الجمعة، 14 أبريل، 2017

كتاب " ري الغليل " 1852.. الحلقة السابعة





   وقال النبي اتوني بصف الرايات فأتوه بها فأخذ راية حمراء واسلمها لسيدنا عمر بن الخطاب وكان مكتوب عليها نصر من الله وفتح قريب ، واخذ راية خضراء وعقدها على رمح طويل واسلمها لسيدنا عثمان ابن عفان وكان مكتوب عليها وما النصر إلا من عند الله ، واعطى راية بعد راية حتى تمت الرايات ودخل الخيمة هو وسيدنا ابي بكر لانه ليس يدخلوا الفتن وهو يدعو للمسلمين ، قال ابن عباس تقاتلوا الله فوق وتجردون السيوف ولا ترى واحد ممدود والاخر مجروح ونار الحرب شعلت نيرانها وعلا في السماء دخانها اليوم الاول والثاني والثالث والنبي وسيدنا ابوبكر يدعون بنصر للمسلمين على عدوهم ، فلما كان اليوم الثالث افترقوا من بعضهم عند غروب الشمس ، فطلع النبي يتفقد المسلمين فوجد بقى من المسلمين سبعة الف من ثلاثة عشر الف ، ومات منهم ست الف ومات من الجاهلية شيء كثير ، فقال سيدنا ابوبكر مات من المسلمين النصف وبقي النصف ولم تنزل الاية التي فيها الجهاد ، فما استتم كلامه إلا ابواب السماء قد فتحت وجبرائيل قد نزل وقال السلام عليك يا محمد  العلي الاعلى يقرئك السلام ويخصك بالتحية والاكرام ويقول لك بشر المسلمين ، قال فبما ابشرهم ، قال بشرهم بأن الله اشترى من المؤمنين اموالهم وانفسهم بأن لهم الجنة ولا يولوهم الادبار ، فخرج النبي وقال اسمعوا يا معشر المؤمنين بالاية الذي نزلت من الله في حقكم . فقرأها عليهم سيدنا ابي بكر ، فلما علم بذلك المسلمين حطوا رأسهم وسط سروجهم وحمل قدامهم خالد ابن الوليد ، وحملوا عليهم المشركين اليوم الاول والثاني والثالث ، فلما كان الثالث من الايام طلع النبي يتفقد المسلمين وجد بقي من المسلمين سبععمائة فارس ، وسمع سيدنا عثمان ابن عفان يغيث ويستغيث ويقول يا سيداه ويا ديناه محمداه وقد اصابته طعنة على سرته فطاح من على جواده الى الامام فلما اتى اليه النبي فإذا ابنتا المهاجرين والانصار قد خرجوا وعروا رؤوسهم وهم وراء النبي يقولون يا مهتك حريمنا ويا ميسر اولادنا ، فبكى النبي . وبكت جميع ذلك المسلمين ، ثم دخل خيمته وكشف على مفرج الكروب وقال اللهم سيدي ومولاي اسئلك بالذي بيني وبينك ليلة الاسراء إلا ان تغلبني وتنصرني وتأتيني بإبن عمي على ابن ابي طالب وكان علي عند عمته في مكة ، وهي اسمها عاتقه ، قالت عاتقه فصاح علي صيحة عظيمة وقال لبيك لبيك اللهم لبيك انا بين يديك ، وناض قطيب الغضب بين عينيه كأنه قطيب ياقوت واحمرت عيناه وهاج هوجة عظيمة ، فقلت له مالك يا ابن اخي عيطت هذه العيطه ، قال يا عمتي رأيت ابن عمي واصحابه في شدة عظيمة وهو يغيث ويستغيث إليّ ، فقلت له يا ابن اخي اذا اردت ان تمشي فأمشي الليل لان في مكة احد إلا له دين او حق عليك لاجل قتلت منهم كثير ، وان يصيبوك يقتلوك ، فقال لها علي ، لا وعزت ربي لا نمشي إلا بالنهار ، قالت عاتقه فقعد علي حتى طلعت الشمس وركب على الجبل وقال يا اهل مكة من يعرفني فقد يعرفني ومن لا يعرفني فإني اعرفه باسمي ، اني علي ابن ابي طالب فمن له حق علي او دين فلينهض رأسه يأخذه مني فقالت عاتقة فوالله ما تبع الامام علي احد فمشى حتى وصل وادي اليمون وتوضأ وصلى ركعتين وقال اللهم سيدي ومولاي اسئلك بالذي بيني وبينك وبين نبيك محمد صلى الله عليه وسلم ان تطوي لي كل بعيد قريب وتهون علي كل شدة وضيق ، فما كان ثاني يوم عند طلوع الشمس إلا دخل المدينة يثرب فلم يلقى فيها احد فتوجه الى دار ه فلقي فاطمة الزهراء والحسن والحسين رضي الله عنهم فقال : يا فاطمة من خبر ابيك بتقم هذه الغزوة ، قالت له خبره جبرائيل ، فقال لها كم بيننا وبين وادي السيسبان ، فقالت له احدى عشر يوما ، ما نوصلوا اليه حتى يقتلوا ابي ومن معه من المسلمين ، فقال لها هل خلف ابيك شيء من مراكبه ، فقالت خلف ناقة الغضب ، قال لها حضريها ، فحضرتها ، فركب عليها فاطمة الزهراء والحسن والحسين وجدوا السير اليوم الاول والثاني والثالث فرأت فاطمة الزهراء جبال الصحراء فبكت ، فالتفت الامام علي فلقي فاطمة الزهراء تبكي فقال لها ، يا فاطمة بكائك قد زادني بكاء وقد بكت ملائكة السماوات والارض لبكائك ، فقالت له كيف لا نبكي وبيننا وبين وادي السيسبان احد عشر يوما مشينا منهم ثلاثة ايام وبقي لنا ثمانية ايام ما نوصلوا للوادي حتى يقتلوا ابي ومن معه من المسلمين ، فقال لها يا فاطمة دعائك مقبول ، ويا حسن ويا حسين دعاؤكم مقبول ، ادعوا الله بجاه جدكما ان يطوي لنا كل بعيد قريب ، ويهون علينا كل شدة وضيق ، قالت فاطمة فرأت الناقة تمشي قويا فهي مثل الذي تطير بين السماء والارض ، فما كان وقت صلاة الظهر إلا دخلوا الوادي ، فقال للحسن والحسين اقصدوا انتم وامكم خيمة جدكما ، فقال يا ابانا نجاهد معك ، فقال لهم ما زلتم صغار بارك الله فيكم ،فخرج الامام علي للحرب والميدان وكان العفريط ينظر هو ووزيره الحلام وقال له ، يا وزير ما بقت لنا إلا هذه الشردمة القليلة ولا بقى لنا اشد من خالد ابن الوليد والمقداد ابن الاسود والزبير ابن العوام ، ولكن اني انظر طفل صغير لا نبات له ، وانظر الدرع الذي عليه كامل ، من يكون هذا يا وزير ، فقال له هذا علي ابن ابي طالب ، فقال له هذا المطلوب الذي طلبت مني حسنة بنت منعم ، فقال له نعم ، فقال لغلام من غلمانه امشي اليه وقل له اين كنت يا فتى ونار الحرب شعلت نيرانها وعلا في السماء دخانه ، وكان ذلك الغلام راكب على فيل ، فأتى اليه ذلك الغلام من غير سلام وقال له ، يقول اليك سيدي اين كنت يا فتى ونار الحرب قد شعلت نيرانها وعلا في السماء دخانها ، فقال له علي كنت بايت في مكة ، فقال له متى خرجت من مكة ، فقال له نحو اربعة ايام ، فقال له متى حضرت ، قال له الساعة ثم مد يده الامام علي الي ودن الفيل فنثرها وضرب بها ذلك الغلام على وجهه ، فرجع الفيل شاردا والغلام وجهه مرغمد بذلك الدم من ادن الفيل ، فأتى الى سيده وقال له ما قلت له ، قال له قلت له اين كنت يا فتى ونار الحرب قد شعلت نيرانها وعلا في السماء دخانها ، فقال لي كنت بمكة ، ومتى خرجت من مكة ، فقال لي نحو اربعة ايام ، ومتى حضرت ، قال لي الساعة ثم مد يده الى ادن الفيل فخلعها وضربني بها ، وهذا ما سمعت منه ، فقال له ارجع اليه وقول له الطريق الذي اتيت عليها ارجع عليها لا يأتيك سيدي فيقتلك اشر قتلة او يأخذك اسير عنده ، فقال له لا نمشي اليه ، فأرسل اليه غيره ، فارسل اليه غلام اخر فمشى اليه ذلك الغلام وقال له الطريق الذي اتيت عليها ارجع عليها لا يأتيك سيدي فيقتلك شر قتلة او يأخذك اسير عنده ، فلما سمع الامام علي من الغلام ذلك القول مد يده الى السيف وضربه فقسمه كما يقسم المنشار عجل الله بروحه الى النار وبئس القرار ، فلما رأى العفريط قتل غلامه قال لوزرائه اطلبوا المبارزة معه ، فقالوا له ما يقابله إلا انت ، وانت لذلك اهل ، فقال نعم ، انا اقابله فإذا غلبته اتيكم برأسه واذا غلبني اطلبوا النجاة لانفسكم لانه الجيش متعه ردع وهو ردع وصنديد وفارس عنيد ، قال ابن عباس رضي الله عنه ،تقابلوا الاثنين كأنهم جبلين شامخين او صيدين متعاركين وحملو على بعضهم اليوم الاول والثاني والثالث والنبي وجميع الصحابة يدعون بالنصر على عدوه ، وفي النهار الثالث في اول ساعة من النهار واذا سمعوا صيحة الامام علي وهو يقول بسم الله .. الله اكبر .. فتحا ونصرا .. ابشر يا من كفر بالويل والمحق ، وضربه فقتله ، فلما رأى الحلام الى قتل سيده ، اتى للامام علي فأراد الامام علي ان يقتله ، فقال له امدد يمينك اني اقول لا اله إلا الله محمد رسول الله . فقال له ما يتم اسلامك حتى تجاهد معي ، فجاهد معه وبدت سيوف المسلمين في رقاب المشركين اليوم الاول والثاني والثالث فغلبوا المسلمين وقسموا الغنائم ودفنوا اخوانهم المؤمنين ورجعوا الى يثرب مؤيدين مسرورين والحمد لله رب العالمين . وقد تمت غزوة وادي السيسبان وما نظرنا في الكتب كتبناه ، وما يعلم بالغيب إلا علام الغيوب والسلام ، وكل انسان عنده العقل يخمن على هذا القول وغيره ، والعارف لا يعرف ، والسلام على القارئ والمستمع من لسان محمد بن عبدالجليل بتاريخ سنة 136 .
   واما نحن لما قدمنا الى ينبع البحر فقمنا عشرة ايام ثم ركبنا البحر وتوجهنا الى القصير في فرقاطة لمحمد علي باشا ، فلما اتينا بقرب جبل حسان ، فجابوا العرب من جبل حسان الماء والخبز ، وجابوا الينا شيء كثير من الحوت وهو رخيص ، ولا رأينا ارخص من الحوت في جبل حسان ، فقمنا بجبل حسان اربعة ايام ، ثم قمنا المخطاف من جبل حسان ، فلما اتى الليل خرجت سحابة كحلي صغيرة من نواحي الغرب ، وظهرت وكان رايس ذلك الفرقاطة رجل اسكندراني ، فخرج مراية له وشاف ذلك السحابة ، وساق القمر ، فعيط على البحرية وقال لهم ما ينوا القلاع ولا تخلفوا من القلاع إلا شيء قليل ، فما كان إلا شيء قليل فخرج علينا ريح حتى اراد يكسر ذلك المركب ، فدام معنا ذلك الريح ليلة وزاد ذلك اليوم ، ولما كان الليلة الثانية معنا رجل تركي من جنس من الترك يقال له القرمان ، فمشى الى جنب المركب يريد يستخلى مع نفسه ، فطاح في البحر ، فأراد ذلك الريس ان يرجع اليه ، فلا قدر من شدة الريح ، فتخلف ، فعند العصر رأينا القصير فدخلنا الى القصير قرب غروب الشمس ، وكان قد نقص علينا الماء ، فبتنا ليلة في البحر ، فلما اتى الله بالصباح واضاء بكوكبه ولاح ، وزرقت الشمس على رؤوس العوالي والبطاح ، نزلنا الى القصر ، وهو بلاد لا لها ماء ولا اشجار ولا زرع خلاف ما يأتي اليها من خارجها ، ، فطحنا مرضى في القصير ، فقعدنا في القصير سبعون يوما مرضى ، وكان معنا رجل من اهل الغرب يخدم فينا يقال له الحاج ادريس ، وكان يدعي بروحه انه مرابط ويبات كل ليلة يركع ويسهد حتى قلنا سبحان الله هذا رجل ولي لعله سنستفادوا من بركته ، وكان يوما لما خرجنا وتوجهنا الى قهوة كانت بجانب البحر فعطينا له مفتاح صندقنا لاجل يقضي لنا ما ينوبنا من السوق ، فأخذ المفتاح وتوجه الى الدار وحل الصندوق واخذ منه كيس فيه ثلاثمائة دور صبنيون ، وقفل الصندوق وخرج من الدار ، فنحن قعدنا في ذلك القهوة حتى اتى وقت نصف النهار فتوجهنا الى الدار ، فلاقتنا الجارية وقالت لنا كيف ما بعث لنا لحم لاجل نطيب لك الفطور ، فقلت لها ما جاب لك الحاج علي ادريس شيء ، قالت ليس رأيته من وقت جاء وحل الصندوق ، فقلت لها هل خلف مفتاح الصندوق عندك ، فقالت ليس خلفه عندي ، فقلت سبحان الله ولعله تعارك مع احد في السوق وحبسوه لانه رجل حامي ، فلعل قال له احد من الفلاحين شيء فضربه فحبسوه ، فتوجهت الى الحبس بالقصير ، فلا لقيت احد في الحبس ، فتعجبنا ولا خطر ببالنا شيء من امر الدراهم ، فقعدنا حتى اقرب الليل فلا اتى الحاج ادريس ، فلما اصبح توجهنا وسئلنا عليه في البلاد ، فلا دلنا احد عليه ، ففتحنا الصندوق ، فلما ضربنا على الكيس الذي فيه الدراهم فلا لقينا إلا موضعه ، فمشينا وكرينا رجل على هجين يمشي الى نواحي طريق اقن ، فركب ذلك الرجل على ذلك الهجين ولحق نواحي طريق اقن ، فلا لقي احد ، فأتى الينا واخبرنا ، فعند ذلك صبرنا لحكم الله وكرينا وتوجهنا الى اقن ، فخرجنا من القصير في ارض كلها اجبال واحجار ولا فيها اشجار ، فسرنا في ذلك الارض نحو خمسة ايام ، في اليوم الخامس دخلنا الى بلاد يقال لها اقن ، فهو بلاد صغيرة فيها الزرع شيء كثير ، واكثر من ذلك نسوان الذي عرض لهم ، وهم اذا رأوا احد غريب حكموه غصبا ودخلوه الى بيوتهم ، واذا كان رجل يستحي لما يحكموه يعطي لهم شيء فيسيبوه ، ويوجد فيهم النسوان الملاح كثير ، فلما خلطنا لقينا رجل شريف من اهل طرابلس يقال له الحاج محمود بن عثمان ، وهو رجل كبير السن ، فركبنا نحن وهو وتوجهنا في البحر حتى وصلنا الى بلاد يقال لها جرجت ، وهي بلاد مليحة وفيها وبقرب منها مآثر الاولين وقصورهم ، وفيها القمح رخيص وجميع المأكول ، فأما الدقيق القمح يسوى في جرجت ثمانية اقروش القنطار ، واما البشماط يسوى اثنى عشرة قروش القنطار ، واما الكسكسي اليابس يسوى عشرة اقروش القنطار ، فأقمنا بجرجت اربعة ايام ثم توجهنا من جرجت مسافرنا حتى وصلنا الى اسيوط ، وهو بلاد مليحة وفيها جامع كبير ، وفيها العلم شيء كثير ، وفيها في كل سوق ناس يطلبون بالقرآن ، نساء ورجال ، وتلقى كل واحد في حنوته يخدموا في الدوايات للسباس ، ويصنعون فيها الكتان والقماش الازرق الذي مزين وغيره ، ويمشي منها الى نواحي فزان وبني غازي شيء كثير من القماش ، وهي بلاد مليحة فلا رأينا احسن منها ، وفيها ابن محمد علي باشا يقال له حسين باشا ، ولما خرجنا منها مرض لنا راجل الذي كان معنا من اكابر طرابلس ، وزاد مرض ابنه ووصيفه ، فلما وصلنا الى بن فلوط ، نزلنا في بن فلوط وكرينا دار ، ونزلنا ذلك الرجل المريض وابنه ووصيفه واقمنا بمدينة بن فلوط خمسة عشر يوما ، وهي بلاد مليحة واكثر ناسها يخدمون الكتان والقماش ، ويزرعون االقمح شيء كثير وجميع الحبوب ، وفيها ناس علماء وفيها حمالة القرأن شيء كثير ، فلما برئ ذلك الرجل وابنه وغلامه سافرنا منها وتوجهنا في البحر حتى وصلنا الى بلاد يقال لها المنية ، ثم سافرنا من المنية ووصلنا الى بلاد غيرها صغيرة فنكس المرض بن عثمان الذي قدمنا ذكره ، فمات لنا في البحر ، وكان وخلف اثنى عشر مائة دور اصبنيون ، وخلف من المسك والعنبر والقماري والزبد شيء كثير ، اخذه من مكة لاجل يستعاد فيه في ارض طرابلس ، وخلف ابنه ، فقال ابنه نرموه في البحر ، فلا اردت منه ذلك القول ، ورفعناه الى جانب البحر ونزلناه واخذ ابنه جميع الحوايج الذي معه زخلاه عريان جانب البحر ، واخذنا ملاية لنا اشتريناها من اسيوط وسترناه بها ، وقلنا لابنه  نكروله ونرفعوه فقال الينا لا نكري له ولا نرفعه ولا نخسر عليه شيء ، فكرينا له ورفعناه الى بلاد يقال لها الزاوية مشي ساعتين غرب بحر النيل ، واخذنا له الكفن ، وخسرنا عليه من عندنا ودفناه ، واما ابنه فلا اراد يمشي معنا يحضر دفن ابيه ، ثم رجعنا وركبنا بالبحر وتوجهنا الى مصر .

ليست هناك تعليقات: