الاثنين، 13 فبراير، 2017

ليبيا ارض الاحلام



     كلما عرفت تفاصيل الامور ودواخلها ، صعب عليك شرحها لمن لا يعرفها .. فررت من بلدي اريتريا مكرها ، الفقر وضنك العيش يحاصرني ، التجنيد الاجباري ، الاستبداد السياسي ، عوامل طاردة اجتمعت وصار الخيار الوحيد امامي هو الهجرة ، بل اظن ان كل الشعب يفكر في الهجرة ولا يجد السبيل ، فمن الصعب الفرار من اسوار الطغمة الحاكمة ، والعقاب المزري يتوعد كل من يفكر في الفرار ، لكن المهربين المحترفين يتمتعون بمهارة المراوغة ومعرفة بالمسالك ، ولك ان تغامر وتدفع المال . وهذا ما حدث معي . ولا زلت اذكر الاوقات التي قضيتها داخل الحدود الارترية في طريقي الى النفاد ، كانت اشد وطأة على النفس ، تتراى امامي قضبان السجون ، وتجارب اخرون بلغتنا اخبار فشل تجربتهم بالرحيل ، والنهايات المرعبة .



    
   لكن لحظة دخولنا الحدود السودانية ، لا شك انها اشبه بلحظة الإنعتاق النهائي من كوكب الجور ، وان كنا على يقين ان كثير من المتاعب لا تزال تنتظرنا . ولعل وقوعنا في قبضة قطاع طرق ، سلبوا اموالنا بعدما استلمنا مهربين سودانيين ، خبأت بعض منها في قبعتي ، وتركونا لنواصل سيرنا على ظهر سيارة طاوية مهترئة ، الى ان بلغنا الحدود الليبية ، وهناك تركنا المهربين في العراء ، صحراء رملية مقفرة ، قالوا لنا انتظروا حتى يأتي المهربين الليبيين لنقلكم ، وظللنا هناك سبعة ايام ، نفذ الزاد ، وبلغ بنا الاعياء الشديد حد اليأس من الحياة ، وفي اليوم السابع وصل المهربين الليبيين ، لإتمام مرحلة اخرى الى الجنوب الليبي عبر منطقة الكفرة ، ومنها الى مدن الشمال والساحل .
      في السودان لا حل لمن نفذ ماله سوى بيع الاعضاء ، الكلية على وجه الخصوص ، وهناك عصابات على علاقة بمصر لهم دكاترة مختصون في اجراء العمليات . ويتطلب نقل من يوافق الى مصر . وتغيير خط سيره .
    ليبيا ارض الاحلام كما نسميها ، لن تتعرض هناك الى هذا النوع من الابتزاز ، واذا ما نفذ المال ، ستجد فرص العمل بيسر ، وتستطيع خلال فترة قصيرة جمع ما يكفي لعبور المتوسط . كما ان وقوعك في يد شرطة مكافحة الهجرة لن يكون مضنيا ، سيتكفلون بإعاشتك ، وستعاني السجن لفترة محدودة ، وقد تجد ممرا للهروب ما لم يكونوا ملوا من سجنك ، فهم لا يملكون حلول لإعادتك الى بلدك ، وسيضطرون للإفراج عنك بعد طول انتظار ، وأحيانا اقل ، كنا نعرف كل هذا . ولا نخشاه .
      لم افكر في العمل في ليبيا ، اتصلت بشقيقي الذي يعمل بدولة ما ، ارسل لي مبلغا من المال ساعدني على اجتياز المرحلة الثالثة ، لكنا وقعنا في قبضة خفر السواحل الليبي في عرض البحر . وتمت اعادتنا الى اليابسة من جديد ، وها نحن ننتظر لحظة الافراج عنا .



  
           اغاديز شمال النيجر .. نقطة التجمع ومحطة الانطلاق للقادمين من غرب افريقيا .. هواتف الثريا توفر شبكة تواصل بين المهربين ، من أي دولة في غرب افريقيا يمكنك الاتصال هاتفيا لتجد من يرشدك .. الهواتف معلومة ومتداولة للجميع .. وترتبط ببعضها البعض .. من النيجر الى ليبيا الى اوروبا ، وايطاليا على وجه الخصوص حيث مركز القيادة للعمليات .. جميعنا على تواصل ببعض .. يقول مهرب .. وعندما تغيب الشمس تبدأ الشاحنات رحلة الهجرة نحو الشمال  .. ليبيا ارض الاحلام .
     فقط 170 الف مهاجر من غرب افريقيا عبروا العام 2016 وبلغوا مرادهم الشواطئ الباردة الاوروبية .. والحمد الله .. الاضطربات بشمال مالي ، والتأشيرة الجزائرية للعبور ، جعلت الطريق من غرب افريقيا الى غات اكثر كلفة ، ومحفوف بالمخاطر ، والبوبات وما تستوجب من دفع رشاوى .. الطريق عبر اغاديز النيجر صار افضل .. حوالي خمسة ألاف مهاجر يغادرون اغاديز شمال النيجر نحو ليبيا كل شهر .. الهجرة عبر الشاحنات خيار أبطأ ، اغاديز الى سبها من 8 إلى 10 ايام . لكنها اقل تكلفة ، السلع جوهر أعمال السائق ، والركاب لزيادة هامش الربح .. الغالبية العظمى من المهاجرين العابرين على طول ممر النيجر ليبيا يفضلون السفر عبر سيارة تويوتا .. اسرع لكنها اكثر كلفة .. الاتجار وتهريب البضائع والأشخاص بين النيجر وليبيا ليست بأي حال تدفق في اتجاه واحد ،، هناك سلع تأتي من النيجر ولها سوق رائجة بليبيا .. مهمة التهريب والاتجار بالبشر تقتضي نقل المهاجرين عبر الصحراء بأسرع وقت ممكن . 4 ايام من اغاديز الى سبها .. عائدات تهريب المهاجرين  قوة للاقتصاد وللاستقرار في شمال النيجر .. ازدهرت اغاديز ، وصارت مركزا تجاريا مرموقا ، نقل الركاب عبر الحدود ، ولا اقول الهجرة الغير مشروعة ، وفر فرص عمل للكثيرين ، هناك اليوم ليس فقط التجار ، بل واعضاء الحكومة ، والشرطة ، واصحاب المطاعم ، وكانتونات الايواء ، والهواتف ومكاتب الاتصال ، الكل مستفيد ، واية قوانين تحاول اليوم كبح هذا الحراك ، ستواجه بغضب شعبي عارم بلا شك .



ليست هناك تعليقات: