الأربعاء، 3 مايو، 2017

خـــوُنـا .. مــن ويــن ؟؟



   مناسبة مرور أربعة وخمسون عاما، على إعلان التعديل الدستوري، والغاء النظام الاتحادي، تفضل الأستاذ ابوالقاسم محمود المنتصر مشكورا، وبعث لى من أرشيفه الخاص، بصورة من خطاب الملك ادريس رحمه الله، بمناسبة إعلان الوحدة الليبية، اقتطفت منه الفقرة الأولى:
 

   (مواطني الكرام: في هذه اللحظات التاريخية التي تمر بها امتنا المجيدة، وفى هذه المرحلة التي يجتازها ركبنا الصاعد.يسرني غاية السرور أن أعلن للشعب الليبي الكريم، انتهاء العمل بشكل الحكم الاتحادي، والبدء رسميا فى نظام الوحدة الكاملة، تطبيقا للتعديل الدستوري، الذى وافقت عليه المجالس النيابية والتشريعية بالإجماع .وانى لاحمد الله تعالى كثير الحمد، وأتوجه اليه بالشكر العظيم، والثناء الجميل على ما من به سبحانه وتعالى على من نعمة حتى شاهدت هذا الامل الوطنى الكبير.). وصورة من خطاب السيد محمود المنتصر رئيس الحكومة بالذكرى الأولى للمناسبة اقتطفت منه: (ان الوحدة ليست شعارا تردده الشفاه ولكنها رابطة مقدسة وان الواجب يحتم علينا ان نحافظ على هذه الوحدة وان نصونها وان نستمد من معانيها الكبيرة وعينا الوطني الذي يرتقى بنا الى مسئوليتنا الكبرى).
 

و الان.. أين نحن؟!
    أكثر من نصف قرن مضى على توحيد ليبيا، تغير العالم من حولنا، ما كان مستحيلا أصبح ممكنا، قوميات وشعوب وأعراق متناحرة توحدت، وعالم جديد يولد، لًا مكان فيه للضعفاء، والمثال الاتحاد الأوربي، يضم أكثر من 28 دولة، تتكلم 24 لغة رسمية، وتعداد سكاني يتعدى النصف مليار نسمة، وهو للعلم الجار المقابل لساحلنا الشمالي. والسؤال، اين نحن من كل ذلك؟ والجواب.. بلدا ممزق، يتجه بخطى سريعة نحو التقسيم، او بالأحرى نحو التفتيت، والأخطر ما يجرى فى جنوبه من تغيير للتركيبة السكانية تنفيذا لمخطط اقتطاع أراضيه وضمها الى بعض دول الجوار. لقد أدرك الآباء المؤسسون بحكمتهم واستشرافهم للمستقبل أهمية الوطن الموحد، بحصاد دماؤهم سلموه لنا، وبعين الغنيمة استلمناه، وباطماعنا فقدنا البصر والبصيرة، اختلطت الأوراق، ورحلت الحكمة، بأيدينا لففنا الحبل على أعناقنا، وسلمنا طرفه إلى غيرنا، استدعينا كل ما لدينا من أحقاد قديمة، ووظفناها فى تمزيق النسيج المتداخل للثوب الوطني.


وماذا فعلنا بانفسنا؟!
    (كاسك يا وطنى) مسرحية سياسية كوميدية، للفنان السوري دريد لحام الشهير "بغوار الطوشة" فى واحدة من فصولها اتصال هاتفي مع ابيه، من العالم الآخر: يا ولدى.. طمني شو صار فيكم؟ شو صار فى القضايا اللى استشهدنا من اجلها؟ فيجيب: يا ابى.. اطمئن، كل شئ طيب، ما ناقصنا الا شوية كرامة !. العالم العربى ما بقى فيه حدود إلا على الخريطة، اليمن صار يمنيين، ولبنان أربعة، وإسرائيل قطر شقيق . طبعا كان ذلك منذ 37 عاما عند العرض الاول للمسرحية، والآن لم يعد اليمن يمنيين هذا اذا بقى هناك يمن أصلا، والعراق حتى الان له علمين، وسوريا لم يبقى منها سوى ٧اغنية بلاد الشام أوطان، والسودان فى طريقه ليصبح سوادنيين، والحمد لله، الذي أكرم سيدنا ادريس بالرحيل، حتى لا يرى.. ماذا فعلنا بأنفسنا؟. وبوطن سلمه لنا موحدا، بتعديل دستوري، وافقت عليه المجالس النيابية والتشريعية بالإجماع، أصبح الان متعدد الرايات والحكومات والبرلمانات والوزارات والسفارات توزعت ولاءاته خارجه، وفقد القدرة على اتخاذ القرار.


خونا.. من وين؟
    على صفحات (ليبيا المستقبل) كتبت مقالة بعنوان "الوطن الذي كان ملء الكف”… قلت فيه: اننى انتمى لجيل محظوظ، جمع له الوطن فى كف. فى الخمسينات تعرفت على زملائي فى مدرسة سبها المركزية القادمين من كل أنحاء ولاية فزان، وفى القسم الداخلي فى معهد معلمين طرابلس، أقمت ولمدة ثلاثة سنوات، برفقة اكثر من الف طالب، قدموا من مدن وقرى ونجوع الولاية، وفى غابة سوانى بن يادم، اكتمل البدر، واجتمعنا البراقوة والفزازنة والطرابلسية، تحت خيمة كشاف ليبيا، لننشد معا: (ذاك نور يتلألأ فى سماء ليبيا *** ناشرا نشوة أنس فى الصباح والمساء)، وخرجنا للحياة العملية، كل منا يملك ثروة من الحب والمودة والرجال، ووطن رحب، اختزلت مفاتيح بيوته، فى مفتاح واحد، كانت ليبيا وقتها مقسمة إداريا لثلاثة ولايات، وفى القلب كانت بلد واحد.
بعد سقوط نظام سبتمبر، كان من ضمن الأفكار المطروحة، العودة للعمل بأول دستور، وبالفيدرالية كنظام، وقتها اتهم أصحاب هذا الرأي بالانفصالية، اليوم نحن فى حالة تقسيم فعلى، لا ينقصه سوى الاعتراف ورسم الحدود. الوطن الذى كان ملء الكف، يتم تفكيكه وتوظيف صراعاته الجهوية والإقليمية والقبلية، من اجل مكاسب سياسية ومالية، اختزل برحابته فى قبيلة، ومنطقة وتحول الى جذر معزولة متفرقة، جواز التنقل فيما بينها (خونا.. من وين؟!) سؤال سيرافقنا من الميلاد الى الممات، بل بعد الرحيل سنحتاجه للحصول على قبر، فكثير من الجبانات لا تفتح أبوابها الا لسكان المنطقة او القبيلة ولا مقابر للغرباء. المتفائلون يعتقدون ان التقسيم القادم، سيكون فى نطاق أقاليم ليبيا التقليدية الثلاثة، طرابلس، وبرقة، وفزان، ولكنهم حالمون، فالتركيبة السكانية الفريدة ظلت متماسكة، عبر كل الحقب بوحدتها، وهى مثل لوحة الفسيفساء، المساس بأصغر جزء منها، سيؤدى الى التفكك والانهيار الكامل، التقسيم القادم لن يقبل القسمة على ثلاثة، ولن يقف عند حدود الولاية، او المدينة،او الحى، او القرية، او العائلة، سيختفي الوطن برحابته، وسيحكمه قانون (خونا.. من وين؟!) الذي حل بين ظهرانينا واليكم بعض من نوادره. "خطف صديقى، وكان محظوظا، لان مكان الميلاد فى بطاقته الشخصية، هى نفس المنطقة التى يتبع لها الخاطفون، فأطلق سراحه، مع ضحكة ومربوحة يا حاج وساعد روحك" - "مع صديقى، أوقفتنا احدى البوابات،بعد النظر فى بطاقاتينا، قال لرفيقه: يا برهوم راهم هونى وغدامسى، لم يلتفت برهومى، ورفع يده الى أعلى بلا اية مبالاة ففتحت البوابة" - "فى القائمة الاخيرة التى تم تسريبها، لقرار وزير الخارجية بترشيح سفراء جدد، خصصت واحدة من الخانات عن المنطقة التى يتبع لها المرشح، الملفت انه لم يناقش احد من الحاضرين، صحة القائمة او عدمها، ومدى صلاحية المرشح للمنصب، بل ركز الجميع على جمع الأسماء لكل منطقة لمعرفة (خونا.. من وين؟!) واى المناطق الاكثر حظا" - وبالرغم من كل ذلك.. سيبقى الامل قائما.
_________
    * القوس اسم أطلقه الليبيون على هذا النصب التذكاري الذى أقيم كبوابة عبور للحدود الفاصلة بين اقليم برقة وإقليم طرابلس خلال الحقبة الإيطالية تحت حكم "بالبو" وكان يقع غرب بلدة العقيلة وشرق راس لاتوف ويقال انه بنى على أنقاض هيكل الأخوين فلينى عند ترسيم الحدودالفاصلة بين الإغريق فى شرق ليبيا والفنيقيين فى غربها.

 بقلم ابن هون .. الجفر
الأستـــاذ : المهدي يـوسف كـاجـيجــي

ليست هناك تعليقات: