الأربعاء، 3 مايو، 2017

مذكرات رحالة من فزان 1852 - ( 5 )



  
  

    الجبالي ابو نعجه اصله من الجبل الاخضر نواحي بني غازي .. كان رجل فقير ولا يملك سوى نعجة واحدة  ..  هاجر من ارض بنغازي .. الى ارض مصر .. وتبدلت احواله .. وصار شيخ ميسور الحال .
      وقعت كائنة الغزي بعضهم ببعض .. تناحروا .. واتى الملك المرحوم بونابرت .. حكم ملك مصر .. ركب الجبالي ابو نعجه عند مولى مصر .. وكان رجل صنديد في المحن وأوقات الفتن .. كان يصدق بالصحبة الى محمد على .. فلما خرج السلطان .. بعد اربعة سنين تولى محمد على باشا حكم مصر .. فأختار الجبالي ابو نعجه شيخ العرب عنده ..  وأكرمه غاية الكرم .. وصار الجبالي رجل كبير الشأن .. عالي المقام ..  وكسب من الدنيا الشيء الكثير .. والمال الوفير .. الان مات .. ابنه الحاج حسين حل شيخا مكانه .
     الجوازي اصلهم من بني هلال .. خرجوا من نواحي بر نجد .. دخلوا بر مصر .. ومن بر مصر الى ازنات .. ازنات من بر تونس .. ازنات الهلالي .. وطردوا من كل مكان ..  الان رهط منهم نواحي وادي سوف .. يسموهم اطرود  .. وأما اولاد زازي من الهلالي .. رجعوا نواحي بر المشرق .. وسكنوا ارض ريف نواحي البهنس .. قرب وادي سوف .. واما كبار الجوازي الان .. هم عائلة امطيريد .. ولم  يبقى من عائلة امطيريد سوى ثلاثة رجال ..  عبدالنبي وعبدالله وعمر ..  وهذا ما كان من امرهم .
        اردنا التوجه نحو بر مصر ، اهدى الينا الشيخ ابونعجه .. مئة وخمسين خيرية .. وعود من جياد الخيل .. واهدأ لنا ابنه احميد خمسون خيرية .. وأرسلنا الى كرداسه قرب الجيزة .. رحلنا ظهرا ..  تحفنا جبال الصوان والجير .. تسعة ايام حتى وصلنا الى ارض الجيزة ..  اتينا الجيزة .. بنيان الناس الاولين ..  ثلاثة ديار ، اهرامات .. احدهما صغير .. واثنان اكثر ضخامة منه .. بنيت باحجار صلدة ضخمة .. ونقوش الاولين .. قيل .. جبانة الناس الاولين .. نواحي شرق الجيزة ..  وفي ذلك الموضع مدينة يسموها بلسان الناس الاولين منفس .. جبانتهم غطاها الرمل .. لا يظهر منها الا بعض المطارح .. وقد راينا كتاب في مصر ونظرنا فيه .. قال ذلك الكتاب .. انه كان اول الزمان .. يفيض النهر .. ويصل لينال من بنيان معبد سلطان الناس الاولين .. ووصل فيض الماء نواحي ارض الفيوم .
       اما البحر الذي بأرض الفيوم .. حفره سلطان من سلاطين الاولين ..كان قبلها .. عندما يفيض النيل .. يخرب الارض والزرع والضرع .
      كان ذلك السلطان صاحب عقل وسياسة .. خفف فيضان النهر الجارف .. لأجل ان لا يتضرر احد من الرعية .. او تتلف مزروعاته وجهده  .. ولا يجرف الماء معبد السلطان .. وفي هذا المكان .. انتصر المرحوم نابليون بونابرت .. وقهر الغزاة .. واخذ مصر وترأس فيها ..  وقد اخبرنا رجل مدارس بالجامع الازهر .. انسان طيب صدوق .. مرابط  .. اسمه السيد محمد السمان .. عن دعوة المرحوم نابليون .. قال لنا : اتى بونابرت واخذ الاسكندرية ..  ثم زحف بجنوده ومحاله برا حتى وصل ارض الجيزة .. قرب الاهرامات ..  والتقى جيش الغزاة .. وهزمه ..  بعد حرب شديدة المراس .. غلبهم واخذ ملكهم ..  فلما غلب مصر  .. جعل مقربيه من اهل المدارس .. والزوي .. والمرابطين .. قال لهم اني اسلمت .. فأحبوه .. وأحبوا قوله ..  اقام صحبة مع شريف مكة .. وصحبة مع سلطان الحج .. وصحبة مع سلطان الهند .. ومحبة مع سلطان اسطنبول .. قال لنا : لو لم تحدث الدعوة في بر فرنسا .. وأخرجت الدسائس المرحوم  نابليون بونابرت من مصر .. خلف بديلا عنه جننار .. لكن الجننار الذي خلفه كان غافلا .. قليل فهم .. وكان سببا في خروج فرنسا من مصر .. ولو دام حكم المرحوم بونابرت مدة كافية في مصر .. لكان اخذ جميع بر العرب والعجم .. ولكان سببا في تحابب العرب والعجم .. وحلول الود بينهم .. لقد قالها لهم .. اني اسلمت .. كان رجلا شهما .. كريم وصاحب عقل ودراية بفنون السياسة  ..  وهذا ما علمنا من امره رحمه الله عليه .
     بلغنا " كرداسة " .. بلاد رائعة الملامح ..  هواءها طيب .. ثمر نخلها صنفه شهي لذيذ  .. افضل من ثمر بر مصر .. لا يعلى على ثمر كرداسة سوى ثمر سيوه والواحات .. وأيضا افضل من ثمر جميع بلدان حواف  النيل .
          قليل كسبهم للأغنام .. يزرعون الحمص ، والدلاع ، والقمح ، والدرة ، والفول .. تحيط بها ناحية الغرب .. والقبلة .. جبال حجرية .. وغرود رمل .. وقريب منها بنيان الناس الاولين ومقابرهم .. وقرب منها غلب بونابرت الغزو .    

     وصلنا الي كرداسة .. اقمنا وارتاحت جمالنا ، ثم ركبنا النهر وقطعناه الى ضفة بولاق .. ومن بولاق وجدنا انفسنا في عمق مصر .. استأجرنا بيت في وكالة قرب العجمين .. واستأجرنا  لزواملنا قرب باب المتولي .. ثم ارسلنا زواملنا الى  مولد السيد البدوي مع رجل محب لنا من اهل طرابلس .. فقد نالت مني الحمة .. وصرت مريض مرضا شديدا .. اقمت في مصر مدة .. الى ان حان  وقت الحج ..  وقد ضاق خاطري من شدة المرض والغربة .. وفجيعة فراق ابينا واخوتنا يلاحقني وجعها .. استأجرت جمل بسعر اربعمائة واربعين قرش .. حملت على ظهره قنطارين من الطعام .. مونتنا وعوين رحيلنا .. ومن مصر الى الحصوت .. اقمنا هناك ثلاثة ايام .. ثم ارتحلنا وتوجهنا نحو عجرود .. عجرود ماؤها مر المذاق .. اشبه بالحنظل .. لكن عربها قدموا لنا من ماء الغدير .. شربنا وارتوينا وتابعنا سيرنا ..  لكن الحمى زاد وجعها .. وأظن ان للماء ضلع ..  ولم تتركني تلك الحمة طوال سفري حتى مكة المكرمة .. وصلنا موضع يقال له " مغار شعيب " .. غابة من اشجار الطرفي .. بالليل .. اشتدت بي الحمة .. بتنا هناك .
     في جعبتي اثنان بندقية غدارة .. موشاة بالذهب .. اهداهم يوسف باشا مولى طرابلس لابينا .. احتازوا معنا يوم خروجنا من " قارة البغلة " ..  يوم مات ابي .. وعمي .. واخوتي .. سعر البندقية حوالى خمسمائة دور .. كنت اعلقها على الجدار امام عيني  ..  طوال فترة سكوني للحمة .. وفي تلك الليلة وقد اشتد بي المرض .. وكدت اغيب عن وعي ..  الرجل الذي استأجرنا منه واسمه الحاج عرفات .. تسلل الى حجرتي .. وسرقها ..  فلما استيقظت .. تفقدتها ولم اجدها .. صرخت  على الحاج عرفه وسألته .. قال لي .. سيكون خير .. وحشا لله لم اراها .. في الصباح .. قصدت كبير الركب المصري طرف محمد علي باشا .. اشتكيت له الواقعة .. فأرسل يطلب الحاج عرفه .. سأله عنها .. قال : حاشا فضل الله لم اراها .. لكني رأيت رجل من الفلاحين بالليل يتمشى قرب جمل هذا المغربي .. فقال له تعرف الرجل ؟  قال : اعرفه .. قال له : اذهب اليه واحضر معه .. ذهب اليه .. وعادا سويا .. سأله كبير الركب .. قال خير الله .. لم اسرق غداري هذا الرجل .. فما اتيت سيدي لأقصد الحج واسرق .. هذا شيء نكر .. باطل .. لكن كبير الركب ظل شاكا في قوله .. وارد ان يضربه بالعصى .. فلما رأيت ذلك الرجل يتوسل .. رق خاطري .. قلت له .. اترك الرجل وشأنه ..قد يكون ليس هو السارق .. ويلحقنا منه ظلم وذنب .. فان كان بها نصيب .. يأتي الله بها .. وان غاب النصيب .. فهي فداء لي .. وفداء لاهلي ..  ترك الرجل .  
       رجعنا واقمنا بمغار شعيب ذلك النهار ..  وفي الليل رحلنا .. جلب لنا العرب الغنم والسمن والعسل .. وأهل المكان مجرمين وقطاع طرق .. " حرايمية "  يلحقون بركب الحجيج العابرة .. وكل من تخلف منهم سرقوه .. اناس نحاف البنية ..وجوههم شاحبة .. يظفرون شعورهم كما النساء .. ويرطبونها بدهان السمن .. يرتدون شاشية صغيرة من القطن على رؤوسهم .. ومحرمة اشبه بالعبروق زينة نساء اهل بنغازي .. ينسدل على اكتافهن .. فيضيف لجمالهن جمال .. ولرقتهن انوثة .. ميسوري الحال منهم يجعلونها من الحرير .. والمعدمين يجعلونها من القطن .. تاتي من مصر والشام ومن بر الهند وبر اليمن ..  ملامح نسائهم ليست بالجميلات .. يسكنون اعالي الجبال ..  وفي مواطن العيون وتدفق الماء .. يزرعون القمح ، الدخن ،  اشجار الموح ، اشجار الارنج .
          سكان الجبال يفضلون قمحهم على القمح القادم من بر مصر .. في العادة لا يخلوا من حشرة القميل كما يقولون .
      ماشيتهم من الماعز صغير الحجم .. هيئته اشبه بالغزال .. سألت احدهم عن سر ذلك .. قال لي : عندما تسرح الماعز بالمراعي ..  تأتي اليها ذكور الغزلان .. فتأتي صغارها على صورة الغزال .. اما الغنم فهي قليلة الكسب عندهم .. كما الابل .. حال كل براري الصحراء بين مصر ومكة .
      تكثر اشجار الطلح بأشواكها الحادة في صحرائهم ..يجمعون بذور زهرها .. يهرسونها .. ويدبغون بها الجلود .. جلود البقر .. التي يعز عليهم دبغها .. وكذلك  بذر الخروب .. ومن جذور شجر الجداري يدبغون القرب المصنوعة من جلد الماعز .
         سلاحهم اكثره يشتعل بالفتيل .. يرتدون بأحزمتهم سكاكين على سمت الغنيمي .. يقال لها " جنبية " .. عرضها اربعة اصابع .. رأسها مدبب رقيق .. طولها ثلاثة اشبار .. وفي ايديهم يمتشقون الرمح .. ولطباعهم الشرسة .. تحذر قوافل الحجيج عند المرور بارضهم .. وجوه ضامرة ..  سيقان نحيفة ..  يجيدون العدو على صخور الجبال .
    حدثنا رجل منهم اسمه حسنان .. قال : غرب بدر وحنين جبل عالي من الرمل الخشن .. تنبت به حشيشه نادرة .. وذات يوم اتى الينا رجل من اهل الهند .. وأقام بيننا .. وصارت له صحبة مع اهل بدر وحنين .. ذهبت وإياه الى الجبل .. كان يقطف من تلك العشبه ويجمعه ..  سألته : قال لي .. فيها علاج العيون .. ترفع غشاوة العين اذا نزل بها البياض .. اسحقها ناعما .. ورش قليل من المسحوق بالعين المصابة .. تشفى .. اخذت انا الاخر من تلك العشبه .. وعملت بقوله .. وكانت ثمة امرأة تعاني بياض العين .. سحقت العشبة .. ورششت قليل منها على عينها .. فشفيت .. وصح ما قال الطبيب الهندي .. ومنذ ذلك الحين .. صرت امتهن علاج بياض العيون .. يأتي اليّ الناس من مطارح بعيدة .. يأخذونني الى حيث اهليهم وذويهم .. اعالجهم .
     قلت له : اريد ان تدلني عليها .. نعتها لي .. عرفتها ..  وعزمت في طريق عودتي من مكة .. سأقطف منها احمله معي .

ليست هناك تعليقات: