديد من أعضاء المجلس الرئاسي ، بمن فيهم الممثل الشرقي علي القطراني وممثل الزنتان عمر الأسود ، رفضوا الانتقال إلى طرابلس طالما أنها لا تزال تحت سيطرة التشكيلات المسلحة ، التي أيد الكثير منها تحالف فجر ليبيا في عام 2014 ) .)ICG, 2016
     على خلفية هذه المقاومة ، قام السراج وممثل مصراتة في المجلس الرئاسي ، أحمد معيتيق ، بإشراك مجموعة محدودة من التشكيلات المسلحة من أجل التحضير لانتقال المجلس الرئاسي إلى طرابلس . وقام مستشارو السراج مبدئيا بإشراك كتيبة النواصي من سوق الجمعة ، إضافة إلى قوة الردع الخاصة التابعة لكارة ، والتي كانت تسيطر على المطار الدولي الوحيد العامل في العاصمة ، وهو مطار معيتيقة ، إلى جانب مرافق الاحتجاز داخل محيطه . وأبلغ كارة المستشارين الأمنيين للمجلس الرئاسي بأنه سيدعم المجلس لكنه لا يستطيع ضمان وصوله عبر مطار معيتيقة بسبب تهديدات فصائل تاجوراء باستهداف الطائرة .
    توصل معيتيق إلى ترتيبات مع بعض قادة لوائي المحجوب والحلبوص ، بما في ذلك الكتيبة 301 ، وهي تفرع تابع للواء الحلبوص تم إنشاؤه بموجب مرسوم من الغويل خلال فترة توليه لمنصب وزير للدفاع.
    رفضت معظم التشكيلات المسلحة في طرابلس تقديم دعمها لحكومة الوفاق الوطني ، أو مناصبتها العداء جهارا . وفي منتصف مارس2016 ، وقبل أسبوعين فقط من وصول المجلس الرئاسي إلى طرابلس ، قاد هيثم التاجوري موكبا مسلحا في وسط طرابلس لمعارضة حكومة الوفاق الوطني ، وإعلان دعمه لإعادة تأسيس النظام الملكي ، مما عزز سمعته بأنه شخص لا يمكن توقع تصرفاته )
    2016  ( . وعندما وصل السراج ومعه خمسة أعضاء آخرين من المجلس الرئاسي في 30 مارس بالسفينة من تونس إلى قاعدة أبو ستة البحرية في وسط طرابلس ، لم يكن هناك تفاهم مفصل حول الترتيبات الأمنية في المنطقة ، باستثناء الوحدة البحرية هناك ، وكتيبة النواصي التي كانت تسيطر على محيط القاعدة.
   نحو حكم الميليشيات :
     أبريل 2016 حتى الآن في الليلة التي أعقبت وصول المجلس الرئاسي ، بالكاد تم تجنب وقوع مواجهة بين التشكيلات المسلحة التابعة لحكومة الغويل ، وكتيبة النواصي . وعملت العديد من الشخصيات المؤثرة بشكل مكثف لتثني معارضي المجلس الرئاسي عن تصعيد الموقف . وعملت شخصيات بارزة من مصراتة مع قائد سابق رفيع المستوى في قوات فجر ليبيا من مدينتهم ، وهو صلاح بادي . وفي الليلة نفسها هاجمت مجموعة مسلحة بقيادة هيثم التاجوري قناة النبأ التلفزيونية ، وهي المنبر الرئيسي لأعداء المجلس الرئاسي في طرابلس ، وذلك بعد أن عرضت تصريح التاجوري السابق الذي يعارض فيه المجلس الرئاسي مما خلق انطباعاً )غير صحيح ( بأن هذا التصريح قد صدر في نفس اليوم . وبالتالي انضم التاجوري إلى المعسكر المؤيد للمجلس الرئاسي تلقائياً. 25 وبدأ المجلس الرئاسي العمل في طرابلس على الرغم من أن السراج نادراً ما غادر القاعدة البحرية. وحافظت العديد من التشكيلات المسلحة في العاصمة على تأرجح مواقفها تجاه المجلس . وكان ارتباط المجلس الرئاسي الأولي بقوة الردع الخاصة وكتيبة النواصي من سوق الجمعة قائما على الضرورة ، ويرجع ذلك إلى حقيقة أن القاعدة البحرية تقع ضمن منطقة نفوذ هاتين الجماعتين . وكان ارتباط التاجوري بالقوات الموالية للمجلس الرئاسي ) كما هو مذكور أعلاه ( نتيجة لهجومه العفوي على قناة النبأ التلفزيونية ليلة وصول المجلس الرئاسي. لكن دخول حكومة الوفاق الوطني إلى طرابلس في ظل هذه الظروف كان له عواقب أبعد بكثير بشأن صورة حكومة الوفاق الوطني بين الفصائل السياسية ، وقد رسم معالم الانقسامات داخل المشهد الأمني لطرابلس منذ ذلك الحين. استغل خصوم حكومة الوفاق الوطني حقيقة أن الحكومة وضعت نفسها تحت رحمة المليشيات التي تسيطر على طرابلس. وكانت الزنتان على وجه الخصوص تستشيظ غضبا . وقد دعمت جهات مؤثرة في الزنتان اتفاقية الصخيرات وعينت عمر الأسود ممثلاً لها في المجلس الرئاسي ، على أمل أن يسمح اتفاق بشأن الترتيبات الأمنية الجديدة في طرابلس لقوات الزنتان بالعودة أو يتيح لقوات محايدة تولي السيطرة. وهذا كان من شأنه أن يشكل قاعدة لعودة حوالي 20.000 مدني ترجع أصولهم إلى الزنتان فروا من العاصمة خلال حرب عام 26.2014 وقبول المجلس الرئاسي بالوضع الراهن يعني أنه لا يوجد أي احتمال بأن تتخلى التشكيلات المسلحة التي كانت تحارب الزنتان في عام 2014 عن سيطرتها.
    وفي طرابلس نفسها ، ارتسمت خطوط الصراع جزئياً بناء على الانقسام بين خصوم الحكومة الرئيسيين ومؤيديها ، وهؤلاء المؤيدون كانوا انتهازيين في كثير من الأحيان ) .. انظر الخريطة
     (. واعتبر العديد من المعارضين المجلس الرئاسي واتفاقية الصخيرات بمثابة أمر مفروض من جهات من الخارج . وقد شمل هؤلاء المعارضون قوة بادي المؤلفة بغالبيتها من مصراتة، وبعض من التشكيلات المسلحة المحلية في منطقة تاجوراء الشرقية ، وأجزاء من القوة الوطنية المتحركة ذات الطابع الأمازيغي ، وتشكيلات مسلحة يقودها عناصر سابقون في الجماعة الإسلامية المقاتلة في ليبيا، وعناصر مجلس شورى ثوار بنغازي الذين وجدوا ملجأً في طرابلس . واستمر العديد من عناصر هذه التشكيلات باحترام السلطة الدينية للمفتي الصادق الغرياني، الذي عارض المجلس الرئاسي بشراسة.  وتعمق هذا الصدع بسبب الانقسام الإيديولوجي. حيث ضمت كتيبة النواصي وقوة الردع الخاصة التابعة لكارة أتباع الداعية السلفي السعودي ربيع المدخلي - ما يسمى بالتيار المدخلي - الذين اعتبروا أنصار الإسلام السياسي الذين يتباينون ما بين الإخوان المسلمين والتيارات الجهادية خوارج. ونتيجة لذلك ، أصبحت قوة الردع الخاصة وكتيبة النواصي ، أعداء لمجلس شورى ثوار بنغازي ، والعناصر السابقين في الجماعة الإسلامية المقاتلة في ليبيا ، والمفتي . وتفاقمت هذه الانشقاقات بسبب الشكوك التي انتابت بعض فصائل طرابلس بأن كارة ، والككلي ، والتاجوري يجرون اتصالات سرية مع حفتر ، والتي يمكن أن تسمح له باكتساب موطئ قدم في العاصمة.
        وقد استغل حفتر هذه المخاوف متعمدا من خلال إبداء تعليقات تبدو ظاهريا غير مدروسة بشأن نيته التعاون مع قادة الميليشيات الثلاثة .. حتى التشكيلات المسلحة التي كانت منفتحة على التعاون مع الحكومة سيقت إلى المعارضة ، ويعود هذا غالبا إلى تنافسهم مع الميليشيات الموالية للمجلس الرئاسي على المناطق والموارد الاقتصادية " المصارف على وجه الخصوص ".
     ففي جنوب طرابلس، على سبيل المثال، تنافست  قوة الككلي في أبو سليم على المناطق مع بعض التشكيلات المسلّحة من مصراتة وكتيبة صلاح البركي المحلية. ومع سعي الككلي إلى الحصول على دعم التاجوري ضد تشكيلات مصراتة ، فقط ارتبط بالميليشيات الموالية للمجلس
الرئاسي ؛ أما كتيبة البركي بدورها فوجدت نفسها على الجانب المقابل تقريبا بشكل تلقائي. ديناميكية مماثلة حدثت في غرب طرابلس حيث سعى كل من كارة والتاجوري إلى التعدي على
المناطق التي تسيطر عليها التشكيلات المسلحة التي كانت تابعة للقوة الوطنية المتحركة. ونتيجة لذلك انضمت القوة الوطنية المتحركة إلى خصوم حكومة الوفاق الوطني. ولم يبذل المجلس الرئاسي الكثير من الجهد لإشراك مثل هذه التشكيلات.
     مع تطور هذه الخصومات على المستويات الأيديولوجية والسياسية والمناطقية ، فإن وصول المجلس الرئاسي دشن فترة من المواجهات المكثفة. وكان فندق ريكسوس وقصور الضيافة المجاورة لها ، الذي كان مقر المؤتمر الوطني العام ، نقطة تركيز رئيسية لهذه الخصومات.
       وبعد فترة وجيزة من دخول المجلس الرئاسي إلى طرابلس قام عبد الرحمن السويحلي عضو المؤتمر الوطني العام من مصراتة بإقناع أغلبية أعضاء المؤتمر الوطني العام بالانضمام إليه من أجل تأسيس المجلس الأعلى للدولة - وهو التجسيد الجديد للمؤتمر الوطني العام بموجب اتفاقية الصخيرات - وانتخابه رئيسا للمجلس.
      التقى المجلس الأعلى للدولة في البداية في فندق المهاري حيث كان فندق ريكسوس تحت سيطرة الوحدات الموالية للمؤتمر الوطني العام بما في ذلك الفصائل التابعة للواء المحجوب وكتيبة المرسى من مصراتة . وبعد ثلاثة أسابيع من وصول المجلس الرئاسي ، نفذ السويحلي انشقاق هذه التشكيلات التي تعمل تحت مسمى الأمن الرئاسي ، ونقل المجلس الأعلى للدولة إلى فندق ريكسوس وطرد بقايا المؤتمر الوطني العام.
      في أكتوبر ، بدلت هذه التشكيلات المسلحة ولاءاتها مرة أخرى ، مما سمح للموالين للمؤتمر الوطني العام وخليفة الغويل - الذين استمروا في الادعاء بأنهم يترأسون حكومة ليبيا الشرعية - بالعودة إلى فندق ريكسوس .. تصاعد النزاع على فندق ريكسوس بسبب الصراع على المستوى الأيديولوجي بين التيار المدخلي وأعدائه. وبعد وقت قصير من عودة الغويل والمؤتمر الوطني العام إلى فندق ريكسوس ، تم اختطاف الشيخ نادر العمراني ، عالم ديني معتدل وعضو مجلس البحوث بدار الإفتاء ، في طرابلس . وبحلول أواخر نوفمبر، انتشرت تقارير تفيد بمقتل العمراني . وعلى الرغم من أنه لم يتم العثور على جثته ، فقد اعترف أحد المشتبهين به في القضية زاعما بأن قوة الردع الخاصة التابعة لكارة وأحد دعاة التيار المدخلي من مصر متورطون بعملية القتل .
      2016   (. أدى تصاعد التوترات إلى تأليب قوة الردع الخاصة التي يهيمن عليها التيار المدخلي وحلفاؤها ضد مجموعة متنوعة من التشكيلات المسلحة التي عارضت تنامي نفوذ التيار المدخلي . وفي أوائل ديسمبر هاجم كل من الككلي والتاجوري كتيبة الإحسان ، التي كانت متمركزة في غابة النصر المجاورة لفندق ريكسوس ، متهمين إياها بالتآمر لشن هجمات إرهابية . وكانت الجماعة تحت قيادة طارق درمان العضو السابق من الجماعة الإسلامية المقاتلة في ليبيا وضمت بعض عناصر مجلس شورى ثوار بنغازي ؛ وكان لها علاقات مع أشخاص من بنغازي تم سجنهم من قبل قوة الردع الخاصة التابعة لكارة باعتبارهم إرهابيين وبالتالي كانوا معارضين بشدة للتيار المدخلي . كان هناك تصور واسع في طرابلس في حينها بأن العملية حصلت بدعم ضمني من المجلس الرئاسي الذي التزم الصمت تجاه التوسع الشرس للتشكيلات المسلحة المحسوبة عليه . وبعد وقوع اشتباكات عنيفة ، تم التوسط في صفقة أسفرت عن مغادرة جماعة درمان للمنطقة.
     تصاعدت التوترات مرة أخرى في فبراير 2017 بعد تعرض موكب يُقل السويحلي لإطلاق نار بالقرب من فندق ريكسوس من عناصر الأمن الرئاسي حسبما أفادت المزاعم .. وفي الشهر التالي ، انضم الككلي ، الذي كانت المنطقة التي يسيطر عليها محاذية لفندق ريكسوس مباشرة ، إلى التاجوري لإزاحة بقايا المؤتمر الوطني العام وحكومة الغويل والتشكيلات المسلحة التابعة
لها من المنطقة .. واندلع قتال عنيف لعدة أيام .. في تلك المرحلة ، وبعد عدة جولات من القتال العنيف ، خرج الككلي منتصرا من عدة مواجهات مع كتيبة البركي في الهضبة ومع بعض المجموعات المسلحة من مصراتة في طريق المطار. في غضون ذلك ، كانت الغلبة تدريجيا للتاجوري وكارة على تشكيلات مسلحة صغيرة تابعة للقوات الوطنية المتحركة في منطقة حي الأندلس الواقعة غرب المدينة.  وبحلول مارس 2017 ، هيمنت الميليشيات المحسوبة على للمجلس الرئاسي على وسط طرابلس .. وكان التصور السائد لدى كلا جانبي هذا الصراع هو أن التوسع الشرس للمليشيات المؤيدة للمجلس الرئاسي يتمتع على الأقل بدعم ضمني من بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا والحكومات الغربية. 35 وكان قادة وضباط الميليشيات المرتبطة بالمجلس الرئاسي يروجون بشدة لفكرة أن هذا التوسع يتم بموجب خطط وضعها المستشار الأمني الأعلى لبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا ، الجنرال الإيطالي باولو سيرا.. وفقا لأقوال مسؤول دولي رفيع المستوى ، فإن الدعم الفعلي لتوسع الميليشيات لم يكن من بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا ، ولكن من الحكومة الإيطالية.. وعلى أقل تقدير ، كان هناك شعور واسع النطاق بأن بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا تدعم ضمنيا هذه العمليات  ، حسبما لاحظ مسؤول أمني رفيع سابق في حكومة الوفاق الوطني .. وفي مايو ، حاولت التشكيلات المسلحة من مصراتة التابعة للغويل بقيادة صلاح بادي مرتين التقدم نحو المناطق الجنوبية التي سيطر عليها الككلي . وقدمت المحاولة الثانية ، في أواخر مايو ، ذريعة للتاجوري والككلي لإزالة العقبة الرئيسية المتبقية فقط إلى طريق هيمنتهم على العاصمة – وهو سجن الهضبة ، الذي كان يسيطر عليه القيادي السابق في الجماعة الإسلامية المقاتلة في ليبيا وكيل وزارة الدفاع السابق خالد الشريف ، والذي كان مدير السجن . ولم يكن للشريف أية صلات بعملية بادي وتعاون مع المدعي العام التابع لحكومة الوفاق الوطني في الإفراج عن السجناء الذين قضوا مدة عقوبتهم أو لم تتم إدانتهم .. ولكنه كان معارضا للتوسع العدواني للمليشيات المؤيدة للمجلس الرئاسي . بالمقابل ، كان التاجوري طامعا في السجناء المهمين في سجن الهضبة ، بما في ذلك ابن القذافي الساعدي ،  ورئيس المخابرات عبد الله السنوسي .. وهاجم التاجوري والككلي السجن ، واستولوا عليه بعد قتال عنيف ، ثم أجبروا عائلة الشريف على ترك منزلهم الخاص قبل هدمه .
     احتفل المجلس الرئاسي المنتصر علنا بالعملية التي قال أنها تم تنفيذها من قبل “القوات المنضوية تحت المؤسسات الأمنية لحكومة الوفاق الوطني”
     مع الاستيلاء على سجن الهضبة ، ظهر حكم الميليشيات الأربع الكبيرة في طرابلس وهي قوات التاجوري والككلي وكارة إضافة إلى كتيبة النواصي . وظل عدد من التشكيلات المسلحة الأصغر التي كانت مرتبطة بشكل وثيق مع واحدة على الأقل من هذه الميليشيات الأربع الكبيرة نشاطا في وسط طرابلس ؛ وتشمل الأمثلة البارزة على تلك التشكيلات قوة العمليات الخاصة ذات القيادة من مصراتة ، وكتيبة باب تاجوراء من سوق الجمعة .. وفي غرب وجنوب العاصمة ، حافظت الميليشيات الأربع الكبيرة على علاقات ودية مع كتيبة 301 ذات القيادة من مصراتة  في جنوب طرابلس .. ( وفرسان جنزور ) فيما يسمى المنطقة الغربية .. وكانت منطقة تاجوراء الواقعة في شرق العاصمة المنطقة الوحيدة التي ظلت تضم تشكيلات مسلحة ذات موقف غير واضح أو عدائي تجاه الميليشيات الأربعة.. وبحلول مايو 2017 ، تم تقسيم وسط طرابلس بما يضمه من مؤسسات الدولة والمصارف والشركات والمطار الوحيد العامل في العاصمة بين أربع تشكيلات مسلحة كبيرة ، بصورة تتناقض بوضوح مع الوضع السابق ، الذي تنافست فيه مجموعة كبيرة من التشكيلات بشكل مباشرة من اجل النفوذ . وهذا الخليط المعقد من جوانب النفوذ المتعارضة ترسخ بشكل متزايد بصورة مناطق منفصلة ومحددة بوضوح تحظى فيها تشكيلات مسلحة معينة بالسيطرة الحصرية .
      الاقتصاد السياسي لكارتل ميليشيات طرابلس منذ أوائل عام 2017 ، وضع هذا الترسيخ أساسا لعمل الكارتل . وعلى الرغم من وجود توترات بين الفصائل الأربعة ، فقد اظهروا تضامنا مع بعضهم البعض عند وقوف التشكيلات المسلحة في وجه سيطرتهم على المناطق. وضمن المناطق الخاضعة لسيطرتها ، فقد أحكمت الميليشيات الأربع ، بصورة لم يسبق لها مثيل ، قبضتها على الأصول الاقتصادية ومؤسسات الدولة )راجع الخريطة 3 .. في حين أن هذا التطور قد حسّن الوضع الأمني بالنسبة للمواطن العادي ، فقد وقف أيضا في وجه مجموعة متزايدة من القوى المتنفذة التي تسعى للوصول إلى مفاصل إدارة الدولة والموارد الاقتصادية المرتبطة بها.
     أساس التغير الاقتصادي لميليشيات طرابلس .. توسعت التشكيلات المسلحة التي هيمنت على الدولة منذ عام 2018 بصورة تتنافى مع موازنات الدولة المخصصة لها ، والتي استنفدت. ويؤكد المسؤولون الأمنيون والقادة أن الأموال التي تحصل عليها تشكيلات مثل قوة الردع الخاصة أو كتيبة النواصي من وزارة الداخلية لا تستطيع تفسير التوسع السريع منذ عام 2016 ، فقد قامت جميع الميليشيات الأربع الأكبر في العاصمة ، وخصوصا قوة الردع الخاصة بالتجنيد من بين ضباط مخابرات النظام السابق ، وشراء معدات جديدة باهظة الثمن ، ودمج عناصر بأعداد كبيرة في المناطق التي سيطرت عليها.
    وتعتبر التغيرات في أنماط تمويل التشكيلات المسلحة أمرا أساسيا لفهم التوسع في المناطق بالنسبة لميليشيات طرابلس ، إلى جانب أدوارها المتزايدة . فالأرباح الناجمة عن سيطرة التشكيلات على المصارف خلال الأزمة المتفاقمة كانت مهمة على وجه الخصوص. وإلى حد معين، فإن توسعها كان مدعوما ذاتيا ، لأن السيطرة على فروع المصارف الجديدة وفر قدرا أكبر من الوصول إلى الموارد . علاوة على ذلك ، ومع اختراق التشكيلات المسلحة لإدارة الدولة والقطاع المصرفي ، فقد أصبحت أكثر توغلا وبشكل متزايد في الشبكات التجارية والسياسية . وعلى حد قول قائد سابق في قوة الردع الخاصة ، والذي انتقد هذه التطورات ، فإن: “ميليشيا ما تعمل حاليا باعتبارها جهاز مخابرات وقوة أمن تابعة للدولة ، وشركة أمن خاصة ، ومزود خدمة للناس العاديين ، وكل هذا في الوقت نفسه.  وعندما لم تعد هناك حدود لصلاحياتك ، فإن هذا الأمر يصبح مشكلة”.
      تراجع تمويل الدولة في عصر طفرة التشكيلات المسلحة في ليبيا بعد الثورة ، من عام 2012 إلى أوائل عام 2014 ، كان المصدر الرئيسي للتمويل هو الميزانيات المخصصة لهذه التشكيلات من وزارتي الدفاع والداخلية ، وكذلك رئاسة الأركان - بما في ذلك من خلال مؤسسات المظلة مثل اللجنة الأمنية العليا ، أو قوة درع ليبيا .. ولم تغطي هذه الأموال رواتب أفراد الميليشيات وحسب ؛ فالأهم من ذلك أنها ، ومن خلال تضخيم الرواتب والنفقات التشغيلية إلى حد كبير ، أتاحت الفرصة لقادة الميليشيات وحلفائهم السياسيين لجمع الثروات، والتي تم إعادة استثمارها جزئيا في الأسلحة الثقيلة وغيرها من المعدات التي تحتاج إلى رأس مال ضخم .
         2014 عطل الترتيبات التي دعمت هذا النمط من التمويل . ورفض المصرف المركزي مطالب التشكيلات على كلا جانبي الانقسام بالحصول على ميزانيات جديدة . في حين استمر المصرف في البداية في دفع الرواتب على أساس كشوفات الرواتب الموجودة ، فقد تم تقليصها تدريجيا خلال عامي 2015 – 2016 ، مع إدخال الرقم الوطني بهدف التقليل من ازدواجية دفع الرواتب لنفس الأفراد. أدى هذا الأمر إلى تضاؤل الموارد المتاحة للتشكيلات المسلحة . والمخططات التي استخدمها المسؤولون في حكومات الحاسي والغويل للاستئثار بأموال الموازنات غير المنفقة أو الشركات التابعة للدولة يمكنها فقط تعويض جزء من الخسائر التي تكبدتها التشكيلات المسلحة نتيجة هذه التطورات. ونتيجة نضوب تمويل الدولة ، بحثت التشكيلات المسلحة عن طرق أخرى لتمويل نفسها. فارتفعت عمليات الاختطاف في طرابلس خلال عامي 2015 و 2016 ، حيث كانت الغالبية العظمى لهذه العمليات ذات دوافع مالية.. وخلال نفس الفترة ، ظهرت “الإتاوات مقابل الحماية” حيث فرضت التشكيلات المسلحة “ضرائب” على الأسواق المحلية أو المؤسسات التجارية مقابل “توفير الأمن” . ومع مرور الوقت ، خضعت هذه الإتاوات للتنظيم : ففي منطقة أبو سليم ، على سبيل المثال ، قام المجلس البلدي بفرض ضرائب على التجار والمؤسسات التجارية زاعما أن هذه “العوائد” يعاد استثمارها في الأشغال العامة. ويقول السكان المحليون أن هذه الضرائب قد فرضها الككلي، الذي يملك علاقات وثيقة مع المجلس البلدي ويتحكم فعليا بالإيرادات الضريبية وتوزيعها.
     تعمل كتيبة 301 - التي ينحدر قادتها من لواء الحلبوص من مصراتة ، ولكن غالبية عناصرها ليسوا من مصراتة - في سوق الكريمية في جنوب غرب طرابلس. وهي تفرض ضرائب على كل قراج في السوق بقيمة ١٠٠ دينار ليبي في الشهر ، مما يجعل الإيرادات الشهرية تتراوح ما بين 500,000 دينار ليبي و 750,000 دينار ليبي ) 364,000 - 544,000 دولار أمريكي حسب سعر الصرف الرسمي .. ويحصل عناصرالوحدة الذين يقومون بدوريات في السوق على جزء من هذه الأموال كحافز ، وهو ما يضيف إلى الرواتب التي يحصلون عليها من وزارة الدفاع.. وقد أصبحت ممارسة متعارف عليها بأن تقوم مؤسسات الدولة الكبرى أو المرافق المملوكة للدولة ، بما في ذلك أبراج المكاتب في وسط طرابلس أو المؤسسة الوطنية للنفط ، بالدفع للتشكيلات المسلحة التي تتحكم في المناطق المحيطة بمرافقهم .
     استغلال الأزمة للازدهار منذ أواخر عام 2014 وما بعد ذلك ، استغلت التشكيلات المسلحة في طرابلس الفرص التي وفرتها الفجوة العميقة بين أسعار الصرف الرسمية وأسعار الصرف في السوق السوداء ، علاوة على نقص النقد المتزايد في المصارف. وفي كلتا الحالتين ، فإن تصرفات التشكيلات المسلحة عمقت بشكل كبير الأزمة التي استغلوها. ويكمن السبب الرئيسي لهذه الأزمات أولا وقبل كل شيء في انهيار إيرادات الصادرات النفطية من عام2013 وانقسام مؤسسات الدولة بين حكومتين متنافستين منذ عام 2014 . وهذان الأمران أديا إلى تراجع الثقة في الدينار الليبي .. ولم يشجع التضخم المتنامي الناس على الاحتفاظ بأموالها في المصارف. وتفاقم هذا الأمر بسبب الإجراءات التي شددت الخناق على الوصول إلى العملة الصعبة بسعر الصرف الرسمي من اجل الاستيراد ، إضافة إلى تنامي الشكوك بأن موظفي المصارف كانوا متواطئين مع عصابات الخطف.  وبسبب اختلاف سعر الصرف في السوق السوداء عن السعر الرسمي ، زادت فرص المخططات الاحتيالية. حيث يحصل رجال الأعمال ممن لهم علاقات جيدة على العملة الصعبة بالسعر الرسمي من خلال الحصول على اعتمادات مستندية لغرض الاستيراد ، ثم يستوردون كميات أقل مما أعلنوا عنه - أو لا يستوردون شيئا على الإطلاق - قبل مبادلة عملتهم الأجنبية بالدينار في السوق السوداء. وبالتالي أدى ذلك إلى استنفاد احتياطات ليبيا من النقد الأجنبي وزاد من تسارع انهيار الدينار ، وهو بدوره ما جعل الاحتيال أكثر منفعة. ووفرت بطاقات الائتمان الصادرة من المصارف الليبية الفرص للتربّح من الفجوة بين الأسعار الرسمية وأسعار السوق السوداء ، وإن كان على نطاق أصغر .
       أدت أزمات العملة والنقد المتزايدة إلى تنامي تدخل التشكيلات المسلحة في طرابلس في القطاع المصرفي ، وهذا بدوره أدى إلى تفاقم هذه الأزمات. وبدأت التشكيلات المسلحة بالتنافس على السيطرة الفعلية على المصارف ، من خلال القدرة على تهديد موظفي المصرف وحمايتهم من تهديدات الآخرين – من اجل الاستفادة من أنظمة بطاقات الائتمان وابتزاز الاعتمادات المستندية من مسؤولي المصرف . كما وضعت هذه المنافسات إطارا للصراعات بين التشكيلات المسلحة التي أيدت وعارضت المجلس الرئاسي.  ومع تزايد التوترات حول إمكانية الوصول إلى النقد ، سعت المصارف إلى الحصول على الحماية من التشكيلات المسلحة لتتمكن من إدارة توزيع النقد. وحققت التشكيلات المسلحة ربحًا مباشرًا وغير مباشر من علاقتهم الجديدة مع فروع المصارف. فالفروع تدفع للتشكيلات التي “تحرس” الفروع رسوما شهرية ، وبالتالي فإنها تكمل الرواتب التي يحصل عليها نفس رجال الميليشيات من وزارة الداخلية أو الجيش. كما فتحت السيطرة على توزيع النقد في المصارف للتشكيلات المسلحة بابا جديدا إلى السلطة والامتياز الاقتصادي . ففي حين واجه المواطنون العاديون الكثير من الصعوبات للحصول على رواتبهم ومدخراتهم ، كان عناصر التشكيلات المسلحة قادرين على سحب رواتبهم نقدا بمجرد وصول الأموال إلى المصارف . كما استفادت التشكيلات المسلحة أيضا من استخدام الشيكات ، والتي انتشرت بشكل متزايد مع تعمق أزمة السيولة. وبسبب حاجتهم الماسة للنقد ، فإن أهل طرابلس يوافقون على استبدال شيكاتهم بالنقد مقابل خصم يصل إلى حوالي % 20 من قيمة الشيك . وكان قادة التشكيلات المسلحة التي تسيطر على فروع المصارف يشترون الشيكات بسعر مخفض ثم يصرفون هذه الشيكات بقيمتها الفعلية. وأدى التأثير المتراكم لهذه الممارسات إلى تفاقم النقص في النقد بالنسبة للمواطن العادي. وفي نفس الوقت، يمكن للقادة توفير إمكانية وصول تفضيلية إلى النقد ، وبالتالي جعل أنفسهم رعاة لشبكات العملاء. لكن الأرباح المتحققة من خلال السيطرة على الوصول إلى النقد ، تعتبر ضئيلة أمام الأرباح الناجمة عن المخططات الاحتيالية التي تتضمن الاعتمادات المستندية . ففروع المصارف التجارية هي التروس الرئيسية في عجلة البيروقراطية التي تتحكم في منح الاعتمادات المستندية للوصول إلى العملة الأجنبية بالسعر الرسمي . ومنذ أوائل عام 2015 وما بعد ذلك، خفض المصرف المركزي كمية العملات الأجنبية المتاحة للاعتمادات المستندية وشدد الرقابة عليها تدريجيا. وفي عامي 2015 و 2016 ، أصبحت التشكيلات المسلحة في طرابلس مشهورة باستخدام القوة الغاشمة ، بما في ذلك اختطاف مدراء فروع المصارف ومسؤولي المصرف المركزي ، للحصول على خطابات اعتماد لشركات الواجهة أو المتواطئين معهم.
    منذ ذلك الحين ، تم زيادة المستويات الإدارية المطلوبة للموافقة على عملية إصدار الاعتمادات المستندية . وبعد تعيين المجلس الرئاسي لوزير اقتصاد في أبريل 2017 ، قام الوزير بتأسيس لجنة أخرى للموافقة على الاعتمادات المستندية أو رفضها ، على الرغم من أن المصرف المركزي ظل هو السلطة النهائية . . كما زاد ديوان المحاسبة المراقبة على الاعتمادات المستندية ، وأدت تدخلاته إلى تعليق المئات من هذه الاعتمادات خلال عامي 2016 و 2017 . بالتالي تتطلب الحصول على اعتمادات مستندية لأغراض احتيالية زيادة في التنسيق ضمن المؤسسات المختلفة وفيما بينها. وادى هذا الأمر إلى تشكيل شبكات إجرامية تعمل في النقاط التي تتقاطع عندها خطوط إدارة الدولة والجهات السياسية ورجال الأعمال المتنفذين والتشكيلات المسلحة. وعندما يفشل التنسيق ، تتبنى التشكيلات المسلحة وسائل أكثر قسرية . في إحدى الحالات ، قام قائد في كتيبة النواصي معروف باسم “الصندوق،” والذي يمتد نفوذه على منطقة تشمل برج بو ليلي المكتبي ومقر المصرف المركزي ، بزيارة مفاجأة إلى ديوان المحاسبة برفقة مدير فرع أحد المصارف. وخلال زيارته ، طالب رئيس ديوان المحاسبة برفع تعليق الاعتمادات المستندية الخاصة بالشركات المرتبطة بكتيبة النواصي. وأسفرت المشاجرة مع أفراد الأمن في الديوان إلى الاختطاف المؤقت لمدير الأمن في الديوان من قبل كتيبة النواصي.. الاعتمادات ظلت موقفة .. كما قام مجرمون أيضا باختطاف واحتجاز كبار مسؤولي المصرف المركزي ، بما فيهم مدير العمليات ، ومدير مكتب المحافظ . وعلى الرغم من هذه الضغوط ، يدعي المحافظ أن المصرف المركزي لم يرضخ لهذه الابتزازات.. ولم تكن الأطراف التي تشارك في هذه الممارسات مجرد تشكيلات مسلحة تستخدم القوة الغاشمة. فعملياتها قائمة من خلال شبكات معقدة من التواطؤ والمنفعة المتبادلة والإكراه. ويدعي بعض القادة – وليس هناك ما يدعو لعدم تصديقهم – بأن مدراء الفروع لم يكونوا دائما ضحايا في مثل هذه المخططات وكانوا في الواقع يتواصلون معهم لعقد مؤامرات من اجل الاعتمادات الاحتيالية. ورجال الأعمال المتنفذون في مختلف أنحاء طرابلس مرتبطون مع تشكيلات مسلحة معينة من أجل الحصول على الاعتمادات ، وبالمقابل ، فإنهم يعيدون استثمار حصة من الأرباح في هذه التشكيلات نفسها. وكانت هذه الشبكات أساسية في ظهور كارتل الميليشيات في طرابلس . فالمعرفة والعلاقات التي يتمتع بها رجال الأعمال المتنفذون والمشغلون السياسيون أعطت الميليشيات في طرابلس الفرصة للوصول إلى الموارد المطلوبة من اجل التوسع في مختلف أنحاء العاصمة.
    الاستيلاء على الدولة
      كانت عمليات الاحتيال واسعة النطاق من خلال الاعتمادات ، جزءا من توجه أكبر قامت من خلاله الميليشيات الكبيرة في طرابلس بتقسيم موارد الدولة فيما بينها. وإلى حد أكبر بكثير من ذي قبل ، أصبحت الأرباح المستمدة من الاستيلاء على موارد الدولة واختلاسها تتركز الآن ضمن مجموعة صغيرة من الجهات معظمها من طرابلس نفسها. وأصبح تأثير التشكيلات المسلحة داخل إدارة الدولة أكثر وضوحا الآن من أي وقت مضى منذ عام 2011 . والميليشيات الكبيرة المسيطرة على طرابلس ليست موالية للحكومة ، التي تخضع كليا لرحمة هذه التشكيلات المسلحة. وفي المقابلات التي أجريت معهم ، وصف القادة في التشكيلات المسلحة الرئيسية باستمرار حكومة الوفاق الوطني بأنها “واجهة” تتلقى أوامرها من الميليشيات. ودافع قيادي في قوة الردع الخاصة عن ممارسات الجماعة في اعتقال الناس أولا ، ثم الحصول على مذكرات القبض المقابلة من المدعي العام بقوله :
    “لا يمكن للحكومة اتخاذ قرارات. وليس السراج من يصنع قرارات السراج . وليس وزير الداخلية من يصنع قرارات وزير الداخلية. ولا يمكننا التصرف وكأن الحكومة في وضعية تسمح لها بإعطائنا الأوامر.” ويلعب الموقع الفعلي للمؤسسة دورا هاما في قدرة الجماعة المسلحة على ممارسة التأثير على تلك المؤسسة ، سواء عن طريق التهديدات المباشرة ضد كبار المسؤولين أو اختراق الإدارة. ولخص قيادي في كتيبة النواصي الوضع بقوله: “إذا سيطرت على منطقة ما ، فإنك تسيطر على الوزارات في تلك المنطقة ، وأنت تصدر القرارات
فيها.” ..  وتسيطر كتيبة النواصي وكتيبة ثوار طرابلس ، وقوة الردع الخاصة على مناطق وسط طرابلس التي تضم معظم الوزارات ومؤسسات الدولة الكبرى ، ومقرات الشركات المملوكة للدولة. ويعتبر قادة كتيبة 301 ، و هي أكبر ميليشيا ذات قيادة من مصراتة متمركزة في طرابلس ، الجهات الأكثر نفوذا من خارج طرابلس – لكن المناطق التي يسيطرون عليها تضم القليل من الهيئات الهامة.
     منذ عام 2011 ، أصبح ممارسة شائعة لدى التشكيلات المسلحة المتمركزة في طرابلس أن تقوم بتهديد المسؤولين من أجل تحقيق طلباتهم . لكن في السابق ، كان وجود تشكيلات مسلحة من مجموعة متنوعة من الخلفيات الجغرافية والسياسية كفيلا بإيجاد توازن في القوى ؛ فالمسؤولون كانوا يتمتعون بحماية أحد الفصائل من تهديدات الفصائل الأخرى ، وبشكل عام ، كانت منافع الابتزاز موزعة بين التشكيلات بشكل أكثر توازنا. ولكن في إطار الكارتل ، فإن الميليشيات الأربع الكبيرة تبتز المسؤولين كما تشاء .. ففي أكتوبر 2017 ، قام اثنان من قادة كتيبة ثوار طرابلس باختطاف وزير المواصلات لفترة وجيزة ، ولم يفرجوا عنه إلا بعد أن وافق على التوقيع على تحويل جزء من عقد ممنوح لشركة إيطالية بقيمة 78 مليون يورو لإعادة بناء مطار طرابلس الدولي إلى شركة مملوكة لرجل أعمال متنفذ من مصراتة .. وفي فبراير 2018 ، حاول أحد القادة دون نجاح يذكر ابتزاز مسؤول كبير في المؤسسة الوطنية للنفط لإجباره على توقيع عقد . وفي الشهر التالي ، أجبر نفس القائد المدير التنفيذي للخطوط الجوية الإفريقية التابعة للدولة على توقيع عقد تأمين لطائرات الشركة .. وقام رجال كل من الككلي ، وقوة الردع الخاصة ، وكتيبة ثوار طرابلس ، باعتقال كبار مسؤولي الخطوط الجوية الإفريقية في فترات مختلفة من عام 2017 ، واحتجازهم كأسرى لعدة أشهر من أجل الضغط عليهم لتعيين حلفائهم في مناصب كبرى في الشركة ، أو للحصول على خدمات أخرى . كما احتجزت قوة الردع الخاصة المدير التنفيذي للخطوط الجوية الرئيسية الأخرى التابعة للدولة ، وهي الخطوط الجوية الليبية ، لمدة ثمانية أشهر ، مخالفة أمر إطلاق سراح صادر عن المدعي العام . وفي النهاية أطلق سراحه في أبريل 2018 ، على الرغم من أن ثمن إطلاق سراح لا يزال غير معروف.  وكما هو الحال مع الاعتمادات ، فإن استخدام القوة من قبل التشكيلات المسلحة هو فقط الشكل الأكثر وضوحا لنفوذهم . كما أنهم يستطيعون الاعتماد أيضا بشكل متزايد على المتواطئين داخل مؤسسات الدولة. ومنذ تأسيس حكومة الوفاق الوطني ، فإن المناصب الأمنية العليا يهيمن عليها ضباط من منطقة سوق الجمعة في طرابلس ذات الصلات الوثيقة مع كتيبة النواصي ، أو قوة الردع الخاصة أو كتيبة ثوار طرابلس. وتشمل الأمثلة على هؤلاء الممثلين عبد الرحمن الطويل ، الذي لعب دورا رئيسيا في التفاوض على دخول المجلس الرئاسي إلى طرابلس وأصبح فيما بعد رئيس أركان الجيش ؛ وآمر الحرس الرئاسي ، نجمي الناكوع ؛ ووزير الداخلية عارف الخوجة ، الذي تمت إقالته في فبراير 2018 . لكن ومنذ ذلك الحين ، فإن إفادات من الموظفين والسياسيين وقادة التشكيلات المسلحة تدعي باستمرار أن الميليشيات الطرابلسية الكبيرة تضع عدد كبيرا من الحلفاء في المناصب الحكومية العليا أو المتوسطة. والغالبية العظمى من هؤلاء العملاء هم من طرابلس. وقد أفاد أحد الموظفين المخضرمين بقوله : “أنا ضد التفكير من منظور الجهوية . لكن هذه التشكيلات تملأ الوزارات بالطرابلسية . ولا يمكنك إدارة حكومة وحدة وطنية بهذا الشكل. ” ووزارة الخارجية من الجهات المتأثرة بهذا.
          تهديدات جدية على بقاء الكارتل . وقد حالت مجموعة من العوامل دون القيام بأي عمل عسكري ضد الكارتل . فقلة مختارة من أصحاب القرار من مدن مثل مصراتة والزنتان لهم مصالح في حكومة طرابلس ، ومعظم الأطراف في منطقة طرابلس تخشى أن يشكل الصراع المفتوح على العاصمة فرصة لحفتر لاكتساب موطئ قدم في المنطقة. لكن احتمالية الانهيار العنيف للكارتل تزيد بوتيرة موازية لقبضتها المحكمة الخناق على مؤسسات الدولة. ويبدو الآن أن التفاوض على تسوية تنظم السيطرة على المناطق التي تضم المواقع والمرافق الرئيسية في طرابلس قد يحول دون حرب أخرى على العاصمة.
التوترات ضمن الكارتل
    يقر قادة التشكيلات المسلحة التي تشكل جزء من الكارتل بتزايد التوترات داخل هذه التشكيلات وفيما بينها. فمن ناحية ، تخاطر الشبكات السياسية المحلية المتنافسة المترافقة مع كل واحدة من التشكيلات الأربع بجر الميليشيات إلى خصوماتها. ويشعر الككلي ، وقادة كتيبة ثوار طرابلس ، على وجه الخصوص ، بالقلق بشأن استثمار قوة الردع الخاصة في القدرات الاستخباراتية والمراقبة ، إضافة إلى دور أيديولوجية التيار المدخلي في توجيه أفعالها.  ووصف احد قادة كتيبة ثوار طرابلس قوة الردع الخاصة بأنها “تنظيم متطرف خطير” له أعين وآذان في كافة مؤسسات الدولة. ورغم اعترافه التام بنطاق النشاطات الإجرامية لزملائه من قادة كتيبة ثوار طرابلس ، فقد شدد على أن التهديد الذي يشكله التيار المدخلي أكبر بكثير.  وقال أحد مستشاري الككلي إلى أن المشكلة في طرابلس تكمن “مع هيثم التاجوري ، وكارة - وخصوصا كارة ، الذي يتغول”.  من الناحية الأخرى ، فإن الثراء السريع لبعض قادة الميليشيات يذكي نار العداوات بين القادة المختلفين في نفس الجماعة ، وبين هؤلاء القادة ورفاقهم السابقين في السلاح . وخلال المقابلات التي تم إجراؤها، عبر عدة قادة سابقين وحاليين في كتيبة ثوار طرابلس وقوة الردع الخاصة عن عدم رضاهم عما وصفوه بأعمال ابتزاز ونهب وثراء شخصي يقوم بها رفاقهم السابقون بكل وقاحة. وأشار العديد منهم إلى أدلة قدمها فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة بشأن ليبيا بأن التاجوري قد ابتز اعتمادات بقيمة عشرات ملايين الدولارات. وعبر رجل أعمال متنفذ كان متحالفا في السابق مع قوة الردع الخاصة عن قلقه بشأن السلطة المطلقة للميليشيات بشكل عام ، وقوة الردع الخاصة بشكل خاص ، والتي حسب أقواله ، اعتقلت العديد من الأبرياء في سجن معيتيقة التابع لها ، بمن فيهم رجال أعمال كانت تطلق سراحهم فقط مقابل فدية.
     لا تعتبر التشكيلات المسلحة في طرابلس تنظيمات ذات هياكل إدارية وقيادية صارمة. والقيادة الرئيسية والعناصر المؤسسون لتشكيلات مثل كتيبة ثوار طرابلس وقوة الردع الخاصة وكتيبة النواصي مرتبطون بروابط اجتماعية قوية تشكلت خلال نزاع عام 2011 ، وغالبا على أساس الروابط العائلية وروابط الجوار القائمة من قبل. وتربط الصلات الاجتماعية أيضا العديد من هذه التشكيلات ، مثل قوة الردع الخاصة وكتيبة النواصي من سوق الجمعة ، كما تربط قادة هذه التشكيلات مع رجال أعمال وسياسيين. . غير أن الصعود السريع لمجموعة من قادة هذه الميليشيات وتحالفاتهم السياسية المتغيرة تضع انسجام هذه التشكيلات موضع الاختبار. وغالبية أفراد هذه التشكيلات هم جنود يتبعون هذه التشكيلات طمعا في الرواتب وليس لأنهم يدينون لها بالولاء أو نتيجة الروابط القوية. ومع تفاقم الأزمة الاقتصادية على مدار السنوات الثلاث الماضية ، برزت ظاهرة البروليتاريا الرثة المأجورة في منطقة طرابلس الكبرى. فميليشيات الكارتل ومن تم استبعادهم من الكارتل يستطيعون ويقومون فعليا بالتجنيد من بين العناصر السابقين للتشكيلات المسلحة التي تم طردها من طرابلس. ويشمل المجندون الآخرون النازحين من شرقي ليبيا ، وجنود الطوارق والتبو من جنوب ليبيا ، ومقاتلين من تشاد. وظهور “بروليتاريا الميليشيات ” يزيد من احتمالية التغييرات المفاجئة والجذرية في ميزان القوى بين هذه التشكيلات .
تحالف المستبعدين؟
      حول طرابلس، يتزايد ويتنامى الغضب والسخط بين القوات السياسية العسكرية القوية المستبعدة أو غير المحظوظة حاليا في محاولاتها للوصول إلى مؤسسات الدولة التي يسيطر عليها الكارتل . تضم منطقة تاجوراء الواقعة في شرق العاصمة تسع تشكيلات مسلحة رئيسية كانت شاهدا في الغالب على تشكيل الكارتل من الهامش. وعارضت بعض هذه التشكيلات صراحة دخول المجلس الرئاسي في عام 2016  ، ونتيجة لذلك قام المستشارون الأمنيون للمجلس الرئاسي بمحاولات محدودة للتعامل مع مخاوف هذه التشكيلات. كما تدهورت العلاقات مع التشكيلات المسلحة التي تدعم المجلس الرئاسي بسبب قضية المعتقلين المحتجزين من قبل قوة الردع الخاصة في سجن معيتيقة. ويضم السجن حوالي 2600 سجين ويشتهر بالاعتقال التعسفي والتعذيب والوفيات في الحجز. وفي الوقت الذي قالت قوة الردع الخاصة أن هؤلاء السجناء كانوا “إرهابيين” ، فإن القادة في تاجوراء احتفلوا بهم باعتبارهم “ثوارا.”
     في يناير 2018 ، هاجمت كتيبة 33 من تاجوراء بقيادة بشير خلف الله مطار معيتيقة بعد أن قتلت وحدة تابعة لقوة الردع الخاصة اثنين من عناصر الكتيبة في غارة على أحد مواقعه في تاجوراء . ولم يحصل خلف الله، المعروف أيضا باسم “البقرة،” على الدعم المتوقع من التشكيلات الأخرى في تاجوراء. وصدت قوة الردع الخاصة هجومه واعتقلت العشرات من المهاجمين. وفي وقت لاحق ، اعترف المجلس الرئاسي بالتشكيلات المسلحة من تاجوراء من خلال إضفاء الطابع الرسمي على إنشاء “غرفة العمليات الأمنية المشتركة” . تم دمج وحدة خلف الله في جهاز الأمن المركزي. غير أن التوترات استمرت حول اعتقال قوة الردع الخاصة للمقاتلين من تاجوراء وتجاهل المجلس الرئاسي لهذه المنطقة الكبيرة. علاوة على ذلك ، فقد وجدت بعض الميليشيات الطرابلسية التي طردتها الكارتل من وسط طرابلس ملجأ مع التشكيلات المسلحة من تاجوراء.  وإلى الغرب من طرابلس ، تستضيف الزاوية مختلف التشكيلات المسلحة غير الراضية عن الوضع في طرابلس ولكن قدرتها على إحداث التغيير محدودة بسبب الصراع الكامن داخل الزاوية نفسها. إذا انضمت التشكيلات من الزاوية إلى العملية ضد كارتل طرابلس ، فإنها تخاطر بطردها من مدينتها من قبل المنافسين المحليين. والأهم من ذلك ، أن الزاوية تستضيف قوات كبيرة من صبراتة تم طردها بالقوة من تلك المدينة في أكتوبر 2017 ، مع تقديم المجلس الرئاسي لدعمه للمنتصرين من صبراتة. وشارك المقاتلون المنفيون ، الذين يعتبرون أنفسهم “ثوارا،” في محادثات مع الحلفاء المحتملين من تاجوراء ومصراتة بنية تغيير ميزان القوى في طرابلس.
     انسحب الجزء الأكبر من التشكيلات المسلحة من مصراتة تدريجيا من طرابلس بعد وصول المجلس الرئاسي . وغادر العديد من التشكيلات للانضمام إلى العملية ضد تنظيم الدولة الإسلامية ) داعش ( في سرت التي بدأت في مايو2016 . وعلى مدار السنة التالية ، غادر آخرون مع توسع الميليشيات المؤيدة للمجلس الرئاسي. أما التشكيلات التي بقيت فدخلت في ترتيبات مع المجلس الرئاسي أو كانت تدعمه من البداية. كما ألغوا الأسماء الأصلية لكتائبهم بشكل متعمد في محاولة لإخفاء حقيقة أن معظم القيادين في هذه التشكيلات - وبالتالي من يسيطرون على أسلحتهم الثقيلة ينحدرون من مصراتة . أكثر هذه الوحدات قوة كانت كتيبة 301 ، والتي انبثقت من لواء الحلبوص من مصراتة . وهذه الكتيبة إضافة إلى وحدتين ذات قيادة من مصراتة  - وهما كتيبة 14 ، والفرقة الأمنية 17 التابعة لجهاز الأمن المركزي تتمركز على طريق المطار. كما تسيطر الكتيبة 301 أيضا على مواقع استراتيجية في مطار طرابلس الدولي وعلى حدود ورشفانة.  في حين تعتبر الكتيبة 301 متحالفة مع كتيبة ثوار طرابلس ، فإن قوة العمليات الخاصة التابعة لوزارة الداخلية تعتبر وحدة ذات قيادة من مصراتة ومتشابكة بشكل وثيق مع كتيبة النواصي : فقد استوعبت رجال النواصي تحت مظلتها وتحافظ على تواجدها في مناطق وسط طرابلس التي تعتبر من مناطق كتيبة النواصي.
     في مصراتة نفسها ، فإن أطماع كارتل ميليشيات طرابلس أشعلت فتيل غضب عارم. فمنذ نوفمبر 2017 ، كانت هناك جهود متكررة لتشكيل تحالف من القوى للزحف نحو طرابلس. وبالكاد أدت تدخلات مسؤولي بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا مرتين - في ديسمبر 2017 ومارس 2018 -  إلى تجنب إطلاق هذه العملية. ومسألة ما إذا كان زحف القوات من مصراتة سيحصل في نهاية المطاف تتوقف جزئيا على جهود بعض السياسيين وقادة الميليشيات من مصراتة للضغط على المجلس الرئاسي للتفاوض على تغييرات في الترتيبات الأمنية في طرابلس. وفي أبريل 2018 ، طرح هؤلاء القادة خطة يتم بموجبها نشر قوة مكافحة الإرهاب ذات القيادة من مصراتة في طرابلس. وقالوا بأن هذه القوة سوف تشكل قوة توازن في مواجهة ميليشيات طرابلس الكبيرة ، وفي الوقت نفسه تعمل على تهدئة قادة في مصراتة يهددون بدخول طرابلس بالقوة. وحتى الآن ، لم يستجب المجلس الرئاسي للمقترحات . وفي 7 مايو، أصدر السراج قرارا صوريا بإعادة تسمية قوة الردع الخاصة باسم “جهاز الردع لمكافحة الجريمة المنظمة والإرهاب” . وإضافة إلى استيعاب نطاق أوسع من الاختصاصات في قوة الردع الخاصة وجعلها مؤسسة ذات صلاحيات وطنية ، أعطى القرار قوة الردع الخاصة تكليفا رسميا بمكافحة الإرهاب بدا وكأنه مصمم لاستباق خطة القادة من مصراتة لنشر قوة مكافحة الإرهاب في طرابلس. وفي مصراتة ، فإن هذه الخطوة تصب في مصلحة المجموعة المتزايدة من القادة الذين يسعون من أجل التحرك العسكري ضد ميليشيات طرابلس الكبيرة.
       عودة قوات مصراتة إلى طرابلس يعتمد أيضا على قدرة التشكيلات من مصراتة على التوصل إلى تفاهم مع الحلفاء المحتملين بشأن أي عملية. وإضافة إلى التشكيلات من تاجوراء وصبراتة ، فإن الحلفاء المحتملين يشملون قوات من ترهونة والزنتان . وترهونة اليوم هي المدينة الوحيدة في غرب وجنوب ليبيا التي يسيطر عليها تشكيل مسلح واحد. ولم يكن اللواء السابع ، المعروف عموما باسم “الكانيات” تقديرا للأخوة الثلاثة من عائلة الكاني الذين يقودنه ، معروفا فعليا قبل منتصف 2015 . ومنذ ذلك الحين ، سطع نجمه سريعا على مسرح الأحداث. ومنذ منتصف عام 2017 ، توسع الكانيات بقوة نحو ضواحي طرابلس. ومن المرجح أن تطالب
الجماعة بحق النقض بشأن الترتيبات الأمنية حول مطار طرابلس الدولي ، المتوقع إعادة فتحه في يونيو أو يوليو 2018 . كما يضم الكانيات مقاتلين من عدة تشكيلات مسلحة تم طردها من طرابلس من قبل الكارتل – وهم مقاتلون متلهفون على “الانتقام. ” وتشكيلات الزنتان أيضا أطراف معنية في الصراع لتأمين المطار الدولي ، بعد أن تم طردهم بالقوة من هناك في عام 2014 ، وخسارتهم لعدة مئات المقاتلين في هذا النزاع . ويقول القادة من الزنتان أن غياب قوات الأمن النظامية يقتضي عودة مقاتلي الزنتان إلى العاصمة لضمان أمن المدنيين الذين ترجع أصولهم إلى الزنتان .
    في عام 2014 ، هرب حوالي 000، 20 مدني إلى الزنتان ، مع عودة معظمهم إلى طرابلس خلال العامين الماضيين . ومنذ نوفمبر 2017 ، اقتربت تشكيلات من الزنتان طرابلس تدريجيا. وفي ذلك الشهر ، انتشرت قوات من الزنتان في منطقة ورشفانة ، جنوب غرب طرابلس تحت قيادة أسامة الجويلي ، الذي تم تعيينه من قبل المجلس الرئاسي كآمر المنطقة العسكرية الغربية. وفي مارس 2018 ، قامت قوة العمليات الخاصة بقيادة عماد الطرابلسي بتوسيع التواجد ذوالقيادة من الزنتان في المنطقة ، حيث تحركت ضمن نطاق بضعة كيلومترات من المطار الدولي . وعلى النقيض من القوة ذات القيادة من مصراتة والتي تحمل نفس الاسم في طرابلس ، فإن قوة العمليات الخاصة التابعة للطرابلسي تتبع للحكومة المؤقتة في مدينة البيضاء شرق البلاد ولا تعترف بسلطة المجلس الرئاسي. لكن في عملياته على أرض الواقع ، يبدو أن الطرابلسي قد تحالف مع الجويلي الذي يعارض حفتر بشدة.
      في محاولة لمنع المواجهة مع تشكيلات الزنتان ، قام المجلس الرئاسي باستيعاب الطرابلسي عن طريق تعيين نائبه كنائب وزير الداخلية. وبعد ذلك بوقت قصير ، انسحبت قوات الطرابلسي من مواقعها المتقدمة على طول الطريق الساحلي بين جنزور والزاوية. لكن تبقى مصالح تشكيلات الزنتان الأساسية في طرابلس بدون حل، ومن الواضح أن هذا التعيين بالكاد يلبي طموح هذه التشكيلات.
      كل هذه التشكيلات في منطقة طرابلس الكبرى منخرطة في مواقف وتحالفات معقدة فيما بينهم ، وكذلك مع المليشيات في طرابلس. وقد تفاوض القادة من الزنتان ومصراتة على شروط تفاهم من شأنه أن يغير السيطرة على المناطق في طرابلس. وعقدوا مراسم مصالحتين جمعت بين المدينتين ، سعيا وراء تحالف محتمل في طرابلس يحظى “بشرعية معنوية” . وحتى الآن ، لم تسفر هذه الجهود عن اتفاق بشأن نشر قوات كل منها وتقسيم النفوذ ضمن مناطق طرابلس. لكن ، وبسبب الاستياء من ازدياد سيطرة الكارتل على مؤسسات الدولة، فقد تزايدت احتماليات أن تقوم بعض هذه التشكيلات ببناء تحالف قوي يهدف إلى تغيير ميزان القوى في العاصمة بالقوة.
تهديد حفتر
      الخوف من أن يكون خليفة حفتر هو المستفيد الرئيسي من الحرب في طرابلس - وهو رأي تتشارك فيه على نطاق واسع التشكيلات في المنطقة - هو أحد العوامل التي ساعدت على تجنب التصعيد في العاصمة. وفي الوقت الراهن ، لا يملك حفتر أي قوات في منطقة طرابلس الكبرى. وأدى تقدم قوات الجويلي في نوفمبر 2017 إلى ورشفانة وعملياته ضد القوات الموالية لحفتر في المنطقة إلى إضعاف موقف حفتر في المنطقة الغربية. وعمليات حفتر السابقة في المنطقة الشرقية ، حيث قام بتهميش أو القضاء على الحلفاء السابقين تجعل من غير المرجح أن يقوم قادة الميليشيات في منطقة طرابلس بخوض حرب نيابة عنه. ولكن في وضع يمكن أن يؤدي فيه اندلاع حرب كبيرة إلى خلق تهديد فعلي على هؤلاء القادة، فإن البعض قد يكون ميالا إلى التحالف مع حفتر والسعي للحصول على دعمه. يقوم حفتر بهدوء بإعداد المشهد لمثل هذا السيناريو. فقد قام بإرسال ضباط إلى ترهونة وبني وليد والزاوية ، بهدف بناء قوات موالية ، رغم أن النجاح لم يحالفه كثيرا حتى الآن. وفي صبراتة وصرمان وغربي الزاوية ، يمكن لحفتر الاعتماد على عدة تشكيلات مسلحة ، وخصوصا التي يسيطر عليها التيار المدخلي. كما أنه يحظى بالدعم بين الحلفاء في الزنتان ورجبان . ووقوع حرب على طرابلس سيخلق مدخلا لهذه التشكيلات للدخول في النزاع ، مما سيمكن حفتر من حشد الدعم الشعبي وراء نيته المعلنة بفرض السيطرة “بقبضة من حديد.”
الخلاصة
     في عام 2018 ، يسيطر عدد صغير من التشكيلات المسلحة على ما تبقى من الدولة الليبية ومواردها في طرابلس ، إلى حد غير مسبوق في تاريخ العاصمة المضطرب في حقبة ما بعد القذافي . وتمتد هذه السيطرة إلى أبعد من ابتزاز المليشيات للمسؤولين الحكوميين. فالتشكيلات المسلحة في طرابلس تتطور وتتحول إلى شبكات إجرامية قوية تربط القادة مع السياسيين ورجال الأعمال المؤثرين وأصحاب المناصب الإدارية الرئيسية. ونطاق هذه السيطرة يشكل عقبات رئيسية أمام التقدم السياسي على المستوى الوطني. وستعاني أي حكومة جديدة ، بغض النظر عما إذا جاءت من خلال الانتخابات أو صفقة سياسية جديدة بين الأطراف المتنازعة في ليبيا ، من أجل فرض نفسها أمام النفوذ الواسع لهذا الكارتل . ومن الصعب تصور إنشاء حكومة وحدة فعلية أو تسليم سلمي للسلطة في ظل هذه الظروف ؛ وحكومة الوفاق الوطني ليست في وضع يمكنها من تسليم السلطة لأن السلطة في الغالب في أيدي الكارتل .
     قيام الكارتل بمنع القوى السياسية العسكرية المؤثرة من الوصول إلى مفاصل إدارة الدولة
يخلق وضعا خطيرا للغاية من المرجح أن يكون غير مستساغ حتى في المستقبل القريب. وطالما استمرت هذه الحالة ، فإن مخاطر اندلاع حرب جديدة للسيطرة على طرابلس ستستمر في التزايد. وساهمت الأمم المتحدة والحكومات الغربية في الحالة الراهنة ، من خلال تشجيعها للمجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني على الدخول إلى طرابلس تحت حماية ميليشيات مختارة ودعمها الضمني للتوسع العدواني لهذه الميليشيات في العاصمة. لذلك تتحمل الأمم المتحدة والغرب نوعا من المسؤولية عن النفود والسيطرة الحالية للكارتل . وفي غياب مشاركة الأمم المتحدة الجدية في التفاوض على ترتيبات أمنية أكثر استدامة في طرابلس ، فإن الانهيار العنيف للكارتل من الداخل أو تدميره من قبل قوى خارجية تعتبر احتمالات قائمة إلى أبعد الحدود. ولا توجد حلول سهلة للوضع الحالي غير المستدام. فالمجلس الرئاسي لا يحكم قوات نظامية قادرة على الاستيلاء على المواقع الرئيسية في طرابلس. والقوى التي يحكمها تفتقر إلى
المصداقية ؛ ولا ينظر إليها على أنها محايدة في الصراعات بين الميليشيات في طرابلس ولا يمكن أن تصمد في وجه هجمات أي من التشكيلات المسلحة في العاصمة. ووحدات الحرس الرئاسي المتمركزة في طرابلس - لا تزال قيد التأسيس بعد أن تم تأسيسها في أوائل عام 2016 - غير قادرة على تحدي أي من الميليشيات الكبيرة في طرابلس ، بسبب ضعفها العسكري وحقيقة أن تلك الميليشيات تسيطر فعليا على الحكومة. كان هذا الأمر واضحًا بشكل جلي عندما قامت القوات الموالية للتاجوري ، وكتيبة 301 بإجلاء الحرس الرئاسي بالقوة من مواقعه في ديوان مجلس الوزراء في وسط طرابلس ومطار طرابلس الدولي في مايو 2018 . وخارج طرابلس ، يوفر الحرس الرئاسي غطاء إداريا للميليشيات المحلية ، على نحو مماثل للمؤسسات الأمنية الليبية الأخرى . ومن المستحيل تقريبا تشكيل وحدات مدمجة قوية من القوى المحلية المتنوعة في الوضع الراهن ، حيث لا يوجد كيان سياسي قوي يمكنه أن يتمتع بولائهم . وقد أصبح من الواضح تمامًا أن حكومة الوفاق الوطني ليست صاحبة الرأي في قراراتها ولا تعتبر “حكومة وحدة” بأي معنى حقيقي للكلمة. وغلق الباب أمام فرص التكسب غير المشروع لا يقدم طريقا واضحة المعالم أيضا من أجل المضي قدما. وحتى لو كان من الممكن تخفيض التباين بين أسعار الصرف الرسمية والأسعار في السوق السوداء ، أو بين أسعار الوقود في ليبيا والدول المجاورة ، دون التسبب في المزيد من الأضرار الاجتماعية والاقتصادية وإثارة اضطرابات كبيرة ، فإن الطبيعة المركزية الشديدة للاقتصاد الليبي المعتمد على عائدات النفط والغاز سيستمر في إتاحة الفرص للشبكات السياسية لتحتال على الدولة.
       لذلك فإن الوضع الحالي يسمح فقط بحلول مؤقتة ومصممة لتفادي تجدد القتال وإعداد الساحة من أجل حل سياسي أكثر شمولية. ولكي يحدث التغيير، تتطلب الخطوة الأولى وجود جهود وساطة رسمية تحت مظلة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا ، وبدعم من الحكومات الغربية والإقليمية. وهذه الجهود ستؤدي إلى مزيد من الشفافية في المفاوضات المتعددة غير الرسمية والمستمرة بين الأطراف المعنية في منطقة طرابلس. وبصفتها وسيطا ، يمكن أن تقوم بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بصياغة حلول للتحديات العصية في طرابلس بطرق يمكن أن توفر أساسا لمقاربات طويلة الأجل لحل التشكيلات المسلحة. ولا يمكن تقديم الحلول مسبقا ولكن يجب أن تكون ناتجة عن المفاوضات نفسها. غير أنه من الممكن بناء الثقة بين الفصائل ذات الصلة من خلال عمليات النشر المشتركة أو المتعاقبة. ويمكن اختبار مثل هذا الترتيب في اثنين أو ثلاثة من المواقع الاستراتيجية في طرابلس قبل تعميمه تدريجيا في العاصمة إذا ثبت نجاحه. والهدف من هذه الترتيبات سيكون الانتقال من منطق السيطرة الحصرية على المناطق ، وبالتالي السيطرة على المؤسسات داخل هذه المناطق . إلى توازن في القوى تحول فيه الفصائل بشكل متبادل دون سيطرة أي منها على مؤسسات الدولة. وستكون مراقبة هذا الترتيب من قبل طرف ثالث – ومن المستحسن أن يكون بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا - ضرورية لنجاحه. وفي حال إحراز التقدم في المحادثات السياسية ، فمن الممكن توسيع نطاق هذه الحلول المخصصة لتصبح جهودا طموحة ترمي لكسر المصالح الفئوية وصهرها في وحدات مدمجة.