الأحد، 27 سبتمبر، 2015

كتاب .. صرخة الصحراء


مقدمة
   آه .. ثم آه .. ثم آه .. جلبة واهتياج .. جنود مدججين .. اجراءات صارمة .. بلاغ للساكنة .. فئران التجربة .. يتوجب عليكم عند سماع صوت انفجار مدوي .. اخلدوا الى الارض .. ضعوا رؤسكم في التراب .. ابقوا على ما انتم عليه .. الى حين .. زوال صوت الانفجار .. والاثر الذي تشعرون به .
     دوى الانفجار .. جحيم رعونة نووية .. حصدتهم .. وبقى من بقى على قيد الحياة .. زج بهم في لملمة البذور النباتية ما بعد التجربة الجريمة .. لكل ( فار او يربوع ) برقبته قلادة معدنية تيسر فرز الجثث ما بعد الانفجار والاحتراق .. بسطاء .. تسلموا القلادة وهم يبتسمون .. يقطنون اطراف الصحراء .. قله .. ويمكن الانفراد بهم .. لا يعلمون ماذا يصنع بهم .. ولن يعرفوا .. تلك هي رقان .
    لم نكن نفهم حتى لغته لكننا شعرنا من خلال ما استطعنا إدراكه من كلام بعض العسكريين أن هناك خطرا سيداهم الجميع ولا زلنا نتذكر دموع بعض الجنود التي لم نفهم ما سر ذرفهم لها إلا بعد حين من الزمن ، لحظة الواقعة سمعنا صفارات الإنذار انبطحنا أرضا ووضعنا أيدينا على أعيننا المغلقة و رغم ذلك رأينا ضوءا ابيضا قوي الإشعاع تبعه صوت انفجار قوي بعد حوالي خمس دقائق فقط و كان قويا و كأن الأرض تتكلم زلزال كبير بعده انتكست الأشجار ولدت الحيوانات من غير موعد رمى الدجاج بيضه .. امرأة وضعت مولودها لحظة الانفجار دون أن تشعر بذلك واستفاقت من الصدمة و طفلها موجود بسروالها و صار يدعى بعدها "بالقنبلة" و اسمه الحقيقي سماني عبد الله .. سكوبيدو .. شاهد عيان .
           نادى منادي .. من رقان واينيكر الى اغادير.. الى نيامي وارليت .. انجامينا وابشي .. فزان والكفرة .. تمبكتو وجاوا .. سفر الخروج .. اخلاء المكان .. انقاذ الباقين منهم على قيد الحياة هناك .. خاصرة الصحراء الافريقية النازفة ..انتشالهم الى مكان اخر .. على ظهر الكوكب .. بعيدا عن مركز الاشعاع .. وان ضواحي باريس .. ان تعذر الامر .. الى حين تطهير المكان .
  كتاب ” صرخة الصحراء .. صدر حديثا .. قصة التجارب النووية الفرنسية بالصحراء الافريقية .. واجتياح الجيش الفرنسي لاقليم فزان بالجنوب الليبي ..  جرائم فرنسا بشمال افريقيا ..  رعونة الاستعمار الكولونيالي .. لتحميل الكتاب .. اضغط الرابط ادناه .

كتاب – صرخة الصحراء

السبت، 19 سبتمبر، 2015

وجع السنين .. شعوذة



شعوذة
         في المرحلة الإعدادية ، نقضي الصيف بالواحة ، بعد انقطاع لعام دراسي في سبها ، ذات يوم ، احد الرفقاء قال : أحضرت لكم كتاب فريد ، ( مش حتصدقوا ) ، وقع عليه ، طباعة قديمة ، وورق اصفر غث ، الكتاب فيما اعتقد عنوانه ( أسرار الحكمة ) او هكذا ، خرجنا طرف الواحة ، وفي براح مزرعة قديمة جفت لدهر ، جلسنا تحت ظل نخلة ، أخدنا الكتاب العجيب بنهم ، موضوعه تسخير الجان في تطويع إرادات البشر ، منه ( جلب ) ، تعويده وطقوس وخطوات يقوم بها المحب ، تأتي حبيبته إلى حيث هو ، منها تطويع قلب فتاة رفضت خطيب ، تقريب المحبين وتدليل سبلهم للنعيم ، استهوى احدنا التجربة ، يقول انه يميل إلى فتاة ما وهي لا تبادله الاهتمام .. تحصلنا على ورقة وقلم لتدوين الطلاسم ، مربعات تتضارب مع مثلثات .. وحروف مبهمة تتقاسم الأشكال ، ( طس ، بس ، شمهروش ، هاميوش ) وما على أوزانها ، ويا خادم هذا الاسم سخر فلان لما يريد ويبتغي ، وألن قلبها له ، واجعله يتفطر هيام ويفيض وجدان ، لا تزغ عينها لغيره ، ولا تفتن بسواه ، . هميوش .. كميوش .. وصفات عديد هممنا نساعد زميلنا الحصول على وصفة يسيرة ، معظم الوصفات تشترط ( لوبان الذكر ، ورق الزيتون ، حبة البركة ) ومن أين لنا بكل هذه ، القلم عاد للواحة كي يحضره ، شغفا .. ولأجلها .
       أخيرا وجدنا وصفة ممكنة ، تشترط التعويذة تعليق الورقة حرة الحركة ، في أعالي نخلة ذكر بالتخصيص ، وحسب النتائج المتوقعة ، بقدر هزاز الريح للورقة ، يهتز قلب الفتاة ويفيض حبا ووجدا وهياما لأجله .
      كتبت الورقة ، وعلى مقربة نخلة الوصفة ، مستقيمة فرد ، حدود 20 متر طولها ، طار كالريح وصعد النخلة ، علق الورقة بعناية ، وفي أقصى طرف جريده هائجة ، طرف أعلى الجريدة .. لا يتوقف عن الاهتزاز حتى في حال سكون الرياح ، يهتز لنسمه كسولة ، فكيف بحال خفقان قلب الفتاة إذا هبت رياح .. عاصفة عاتية كرياح القبلي بوهجها الحارق في صيف فزان .
     مرت الأيام ولم يري إيماءة تقرّب المسافات ، عاد محبطا ، وقال : ربما نحن كتبنا بالقلم الجاف ، وهذا ليس في طبيعة كتابات رسائل إلى امة الجان ، يلزمنا لإعادة الكرة الآن ، حبر صمغ محروق ، ودح الخراف ، يؤخذ ويغلى على نار هادئة لساعة ، ولإتقان الجودة يترك إلى أن يشح الماء .. حبر ناصع السواد ، بقلم ( قصبة ) من جدع نبات القصب ، ريشة القلم .. أعاد الكرة ..  طال الانتظار ، وتناسى وتناسينا .


معركة قاهرة سبها 28-11-1914:-






      بعد ان اشترك المقارحة في معارك طرابلس ضد الطليان كالشط والهاني والسواني بن يادم وعين زارة وسيطرة الطليان علي طرابلس لجأو الي الجبل للمشاركة في معركة جندوبة وبعدها رجعوا الي الجنوب ,لينتظروا الطليان الذين عزموا فرض السيطرة علي كافة ارجاء البلاد بما فيها فزان ,الي ان جاء الطليان وحدثث معارك كالشب واشكدة(الدويسة او المقتلة) ومحروقة ,سيطر علي اثرها الطليان علي المنطقة الجنوبية بالكامل بعد ان سقط العديد من الشهداء والجرحي من المقارحة في هذه المعارك وعلي اثرها رحلت مجموعة كبيرة من المقارحة واولاد ابوسيف الي النافلية (زاوية العقر) والمقارحة كانوا بقيادة مادي بن نصر واولاد بوسيف كانوا بقيادة ابوبكر قرزة ليشاركوا قبيلة المغاربة في جهادهم ضد الطليان في معارك سنة 1914 , وقد سقط شهيدا الشيخ مادي بن نصر في معركة الخدة (ألعويجة) سنة 1914 وقد تولي امر القبيلة من بعده الشيخ محمد بن عامر وبدء في ارسال مجاهدين المقارحة ليقطعوا امدادات الطليان من والي فزان , وحدثث معارك كثيرة منها معركة الوعيرة وزازمت و الشويرف ووادي الخيل و الاحمر و الزيدن تربصوا فيها المجاهدين في الطرق المؤدية الي فزان ليقطعوا امدادات الطليان للجنوب , وايضا معركة بئر الفاتية 26 اغسطس 1914 , بعد ان بعث الشيخ محمد بن عامر مجموعة من زاوية العقر وقوامها 80 فارسا من المقارحة و كانت بقيادة البي بن صالح الانداري المقرحي واستشهد فيها شهيد واحد وهو دكام المقرحي ووصف بيلارديني هذه المعركة بالمذبحة ويقول (لم ينج من المذبحة الا جنديان ارتريان وصلا الي براك بعد ثمانية ايام واخبرا بالمذبحة ) ,وقد اكد المجاهدين من بينهم المجاهدموسي جيرة المقرحي الذي حضر المعركة بأن هذا الزاد والعتاد في القافلة اذا وصل للطليان في فزان ستحارب الطليان في فزان عام ولا اثنين ويقول معركة الفاتية هيا من اهم الاسباب التي دعت الطليان يخسروا في معاركهم في فزان وينسحبوا منها .

      وبعد قطع امدادات الطليان لفزان ,بدأ التفكير جديا من المجاهدين في تحرير فزان ,فأرسلوا المقارحة في زاوية العقر مجموعة منهم قوامها 170 مجاهد بقيادة المجاهد علي بن امبية المقرحي لضرب الطليان في فزان وظهرت هذه المجموعة من جنوب زاوية العقر واتجهت باتجاه الغرب وقطعت شمال بونجيم حتى لا تراها نقطة الطليان المتواجدة في بونجيم واستمرت تسير في اتجاه الغرب الى الشمال من الشويرف التي بها ايضا نقطة للطليان ومرت هذه المجموعة جنوب القريات ولم يشاهدها جنود الطليان الموجودين في القريات باعتبار ان افراد هذه المجموعة هم اصحاب هذه الاودية ويعرفون مسالكها جيدا وواصلت المجموعة مسيرها غربا الى ان وصلت الى جنوب الحمادة ثم غيرت مسارها جنوبا باتجاه ادري
    ودخلت الى الرملة (رملة زلاف) وقاموا بمراسلة بقية القبائل الموجودة في فزان لتكوين تجمع يطرد الطليان من فزان فأشار بعض الاخوة بالاستعانة بالعابد السنوسي الموجود في واو في الزاوية السنوسية هناك فقاموا بمراسلته بأنهم بصدد تكوين جبهة في فزان من اجل الهجوم على الطليان وطردهم فوافق العابد السنوسي وارسل رسالة الى المهدي السني وهو من اتباع السنوسية المقيمين في مزدة وكان السني في حينها موجود في ادري الشاطي ومعه مجموعة قليلة من مجاهدي الزنتان واجتمع الجميع و اتفقوا على تكوين ثلاثة مجموعات للهجوم على معسكرات الطليان في (براك وقلعة سبها وقلعة اوباري ) على ان يرسل العابد بمجموعة من عنده بقيادة موسى كاوسن وهو من توارق اقدس بالنيجر اعتنق الطريقة السنوسية وانضم الى العابد بواو وقاد عدة معارك ضد الفرنسيين في النيجر باسم السنوسيين ... وكانت الخطة بأن يتم تكوين ثلاثة مجموعات لضرب مواقع الطليان في فزان في ليلة 
واحدة وكان القائد الروحي لهذه المعارك هو المهدي السني .

1-المجموعة الاولي :-
كانت المجموعة الاولى تتولى مهمة الاستيلاء على قلعة سبها وهذه المجموعة بقيادة سالم عبد النبي الزنتاني ونائبه حسن بوبيصير المقرحي وهذه المجموعة الاولى مكونة من 425 مجاهد , 60 من الحساونة و33 مجاهد من الحطمان 130 مجاهد من المقارحة المقيمين بين الشاطئ والرملة الذين لم يرحلوا الي النوافلية وبقوا في فزان و 41 مجاهد من الزوايد و 20 مجاهد من اولاد بوسيف المقيمين في الشاطئ و70 مجاهد من الزنتان و 71 مجاهد كانوا خليط من عدة قبائل اخرى هذه المجموعة الاولى مهمتها الهجوم على القلعة في سبها وهي مقر الايطاليين الرئيسي وبها اقامة العقيد امياني وقد استعانوا ببعض الجنود الليبيين الذين جندهم الطليان بعد احتلاله لفزان فقد قام هؤلاء المجندين بعمل بطولي فقد اتفقوا مع المجاهدين بأن يفتحوا لهم ابواب القلعة وتم احتلال القلعة من المجاهدين وانجاز المهمة .

2-المجموعة الثانية :-
اما المجموعة الثانية فقد اتجهت الى قلعة اوباري بقيادة علي بن امبية المقرحي وهي نفس المجموعة التي قدمت من نجع المقارحة في دور النافلية قرب زاوية العقر قد كان قوامها 170 مجاهد وقد انضم اليهم مجموعة اخرى من توارق بنغساتن بقيادة خليفة حاكم وهو من سكان ادري الشاطئ ليصبح عدد المجموعة كلها 219 مجاهد وذهبت هذه المجموعة باتجاه اوباري عبر الرملة ترافقها مجموعة اخرى ارسلها العابد السنوسي من واو عددها 100 رجل بقيادة موسى كاوسن التارقي وهو من توارق النيجر وقد اقتحموا القلعة وهزموا الطليان شر هزيمة .

3-المجموعة الثالثة :-
فقد كان عددها 200 مجاهد من المقارحة والحساونة بقيادة بلقاسم بن مخيون المقرحي اتجهت هذه المجموعة الى براك لتسد الطريق عن اي مدد يرسله الايطاليين من معسكرهم في براك الي سبها عند اقتحام القلعة , حيث رابطت هذه القوات كمين في طريق براك الي سبها لاعتراض اي امداد يأتي من الايطاليين في براك لنجدة القوات الايطالية في قلعة سبها بعد الهجوم عليها ,لكن القوات الايطالية المتواجدة في براك تلقت امر من العقيد مياني بالانسحاب فورا باتجاه هون بعد الهجوم على قلعة سبها مباشرة وهناك بعض المصادر تشير بأن العقيد مياني اصلا كان موجود في معسكر براك ليلة الهجوم على قلعة سبها وهو من اعطى الامر بانسحاب جنوده من حامية براك وكان مرافقا لهم الى الجفرة تاركا قواته في سبها واوباري تحت رحمة المجاهدين .


    قال احد شعراء اولاد بوسيف الدي هاجر مع مجموعة اولاد بوسيف والمقارحة سنة 1913 الي النافلية بعد سيطرة الطليان علي الجنوب عاتبا علي الذين ظلوا تحت رحمة الطليان ولم يهاجروا معهم فقال :-

علي ديننا والله لا ولينا احنا نهاجروا والغير بينه بينه
احنا ما نسينا غايب سقط جواده يوم ناب النايب شيخ العرب يضرب عماه قرايب ناش طبجي يضرب ببندقيتا
احنا بعدهم ما نقعدوش سوايب ولا نحملوا سبيوس في غاشينا 

    ورد عليه احد المقارحة بعد معركة القاهرة الدي لم يهاجر مع مجموعة المقارحة واولاد ابوسيف سنة 1913 وبقي في فزان وهو الشاعر ضو بن مخيون , ومفهوم الشعر نحن رضينا ان نبقي ولم نرحل انتظارا للنصر و والوقت الحاسم لمهاجمة الطليان كما فعلنا اليوم في معركة قاهرة سبها وعندما جائنا السني لبينا النداء الي الجهاد فقال له:-

ما سبيسنا ولا نحدروا اجبال الغرر ولا نفسنا ___إحنا غير فينا الراي وتريسنا ونساعدوا في النصر لين يجينا
إحنا وين جانا زول من ونسنا __علي قاهره والطبجي رقينا 
كسرناه كسرة عظم ما قايسنا__ مات ريهم بات الندم خاطينا
وين جانا السني كسرناه كسر الطليان تعني __رحل من سبها قليل الجني ومن ما كسب ما ساق كان عوينه
حتي سوكنه ما قامها متهني ___ومن كل نقطة قلع اماكينه
فزان فيها زرب زين متول__غير ناسها ماهي مليحة زينه.

     و فزان قد أحتلها الطليان سنة 1913 وظلوا فيها سنة واحدة و طردوا منها سنة 1914 و تعتبر فزان اول منطقة تتحرر بالكامل من الاحتلال الايطالي , وقد اعطت المجاهدين الحافز لمواصلة المشوار فانتفضت كل مناطق ليبيا ضد الطيان , والطليان لم يرجعوا الي فزان الا في سنة 1930 .

الأربعاء، 16 سبتمبر، 2015

وجع السنين .. فزان .. هذا الفرن

فزان .. هذا الفرن
      الصيف والصحراء..    لقاء وكأنه برغبة في اغتيال الحياة .. الشمس في كبد السماء .. صحراء فزان هذا الفرن .. تجاوزت حرارة الشمس اللافحة حد الاحتمال .. لا ظل ظليل يقينا الحر خلاف ظلالنا .. الرمال الملتهبة تحت اقدامنا تقذف وهجا يبعث على النزق والغثيان .. وفي الافق البعيد تبدو اجنحة السراب الفضي الخادعة .. الغم والسخونة الخانقة  ..  لا شيء يبعث نفس الحياة .. هبت عاصفة رملية  ..  تشبعت الاجساد بذرات الرمل .. التهبت العيون .. يبست الالسن .. تجرحت الحناجر .. بحت الاصوات .. والأوفر حظا من لم يفقد حاستي الشم والذوق   .. تفشى الدعر ..  اذ الحياة اضحت  مهددة حقا هذه المرة .  
       جرجرت الشمس ذيولها نحو الغروب .. وأعلن الشفق مودعا نهاية يوم من ايام العمر .. هنا في هذا البراح الوحشي الممتد .. واحة الزيغن بالجنوب .. اضاءت المنازل انوارها .. واستسلم الكون للغة ليل الصحراء .. يطيب الآن الخروج نحو الباحات الواسعة .. فضاءات الصحراء والليل والسكون .. استلقي على صفح تل رملي .. اناجي النجوم .. اتأمل القادم واستنطق لغة الكون  .. اكتب حروفها على صفح الرمل ..  واتمتم بالأماني التي لا تفارقني .. وطن شفي من ألم شديد .. وعودة نخوة الاهل من جديد .. وبزوغ فجر سعيد .. اكتب .. وأعيد ما خططت .
        هناك متعة في الكتابة  اكثر مما هناك متعة في قراءتها ، وجود جمهور يتقبل فكرة متابعة ما تكتب .. ضمن اشياء قد لا تشجع البعض على الاستمرار في الكتابة ..  وهكذا بطبيعة الحال وفي اكثر الاحيان  انت في حاجة الى شريك يحفزك الى الكتابة .. ورغبة في التوافق مع الاخر في الرؤى .
    الكلمات  كرقيق .. هي سبي اقتنصته من وراء حملة مجحفلة في عالم الكتب وتجارب الحياة .. تأمل وإعادة نظر لإنتاج رؤية ..  افراز لغصة اسيرة بين جوانحك .. النفس كمحجر معادن ..  متنوعة بقدر روافدها الثقافية .. تحترق لفضفضة ، كأن تستقطع درر نفيسة من بين معادن خسيسة احتواها المحجر .
        الكلمات سعال .. وفي الفضفضة بكتابتها وصف لأسباب ذلك السعال .. اكتب أي اسعل .
        اكتب للحب عندما تكون طربا .. وللحزن عندما تكون كليم .. اكتب لأنك تحلم .. او لأنك تأمل واليأس يحاصرك .. اكتب للسماح للآخرين قراءة روائع بصماتك .. اكتب أسرار لا يعرفها سواك .. وعن اهوال مرت بك ونجوت منها .. ذكريات زمن ولى .. اكتب لأن لديك ما تود قوله للآخرين .. لان لديك ما تقول مما لا يمكنه ان ينتظر .. حالة مخاض وألم كاتب يتلوى .. اكتب كلما شعرت بأن رحيق الكلم حرر القلم واللسان ..  اكتب لا للمقايضة .. وبلا توقعات لما بعد الولادة .. ودون الحاجة للمعاملة بالمثل .. اكتب .. الى لا أحد .. ولا حتى لنفسك .. اكتب شيء لتقوله وكأنه حجر مقطوع من داخل محجر بعيد القرار .. اكتب فقط لمجرد انك ليبي حر بفعل الثورة .. وليبيا هي وطنك الذي تحب .
       اكتب عن الحكومة .. والوساطات والفقر والتهميش .. وعن نهب الاموال .. والتعاقدات والمليارات .. وعن التهريب والعمولات .. اكتب عن المنافذ الحدودية .. الاحزاب والجمعيات الوهمية .. والفنادق والنزاهات واجتماعات الحوارات .. وعن فزان ومخالب تنهش الكيان .. اكتب بتجاسر اكثر .. وتسأل عن حقيقة وجود قوى اجنبية تدير الصراع .
   اكتب لنقترب اكثر من الوطن ..  اكتب في السياسة وإن عبر الانترنت .. واحذر هناك .. قد لا يكفي ان تستخدم  اسم مستعار .
     في احدى المناسبات السعيدة من ذلك الزمن الغابر ، وما كان يبخل علينا بالمناسبات الاحتفالية والمسيرات الجماهيرية ، ووسط حشد جماهيري لا زال يلتئم ومن المتوقع حضور الرمز الاوحد ، بدأت جوقة تمهيد وتهيئة لما قبل اكتمال تدفق الانصار من كل فج عميق ، وبدأ التزاحم والتقافز على المقدمة ، وحول حلبة المسرح ، احدهم يلقي برقية تهنئة ، واخر وثيقة عهد ومبايعة ، وثالث يريد للجماهير ان تردد بقيادته هتافات حماسية ، ومن يمكنه التقاط لاقط الصوت يكون قد ظفر بالجولة .. كان من بين من تتقاذفهم زوابع الطوفان البشري شيخ مسن ، يبدو انه خصص من وقته الكثير لنظم قصيدة زجلية ابتهاجا بالمناسبة ، سعى بكل ما يملك من قوة وحيلة للاقتراب من المنصة عسى ان يظفر بدور ، وفرصة لإلقاء قصيدته .. وما ان بات قاب قوسين او ادنى ، وكادت انامله تلمس لاقط الصوت من بين ايدي تتصارع ، ولم يكن بالامر السهل ، انتهت به المغامرة والتدافع ، فوقع ارضا بين اقدام المتنافسين ، ومع حرارة الخيبة وقد اشتاط غضبا ، قفز على لاقط الصوت دون ان ينفرد به لنفسه ، وصرخ بأعلى صوته " يعيش الملك ادريس " .. صدح صوت العبارة كوقع الصاعقة بالمكان ، ساد الصمت .. وجحظت العيون مشدوهة لهذا الخرف الذي تسور على ما لا يمكن ان يقبل تحت اى مبرر .. لم يكترث بما جرى وهو يلملم اطراف جرده المبعثره وينفض الغبار .. تذكرت تلك القصة .. خطر  ، فيما لو ان ذلك الشيخ المسن او الخرف بيننا ، لما تردد في القول ..  " يعيش هتلر وموسيليني .. بل وحتى غرايستياني "
       ذات يوم عام 1976 م ، بمعسكرات الاعداد العقائدي التي كان يقيمها ويشرف عليها بنفسه ، راعيا ، ومحاضرا صحبة رفيقه جلود .. بمعسكرات تاجور ، وجودايم ، والسواني ، وابن منظور .. رغم ان حضور طلبة المرحلة الثانوية كان اجباريا ..  ظل يردد.. " انتم جيل الثورة .. العصب الاحمر للثورة .. كما كريات الدم التي تجري بالعروق .. لكن عليكم ان تنتبهوا لنقطة مهمة .. لا تشيروا بالأصبع على شخص بأنه رجعي او خائن او عميل إلا بعد ان يستعصى عليكم استمالته .. واحذروا .. انكم عندما تشيرون عليه بالأصبع جهارا تكونوا قد افقدتم صف الثورة فردا .. وقدمتم الى مناهضيها من الاعداء خدمة مجانية بتجنيد فردا جديد انضم الى صفوفهم بعدما كان مترددا الى حد ما " . حدث ذلك في سبعينات القرن الماضي عندما كان يحشد الاتباع  ولم يشتد عود السلطة المستولى عليها بعد .. وإن عدل عن كل ذلك فيما بعد !!
        يوم 28 نيسان 1793 م . كتبت رتشارد توللي شقيقة زوجة القنصل الانجليزي ، بمذكراتها تقول : ( في هذا الاسبوع فوجئنا جميعا بما فينا القنصل الفرنسي بظهور فرقيطة فرنسية مقلة قنصلا جديدا بعثته الجمهورية الفرنسية . وليس من اليسير على ان اصف الذعر الذي استولى على الهيئة الدبلوماسية الفرنسية في طرابلس : فالقنصل ، ونائب القنصل ، والمستشار باتوا الآن في خطر عظيم . وقد اسرع ضباط الفرقيطة الفرنسية وقبطانها الذي كان مزينا للشعر بضع سنوات ، الهبوط الى الشاطئ ومعهم قنصلهم الجديد . وبعد ان قام القنصل بالزيارة التقليدية الى القلعة حيث استقبل بصورة رسمية هناك . تجمع البحارة في ساحة دار القنصلية الفرنسية . وهنا اجروا تحريات على سلوك القنصل السابق ، وكان البحارة في ثورة شديدة : زرعوا شجرة الحرية في ساحة الدار واجروا محاكمة مزيفة للعائلة الفرنسية التي بدا انها ستلقى حتفها على يد اولئك البحارة المنفلتين . وكان من حسن الحظ ان تصرف القنصل الجمهوري بلباقة في هذه المناسبة ، فقد القى خطابا طويلا هو والقناصل الاخرون في طرابلس في ذلك الجمع الفوضوي من البحارة ونجحوا في السيطرة على عواطفهم وتبديد نواياهم السابقة . وبعد برهة قصيرة ارتفع هتافهم عاليا : ”  لتحي الامة ، لتحي الجمهورية ” ، ثم اتبعوه بـ " ليحي المواطنون " قاصدين بذلك القنصل ونائب القنصل والمستشار. وكان الهتاف امانا لهم من الخطر 
        كان يمكن لكلمة القنصل الجديد ان تؤجج نار الحقد وتشعل فتيل الثائرين .. فهو بمثابة القائد لهم .. لكن حنكته السياسية استوعبت الحاجة الى ضم افراد جدد الى صف الثورة اهم من البحث عن زلة انتماء سابقه ومعاقبة القنصل السابق لتشيعه للملكية المنهارة .. وان الثورة الوليدة في حاجة الى احتضان المواطن الفرنسي اكثر من شغفها بمحاكمة وتأثيم .. وبالكلمة فقط امكنه نزع فتيل اللهب .. وهكذا عندما تغيب عن قادة الثورة القدرة على انتاج الكلمة وانتقاء الحجة .. قد لا يلام الثائرين من العوام على الخروقات ..  القائد المسئول عن رصف الصفوف ، وحشيد المناصرين للثورة الوليدة .. وتعبيد طريقها ..  كما المسئولية عن اختلاق اعداء جدد .. وتقوية الصف المعادي المناهض .. القدرة على التجاوز ، إضفاء مسحة التسامح كفيل بتضميد جراح وطن هزه زلزال الثورة .. ووقاية لها من توابعه .. الثورة على الاستبداد ملكي او عسكري جاءت لتخليص المواطن من ربقته .
       القيادة الراشدة بما تملكه من حنكة سياسية وحدها القادرة على إنقاذ انتصار ثورة بدلا من الغوص بها في مجاهل مظلمة .. قال هاري ترومان ان دراسة التاريخ علمته ان القائد هو الرجل الذي يملك القدرة على جعل الناس يفعلون ما لا يريدون ان يفعلوا وان يحملهم على ايلاف ذلك .. " مونتغمري "  الشهير ، قائد معركة "  العلمين " .. بداية النهاية للحرب العالمية الثانية وترجيح كفة دول الحلفاء .. كتب في مطولته ،  ومن واقع تجربته الشخصية الغنية ..” القيادة .. القدرة والعزم على جمع الرجال والنساء حول هدف مشترك ، يضاف اليهما الخلق الذي يوحي بالثقة .. ولكن امتلاك هذه القدرة لا يكفي . فالقائد عليه ان يقول الحقيقة لأتباعه .. وعلى القائد الحق .. ان يسيطر على الاحداث . فإذا هو سمح لها بأن تسيطر عليه فقد ثقة رجاله .. ان يمارس تأثيرا فعالا .. ان يعرف ما يريد .. ان يرى هدفه بوضوح ويجهد من تم في بلوغه .. ومن الخطأ الاعتقاد انه يكفي اعطاء الأمر . فإن عليك ان تتأكد من أنه قد نفد بالروح التي اصدرته أنت بها .. وإنها لضرورة مطلقة أن يتجنب القائد الغرق في التفاصيل .. وما من قائد أعلى يهتم يوميا بالتفاصيل ولا يجد الوقت للتفكير في جو من الهدوء ، يستطيع ان يضع خطة سليمة .. ان هذه المبادئ تصلح ايضا في الحياة المدنية ، لا سيما في السياسة . وكثيرا ما أرى الوزراء وغيرهم من الشخصيات العاملة في الآلة الحكومية لا يدركونها . ويمكننا ان نسطر على اضرحة كثيرين من الرجال السياسيين المكلفين بوظائف حكومية عليا الاسطر التالية :   هنا يرقد رجل مات ارهاقا لكثرة انشغاله بالتفاصيل . لم يكن لديه أبدا وقت يفكر فيه لأنه كان دائما يقرأ الاوراق . لقد كان يرى كل شجرة ولكنه لم يكن يرى الغابة أبدا " .

           عندما يعتري مسيرتنا الترهل ، خطب ما ينخر حركتها .. الخلل رأس الجسد ، دفة القيادة ، حاجة الى التغيير .. ففيما استخلص منتغمري عن تجربته ، قد نجد ما يمكننا ان نرى الغابة بمجملها دون ان نغرق في التفاصيل  .

الاثنين، 14 سبتمبر، 2015

وجع السنين .. رياضات

     الجري .. الرياضة المفضلة ، لا معرفة لنا بكرة القدم ولا بالكرة الطائرة إلا من خلال ساحة في جوار المدرسة تبرع بها مواطن لتكون ساحة لنا ، وقد نصبت بها علامات المرمى . هنالك حديث في المأثور حول فائدة دم ديدان الإبل " القراد "  في زيادة المهارة . نقول عنها " دلم " و" ذمل " ، و" ذمامل " .. الإبل على مقربة منا طرف الواحة ، نذهب هناك إلى حيث مراتعها ، ونقوم بتخليصها من تلك الديدان . كنا أطفالاً صغاراً ، تآلفنا معها حتى بات قدومنا مرحباً به ، فنحن الأصدقاء الذين قدموا لتخليصها مما يزعج وحدتها وسكونها ،  حشرة القراد الصغيرة الحجم ، المؤذية ، والقادرة على التكور ليتضاعف حجمها أكثر من عشرة أضعاف حجمها الأصلي بفعل كمية الدم التي امتصتها من الناقة أو الجمل . بمجرد هرس رأسها بباطن الرجل ، تنفجر دماً أسوداً قاني ، نلطخ قاع أرجلنا به ونجرب من جديد ، إن كان ذلك أثر فعلاً وزاد من سرعتنا في العدو ، وبقية الزملاء يقدرون .

   الجري حفاة والأرض طينية حجرية في برابي الصحراء. لا معرفة لنا بالكهرباء أو الأسلاك ولا الهاتف . عدة آبار مبعثرة وسط القرية وفي شوارعها كافية لسد حاجة القرية من المياه العذبة. عمق البئر من 3 إلى 5 أمتار في العادة .. وفي الغابة ، يمكنك أن تحفر بيدك لمسافة ذراع لترتوي . قليلة هي المواضع ، وفي العادة يكون الذئب هو المكتشف ومن قام بمهمة الحفر ، تقف لترى الماء يتفجر في بقعة صغيرة وسط الرمال ، ويمد إليك  بيسر ، وسط براح قاحل لم تقوى على معاندة ظروفه المناخية وأرضه العطشى سوى أشجار الطلح والنخيل.

وجع السنين .. النساء قطب الرحى

   مهام عديدة  .. عسيرة  .. مجهدة ، تنتظرها .. القيام مبكرا والذهاب للغابة ، جلب الحطب ، الثمر ، علف الحيوان البلح الأصفر ، " الغمق " يتساقط تلقائيا .. اخضر اللون .. قبل نضجه  . " الغمق " شهي الطعم ، النساء والأطفال يترصدون مواسمه ، مع كل نوه وارتفاع مفاجئ للحرارة ، العادة تتكرر مرتين " رمية الجوزه " و " رمية الثريا " الأكثر دررا .. سري النضج بالثمار . انتهت فترة المشاعية .. إعلان الحجر . " النخل برحوا عليه محجور " .. ينادي منادي يطوف الازقة ، الحاضر يبلغ الغائب ، والداني يعلم القاصي : " النخل محجور " . نداء ختم الثمرة ، 11 شهر الصيف .. علامة حلقة خلف نواة الثمرة ، تشكلت ، لا يجوز لأحد الاقتراب من نخلة الأخر .. لا لجني الغمق ولا الحطب ..  لوس للثمر وفساده .. خطوط على الرمل حول النخلة .. نخلة مخططه .. لا يرغب صاحبها الاقتراب منها ..  معرفة اثر الأقدام ، ومن هو صاحبها ..  كثيرون ممن تمتعوا بحاسة الفراسة واقتفاء الأثر ، يتعرفون على صاحب الأثر ومن هو في شخصه ، أو على الأقل العائلة التي ينتمي لها ، لكل شخص طريقته في المشي ووقع أقدامه على الأرض .. بصمته الخاصة ..  لكل عائلة قواسم مشتركة تجمعهم .
          الأغنام ، حلبها ، علفها ، فرز  الماعز .. ولدت مؤخرا ،  في طور الإنجاب ، خروف أضحية عيد الأضحى ، عناية اكبر ..  تربى تحت نظرها بالبيت ، تهرس " النوى " ، نواة الثمر الجافة بعد نقعها بالماء لليلة او ليلتين ، تفقد صلابتها ويسهل تهشيمها ، تدق بحجر مدور " الدرهوبه " وحجرة مستطيلة تتوسطها انحناءة في شكل حفرة دائرية تحشر حبات النوى " الحوطه " ، كعكة دائرية من خيوط الكتان والصوف العادم . وللأضحية النوى أفضل الأعلاف ، ومنه " الدرور " ..  مسحوق دقيق بودرة .. لتخفيف التهابات جلد الأطفال الرضع والمواليد الجدد .
       مخض الحليب " الشكوه " ، جلد ماعز مدبوغ .. حافظ على هيئته ، ربطت فتحات الأذرع والأرجل الخلفية ، لتبقى فتحة الرقبة ، منها يسكب الحليب بعد مخضه ، مجرد التنفيس بإحكام اليد يتسرب الحليب ويحجز الزبد ، يجمع الزبد كور .. وبالتسخين .. سمن .. سمن بلدي ذو نكهة فريدة ومذاق لذيذ للطبخ .
    طحن الحبوب ، القمح والشعير ،  " الرحى ".. قرصين مستديرين من الجبس المرصع باطنه بالحجر المستوي ، القرص الأسفل ثابت بالأرض والتفافة حوض تلقي الطحين .. القرص الأعلى يداور قلب الرحى ، عود من الخشب الصلب .. توازن استدارة القرصين .. مشد التدوير " الشظ " .. جدع صلب . فتحات قلب الرحى تنفد الحبوب ، تتوزع .. بين فكي القرصين .. دقيق ينساب من على ألاطراف .. سمر النساء .. طحن وطحين ..   غناوي العلم ، الشكوى والأنين .. ( طقات فردات الرحى في الليل ... وين القمر فوق المقادم  صبا .. صحا اللي جرحه نقض في الليل .. يفهم غنا مولاتها صبا .. تمت تنادي في اولاف اقدم .. وتنده على اللي ما يشيلوا هم  .. وتمت تشاكي في الرحى .. وعاد الرحى تشكي  .. لين حان ميعاد الصلاة .. تشكي وهي تشكي ) ..( ويا ريت خوتي ثلاثين .. واولاد عمي بزايد .. ولا ياكلوا لقمة الدين .. ولا يلبسوا جرد بايد ) .
      " المسده "  جرد ، برنوس  ،. تمضي أمي وجدتي وقتا طويلا خلف أعمدة المسده .. صناعة جرد .. بطانية " زاوره "..  جمع الصوف وغسله ، غزل "الكرداش " ، غزل " المغزل " ، نصب المسده وربط الغزل ، وبين الحين والأخر توقف ، لأمر طارئ  يستوجب أداء مهمة ، إعادة ترتيب وربط خيوط قطعت بصدمة " الخلاله " .. رصع النسيج  وتصفيفه .. " أكليم " غطاء خشن .. شعر ماعز .

وجع السنين .. وجع الصبا

وجع الصبا
      الواحة المجهولة المفقودة . البقعة الصغيرة المنيعة الضائعة في هذه الصحراء الفسيحة القاسية الجافة القاحلة .. منظرا بديعا امتزجت فيه ظلال النخيل بلون الرمال .. هناك بسم لي وجه الحياة ، وانبسط أمامي المجهول المملوء أسرار وسحرا .. واحة الزيغن بالجنوب الليبي .. طفل صغير تنتظره أعباء ومشاق الحياة ، حياة أهل الصحراء ومكابدة طقس وجغرافيا المكان وعزلته .. السير حفاة في الهجير .. صهيد الرمل .. يواسيه سكون الليل ، وسحر ضوء القمر ، والتسلي برفقة النجوم ، وصعود الجبال ، وتراصف أجمات النخيل ، وحجارة متناثرة توالت عليها سافيات الرمال ، وبراري ممتدة توشحها أعشاب الصحراء .. العقول .. الضمران .. شجيرات الطلح والاتل والرتم والرسو .. وبين هذا وذاك ما هاج بالخيال وسما بالارواح  . وان كان القول بأن الصحراء العارية هي الحد الفاصل بين الحياة والموت والنجاة والهلاك كثيرا ما يكون دقيقا جدا .
        في سن التاسعة تعودت مرافقة أمي إلى الغابة ، ” الحطية  " ، ما إن يحل موعد العطلة المدرسية . نستيقظ الرابعة صباحا ، لتبدأ رحلة المسير لمسافة خمس كيلو مترات او أكثر ، حسب المكان المرصود لجلب الحطب . امتطي البهيمة المجهدة وتجاورني أمي سيرا على الأقدام صحبة جمع النسوة والصبية المتواعدين قبلها على وجهة السير ووقت بدء المسير ،  تحتفظ أمي بلجام البهيمة في يدها ، وفي أحيان أخرى تطمئن لهدوئها الدائم ، او لرغبة منها في اعتمادي على تدبير أمري فتترك لي المهمة .. كثيرا ما خاتلتني البهيمة ونكست عن الطوع لأوامري ، فاقع صريعا على الأرض ، وبينما تهتم النسوة بسلامتي ، يكون الصبية قد أكملوا مهمة مطاردة البهيمة وجلبها قسرا ، ونواصل المسير . بعد قطع مسافة من صفحة صحراوية متجعدة نلتحم بإطلالة الغابة مع بزوغ الشمس .. نقضي وقتا في جمع الحطب .. طقس شديد الحر يبعث التعب في أوصالنا ، ومع شح الماء والزاد .. نستعيد نشاطنا بكسرة الخبز اليابس .. نحتفظ بها اتقاء لتشنجات  المعدة ، مع قليل من الماء ، سد رمق .
          تقرحات الجلد الدامية الناجمة عن الأشواك الصلبة لأشواك النخل اليابس .. التعب والإرهاق .. استبشر بعزم الجميع تصفيف الحطب وحزمه إعلانا لحالة التأهب للعودة ، ..  قطع مجموعة من جريد اخضر لشجرة نخيل فسيلة ” التافسرت " الأكثر طوعا ، تنقيتها من الأشواك والسعف ، مرسها على  حدب عود عرجون جاف وصلب لتصبح قابلة للثني .. ربط الحزم ..  حزمتين تقرن برباط  " قران " ..  أشبه بنصب يسمح بإسناده على ظهر البهيمة .. تكون أعلاه على الواقي ” البردعة " ..  اطراف السعف تلامس الأرض من الجانبين . وتبدأ رحلة العودة التي لا تخلو من مثالب  ومعاطب ..  انقطاع الرباط .. نكوص البهيمة وشرودها ..  اشتداد حالة العطش والإعياء ومغالبة السير بالرمضاء .
        البهائم تهتدي للطريق وقد تعودت المسير والعودة دون  توجيه ،  قليلا ما تعرج عن الطريق .. نهش عليها نحن الصبية المتابعين الملازمين لها سيرا على الأقدام  .. تبقى مسافة محدودة تفصلنا عن النسوة خلفنا ..  يستأنسن بتبادل الأحاديث .
      ذات يوم .. كنت سارح البال والخيال ، أهيم على وجهي خلف البهيمة ، كان يوما شديد الحر محرق ونسوم ساخنة تلفح الوجوه .. انبعث الغناء من نفس طفل طروبة للعودة تواسى التعب .. حتى أنني لم أنصت لصراخ النسوة وهي تحذرني . وبعد برهة شعرت بنزقهن ، التفت خلفي وإذا بهن في حالة دعر وهلع شديد ، وفي المقدمة أمي تصرخ وتشير إليّ بالنظر إلى أسفل .. ارتسمت ملامح الإشفاق على وجهها ، ” أفعى .. أفعى .. اقفز بعيدا " .. نظرت فيما حولي ، وأحسست شيئا يمرق محتكا بكاحلي ، كان ثعبان طوله زهاء الثلاثة أقدام .. قفزت بعيدا ، وعلى الفور احتضنتني ، وكانت أول الواصلين .. انهمرت دموعها انهار وتوقف المسير .
       استأنفنا المسير .. ولم تتوقف عن ترديد عبارات الشكر والحمد والثناء للمولى عز وجل طوال المسير .. وحيثما وجدت افعى وجب قتلها ، لقد تجاوزت مواطنها بأطراف الجبال .
        كم هو قلب الأم عطوف حنون .. استعيد ذكراها ( رحمها الله ) ، واشعر بحجم الألم الذي تقاسيه اليوم آلاف الأمهات المكلومات  لفقد أبنائهن في هذه الأحداث الدامية القاصمة للوطن ليبيا .. عزائي لكل أمهاتنا الخالدات الصابرات فراق فلذات أكبادهن بقدر الألم المضني الذي يقاسين .. اشعر حقا بألم عميق لفراقك أمي .. وان تقاطرت الآلام .. وطن ممزق .. ومصير مجهول .. وافق لا ينضح ببصيص نور .. وقد أنهكني المرض .. مسكنات .. مهدئات .. سهر .. وحدة .. قلق .. ضجر .. وغربة داخل الوطن .. والفكر في الأهل والولد .. ورياح عاتية فوق بحر مضطرب .. وعذابات اليأس تطفو .. وإنني إذ اكتب والألم والضعف يلازمانني لست أجد ما أقدم لك سوى هذا التعبير القاصر عن تقديري العميق لحبك الخالص الذي لا يبليه الزمان .. غفر الله لك أماه العزيزة وتقبلك برحمته وأسكنك فسيح جناته .. أمين .. أمين .


    لم اعهد والدي مبصرا ، لم تكتحل عيني برؤيته سوى متحسرا راضيا بالقضاء والقدر ، كان احد اعضاء فزان بجمعية الستين الوطنية التأسيسية ، اختار الركون بالمنزل اثر محنته ، وقد قضى بقية حياته متألما صابرا ..  حملتني الكثير من الاعباء المرهقة مساندة والدتي في سن طفولة مبكرة جدا . لقد قاست اسرتي الكثير والكثير من المعاناة ، وكم لحق بنا من الم وعوز اثر تلك المحنة لسنوات طوال .. ان ذلك الالم المضني لا يزال اثره ينخر ذاكرتي وفكري .. يعيش معي كما لا يزال يعيش مع العديد من اسر اهل صحراء فزان الى اليوم .
      فقد والدي رحمه الله بصره .. عام  1960م .. عام الغبار .. عام التفجيرات النووية الفرنسية ..    الخطر متحركا وليس ثابتا .. حركة الرياح والرمال ، بقايا مخلفات التجارب لا تزال مبعثرة على سطح الارض .
     ا
        الخبير برونو ..   " لا يمكن لأي أحد أن ينكر اليوم أن هذه المواد المشعة الضارة هي السبب الرئيسي للعديد من الأمراض السرطانية وأمراض القلب والشرايين بالمنطقة " ..
    لعل الايام او السنين .. تعد إعادة نظر ، وما اذا كان من حق اهل فزان التعبير عن رغبتهم ..  الاطلاع على الارشيف الفرنسي المؤرخ لفترة احتلال فرنسا ؟ .. تحرى ما حدث تحت طائلة سياسات الاغلاق والترهيب .  .
    الوزير الصيد في " محطات " .. المعاناة التي لحقت به اثر كلمة نطق بها امام اللجنة الرباعية الدولية يطلب الاستقلال عن فرنسا .. ” زارت اللجنة جميع انحاء الاقليم وكان آخر اجتماع لها في 26 ابريل 1948م في قريتنا التي تعرف باسم قرية الزوية . وأتذكر كان يوم جمعة ، لذلك استطعنا ان نحشد له آلاف الناس رجالا ونساء من جميع القرى المجاورة ، جاؤوا بخيولهم وإبلهم وحميرهم ، .. ترأس الاجتماع رئيس الوفد الروسي ،.. تناولت الكلمة خلال الاجتماع وقلت ان مطالبنا تتلخص في استقلال ليبيا ووحدتها .. وتحدث اخرون وعبروا عن الموقف نفسه .. هنا سألني المندوب الفرنسي ، لما تكره فرنسا ؟ اجبت انا اطالب باستقلال بلدي ولا اكره فرنسا ، وسألته لماذا قاوم الفرنسيون المانيا حين احتلت بلادهم ، وقلت : نحن لا نريد قتالكم لأنه لا قدرة لنا على ذلك وانتم جئتم لتسألوننا ماذا نريد .. تحدث المندوب الفرنسي مجددا .. ان فرنسا تقدم المواد التموينية للسكان وستطور الاقليم ، .. وادى حديث المندوب الفرنسي الى استفزاز الحاضرين وشرعوا في الهتاف باستقلال ليبيا ووحدتها ، وصرخ المرابط سيدي بن عليوه على رئيس الوفد الفرنسي ، قائلا له  : انا رجل كنت ذا مال ، ولدي قطعان من الماشية ، فأخذت مني القوات العسكرية الفرنسية كل ما املك وتركتني عريانا حافيا ، فهل هذا هو تطوير فرنسا لفزان ؟
   … في الليل وكنت اصلي في المسجد مع بعض الاخوة ، هجمت علينا مجموعة بقيادة متصرف جديد جاء لتوه الى المنطقة يدعى ديبا وهو من اشرس من عرفت من الضباط الفرنسيين . وأخذوني الى المنزل الذي كان قد طوق بجنودهم من جميع جهاته ومن اعلاه ايضا ، وقاموا بتفتيشه  ، وشرعوا في جمع الرسائل فقط . كانت هناك مكتبة لوالدي لم يأخذوا منها اي كتاب لكنهم بعثروا الكتب بحثا عن اية رسالة بداخلها .. ووضعوا في يدي الحديد واقتادوني الى القلعة العسكرية في براك ، وهناك عشت اياما لا توصف . بقيت معتقلا لمدة ثلاثة ايام دون اكل او شرب ، .. وبعدها قدموا لي ماء ساخنا بالملح وقليلا من التمر المسوس . اثناء ذلك القوا القبض على عدد كبير من اعضاء جمعيتنا " الجمعية الوطنية السرية بفزان " .. وبعد مضي خمسة عشر يوما من الاعتقال ، شرع في التحقيق معي . كان التحقيق يبدأ في الساعة العاشرة صباحا وينتهي في الساعة الثانية عشرة ، ثم يستأنف في الساعة الرابعة بعد الظهر ليستمر حتى الساعة السادسة مساء .. طلب مني المحققون التوقيع على بعض الاوراق مقابل اطلاق سراحي .. رفضت التوقيع ونفيت جميع التهم الموجهة لي . هنا احتد احدهم قائلا : انت ستعدم سواء وقعت او لم توقع .. سحب مسدسه ووضعه على صدري .. ثم انهالوا علي بالضرب . كان ضربا مبرحا واستمرت عملية الضرب والتعذيب لفترة اسبوعين ، وكانت تتم يوميا . وتحول جسمي الى ندوب وجروح تسيل منها الدماء . وبعد ان ازدادت حدة التعذيب ، تعفنت الجروح وتقيحت .. احضروا طبيب فرنسي وكان من القساوسة وحين زارني سألني لماذا اكره فرنسا ، فأجبته بأنني لا اكرهها . قال : اذن لماذا تكلمت مع اللجنة الرباعية وأضاف : لانك قمت بذلك لن اعالجك . . استمر وضعي على هذا الحال داخل المعتقل عدة شهور ، سمح لي بالاختلاط ، مجرمين وغيرهم . وأصبحت اعمل معهم في الاشغال الشاقة .. ثم امر بنقلي الى منطقة نائية اسمها الدويسه ، كانت السلطات العسكرية الفرنسية انشأت بها حقول تجارب زراعية ، وهكذا شرعت اعمل في تلك الحقول وقد كانت بعض اراضيها صخرية فطلب مني تكسير الصخر بالفأس ، كان هذا العمل عملا شاقا ومرهقا .. اثناء وجودي بالمعتقل رحل كثير من رجالنا الى طرابلس سرا .. ونشرت في الاوساط السياسية اخبار الاعتقالات والتعذيب والقتل الحاصل في اقليم فزان .. شدة الخوف الرهيب الذي كان سائدا آنذاك ، لم يكن يوجد راديو في  فزان اللهم إلا اذا كان لدى السلطات الحاكمة ، وممنوع دخول اية صحيفة  او اي منشور ) .
      ما التقيتُ جزائريا إلا و شعرتُ أنّ له قرابة بي .. ذكرني بـ .. صرخة الصحراء والرعونة النووية الفرنسية .. وتعويض شعب الصحراء .
      ما التقيتُ جزائريا إلا و شعرتُ أنّ له قرابة بي . اعادني الى زواريب الماضي البعيد ، في طرف مسجد الواحة العتيق .. فرشة مبسوطة لعرض تبرعات الكادحين مناصرة لإخوانهم في الثورة الجزائرية .
     ما التقيتُ جزائريا إلا و شعرتُ أنّ له قرابة بي ، في رسالة عمتي الزهراء من واحتي الوادعة بصحراء الجنوب .. ولا تزال تبحث عن شقيقها : (  معالي القنصل الجزائري بسبها .. سلاما واحتراما ..  أود أن أعرض أمامكم معضلتي .. فقد تقطعت بي الأسباب نحو إدراك أخي (محمد .. ) الذي التحق بصفوف جبهة التحرير الوطني الجزائري عام (1956 م ) ، والذي لازالت محفورة في الذاكرة تلك العبارة التي اختتم بها رسالته الأخيرة للأسرة . يقول فيها :"  يا أبى ويا أمي أريدكم أن تكونوا راضين عني ، دنيا وآخرة ، أأسف جدا أنني لا استطيع أن اسمع عنكم أي شيء ، أما أنتم فلا بد أن تسمعوا عني شيئا ولو طال الزمن " .. والآن وقد طال الزمن ، وبلغت من الكبر عتيا ، لم تنطفي حيرتي ولهفتي علي أخي شقيقي بعد ، كيف هو ؟ وأين هو ؟ وما هي أخباره ؟ ما إذا كان حيا أم ميتا ؟ ما إذا كان له أبناء ؟ وكيف انتهي به المطاف ؟ .
     أملي في كل إخواننا من أهل الجزائر الأشقاء مؤازرتي بالبحث والتقصي حول مصيره ، عسي أن تجمعني به الأقدار ، أو أن اسمع عنه أي شيء كان ، ذلك فضل من الله ولمساعيكم الأجر والثواب )  .
      ما التقيتُ جزائريا إلا و شعرتُ أنّ له قرابة بي ، في عيون اطفال من اب هنا وأم هناك ، من وارقله الى غدامس .. الدبداب .. ادري  .. سبها .. اوباري .. غات .. ايسين 1957 .. جانت .. تصاهر وتداخل ونقاط حدود  .
      ما التقيتُ جزائريا إلا و شعرتُ أنّ له قرابة بي ، في كلمات قالت ..  فعلا داؤنا أكبر من أن يسعفه الطب .. وفي متمنى ان يكون الجيل الجديد في الجزائر له نفس احساس وشعور الجزائريين القدامى نحو ليبيا  .
      ما التقيتُ جزائريا إلا و شعرتُ أنّ له قرابة بي  .. اعادني الى زيارة العين الباردة والشواء فترة الضحى ، وقالمة المدينة الجبلية الرائعة ، مهد الرئيس هواري بومدين ، فسحة ميدان المدينة ، لقاءات الشبيبة .. المقاهي ، المسرح الروماني ،  لفة في سوق ماونه ، الاروقة الجزائرية .. و 15 جوان .. جمال ، مسعود ، عبدالحق .. عمي بخوش ، عمي صالح ، ووناسة دقلة وقهوة .. كل الناس الطيبين مثله .. ممن عبروا  بتجاربه الطويلة .. " راجل ذهب " .. تطاول به العمر ، عمل مبكرا بفرنسا وبقى هناك ، يأتي بين الحين والآخر لزيارة مسقط رأسه .. والقلعة القرية الجبلية الوادعة ، وعنابة زمردة الشواطئ الشمالية ، فترة المساء لابأس من كاس شاي على مقهى كورنيش المدينة .. 60 كم  من قالمة.. جمال يتولى القيادة ، تعاريج الطريق  والجبل ، الربيع يكسو التلال رداء الامل ، استمتعنا بقضاء اوقات لها مذاق ، وقسنطينة والحواري العتيقة ، اسواق النحاس وفنون الطرق اليدوي ، وسطيف ، والقالة المصيف ، نسائم المتوسط ، باتنه الشرارة ، سوق هراس مهد الرئيس الشادلي ، تبسه ، ومعابر الشبيكه ، وغار الدماء ، ومدن الشرق الجزائري ، وجذور اسلاف من اثروا الهجرة تحت وطأة وقسوة وبطش حملات المستعمرين.
       ما التقيتُ جزائريا إلا و شعرتُ أنّ له قرابة بي .. وكأن بي اعبر الطريق البري عبر سهوب وسط الجزائر ، هضبة الشطوط  نحو العاصمة غربا .. ووقفة ببلاد القبائل ، لاقتناء شيء مما نسجت فنونهم وإبداعاتهم الفلكلورية العذبة ..  الى العاصمة وحي القصبة ..  تل مقام الشهيد .. تل الاوراسي ، وفنجان قهوة .. بنكهة الجزائر كلها هذه المرة .
      ما التقيتُ جزائريا إلا و شعرتُ أنّ له قرابة بي .. ولا تزال الذاكرة تستهوي مؤانسات .. وواجب تعازي وان بعد امد .. لمن لا زالوا على قيد الحياة .. اسرهم والأصدقاء .
    ما التقيتُ جزائريا إلا و شعرتُ أنّ له قرابة بي .. ذكرني عبارات عذب الكلام .. نزيف قلم الاديبة الجزائرية احلام .. يتوجع حرقة لوجع ليبيا :
      " ما التقيتُ ليبيًّا إلا وشعرتُ أنّ له قرابة بي . ما زلت أحتفظ بجواز السفر اللّيبي ، الذي منحته السلطات الليبيّة لأبي في الخمسينات ، عندما غادر الجزائر منفيًّا بعد اعتقاله من قبل الفرنسيّين ، لحاجته كما رفاقه آنذاك إلى وثيقة سفر لتمثيل الثورة الجزائريّة في المحافل الدوليّة .
    تربّيتُ على حبّ ليبيا ، وامتنان أبي لكرمها في مساندة ثوّرتنا ، أمّا كرم شعبها فقد خبرته في السبعينات ، حين تعرّفت أمي على سيدة ليبيّة تزور الجزائر لأول مرّة برفقة زوجها ، وأصرّ أبي على إقامتهما في بيتنا ، فخلعت السيّدة من يدها خاتما ثميناً و قدّمته لأمّي ، و ما تركتنا إلّا بعد أن أهدتنا نصف ما في حقيبتها ، وواصل زوجها الذي أذكر أنّ اسمه محمود المغربي إرسال الهدايا لنا من ليبيا على مدى سنوات .
    يروي الكثير ، بمن فيهم أهل الخليج ، أنّهم كانوا في الستينات يقصدون ليبيا للعلاج ، لما كان لمستشفياتها من سمعة حسنة ، بينما كان همّ الليبييّن على مدى عقود البحث عن وجهة يتعالجون فيها ، لكن داءهم كان أكبر من أن يسعفه الطبّ .
    ليبيا الحبيبة ، التي مرضاها وجرحاها يفترشون الأرض ، ويُخطفون في سيارات اسعاف يقودها المرتزقة. وزهدنا في مباهج حياتنا ، لفرط ما رافقنا أبناءها إلى مقابر فاضت بجثامينهم .
     ليبيا الأبيّة ما كانت يوما قصيّة ، ما من رصاصة عبرتها إلاّ وتلقّتها صدورنا وما قُصف بيت فيها إلاّ وكناّ من ساكنيه. ها قد أصبحنا نعرف أسماء قبائلها ، ومواقع مدنها ، بعدما سال دمها على شاشات تلفازنا ، وكنّا قبلها نخاله دماً مجراه دورتنا الدمويّة ونظنّها بلداً لا يوجد إلّا على خريطة القلب " .


الأحد، 13 سبتمبر، 2015

وجع السنين .. غابة

الخريف موسم جني التمور .. الغذاء الرئيسي لأهل الصحراء منذ القدم .. زاد الراكب المسافر .. أنواعه بعدد أصناف فسائل النخل المنتجة له ، " التاليس " في قائمة المرتبة الأولى ،   حلاوة المذاق المميز والطعم العذب الفريد ، منه أصناف .. "  تاليس بخشومه "  .. الأجود  ..  نصف اصفر ،  بلح الشهي .
      " ا لتغيات "  الأكثر شعبية ،  يعمر أكثر ، بالإمكان تخزينه لسنوات دون أن يتلف ، .. طمره في الرمال جديداً ، "  مطمور " .. عجنه جيداً وحفظه بخوابي الفخار الضخمة .
      "  التافسرت "  الأكثر انتشاراً بمنطقة وادي الآجال ، ووديان مرزق ، القطرون … إلخ . طعمه لذيذ .. لقبه " سيد الغلة " .. سيد التمور ، يفضله المسافرون عبر الصحارى للبلاد البعيدة دون غيره ، زاد الرحلة .. بالإمكان أكل كمية كبيرة منه دون الشعور بالحاجة إلى لبن أو غيره لتخفيف وطأة الطعم الحاذق كما في التاليس والتغيات .
      الأسبير، الأقروز، البرني، الحمراي ، التقداف ، الأضوي ، الميسليو، السنبيو، المازوار، الخضراي… الخ.
    طبق " وديده " ، عادة متوارثة عند جني بواكير أي محصول . " تذويقه مجانية للجيران والأقارب "  . طاب سخاؤك ، ودامت أيامك … يا فزان .
    " الاقروز " بادرة موسم النضج .. محصول الفسائل الاخرى لا يزال في طور الاصفرار و" الغمق " ، تنفرد شجرة الاقروز بنضج مبكر لمحصولها .. رطب شهي .. لا يصير الى تمر جاف ، من رطب ، الى حشف ويباس .. علف الحيوان .. في موسم الجني تتجمع النسوة زرافات كل حسب الجهة التي تمتلك بها اشجار من ذاك النوع ، يذهبون سويا ويعودون سويا ، رحلة الطريق تحتاج في العادة لساعتين من السير على الاقدام نحو الغابة . وقضاء ساعة في التقاط الرطب بتمهل ووضعه في " القدقود " ، مصنوع من سعف النخيل ومحزم بحبال رقيقة من الليف تمنحه القوة وحلقات مقبض الحمل ، وللحفاظ على حيوية الرطب ،  يغطى القدقود من اعلاه بطبقة من سعف النخيل الاخضر اثناء العودة .
     "  العينة " اول المحصول أي كان ، عند تناولها لأول مرة بداية الموسم يلزم الحمد والشكر والثناء للمولى عز وجل وذكر اسمه قبل تناولها ، وصية السلف ، اما " البسرة " نادرة ومحظوظ من يقع عليها ، ثمرة صغيرة تنضج منفردة على ظاهر عرجون الثمر وهو لا يزال في طور الغمق الاخضر ، يستبشر الناس بالعثور عليها ، وقبل تناولها يكون الدعاء والتمنى والحلم بما تكنه الخواطر .. حسنا ومأمول التحقق .
  " تمر مسوس " مضى عليه العام وساء تخزينه ، انتشرت الديدان وسط التمرة ، تمر مدود ، عادة يستخدم علف للحيوان ، عدا حال الجوع ، فلا بأس للمضطر ، يقال " الدودة من عودة " ليست غريبة على التمر ، منه واليه .. احدهم اشترى جوال تمر بالليل ، وفي الصباح تبين له ان التمر مسوس .. قال معاتبا نفسه .. "  شريتك في الليل ، ناكلك في الليل " .. حتى لا ينفر من الاكل برؤيته للدود .

   "  حزمة كرناف " ، مضرب مثل للمبعثر الذي يصعب جمعه وحزمه ، الكرنافة  منبت جريدة النخل الجافة ، وقاعدتها على الجدع ، عريضة مفلطحة وقد قصفت الجريدة عنها .

وجع السنين .. مشاركة

  

   سندا مشاركة بناقة .. نمط التوثيق وتداول الاموال ، العملة والاسعار ، ونوع الخط والحبر ، ومستوى التعليم  .. ولندرة الورق كتب السندان في ذات الصفحة رغم فرق زمن الكتابة بعام .. الاول بتاريخ : 1957 م .. ( حضر ، وعلى يدنا على بن محمد الجديد ، وله ناقة بيد .. باع نصفها للفيتوري بن محمد بخمسة عشرة جنيه .. الناقة بينهم انصافا ، والناقة لونها صفره لقحة وعليها الحي البركوسي .. شهدنا محمد بن عليوه ).. شراكة بناقة ، ينتظر مولودها ، تحمل وسم قبيلة المقارحة بيت البراكيس .. وشهد البيع مدير الواحة وموثق معاملاتها..)
     والثاني بتاريخ 9 /11 / 1958 .. (  حضر على يدنا سعد بن منصور الجيد وباع نصف الناقة إلى الفيتوري وصارت بينهم أنصافا ولونها صفراء ولوقحة ونصفه ثلاثة وثلث جنيه وبه شهدنا . محمد بن عليوه . وشهد على ذلك عثمان بن على .. سعد بن منصور الجديد  توقيع إصبعه  الإبهام ) .. المشاركة عنوان جل المبايعات .. حتى ان نخلة واحدة قد تكون قسمة لثلاثة او اربعة اشخاص .. والارث داما يفضي الى شراكات ممتدة .. بالارض والحقول ، والزرع والضرع .
       الجمل .. "  سفينة الصحراء " .. عمق علاقة اهل الصحراء بهذا المخلوق الضخم الجثة .. هادئ الطبع .. لين  المراس .. رابط الجأش .. جبل على الوداعة والصبر وقوة الاحتمال ، لا يعرف التوقف خلال المسير ، ويظل يجرجر ارجله ويواصل سيره مهما بلغ به الارهاق طالما لم تنفد طاقته نهائيا  .. حزين دائما .. وفي الاثر قيل ان انشقاق شفته العليا .. انه حاول ذات مرة ان يبتسم ..  ليس عدوانيا ، لكنه حقود ولا ينسى الاساءة اليه ..  وإذا ما احس بالفزع قد يقدم على مهاجمة أي مخلوق يعترض طريقه ..  رفيق وصديق اهل الصحراء .. ينامون الى جواره وفي كنف ظله يستريحون ..  نال تبجيلهم وتقديرهم واحترامهم على امتداد الاجيال والعصور ومنذ الازل .. حمل امتعتهم .. امدهم بالطعام .. حرث الارض .. وقدم لحمه وميص لبنه وليمة لهم .. ومن وبره وجلده .. مأواهم وكسوتهم .. عرف طريقه عبر رمال الصحراء التي لا تترك اثر على سطحها ، وترك عظامه البيضاء الى جانب المعابر التي غطتها الرمال .. فظلت مرشدا ودليلا لمن جاءوا بعده .
     الطبع وليد البيئة ، المخلوق المسمى الجمل .. اكتسب طبعه واقع الصحراء .. ومن غير المستبعد ان يكون الاثنان قد توافقا في الطباع .. انسان الصحراء .. والجمل سفينة الصحراء 

وجع السنين .. تصحر


       طرف الواحة .. غابة النخيل لمسافة تزيد عن خمس كيلومترات وأكثر .. اطرافها ما تبقى من الغطاء النباتي وأعشاب الصحراء ..  ” العقول ” مضرب المثل " لا شيء ينور مع الفقر سوى العقول "  تزهر عندما تشتد درجة حرارة الصيف .. رغم قفر الماء ومراس الصحراء .. لكنها وبطريقة ما تتشبث بالحياة .
      الاستئناس ببعير او ناقة ضامرة تزهو بلفلفة اطراف ذاك النبات الشوكي بشهوة مفرطة .. مما هو ممتعا كما براح الطبيعة والهواء المنعش النقي .
    ازمان مضت واجيال عبروا وغبروا .. هنا ازدهرت المجتمعات القديمة وانهارت ..  لكننا لا نعرف لما انهارت .. بفعلنا ام نواميس الطبيعة تتبع دورة ما ..  الصحراء القاحلة تحتفظ  في ثنايا دروبها ، وتطمر تحت طيات كثبانها الرملية .. وأحجارها الصلدة .. سجل البشرية العظيم .. صعود وسقوط الامم ..  الحضارة تتبع الماء  .. يمكننا ان نخمّن اسباب انحسار تلك الحضارات وهذا الدمار الابدي الممتد .. بانحباس المطر وجفاف الانهار والبحيرات والأودية الغناء قبل 5000 عام .. متى ما كنا قادرين على دراسة الماضي .. وإعادة النظر في بصمات الاثر .. على صفحات الرمال .. والصخور .. فقد نقرأ بين سطورها الغاز ذلك السر العظيم .. بدء الخليقة على هذا الكوكب .. هنا اكثر الاماكن قفرا وتصحرا على الكوكب .. المكان الاول حيث استوطن الانسان القديم .. هنا فقط كان يوما ما المناخ يوائم طبيعة  حياة الانسان .. بدء ذوبان الجليد الازلي ..   الكوكب جليد مصمت .. التصحر والجليد حدي التطرف الكوني الطبيعي .. كلما انحسر الجليد حل التصحر .. وبينهما فترة حياة .. أما تكون نهاية الكون رهين لحظة تصحر القطبين ؟
       لحظة التصحر العظيم وقد شمل الكوكب بمجمله .. حال كوكب المريخ  .. في الاثر  ثمة حياة هناك .. اضمحلت عندما حل التصحر .. المريخ  قصة حياة التهمها التصحر .. وكوكب عامر يعج بالحياة عندما لم تكن الارض قابلة لاستقبال كائنات حية كما الانسان .
        فزان اقرب المواطن على الارض تشابها بطبيعة كوكب المريخ .. البحث هنا قد يمهد لمعرفة ظروف المريخ بصورة افضل ، يختصر الوقت والجهد .. الانتصار على التصحر .. بعث الحياة .. وقهر التصحر .. قد يتحقق ، لنستنطق حبات الرمل كيف تعرت وتفتتت صلابتها ، والأحجار والصخور كيف حافظت على هيئتها .. ستخبرنا حتما ، وستتعرى حقيقة التغيرات المناخية التي حدثت ، ما كان منها مفاجئا ، وما هو على فترات .. ثمة لغز ما لم اقرأه في المدارس .. حدسي يتسأل احيانا .. ؟ .. ربما نقطة البدء ، بدء الحياة وانحسارها .. مجتمعات عاشت وغربت لتترك رسوم تجسد نمط الحياة المزدهرة  على جدران كهوف اكاكوس وتاسيلي  وتلال امساك .. رسوم لحيوانات تسرح ، وأراض تعج بالخضرة والنماء والحياة .. الاسد ، الفيلة ، وحيد القرن .. الخ .. لابد من البحث عن رؤية جديدة لقراءة كتاب صحراء فزان ؟ .
       امتدادات رملية شاهقة ..” القلب النابض " .. قلب الكوكب وقد توسط  صدر اقدم القارات .. افريقيا .!!
       خمسة وتسعون في المئة من ليبيا صحراء ، عشرين في المائة كثبان رملية  .. تأمل معي هذه السماء الزرقاء الصافية وجمالها المبهر .. وهذه الارض القاحلة الجرداء المفزعة .. ألا تتحسس بأن عشق يتسرب الى العروق ليروي انهار الوجد حد الادمان ..  مدمن الصحراء .. عبدا لها .. استعبدته طوعا بما تبعث في النفس من سكينة تعبق بفوائح الخلود .. الصحراء اكسير الحياة .. وصحراء فزان الكنز الحقيقي المفقود .
       الكلمات تلاشت وتلاشت معها دلالة الاشياء وطرق استعمالها ، والإرشادات الباهتة التي رسمها الناس على سطحها .. الكومة السوداء المعقدة تخيفني .. كنت مثل اولئك الذين يتنزهون عبر البراري والقفار بصحراء فزان مرتدين ملابس الربيع اوآن الصيف ، اقول مثلهم آن لهذه الصحراء القاحلة ان تتحول الى بساط اخضر وجنة ارضية غناء .. كنوز وثروات وزخم تاريخي عريق . هذه الارض الخصبة آن لها ان تنبت العشب .
       هنا مملكة الاحجار الرمادية التي لا يبدو فيها حياة ما ، وامتداد الصحراء ، وصمت واسعا كالفضاء ، الريح هنا تصفر بوضوح ولا تخفي صرير وهجها ، وحبات الرمل تتناثر كشظايا البارود ، بأصوات معلنة ، ووجه مقطب الجبين يلفحه حزن السنين .. هنا حيث تمتزج  الصحراء والليل تحت سماء رمادية موشحة باكاليل النجوم  ، هنا حيث كانت تتوقف الحياة ، فلا يشيخ فيها احد او يموت .
     

وجع السنين .. عابر سبيل


     بيت جدي أخر الشارع ، عندما أغيظ أمي واعرف أنها تود ضربي ، اخرج إلى الشارع ، تلاحقني ، تقف عند زاوية الباب ، تلطم الحائط بيدها ثلاث إلى أربع طرقات ، ( كان مضيتها تمضي ما اكبر ) ، اذهب إلى جدتي ، تفرح بحضوري ، تقرأ على الفور هيئتي .. تسألني .. " أمك بتضربك " .. نعم .. تأخذني من يدي ، وجه لوجه ، أمي تتعهد لجدتي إن لا تضربني .. وهكذا يتكرر المشهد .

      بيت جدي .. سقيفة الشارع يسار ، تفتح على ضلالة صغيرة ، بناء من الطوب وسعف النخيل وجذوعه . ثم الحمادة ، وكاودي صغير اطرافه حجرتان ، احداها التبانه لعلف الحيوان ، والهري لحفظ التمر .. وفي جانب تحتفظ بأدوات وسم الابل لأصدقاء جدي والعائلة ، عمي عبدالسلام الجديد .. وشقيقه الهادي .. وعمي سعد بن منصور ، من اهل الصحراء الرعاة ، متتبعي الكلأ بأطراف الواحة ، تتحوط عشش ، بيوت شعر .. فصل استقرارهم .. لحين هطول الأمطار شمالا ، وسيلان وديان وتلال السوداء والهاروج . وآخرون ممن يأتون موسم تبادل التمر والشعير مع سرت .. وكذا الماشية ، .. واحة سرت 700 كم ..  عيت بوبريق اصدقاء والدي ، وعيت لمولف اصدقاء جدي ، كل عائلة تستضيف اصدقائها .. والدي وعمي حسونه قطع المسافة سبع مرات مشيا على الأقدام ، يهشون قطيع من الغنم جلب من سرت إلى فزان .. في إحدى المرات نفق القطيع عطشا ..  الناس والرعاة بالصحراء يتنقلون من نجع إلى آخر ، ومن واحة إلى أخرى ، الجودة بالموجود . . عابر سبيل .. سريرة القاف براح صحراوي ممتد خانق ، ارض حصوية ، خالي العمران ، والعشب ، والماء والحياة .. من بير الوشكة بالهاروج الأسود ، إلى معطن أم العبيد . 300 كم فضاء مقفر .. لا حياة .. كثيرا ما تنفق القطعان بذاك البراح .

وجع السنين .. صيد الذئاب


     ‏في مزرعة زميلنا القزمية  طرف الواحة ، نلتقي فترة الضحى ، عطلة الصيف متوسط أعمارنا  12 عام ، بوزيد ماهر في صيد الذئاب ، الذئاب  تؤرق الساكنة في كثير من الأحيان ، اذ لا  تترك فرصة للإغارة على أغنامهم تمر بلا غنيمة ، شاة ضان ، معزة ، وفي أحيان تأتي على اغلب القطيع تقتيلا ، تدرك أنهم سيلحقونها بأنفسهم ، الذئب يظفر بواحدة ، الباقي .. اليوم التالي ، يأتي الفلاح ، يرمي جيف أغنامه طرف المزرعة ، فرصة الذئب الثانية من الغنيمة ، فلا شيء ضاع ، يقتات لفترة اطول .
        كنا نداعب ذئب قنصيص حبيس عنده ، قدم فلاح أخر قريب الجهة ، هو الآخر طلبه لبناء حبائل للذئاب يوم أمس ، والآن القنيص وقع في الفخ ، سحب " الحبيلة " الفخ والثقل ، مر بها صعودا ونزول لأشجار الاثل عسى أن يجد طريقة لتخليص رجله بقطعها ، وانتهت مناورته بالدخول في جحر مهجور تخفيه جذوع شجرة أثل .. نظر إلى الجحر عرف اتجاه الذئب ، ادخل يده وتتبع سلسلة ظهره ، قبض على رقبته وسحبه للخارج ، لوي حبل متين حول فمه وأنيابه ، ضربه بالعصا ، توقف عن المقاومة ، هدل  أدناه للأسفل ، اعلن استسلامه .

      ذبحنا الذئب الصيد ، أقمنا وليمة شواء رائعة ، لحم الذئاب لا يأكله الساكنة شهوة ، في حدود الاعتقاد بفائدته العلاجية لبعض الأمراض ،  لكننا أكلنا بنهم ... اللحم لذيذ .

وجع السنين .. انس البراري المقفرة


       أصحو مبكرا ، أتوجه إلى المزرعة القزمية طرف الواحة ، أطلق سراح الأغنام من الزريبة ، احمل في يدي عصا وأهش عليها ، عشب العقول وبواقي الحصيد هي الكلأ والمرعى ، وما إن الحظ انهماك الشياه وانسجامها بالرعي في هدوء ، أنحو جانبا عند جدع نخلة وارفة الظلال ، اتكئ وارقب حراك القطيع الصغير ، الذي لا يزيد عن عشرون شاة ، تسرح الحملان والجديان . أداعب عصاي . أصغي لشقشقة الطيور ، أتأمل الفراغ الأبدي والغموض خلف الأفق الصحراوي المتجهم ، وانشد ترنيمة مصحوبة بإيقاع طرق العصا وأنفاس جنوبية  .. يسبح الدهن في الفضاء متأملا نور الشمس ووهجها الحارق وقد بدأ يشتد ، أحدق بالأفق كالغارق في حلم ، اغرز عصاي في التربة وألتقف حجر ارمي به تلك الشاة المخادعة قبل أن تجفل بعيدا . اعمل بسأم .. وما عسى طفل في عمر التاسعة لا شيء يؤنس وحدته سوى شياه بائسة وبراري مقفرة أن يفعل .
      في الأثر ” الجلب إذا تبيه يجفل اطلق فيه جدي ” وتلك أولى معاطب الانسجام بالقطيع ، ويقال في السياسة أيضا يصدق المثل ، فالحاكم الذي لا يهنأ له بال ، يظل يركض هنا وهناك ، بين حروب وقفزات مهلكة للحرث والنسل ، مرهقة لشعبه ومستقبله ، وذاك حال الجديان الصغيرة بالذات ، لا تهدأ أبدا ، وتظل تركض وتعدو محدثة هرجا وفزع يوهم الشياه  بالخطر ، فتجفل على غير غرة كل في اتجاه مغاير ..  مهمة رعى الأغنام في غياب الكلب ” السلوقي ” مهمة عسيرة . في وجوده يكفي إن تراقب عن بعد ، او ان تومئ  له برمي حجر بالاتجاه ، ستجده قد هرع على الفور لردع القطيع بالكامل مهما كثر عدده ، بل وانك تلحظ مدى استمتاعه بأداء المهمة .
      اسرح ببصري بعيدا .. في الصيف أخشى ضربة شمس مع اشتداد الحرارة اللافحة والمناخ المتطرف ، وفي الشتاء لسعة برد الصحراء القارص . ولملء الفراغ ووقت انتظار انبعاث الشبع في الشياه ، أهم بصيد الطيور بالمنداف ، وفي أحيان الجراد والجندب وكل ما تجود به الحياة البرية .
      الصحراء كالبحر .. كل ما تجود به من كائنات غداء .. الجراد البري ما يميزه انه سريع الشواء .. بمجرد إن تضعه بالنار تحترق الأجنحة ويحمر لونه ويجف ، وفي أكله قرمشة وطعم لذيذ .
      الجندب .. وقت الغروب الصيفي ، يخرج إمام  حفرة اختباءه ويظل يصفر ويزغرد .. نأتي من الخلف ونسد عليه طريق الرجعة .. يقفز للأمام ، نقبض عليه في الحال .. نلف رقبته ونفصل الرأس بطريقة السحب لتلحق به الأمعاء .. نقلم أجنحته ونضعه على نار خفيفة ( جريدة نخيل ) ونتعشى بأعداد وفيرة تشبع وتمتع . رغم أنني ما كنت أطيقه إلا نادرا .
       أفضل الغياص حوت الرمال .. سمكة الرمل .. السقنقور ، نوع من السحالي الصحراوية ذهبي اللون ناعم الملمس .. يتميز بالقدرة على الغوص بالرمل . في العادة يمكن القبض عليه حال رؤية مكان اختبائه . بالحفر 30 سم تحت الرمل تجده ما لم تكن الرمال ناعمة جدا . يعد من أشهى المشويات . هيئته أشبه بضب صغير . طعمه لذيذ . قريب من طعم الجراد المشوي . لكنه الألذ بالطبع .
         وصفة علاجية  في كتب الأقدمين . جاء في كتاب الحيوان للجاحظ (ت 250هـ) : ” وأما قول كثير من العلماء ، ومن نقب في البلاد ، وقرأ الكتب ، فإنهم يزعمون أن للسَّقَنْقور أيرين ، وهو الذي يتداوى به العاجز عن النكاح ، ليورثه ذلك القوة .. وفي موضع أخر ” إنما ينفع أكله إذا اصطادوه في أيام هَيْجه وسِفاده ، لأنَّ العاجز عن النساء يتعالج  بأكل لحمه ، فصار لحم الهائج أهْيَج له " .

   تلك المناطق أضحت الآن مقفرة التهمها الجدب والتصحر التام ، ونضب وجوده ، كما ان الجاحظ لم يترك شيئاً إلا وتكلم فيه . هذه قصة عنه  : رأيت جارية بسوق النخاسين ببغداد ينادي عليها وعلى خدها خال فدعوت بها وجعلت أقلبها فقلت : لها ما اسمك ؟ قالت مكة . فقلت : الله أكبر قَـرُب الحج أتأذنين أقبل الحجر الأسود ؟ قالت له : إليك عني ألم تسمع قول الله تعالى لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس .