الأحد، 16 أبريل 2017

كتاب " ري الغليل " 1852.. الحلقة الثامنة





    فلما كان اليوم الثاني من الزاوية خلطنا الى مصر وكرينا بيت بقرب الفحمين مع رجل من اهل طرابلس يقال له الحاج سالم بن سالم ، وقمنا بمصر اربعة عشر شهر ، وكل يوم نمشوا الى الجامع الازهر نحضروا الدرس ، وتوجهنا الى سيدي عبدالله ابن ابي جمرة ، والى الامام الشافعي ، والحسن والحسين ، والست زينب ، وتفرجنا بمصر وهو بلاد مليحة وفيها جميع اهل الصنائع ، وفيها الملك المرحوم صاحب الفخر والثناء الذي اخذ بعقله وسياسته ملك مصر والسودان وزاد مكة ، وخرج الوهاب من المدينة واخذ بر المنار ، وجعل فيها بلدان وابراج مشيدة ، ولو ما جعلوا له الانجليز ناعورة حتى خرجت بينه وبين السلطان محمود فتنة ، لكان اخذ ملك وبلدان من بر الترك وزاد ملك طرابلس ، ، لان ابينا جعل معه صحبة وقال له محمد علي باشا رحمة الله عليه ، نحن نخرج الترك من طرابلس ونوليك يا عبدالجليل ملك فزان وطرابلس ونوصلوا النيل حتى ارض طرابلس وتكون جميع ملك بر العرب بيدنا ، ولكن لما علم بذلك الانجليز ، جعلوا ناعورة ، وصار بين السلطان محمود وبين محمد علي باشا فتنة ، وخرج ابراهيم باشا من الشام وخلف فيه جنود ومحال ، وسبب خراب الارض الانجليز ، فلولاه ما خرج بونابرت من مصر ، ولولاه ما صار فتن بين محمد علي باشا والسلطان ، ولولاه ما خرج الفتن في بر طرابلس ، ولا صارت الفتنة ما بين يوسف باشا واولاد ابنه محمد بي الدباح ، ولكن اوصيك يا قارئ كتابنا فلا تأمن من الانجليز ، لانهم ما يشتهوا إلا الفتن في جميع البلدان ، وان سبب خراب ملك المسلمين والروم إلا الانجليز ، وسنرجعوا الى ما خلفناه من امرنا ، فلما ارادنا ان نرجعوا الى سيوه ، ومن سيوه نتوجهوا الى تبو الى اخينا امحمد واعمامنا الساعدي وعمر ، جانا الخبر ما ما بقى من جنسنا إلا عمر ، وامحمد ، والساعدي ،والشيخ غيث صغير ، واحمد ، فدبر علينا ابن محمد بي الدباح ابن يوسف باشا وهو بمصر ، فقال الينا اذا كنت تمشي الى اسكندرية ، وتنسب روحك انك رجل تاجر من اهل الغرب ، وتركب البحر وتتوجه الى اسطنبول ، فتمشي الى السلطان ، لعله يردك الى بلادك ، فركبت ببحر المحمدية وتوجهت الى اسكندرية ،، فلما وصلت الى اسكندرية كرينا علية لخزن دار ، وقمنا بذلك العلية في اسكندرية ، فمرضت ذلك الحبشية الذي جبناها من مكة ، فخرج لها الجدري ، فماتت ، فدفناها بجبانة السيد المغاور ، وركبنا في البحر من اسكندرية ، وتوجهنا اسطنبول ، فاقمنا في البحر ست عشر يوما ، ودخلنا الى شان قلعة ، وتوجهنا الى اسطنبول وكرينا في موضع يقال له اسكي بزار ، فكرينا في خان فيه بيت ، وكن معنا شيء من العنبر ومن الاحجار اليماني وشيء من زيت القرنفل ، وشيء من عود القماري ، فأتى الينا رجل اسمه قاسم الجربي ، وشريك له يقال له سليمان الجربي ، فأخذوا ما عندنا من السلعة ، وكل من يسألنا نقول له من اهل الغرب ، ثم جعلنا صحبة مع رجل شامي من عكا يقال له الشيخ محمد العكاوي ، وكان يعرف يكتب بقلم الترك ، فكتبنا عرض حال الى السلطان عبدالحميد ، ووجهنا اليه العرض حال ، فأخذوا ارباب دولته العرض الحال ، وذكرنا في ذلك العرض اننا ننزلوا في الموضع الفلاني الذي قدمنا ذكره ، فلما قرؤا ارباب الدولة العثمانية ذلك العرض ، ارسلوا الينا بالليل وركبونا في البحر وارسلونا الى بلاد يقال لها طربزان ، فلقينا فيها ناس كثير محبوسين من اهل طرابلس ومشائخهم ، فلقينا الشيخ غومه شيخ المحاميد الذي اخذ كلام الانجليز حتى حصل ، ولو ما خذ كلام فدريك ابن القنصل الانجليزي ، لما حصل ، ولقينا الشيخ سلطان من ترهونة ، ولقينا الشيخ القمودي من غريان واولاده ، ولقينا ناس كثير من اهل طرابلس ، فنزلونا في ذلك البلاد الذي يقال له طربزان ثمانية اشهر ، وبعد الثمانية اشهر جعلنا ناعورة نحن ورجل كبير من اكابر الارناؤط ، وكرينا مع رجل قبطان من الافريق بستة الاف قرش نحن الاثنين ، ولبسنا الافريق وركبنا وخرج بنا ذلك الرايس وتوجهنا الى بلاد يقال لها تحطن علمي ، ووسق ذلك الافريق مركبه بالشعير ولوح ، وركبنا وتوجهنا الى مالطا ، فعملنا في البحر اثنى عشر يوما ، ودخلنا الى مالطا ، فجعلنا كرنتينة بمالطا اثنى وعشرين يوما ، فلما كملنا الكرنتينة ، دخلنا الى مالطا لابسين حوايج الافريق ، فاقمنا بمالطة ستة ايام ولا عرفنا احد خلاف رجل محب لنا  ، وقلنا له لا تقل الى احد اننا ها هنا ، ولا اتينا الى مالطا ، وركبنا من مالطا الى حرة ، واقمنا بجربة عند رجل محب لوالدنا اسمه الحاج محمد بن سليمان من اكابر تجار اهل جربة فرفعنا الى داره واقمنا عنده اثنى عشر يوما ، واخذنا جميع الخبر من احبابنا من اهل طرابلس ، وكتبنا ابريات واردنا الرجوع الى اسكندرية ، فلا اراد يكتب لنا الوكيل لاهل طرابلس التسريح ، وتوجهنا الى صفاقص من جربة في البحر ، واتيت الحاج علي الشريف ، وقلنا له نحن ناس من اهل الغرب ، ومعاشرين درنة ، ولكن كنا في بلاد اسطنبول تجار ، واتينا الى جربة ، فأردنا الركوب الى اسكندرية ، فلا اراد الوكيل الذي بجربة يكتب لنا تسريح ، فنريد من كريم فضلك وسياستك ان تكتب لنا التسريح الى اسكندرية ، فقال لي لم ادخل في هذه الدعوة وتوجه الى تونس اذا اردت التسريح ، فتوجهنا الى سوسة في البحر ، فدخلنا الى سوسة وهي بلاد مليحة وبها غرس الزيتون كثير ، وغرس الكرم والرمان ، وبها رجل يحكم يقال له خزن دار ، وهو ظالم متعدي وفاسد مثل السيد احمد  بي ، ومن سوسة توجهنا الى تونس في البر ، ومشينا على تيسية وهي صبخة يقال لها الجريبه ، ولما خرجنا من الجريبه اتينا الى بير من ابيار الناس الاولين ، وبحدا ذلك البير قصر وفيه رجل جربي ، فكل من اتى واراد ان يبات في ذلك القصر بالليل واراد ياكل او يشرب ، فكل ماره موجوده في ذلك القصر ، ومن ذلك القصر توجهنا الى تونس ، فلما مشينا شيء قليل من ذلك البير الذي يقال له بير البيت ، لقينا قصر الناس الاولين مقابل الحمامات يقال له قصر الزيت ، وهو قصر كبير وقريب منه احجار مكتوب عليها بقلم الناس الاولين ، وتوجهنا ودخلنا في غابة فيها اشجار الدروي ، ولقينا العرب يصطادوا في الخنزير في تلك الغابة ، ومن ذلك المكان دخلنا الى بلاد يقال لها تركي ، ومن تركي وصلنا الى حمام الانف وهو حمام ماء خارج من الارض وبقربه جبل يقولوا العرب ان هذا الجبل لما هرب عبدالله ابن ابي جعفر ببنت الملك من تونس ولحقوه جنود ملك الروم وارادوا ان يحكموه ، فركب ببنت الملك الى الجبل وضرب بسيفه الجبل فجعل في ذلك الجبل فلقه وخرج منها وهرب بنت ملك الروم الى القيروان ، ومن حمام الانف دخلنا تونس وكرينا بيت في وكالة الطارين ويقال لها وكالة الحنة  ، وهي ما ينزلوا فيها إلا الناس التجار ، ونسبنا اننا من اهل الغرب ، وقمنا بتونس نتفرجوا فيها وكل من يسألنا نفول له من اهل الغرب ، ولا علم بنا إلا رجل يقال له الشيخ الميلود ، وهو جبالي وكان وكيل الشيخ غومة ، ورفعوه الترك الى اسطنبول لما رفعوا غومة وحبسوه مع غومة في طربزان ووصل الى مالطة ومن مالطة توجه الى جربة ومن جربة توجه الى جبل يفرن وناض بالعرب وقتل القائد بالجبل ، ثم خرجت له محاة وقتلت ناس كثير من اهل الجبل ، وهرب وتوجه الى تونس ، فلما اتينا الى تونس سمع بنا فأتى الينا وسألنا من اين اتيت ومن اي بلاد انت ، فقلت له من اهل الغرب ، فقال الينا نحن نفتش على رجل عاقل نريد نجعله كاتب عندنا ، ولكن لما سمعنا بك وذكروك لنا بأنك رجل صاحب عقل وسياسة نريدك ان تقعد عندنا ، فقلنا له بعد اربعة ايام نردوا عليك الخبر ، فمشينا وسألنا رجل محب لنا واخبرناه بدعوتنا فقال الينا اذا كنت تسمع كلامنا فلا تخالط بن عياد ، وهو رجل شيطان وما صنعته إلا اذا سمع برجل عنده شيء من الدنيا يجعل له ناعورة حتى يخلطه ثم يرجع عليه ويحبسه وياخذ ما عنده ،وهو اخذ ناس كثير من اهل جربة وغيرهم ، وهو سبب خلاء وطن تونس ، وهو لا عنده صنعة ولا حكم إلا من سمع به انه عنده طفل جميل ارسل اليه واخذه من ابيه عصبا ويجعله مملوك عنده ، ولا يجامع إلا الذكور .
 واما صارت دعوة ونحن في تونس على قاضي راس الجبل ، فكان عنده اربعة اولاد جمال ، فسمع بيهم البي ، فارسل اليه وقال له ترسل لنا ولدين الكبار من اولادك ونجعلهم مماليك عندنا ، فأرسل اليه القاضي وقال له يا سيدي ما نعزوا عليك لا اولادي ولا مالي ، وانا واولادي ومالي لك ، وبعد ثمانية ايام نأتيك باولادي الاربعة فخذ منهم ما شهيته ، ففرح بذلك الجواب وقعد يستنى في القاضي لاجل يجيب له اولاده يجعلهم مثل النسوان ، فأخذ القاضي ماله واولاده وهرب بدار القنصل الانجليزي ، ومنعه القنصل ولا قدر البي يخرجه من دار القنصل ، ونحن لما خرجنا من تونس خلفناه ما زال في دار القنصل الانجليزي . واما جميع الرعية ليس يشتهوا البي ولو يأتي اليهم احد ويريد ياخد تونس فلا ينوض عليه بارود ، واكثر الناس هربوا من الظلم من تونس ، وسبب خراب ملك تونس إلا بن عياد ، وهو رجل سارق كذاب وما يشتهي إلا اخذ مال الناس ظلما ، ولكن لما اتى الينا الشيخ ميلود الذي قدمنا ذكره ، وهو جاعله بن عياد وكيل له على رحبة الغنم بتونس ، وقال لنا سيدي يريدك ، فقلت له غدا انشاء الله نتوجه اليه ، فمشينا الى الرجل المحب لنا الذي سبق ذكره واخبرناه ، فقال الينا اذا كنت تسمع كلامي تخرج من تونس ، ولو ما كان لم تخرج لعل يجعلوا لك ناعورة وياخذوك من تونس او يحبسوك ، فبتنا تلك الليلة ، فلما اصبح توجهنا  الى المركانطي وكرينا بغل باربعمائة وسبعون تونسي ، وركبنا عليه في ذلك اليوم وتوجهنا الى سوسة  ، فلقينا سوسة يبنوا لها في باب من نواحي البحرية ، وخرجوا بقرب سوسة تصويرة من ناس الاولين ، وجعلوها قدام الباب بجانب البحر ، فأقمنا بسوسة يومين ، واما سوسة خارج البلاد نواحي الغرب مرابط اسمه ابوجعفر ، فكان اهل سوسة بعد سبعة ايام  يخرجوا جميع اهل سوسة نسوان ورجال ويجعلون فيه حضرة وعرس بالليل ، وناس كثير ما يمشوا إلا على اجل النسوان ، وداخل البلاد مرابط يقال له سيدي ابو راوي ، فكان كل من يقتل احد بسوسة او يسرق يهرب اليه فيمنعه ولا يقدر احد يخرجه منه ، وهذا شيء لا يصلحوا فيفسدوا على حكم السطنة ، ولا يقدروا على شيء ، واما هذا الشيء كله من عوايد الجاهلية مثل الحج بمكة وشيء كثير عند المسلمين اذا يكون رجل عنده العقل ويخمم فيلقى شيء كثير من عوايد الجاهلية ما زال عند المسلمين وعند الروم واما الرجل الذي ليس عنده عقل فلا يخطر بباله شيء ، واما الرجل الذي عنده عقل فهو يخمم شيء كثير ولا يخطر بباله شيء من اشياء كثيرة ، وسنرجعوا الى ما خلفناه من امر بن عياد انه اشتكوا اكابر تونس للسيد حسين وقالوا له كيف يكون بن عياد رجل جربة واصله ليس من ناس كبار ، فكيف يكبر ويصير حاكم علينا  ، واشتكت الرعية ، فلما علم بذلك بن عياد قال لهم انا اصلي رجل كبير من المحاميد من اكابر العرب من ارض طرابلس ، فأرسل بن عياد الشيخ غومه اولاد محمود وقال له اني اريد منك ان تكتب لنا شجرة وتذكر في ذلك الشجرة ان اصل بن عياد خارج من اكابر المحاميد ونطي لك عشرون الف ريال ، فكتب له الشيخ غومه شجرة وذكر فيها بن عياد خارج من فلان الى فلان حتى وصلها الى ابن عياد محمد بن عياد وارسل اليه تلك الشجرة ، فخذ على اهل تونس بيته وعلى جميع الناس ، واما بن عياد ليس هو خارج من اولاد محمود ، وما هو إلا جربي  ابن جربي ، وما كبر في وطن تونس إلا بالحيلة واخذ اولاد الناس ظلما ، ولو عاش محمود صاحب طابع تونس ما بقى من جنس بن عياد احد ، ولكن جعل له بن عياد حتى قتله البي ، وهذا ما علمنا من امرهم ، واما نحن اقمنا بسوسة يومين وركبنا من سوسة وتوجهنا الى نواحي القيروان ، وهو كان بين سوسة والقيروان بنيان الناس الاولين كثير ، ومآثرهم وفسقيات مبنيين من الاولين للماء ، فتوجهنا فمشينا اليوم الاول والثاني دخلنا الى بلاد القيروان وهو مدينة مليحة وفيها كا شيء رخيص ، وفيها جامع من الاولين شيء عجيب ، وفيها مدفون السيد الالصحابي حجام رسول الله ، وفيها ناس كثير من الاولين مدفونين ولهم جوامع خارج البلاد وفي داخل البلاد،  وبقرب منها مدفون رجل عالم من الاولين الذي قرأ العلم على الامام مالك وهو اسمه الامام سحنون ، وداخل البلاد مرابط مدفون يقال له  الوحيشي وله زاوية وجامع قدم الباب الذي يخرج الى طريق تونس ، فمشينا بالليل نتفرجوا فيه ، فلقيناه فيه ناس يضربون البندير ، شيء منهم يشطحوا ، وشيء منهم يضربوا في اكفاف ايديه على بعضهم وهم يدعون بأنهم مرابطين ، فتعجبنا من ذلك الامر ،

ليست هناك تعليقات: