الاثنين، 18 سبتمبر، 2017

لا يا قائد ،، المهندس مش فاهم




      سنة ١٩٧٩م - على ما أعتقد - كان للقائد -رحمة الله عليه- زيارة للجنوب كما جرت العادة في الخريف من كل سنة ،، وكان يحرص على زيارة المشروعات الزراعية ، وكلما وجد مشروع زراعي ناجح يزداد زهواً وتقرأ الفرحة في عيونه .
كانت الزيارة لمشروع لَرْيَل ، كانت الذره الصفراء هي السائدة في دوائر المشروع ، بجانب دوائر الصفصفة لونها الاخضر الزاهي يتداخل مع لون الرمال الصفراء التي تحيط المشروع من الناحية الغربية والجنوبية ،، فعلا منظر يشد الأنظار ، المشروع كان بمثابة المكياج لوجه الصحراء المتجهّم .
      طاف رتله بالمشروع كالعادة وتجمع المسؤلين وكل العاملين في نقطة ليسلِّم عليهم ويحييهم ، كان ظمن المرافقين له المرحوم بشير جودة أمين الزراعة وعدد من الخبراء والمهندسين وبعض الأمناء ، ترجّل القائد ليصافح الجميع ،، ثم قال ،، أشكركم وأحييكم على جهودكم التي حوّلت الصحراء إليّ جنّة خضراء ،.......،
      تكلم بعده بشير جودة ، شكر القائد على الزيارة وعلى رعايته المستمر ، وأن شباب ليبيا يترجمون مقولة (( لا استقلال لشعب يأكل من وراء البحر)) ويعاهدوك على بذل المزيد من الجهد ، وخلال زيارتك القادمة انشالله سيكون المشروع أفضل مما عليه اليوم ،، كان هناك شاب إسمه عمر الترهوني ، يرفع في يده يطلب الإذن بالحديث فسمح له القائد بذالك ،،
     ليقووووووول مرحباً بك اخ العقيد في مشروع لريل ،،، ويضيف أنا لو عندي سلطة نحاكم من اتخد قرار انشاء المشروع في هذا المكان !!!؟
     ذهل الجميع من كلام الشاب الذي فاجأ الكل ،. تدخل بشير جودة بسرعة ليأخذ منه مكبر الصوت اليدوي ويقول يا قائد المهندس مش فاهم .... ، ليقاطعة القائد -- يا بشير عطيه المكبر ، أختلط الامر على الشاب فهو ليس بمسيس ولا يعرف باطن الأمور ولم يترك له المجال ليكمل كلامه ويوضح وجهة نظرة ، شعر بأنة قال شيئ لم بستسغه الحضور ، الحرس أقترب منه وشدَّة أعصابهم ،، أخد عمر المكبّر ليقول ، يا أخ العقيد انت تري في المشروع أخضر وزاهي لكنك لا تعلم عن الجهود والخسائر التي نتكبدها كل سنة لإبعاد الرمال الزاحفة على المشروع ، ومعالجة المياه الكبريتية بالمشروع ،،، هذا المشروع لا يصلح إلاَّ كمشروع نخيل فقط ، وسأله القائد عدّة أسئلة وكان في نفس الوقت يراقب في ردّة الفعل على وجوه بقية مهندسي المشروع وهي تعكس موافقتهم وإرتياحهم لكل ما قاله المهندس عمر ، سأل القائد مدير المشروع عن رأيه فقال ، يا قائد المشروع ممتاز وينفع لكل المحاصيل الموسمية ، مشكلة زحف الرمال مقدور عليها ،، التفت القائد لآمر الحرس وطلب منه أن يأخدوا أسلحتهم وأجهزتهم من أحد سيارات الاحتياط الخاصة بالقائد ، كانت السيارة ذات الدفع الرباعي من نوع (أُبل) Opel ، غير مصفحة ، وقال تعال يا عمر ، انت من اليوم مدير المشروع وبشير يصدر لك القرار وليك الحريّة في تغيير طبيعة المشروع كما تشاء ، وكل الإمكانيات المطلوبة ستوفر لك انت وزملائك الشباب ، وَسَلَّم له مفاتيح السيارة ، وقال .. سأزوركم كل عام ، عمَّ الذهول الجميع بمن فيهم المهندس عمر ، وبشير جودة الذي كان يردد حاضر حاضر يا قائد ، البعض توقع نهاية عُمَر بسبب الكلمة التي قالها ، بقية المنهدسون يهتفون وتكتسي وجوههم الفرحة ،،
     ودَّع القائد الجميع وغادر ،، نحو منطقة تسمى أُم العبيد في طريقه لسبها ، وهي منطقة غير مسكونة ، وكان بها معسكر يستخدم لتدريب بعض مقاتلي حركات التحرير الافريقية ،
     وكان مخطط أن نتوقف لاستراحة بالمنطقة ،، كانت الجلسة تحت شجر الطلح المنتشر بالمنطقة ،، عرّج القائد معلقاً على ما حدث وقال ،، كناّ نسافر من سبها لسرت ومصراتة في سيارات الشحن المتهالكة ، وكانوا يستريحون ويتناولون غدائهم تحت هذه الطلحات المطلة على منطقة المشروع ، كنت أنظر لهذه الصحراء وأتخيل صورتها لو كانت خضراء ، فالمشروع كان حُلمي ،، لكن كلام المهندس صحيح إن انسب شيئ لهذا المشروع أن يتحوّل لمشروع نخيل .
••••••
      أتذكر أن المهندس عمر الترهوني كان يفضِّل أن يحضر لقريتنا كل خميس قاطعا رمال زلاف إختصاراً للمسافة وثقتاً في السيارة المهداة له ، يتحدث عن خططه للمشروع وإنجازاته حتى تلك اللحظة ، وأن المرحوم بشير جودة قال له إن مهمته ثقيلة ، وفشله سيكون نهايته المهنية،
   تعوَّد أهلي علي حضوره الاسبوعي وتناول طعام الغداء معهم يوم الخميس قبل توجهه لسبها ، في أحد ايام الخميس يسأل الاهل بعضهم البعض لماذا لم يحضر عمر كعادته ، مرّت ساعات حتى خيّم الظلام وأعتقد الجميع ذهابه مباشرة لسبها ، في يوم الجمعة تم لاتصال بأهله للسؤال عنه فقيِل لهم انهم قلقون عليه ، تم الاتصال بأحد زملاءه ليؤكد سفره نحو سبها عبر زلاف ،، انطلقت السيارات الصحراوية تتقصى أثره حتى وقفوا على السيارة مقلوبة وعمر فارق الحياة بداخلها ، بعد سنة ونصف من مهمته التي كُلّف بها ،، تلقينا التعازي فيه كأحد أفراد العائلة ،، اللهم أغفر له وأرحمه وأغفر وأرحم للتاغية الذي لا يستمع لأحد ، ولا يقبل الرأي الآخر.
  
      القصة من الناحية الإنسانية جيدة لكن من الناحية التخطيطية تثبت عشوائية الخطط وعشوائية اتخاذ القرارات الاقتصادية وغيرها في لحظة انبهار.

ليست هناك تعليقات: