الخميس، 13 أبريل، 2017

كتاب " ري الغليل " .. الحلقة السادسة



   ولا بنو المسلمين جامع قبل جامع قبا ، وهو لما خرج سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم من مكة وتوجه الى المدينة ، فلما كان في الموضع الذي يقال له وادي قبا ، فاول ما لقوه من اهل مدينة يثرب لقوه جوز بنات ساكنين في الجناين بقرب الموضع الذي سمي قبا ، فلما وصل سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الى قبا ، لقوه بنات النجار بطار في ايديهم وهم يغنون ويقولون :
يا مرحبا يا مرحبا .. بهلال هل في وادي قبا
ويا مرحبا بهلال هل واقبل الينا من تنية الوداع
فجود الفضل علينا .. ما دعا لله داع
فأول ما لقوه بنات النجار واول ما سلموا في مدينة يثرب لما اتى المصطفى إلا بنات النجار وضيفوه ونزل بالموضع الذي بني فيه الجامع الذي يسمونه جامع قبا ، وهوينا فيه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم واصحابه واول جامع في جميع الارض للمسلمين جامع قبا ومكتوب على حجر في اعلى باب جامع قبا ( هذا مسجد من اول يوم اسس على التقوى  ) وقداه بير من نواحي الغرب وهو قريب منه يسمونه بير الخاتم ، وهو سبب سموه بير الخاتم لاجل فيه خاتم سيدنا محمد ثلى الله عليه وسلم ، وكان مدلي رجليه في اسفل البير وفخده عريان ودايرين به جميع اصحابه ، ولما دخل عليه سيدنا عثمان بن عفان غطى فخده منه واستحى منه لاجل انه رجل كبير السن ، فقال له عثمان ابن عفان كيف تغطي فخدك عني وانا اريد انظر لحمك لاجل نستباركوا به ، فقال له استحيت منك لاجل انك رجل كبير السن ، واستحت منك ملائكة الرحمان ، فلاجل ذلك استحيت منك .
  وسمي ذلك البير بير الخاتم على طاح فيه خاتم سيدنا محمد ، واما بنات النجار فمذكور ومكتوب عند اهل المدينة من زارني ولم يزور بنات النجار لم تقبل منه زيارة ، واما مسجد قبا دايرة الجناين وفي ذلك الجناين النخيل والعنب والرمان والتين وجميع الغلة ، واما الماء الذي يسقون به الجناين يحفرون ابيار ويسقون على الجمال بالدلو ، وكاينه جنينة كبيرة وما كان في المدينة اكبر منها يقال لها الجيشية وهي فيها ست ابيار وعلى كل بير جوز من الجمال يسقون الماء دائما ، وحصرنا لها عام اتباع صيب ذلك الجنينة باربعين الف قرش ، وهي فيها النخل كثير والعنب وجميع الغلة ، وعندهم ثمر يقال له الشلبي يتباع عندهم الصاع بستون قرش وسبعون ، وكل صاع فيه ست عشر رطل ، وعندهم ثمر يقال له الحلية ، وثمر يقال له الوحشي ، وثمر يقال له الغزاب ، وثمر يقال له الطبون ، وثمر يقال له صوابع العلجية ، وعندهم عين يقال لها العين الزرقه ، فيقول انها اتى من بغداد مثل العين الذي في مكة ، وما سميت العين الزرقة إلا على اجل ذلك العين مرأة اسمها الزرقة ، فلاجل ذلك سميت العين الزرقة ، وكاين ما بين غرب وقبلة المدينة موضع في حطايا النخل يقال له جامع الاجابة ،  وهو كان سيدنا محمد لما يريد يدعو الله فيمشي في ذلك الموضع ، فإن الدعاء مقبول فيه ، وهكذا سمعنا من الناس بالمدينة والله اعلم ، واما في وقت اواخر الربيع واول الصيف يجيبون العرب شيء كثير من السمن والجبن الطري ويتباع الجبن من غير وزن ، ويتباع بالدانات ، واما الدهان يشري عندهم كيله يكيلوا بها السمن وهي فيها خمسة عشر وقت وكان في الوقت اربعين وقية وفي كل رطل ست عشر وقية وفي كل وقت رطلين ونصف وهي تسوى عندهم الخمسة عشر وقت ستون قرش وكان الدور الفنصيص في سنة ستون في المدينة باربعة وعشرون قرش ، ويأتي اليهم من بر نجد الغنم وهي غنم كلها كحل واوجوهها بيض وهي من غير قرون ولها معابيص كبار بالشحم وهي اغلظ من غنم برنا ، ويأتي الماء مار كثير من بئر نجد  ، واما عرب نجد عندهم الغنم والابل كثير وعندهم المهاري الملاح ولا يوجد في الدنيا احسن من مهاري بر نجد ولا احسن من خيلهم ولا اصبر من خيل بر نجد في الجري ولا يوجد الخيل الاصايل إلا في بر نجد ، إلا هم لطاف ليس مثل خيل بر الغرب ، وهم اقصر منهم واجود منهم ، وهم ياكلون لحم بعد ثمانية ايام ، فمن عنده جواد من خيل بر نجد فلابد بعد ثمانية ايام يطعمه لحم ويسقيه المرق ، واما عرب نجد فهم يلبسون مثل لبست عرب مكة والمدينة وسلاحهم بالفتيل ، ويرفعون الناس الاغنياء منهم جنبيات من الذهب ومن الفضة ، واما الناس الذي على قدر الحال يرفعون جنبيات من النحاس ويجعلون  من درعان الغنم اسباس ، ويجلون ذلك العظم الذي من دراع الغنم بالفضة ، ويجعلون له سلسلة من الفضة ويعلقونه مثل السبحة ويشربون فيه الدخان ، وهو حاجة عظيمة عندهم ،  واما السبسي الذي يشربون فيه الدخان يسمونه الغليون ويجعلون سقوف السباس من الحجر من الاجبال ، وهم ناس اجواد وهذا ما شهدنا من امرهم .
  ولكن قمنا بالمدينة وتوجهنا الى مكة ثانية ورجعنا الى المدينة وتوجهنا الى الصفرة والجديده مع رجل من اهل الصفرة والجديده اسمه درغام ، ونزلنا في داره في الصفرة ورحنا الى الجنان متعه فلقينا فيه اشجار الارنج والثين والموز والنخيل ويزرعون الجنة في الصفرة والجديده .. ومن الصفرة والجديدة توجهنا الى بدر وحنين ومن بدر وحنين توجهنا الى ينبع النخل ، وهو ينبع النخل فيه العيون كثير وفيه النخل كثير وهو البلاد الذي خرج منها مولاي ادريس الاكبر الذي مدفون في الغرب ، وهو الذي من ذريته مولاي سليمان ومولاي عبدالرحمان ، وهو خرج وهرب من ينبع النخل لما اتى اليزيد وغلب سيدنا الحسين وقتله بارض الشام ، واتى الى المدينة وغلبها وقتل خلق كثير من الاشراف وغيرهم ، فهرب مولاي ادريس الاكبر لما سمع باليزيد ابن معاوية ، واتى الى بلاد الغرب ، وناسب سلطان البربر بالمغرب الذي منه جنس بني مرين ، فأخذ بنت سلطان الغرب ثم مات السلطان فصار سلطان في موضعه مولاي ادريس الاكبر ومنه خرجت شرفة في بلاد الغرب ، واما هو اصل بلاده ينبع النخيل ، ومن ينبع النخيل توجهنا الى ينبع البحر ، واما ينبع البحر فهو بلاد على جنب البحر ولا فيه شيء من الغرس ، وظهر ينبع البحر من نواحي الغرب مآثر الناس الاولين وقصورهم وقلمهم على الاحجار ، وهو مرسى فيأتي اليه القمح من مصر والرز وجميع الحبوب ، وهو مرسى المدينة وما يوجد فيه اكثر من الدبان ، وهو فلا يقدر واحد ياكل الطعام من كثرة الدبان ، ونزلنا في دار رجل من اشراف ينبع اسمه السيد عبدالعالي ، وصرنا معه بالليل ، واخرج لنا كتاب  مكتوب فيه الغزوات امتع الصحابة والجاهلية ، وفيه غزوة يقال لها غزوة وادي السيسبان ، فنقلنا منه غزوة وادي السيسبان وهي هكذا :

قال ابن عباس رضي الله عنه ، صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة من الصلوات واستند بظهره الى حائط محرابه وهو يحدثنا ونحدثوه ، ويخاطبنا ونخاطبوه ، فلا يعلى كلامنا على كلامه ، ولا خطابنا على خطابه ، فإذا باعرابي قد اقبل علينا من البرية راكب على ناقة له قد اضناها السير بالليل والنهار ، فنزل من على ظهرها وربطها بفضل زمامها في صحن باب المسجد وقال السلام عليكم يا معشر النبوة ومعدن الرسالة ، افيكم محمد بن عبدالله المختار من خير خلف الله ، فقال له رجل من الانصار اما تنظر الى صاحب الوجه الاقمر والجبين الازهر ، فذلك سيد البشر ، فعرف بذلك الاعرابي ونهض وتخطى الصفوف حتى اتى الى النبي صلى الله عليه وسلم وقال : الصلاة والسلام عليك يا رسول الله ، فإني رجل من اهل مكة وكانت لي رجال وابطال فقام الدهر عليّ فأبكاني في رجالي وابطالي ، وتوجهت الى ارض اليمن امدح الرجال والابطال لعلهم يعطوني شيء استعين به على زماني ، فلما تعديت ارض اليمن فالهفني العطش ، فأتيت الى سارح من سراح الغنم فقلت له : هل عندك شيء من الماء فقال لي كأنك يا فتى من غير ارضنا ، وكأنك جاهل بنا ، كيف تطلب الماء في ارضنا ، فقلت له انا من ارض مكة ، وكان لي مال ورجال ، فقام الدهر عليّ فأبكاني في مالي ورجالي ، واتيت امدح مشائخ العرب لعلهم يعطوني شيء استعان به على زماني ، فرفعت عيني فرأيته قصرا عالي القرارة واسع المكانات وحول ذلك القصر ، فقلت لذلك السارح ما اسم ذلك القصر ، فقال لي القصر اسمه لرقم ومولات القصر اسمها حسن بنت منعم ، واما المضارب والخيام لملك من ملوك العرب الجاهلية اسمه العفريط ، وعنده سبعين محلة وفي كل محلة سبعون الف فارس ، وحكم على نفسه وارد ان يتجوز صاحبة هذا القصر ، فكل ما تطلب عليه من مال ورجال يأتيها به ، فقالت له لا اريد منك مال ولا رجال ، اريد منك ان تأتيني براس محمد وابن عمه علي ابن ابي طالب وانا اتجوزك ، فلما علم منها ذلك القول جمع جنوده ومحاله وها هو قادم اليك ، فلما علمت بذلك اتيت اليك واخبرتك صلى الله عليك وسلم ، فما اتم الاعرابي من كلامه إلا وابواب السماء قد فتحت وجبريل قد نزل وقال السلام عليك يا محمد ، العلي الاعلى يقرئك السلام ويخصك بالتحية والاكرام ، ويقول لك صدق الاعرابي فيما اخبرك ، ان هؤلاء العرب قد جمعوا لك اربعمائة الف فارس واربعمائة وعشرين الف فارس ، فإن سبقوك الى وادي السيسبان غلبوك وانتصروا عليك ، وان سبقتهم غلبتهم وانتصرت عليهم ، فقال اين بلال ؟ فاجابه بالتلبية ، فقال له اذن في الناس للجمع ، فركب بلال على صحن المسجد وقال : يا معشر خلق الله ورسوله ، اركبوا الى الجهاد ، فبادروو للنبي صلى الله عليه وسلم ، فاجتمعت القبائل على باب مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال لهم هل بقى في المدينة احد ، ، فقالو له ما بقي في المدينة إلا طفل صغير لا عقل له وإلا شيخ كبير لا جهد له ، فقال لهم القوم عبادون الاشجار اتوا باربعمائة الف فارس واربعة وعشرون الف فارس ولا كفتهم هذه الكثرة حتى اتوا بكبارهم وصغارهم ولا خلفوا ورائهم دنار ولا نافخ نار  ، وكيف نمشوا اليهم ونخلفوا حريمنا ، فقال اين بلال ، فأجابه بالتلبية ، فقال له اذن للناس من له حريم فليأتي به الى بيت رسول الله ، فأذن بلال يا معشر خلق الله من له حريم فليأتي به الى بيت رسول الله ولا يبقى في المدينة خلاف فاطمة الزهراء والحسن والحسين رضي الله عنهم ، فرحل النبي وجد السير اليوم الاول والثاني والثالث حتى الى ثمانية ايام ، فلما صلى صلاة الصبح فقال من يمشي ويكشف لي وادي السيسبان ويهنيني في رجالي وابطالي وله قصر في الجنة ، فنهض رجل اسمه الداهية الكبرى والمصيبة العظمى عمر ابن اميه الضمري رضي الله عنه فقال له ، نحن يا رسول الله ، فجد السير حتى دخل وادي السيسبان فوجد فيه قصر يحده السهل والوعر وتخت وعلى التخت قبة من الذهب وعلى اعلى ذلك القبة صليب من الذهب وتسعون كرسي من الذهب وكرسي في الوسط مرصع بالاحجار والزمرد الاخضر وعلى ذلك كراسي تسعون وزيرا وعلى ذلك الكرسي رجل  كبير السن وهم يستحلفون بالاصنام على قتل محمد وابن عمه على بن ابي طالب ، فرجع عمر ابن اميه ووصل الى النبي اليوم الثاني عند وقت صلاة العصر ، فصل وراء النبي صلاة العصر ، فالتفت النبي فلقاه ، فقال يا عمر ابن امية اخبرني بحقيقة الامر ، فاخبره بما راى في واد السيسبان ، فبكى النبي وبكت المسلمين لبكائه ، فقال اعلموا يا معشر المسلمين ان هذه الغزوة يشيب منها الوليد ويلين لشدتها الحديد ، فبكت المسلمين ، فأتى اليهم رجل اسمه خالد ابن الوليد وقال له سلملي عشرون الف فارس ناخذهم ونغلبهم ببركتك يا رسول الله ، فقال رسول الله اين بلال ، فأجابه بالتلبية ، فقال له اذن للناس للرحيل ، فقال بلال يا معشر المسلمين ويا خير خلف الله ارحلوا بارك الله فيكم واحسن اليكم ، فرحلوا المسلمين اليوم الاول والثاني وثالث ، فلما كان يوم احد  عشر دخلوا الوادي فباتوا بجنب الوادي ، ويوم اثنى عشر عند طلوع الشمس دخلوا الوادي وحطوا في وسط ذلك الوادي ، فرأى النبي جيش المشركين فعرفهم ، وراة العفريط جيش المسلمين فعرفهم ، وكان عند العفريط وزير اسمه الحلام يرى انه في المنام يسلم على يد رسول الله ، فقال له ما هذه القوم يا وزير ، فقال له انك تريد ان تقاتل محمد وعلي ها هم سبقوك ولقوك في وادي السيسبان ، فقال له العفريط هذه شردمة قليلة ليس يجوا مثل سراح الابل عندنا ، فقال له ما تنظر الى الشردمة القليلة فيها خالد ابن الوليد وفيها المقداد ابن الاسود وفيها الزبير ابن العوام وفيها عبدالله ابن مالك وفيها الرجال والابطال فقال له اذا تريد اذهب معهم فإني عندي غلامين لو امرت واحد منهم الى هذه الشردمة القليلة لأتاني برؤوس الذي طلبت مني حسنة بنت منعم .

ليست هناك تعليقات: