الجمعة، 10 مارس، 2017

الوازع القبلي خنجر في ظهر الوطن





    مضت ست سنوات من عمر انتفاضة الحريات ولا زال التوتر سيد الموقف .. والأنامل تتلمس اصبع الزناد ، والاحتراب القبلي بفزان على وجه الخصوص ، اتى على الاخضر واليابس ، وعطل مصالح الناس ، وأرهق سبل المعيشة ، المطارات مقفلة ، الدولة غائبة ، السطو والمسلح في وضح النهار ، الجامعات والمؤسسات التعليمية ثكنات سلاح ، والأزمات التي تعصف بمفاصل الحياة اليومية ، ما ان تخف حدتها تعود من جديد بوجه اخر ، وفي كل مرة يتكرر العلاج الوقتي او المؤقت الذي لا يشفي ، اجتماعات لمن تعارف على تسميتهم شيوخ القبائل ، واعيان ، وحكماء ، وجميعهم من كبار السن تحلو لهم الجوقة وتتناغم مع امزجتهم المتخمة بالعصبية ومخلفات عصر الجاهلية ، من الثأر الى البطولات الوهمية التي لا تفرق بين الحق والباطل ، ولا شرع لها سوى هوى القبيلة العاطفي الذي لا يعترف بشرع سماوي ، ولا يتلكأ في مخالفة شرع عرفي . ولا يوقر قداسة الوطن قبل كل الصغائر .
    الاوطان تبنى بالمعارف والخبرات ، ولو نظرت الى هؤلاء ومعارفهم فقلما تجد منهم من هو قادر على " فك الخط " ، وما يؤهله للجلوس والتحدث من على منبر التفاوض ، مؤهله العمري ، اي تقدمه في السن ، فكيف لنا ان ننتظر ممن هم محدودي المعرفة ، حلول مستدامة في عصر تقنية المعلومات وغزو الفضاء .
    لهذه الاسباب .. من غير المتوقع ان نصل الى سلم اهلي يوقر شرعنا ، ويقدم الولاء للوطن قبل الولاء الاعمى العاطفي للقبيلة ، المتكئ على السند الجاهلي ، حيثما مال القطيع القبلي .. يجنح الجميع ، دونما تفكر ، او تدبر ،  حتى بات الوازع الديني لا يشكل رادع .. فلا الفساد في الارض ، ولا من قتل نفسا كأنما قتل الناس جميعا .
   الكاتب الليبي محمد اقميع .. في مقالة له يكتب عن هذا الداء العضال .. فيقول :
    " أثبتت القبيلة في ليبيا أنها كيان خائن.. ومراوغ.. ومخاتل.. لا يعول عليه، ولا يهمها غير مضارب خيامها.. والوطن بأسره ليس إلا كيان دخيل منافس بالنسبة لها، فمن يلوِّح بتقسيم وطنه لن يتردد في تمزيق أشلاء قادته وزعمائه. ولكن من صدقوا أوهام العظمة أبدًا لا يتعظون.. وبعد كل هزيمة لن تستسيغ آذانهم إلا أصوات هتاف المخادعين والمخاتلين.!

     وسرعان ما ينسى الزعيم الطموح الجديد أن من يتلوا عليه وثائق العهد والبيعة اليوم هم نفس الوجوه والأعيان والمشايخ الذين عاهدوا وبايعوا من سبقه، وخذلوه عندما شعروا بهزيمته وفقدان سلطانه وهيبته، وبلا تردد تركوا من كانوا قد عاهدوه زعيمًا للأبد هائمًا في الصحراء وفريسة ينهشها صبية عابثون ليموت متوسلًا رحمتهم وشفقتهم.

   القبيلة لا يؤمن جانبها؛ فهي مجتمعة تستمرئ الخيانة، وتنكرها إذا ما تفرقت. فلا أحد من هؤلاء الوجهاء والأعيان اليوم يعترف بعهد قبيلته، وبيعتها بالأمس. ويظل قطيع القبائل مع المنتصر، ولو كان غريبًا أو زعيمًا لدولة مجاورة، وضد من يسقط مهزومًا، ولو كان من نسلهم وذريتهم. فلا تطرب كثيرًا لهتافهم والزبد المتطاير من أفواههم فهؤلاء لا عهد لهم. وربما، تكون “القبيلة” هي “الأنثى” الوحيدة التي تستوجب منع السفر بلا محرم، فهي جسد شبق يمارس العهر والخلاعة في قصور زعماء وشيوخ دول الجوار علنًا بلا أدنى خجل أو حياء.

    لذلك لا تعول على هذا الكيان الذي كلما اقترب من السياسة تحول إلى ورم خبيث يصعب استئصاله من جسد الوطن. وان تحشيد القبائل لإنقاذ جيش من الهزيمة ليس إلا هزيمة أخرى أكثر بشاعة من سابقتها. والحماقة التي تدعوك لتجييش قبيلة ضد قبيلة أخرى في بلدك هي الهزيمة الحقيقية والسقوط الذي لا نهوض بعده، ولا رجاء في الشفاء من لعنته وإلى الأبد.

    في كل حرب أهلية، ثمة باب للنصر يبقى مفتوحًا على مصراعيه، ولا يجرؤ على دخوله إلا الأبطال والشجعان الحقيقين، لا دماء فيه، ولا أرواح تزهق، بل تحقن فيه الدماء وتصان فيه الأرواح، ويصبح السابقين إليه أبطال للسلام واخماد نار الفتنة في وطنهم. لأن السلام هو ما يتطلب الشجاعة والحكمة، أما الحروب الأهلية فلا تحتاج إلا جيشًا من المغفلين والجبناء واللصوص وقطاع الطرق.

   الحروب الأهلية لا تصنع أبطالًا، والتاريخ لن يذكر زعماء الحروب في بلدانهم إلا قادة لعصابات من المجرمين والقتلة. وأمام كثير من الحالمين بالزعامة والطامعين في السلطة فرصة حقيقية بأن يكونوا أبطال سلام في ليبيا ومنقذين حقيقيين بما يقدمونه من تنازلات وما يتقبلونه من هزائم في سبيل وحدة وسلام واستقرار أوطانهم.

فهل يجرؤ قادة جيوشنا أن يكونوا أبطال للسلام وعودة الاستقرار؟

ليست هناك تعليقات: