الأحد، 16 أبريل 2017

حدّث أبي قال – فاطمة غندور





    أنا عبد الله الزروق غندور، كنتُ صبيا لم أتجاوز الثالثة عشر من عمري أربعينيات القرن الماضي في واحتي براك بإقليم فزان بليبيا، أنهيتُ دراستي المقررة بالمدرسة الايطالية – العربية إذ تلقينا مع مواد اللغة الايطالية علوماً ورياضيات، مادتي اللغة العربية والتربية الإسلامية على يدي معلمينا محمد بن زيتون(*)، ومصطفى الأسطى(**) وقد جاءا من طرابلس لواحتنا براك المركز الإداري للإقليم وقتها، والتي حج إليها طلباً للعلم ومحو أمية تلاميذ وتلميذات واحات مجاورة.
    أتذكر صويحباتنا التلميذات ينزلن من سيارة عجيبة خُصصت لأحضارهن ، تلميذات واحة «أدري» يلتقين عند مدخل مدرستنا مع بنات واحتنا وصفنا: مهاره عبد النبي، وأمنة ددو ، والشقيقتان أمباركة ومبروكة عبد الوهاب.
   في مدرستنا ألبسونا الزي الخاص (مريلة) وحُضرت لنا وجبة في الاستراحة، وخرجنا رحلات للغابة القريبة المليئة بالنخيل، كنا وقتها نعتبرها كشفاً إذ لم يُتح لنا أن نُغادر مُربع الواحة، ومُنحنا شهادات التخرج، وبعضنا حصل على تكريم لتفوقه. كانت واحدة من عُملة «دورو» التي جرى تداولها ، وحين ودعنا الصف رجعنا نتردد على شيخنا بالمحضرة (زاوية الكتاتيب) التي تقع بناحية من الجامع فقد كان بعضنا يُعد نفسه معلما للقرآن، وكما كنا نسوح عملاً رفقة أهلنا عند نخيلنا وشياهنا، لاحقاً دراستي في المحضرة ستفيدُني عند انتقالي لطرابلس إذ وظفني الشيخ محمد الماعزي في زاويته بالظهرة.

رجل المقاومة : الشريف الذهبي

    في أوائل الاربعينيات (1943) كان مجيء الفرنسيين لإدارة فزان قد ألقى بظلال قاتمة كئيبة ساعة استعمروا الواحة عقب المحتلين الإيطاليين إذا بادروا بمعاملة تعسفية وزرعوا الرعب في كل أنحاء الواحة.
    كان أبي الزروق قد علم بسجن ثلاثة من رفقته تُهمتهم أن جرى كشفهم ساعة ردموا سلاحهم في مخبأ بأطراف الواحة وقد اكتشفتهم عيون وبلغت عنهم، وأُعلن عن عقوبة قاسية هي الإعدام لمخالفتهم الأوامر بعدم الاستجابة لنداءات لم تكف لتسليم الأسلحة، مازال مشهد دموية الانتقام من رجل المقاومة: «الشريف الذهبي» ماثلاً أمام عيني ، حكى والدي عن وفد تألف من شيخ الواحة وبعض رجالات الأحياء الأربع لبراك (الزاوية، المصلى، القصر، العافية) إذ عرضوا فدية بمقابل أطلاق سراح «الذهبي» لكن مسؤول السجن رفض رفضاً قاطعاً معيداً عليهم أن لا فصال في معاقبته، من استطاع مقابلة «الذهبي» نقل وصيته بعد أن وصف روحه المعنوية العالية، والتي تمثلت في جملة واحدة بما فحواها: «أنا لا أخاف الموت، فقط أحسنوا دفني»، وكأنه أحس ببشاعة ما سينفذه الفرنسيون من تعذيب جسدي يومي سجنه ثم التمثيل بجثته، وكانوا عقب إعدامه أخرجوا الأهالي ليشاهدوا درساً لهم بأن لا يتجرؤوا على مخالفة الأوامر.
    كان والدي يوم أُعتقل «الذهبي» قد حملني حبات من التمر وجرة ماء واستطعت الإفلات من مراقبتهم إذ ظنوا أنني اتمشى لاهياً، ومع اقتراب ظلمة الليل دفعت باب سجن « دار قوزايا»  وكان من سعف النخيل، ودخلت عليهم وبلغتهم سلام والدي وأمانته، أتذكر أنهم كانوا صامتين، وبادرني الشريف الذهبي وربت على كتفي واحتضنني ثم دفعني بعدها مشيراً بيده إلى أن أغادر سريعاً. سرقتُ النظر إليهم متعجلاً فوجدتهم يناولون بعضهم ذلك الزاد.
   في الواحة أخذ المحتلون من الجنود الفرنسيون راحتهم في الحركة والتنقل صباح مساء، وفي استباحة لكل بقعة غير مُراعين لحرمة بيت أو حياض الزرائب والحظائر وجداول الزرع ما عمرت ببعض من الخضار التي اعتاش الأهالي منها فقد تقاسم الفرنسيون كما الطليان جبراً محاصيل أهالي الواحة.
   حين كُنا وجيراننا في بعض الليالي نفترشُ الأرض ويظللنا قمر الصحراء تحمست راوية الواحة «زينب بارينا» وبدت تُشيد بشجاعة شقيقتي الكبرى«نفيسة» التي غابت عنا يومها تحسباً لغضب أو ملامة منا أخوتها أو من زوجها، أو ربما لاعتبارٍ مُجتمعي مُحافظ ،فقد سربت قريبةٌ للخالة «بارينا» الخبر، وكيف حملت شقيقتي منجلها وتصدت لأحدهم إذ باغتهن المتسكع الفرنسي مُتحرشاً وهن يجمعن حبات التمر المتساقطة (النفيض)، وقد صاحت أحداهن: «يا بنات.. ألحقن ..تعالن.. ما تباعدن».
جرت «نفيسة» فقد كانت أرشقهن حركة، وخمنت أن الصراخ إشارة إلى ملمة وأمر جلل مس رفيقاتها بغابة النخيل، حملت محشتها عالياً وما إن بان عليها ذلك الفرنسي، حتى صاحت فيه لاعنةً فعلهُ، فما كان منه إلا أن أطلق ساقيه للريح، ما حمس البنات المُرتجفات لرفع ما يقع بأيديهن من الأرض ورميه عقبه، وهنا قالت «بارينا» حمسنا فعل «نفيسه»، و لنا مع  بني هلال ميعاد هلموا لنُكمل السيرة.
(*) محمد بن زيتون: المعلم الرائد، والكاتب الذي نشر مقالات في جريدة «ليبيا المصورة» في نهاية الثلاثينيات وعمل رئيساً لوكالة الأنباء الليبية عقدي الخمسينيات والستينيات.
(**) مصطفى الأسطى: ظل معلماً بولاية طرابلس وهو والد الكاتبة والباحثة أسماء الأسطى.
(***) هي سيرة  غابت ولم تدون في سجلات الجهاد الليبي «مرويات الذاكرة الشفوية» ، ولم يُدرج أسماء هؤلاء الشهداء الأطال كما لم يطالب نظامنا السابق من فرنسا بتعويض عن حقبة من الاستعمار لجنوبنا مارست فيه السلطة الاستعمارية الفرنسية ضيماً وعسفاً على كل سكان واحات الجنوب.
   ابنة الجنوب 
فاطمة غندور 
 Fatma Ghandur
ربما تحتوي الصورة على: ‏‏شخص أو أكثر‏‏

هناك 3 تعليقات:

HASSN AGEL يقول...

السيد الذهبي علي محمد الذهبي اصيل ودان واخوته غير الاشقاء (محمد وحمد وأبوبكر ) هم سكان بنغازي الآن ...هاجر من السيد الذهبي ودان في عشرينات القرن العشرين

حسن عقيل الحمروني

فاطمة غندور يقول...

شكرا جزيلا للنشر استاذي الكريم ، هذه الواقعة سمعتها من والدي -رحمه الله - وانقلها كما رواها ، وكنت ذهبت الى مركز الجهاد وراجعت سجلات الذاكرة الشفوية لم اجد هؤلاء الثلاثة الذين اعدموا في يوم واحد ..( الشريف الذهبي ورفيقيه ) ..

عابدالقادر الفيتوري يقول...

شكرا استاذ حسن على الاضافة .. وشكرا استاذة فاطمة على هذه الرواية الغائبة .. وبصمات قلمك الدليق للتعريف بتاريخ طواه النسيان ..