السبت، 8 يوليو، 2017

رائد فضاء يصف مشاهداته عن فزان





  
     إذا نظرتم معي الى صورة ليلية مأخوذة عبر الأقمار الصناعية لشمال افريقيا ، ستشاهدون بقعة داكنة كبيرة جداً ، مظلمة بشكل يدعو الى التساؤل .
       بقعة من الظلام الحالك تماثل في مساحتها حجم دول اوروبية مجتمعة ، ومن المريع هنا كيف ان أمّة تضم قرابة مليون إنسان تقطن رقعة من الارض تبدو على شكل فراغ من الفضاء .
          كانت الشمس حين تغرب تسحب معها مئات القرى الى ظلام دامس ، وتغرق مجتمعات سكنية بأكملها في العـُتمة ، وحتى المراكز الحضرية منها .. سبها ، براك ، مرزق ، اوباري . لم تكن ببعيدة عن تأثيرات هذا الظلام وبصماته .. وكان من الطبيعي أن ترى الناس يجوبون شوارعها ليلاً فلا يرون الأبنية على جانب  الطرقات .. لقد رصدت الكثير من الحالات وهم يلتطمون بالجدران اثناء سيرهم .
       أيادِ تتلمس الظلام .. عندما اتأمل وأعيد النظر .. تقفز الى ذهني المقارنة مع حياة القرى النائية في افريقيا ، وأواسط آسيا ، حيث لم تصل يد الحضارة والطاقة اليها بعد ، لكن بلادهم ليست فقيرة للحد الذي يسقطها من ركب العالم المتحضر .. انهم يقبعون على بحيرات من النفط ، ومحاجر متعددة المعادن تربت تحت اقدامهم الحافية .
      بإمكاننا ايضا أن نرى شواهد ابراج نقل الطاقة .. الجهد العالي .. وقد صارت اطلال هامدة .. وأعمدة خشبية مهشمة وبلا اسلاك ، ولا محولات .. المشهد شد انتباهي .. وبعد عودتي للأرض .. طلبت من زميل لي بقاعدة كيب كندي تفسير ذلك .. قال لي : ان ذلك حدث بسبب تفشي ظاهرة في بلادهم تسمى " التمشيط " .. لا ادري اسباب حدوثها ، ولا لأي نوع من عوامل التعرية تنتسب .. العواصف العاتية ، ام الامطار والسيول الجارفة .    
      وأضاف ..  لقد سقطت فزان في زمن العتمة .. وتعطل اقتصاد الناس وحياتهم مع توقف محطّات انتاج الطاقة وقد علاها الصدأ .. واختفت الأنوار ، وعادوا الى عهد اجدادهم ، يبنون منازلهم من الطين ، وزرائب القش ، وسعف النخيل ، ويستنيرون بفتيل الزيت .. اشبه بحياة العصر الحجري .. وبدأ الناس يستخرجون النحاس من الأسلاك التي كانت تنقل الطاقة الكهربائية من أجل مقايضتها بشيء قابل للأكل .
على كل حال .. ما شاهدته .. انها تقبع في حال العتمة الآن .. لكن للظلام محاسنه أيضاً !. الظلام يوفر قدراً من الخصوصية والحرية من الصعب نيلهما في مجتمع يراقب .. الخصوصية صعبة بذات الصعوبة التي تتوفر فيها الكهرباء للإنارة .. ومع ضبط التوقيت على ساعة الظلام .. يلتئم شمل العائلة حول ضوء شمعة خافت .. وتروي الجدات للأطفال قصص الاولين .. ومكابدة المتأخرين .. وسط اجواء رومانسية .. ومع الوقت .. سيتعودن حبّ العتمة ، والعيش والتعايش معها .. ورواية قصصهم عن الحياة في الظلام  .. وعن السير بصمت في ليلة مقمرة .

ليست هناك تعليقات: