الخميس، 6 أغسطس، 2015

لهيب الصحراء - 31

     


   من يقول (  لا ) ينتهي .. "  الله يرحمك يا حسن " .. وهل يخفى .. العقيد حسن اشكال القذافي .. قصة نهايته معروفة ، تلوكها الالسن وراء الاستار ولا تخطئ التفاصيل ، اقرب الشخصيات الى القذافي ، ويقال ان لا كلفة بينهم ، وهو احد الايدي المخلصة له في اوج تعنته وصلفه ، لكنه على ما يبدو قال يوما ما " لا " وكفى .. فكانت النهاية ، الموت رميا بالرصاص .. وها هو العقيد مفتاح الذي لا يقل عنه قدرا لدى ابن عمه ، صاحب الامر والنهي ، يتحدث بلغة التذمر ، وفي ذهنه نهاية العقيد حسن الذي قال يوما ما .. كفى " لا " .. يردد بحرقة .. انا من هذا الشعب ، ما اروع ما قلت ، وما اقسى ما يصفونك به عنتا ، يخالجك احساس الجموع ، وتتألم بصمت لعمق المأساة .   
    عدت الى العيادة ، اكثر قلقا من اي وقت مضى ، أيقنت ان  القيادة لا تعي ما يجري على الارض ، او ان العجز نخر القلب والأطراف ، والصلف يدفعها الى عدم الاعتراف .  
   بنينة ينتظر عودتي بقلق شديد ، والكبانية ايضا ..  خير انشالله ، ان يأتي العقيد مفتاح الى هنا للسؤال عنك ، وفي مثل هذا التوقيت ؟
  - مجرد حالة مرضية اراد رأيي بشأن احالتها .
- " يصير الزلق في الصيف " .. بالطبع .. الانزلاق في الوحل يحدث شتاءا اوآن غزارة الامطار ، الصيف لا مطر فيه .. هذه العبارة التي نطق بها بنينة .. وهو الحاذق بقراءة رموش العين  ..  ادركت انه احس بتهربي من الاجابة ، وان ما حدث مخالف تماما .. لم تنطفي رياح الحيرة لديه .. اعاد يسألني .. باختصار " يعني توا يا دكتور .. السي  مفتاح  تمام .. صافي يا لبن " .
- اطمئن .. صافية لبن .
   دخول الطبيب التشادي غمجة ، منحني فرصة لإبعاد تحريات بنينه ، ويا للمفارقة .. هو الاخر يطلب علاج السعال .. الحال هناك كما هنا ، للأسف نفدت الكمية ، ومراضاة له اخترت بعض الادوية الخاصة بالمعالجات الجراحية ، منحته اياها ، طرب لتصرفي ، ولم يغب عنه التأكيد على حاجة القوات الصديقة الى الاكتفيد .. السعال يكتسح جميع الجبهات .
   غادر الطبيب .. وبنية يطرح موضوعا اخر يؤرقه ،  جندي بالإدارة مكلف بمهمة الطباعة ، وحيد عائلة ، والده توفي منذ امد ، باله مشغول بمصير امه وشقيقاته الثلاث ،  غيابه عنهم طال اكثر مما ينبغي ، وفي غياب الاتصالات ، يكاد لا ينام .. يتمنى طالما اصبحت العلاقة مع العقيد مفتاح " صافي لبن " .. ان اقترح عليه منحه اجازة .. وهو ما حدث في اليوم التالي .. وسافر على اول طائرة .
       توالت الأيام ، وها نحن في الجمعة الاخيرة من رمضان ، مواعظ الخطيب مستقاة من العبر في قصة سيدنا يوسف عليه السلام .. عادت بي الذاكرة الى قريتي النائية بالجنوب الليبي ، ومقاعد الدراسة الابتدائية ، العام الدراسي  1972 - 1973 م .. اثنين من اساتذتنا كانوا من غزة بفلسطين ، غادروا غزة في حرب الايام الستة عام 1967 م .. عام النكبة او النكسة ، او الهزيمة الماحقة وضياع الضفة الغربية ، مرتفعات الجولان السورية ، شبه جزيرة سيناء .. لجئوا الى مصر ، وانهوا دراساتهم هناك ، واختاروا التدريس بليبيا .. كانوا متنورين ، عاشوا معنا وبيننا ، تعلمنا منهم الكثير ، وفتحوا افاقنا على مجالات لا معرفة لنا بها ، المسرح ، الشعر والنقد ، القصص القراني ، ولم تغب قضية فلسطين ومآل اللاجئين عن شروحاتهم .. الاستاذ " محمد" شرح لنا سورتي " الكهف" و " يوسف" .. العبر الكامنة وراء كل موقف ومشهد  ، كنا نرافقه وهو يتمشى وسط مزارع النخيل ، وفي ركن ظليل نتحلق حولة ، نستمتع بأحاديثه .
     مواعظ  خطيب الجمعة اعادت تلك اللقاءات وما حوت من عبر .. سيدنا يوسف الفتى الوسيم ..  رؤياه الشمس والقمر لي ساجدين ..  نصح ابيه النبي يعقوب عليه السلام  بأن لا يروي رؤياه لإخوته .. مَكَرَ الاخوة  وحَسَدَهُم له ..  قصة الذئب والدم الكذب .. تدخل العناية الالهية وإنقاذه من الجب . .مقامه عند  عزيز مصر .. قصته مع زوجة الملك ..  استعصم .. دخل السجن .. اعتراف امرأة العزيز وقد حصحص الحق .. براءته وتمكينه من خزائن مصر .. عودة اخوته قافلين .. أخيه الصغير ودسيسة سرقة صواع الملك .. سيدنا  يعقوب وحزنه لفقد ابنه .. صبره .. صبرا جميل والله المستعان ..  طلبه المغفرة لهم على فعلتهم ..  عود الابن الى حضن اباه .. وقد ارتد اليه بصره .. وبطل كيد الكائدين .
   يبدو ان مواعظ الخطيب .. وحديث الرؤيا خلق مناخا مشبع بالأحاديث عن الاحلام والرؤى .. من رأى انه عاد الى أهله .. ومن حملت رؤياه اجتياح القوات التشادية للقاعدة .. وعند الرؤيا الاخيرة .. هجعت الاصوات .. تفاءلوا خيرا .. تجدوه .
   بنينه يسخر من صاحب رؤيا الاجتياح ، " اتظن انك من آل يوسف " .. ما تقوله ، اضغاث احلام ..  ماذا فعلنا كي ننتهي الى ذاك المصير المشئوم الذي تعدنا ؟
   رئيس عرفاء " القنطري" .. له تأويل اخر لما يحدث ، ويرى انه ذو علاقة بما شاهده في حرب تشاد الاولى عام 1981 م .
  -  وماذا شاهدت ؟ عقب المجموعة بصوت واحد .
  -  المولى عز وجل لا يظلم احد ، وما كان بظلام للعبيد .. كنا في منطقة " ازوار " ، جيش مجحفل بترسانة الموت ، مدفعية مختلفة الانواع ، رشاشات خفيفة ومتوسطة ، عربات صواريخ الجراد .. الي غير ذلك .. وذات يوم قتل احد الجنود الليبيين في اشتباكات كر وفر ، اشتاط الجميع غضبا ، وكانت بجوارنا قرية صغيرة يعتقد ان المهاجمين مروا من هناك ، عشش متناثرة بسفوح الوادي ، اشجار الاتل ، وبعض اكواخ الطين والقش ، اناس بسطاء فقراء عزل .. آمر السرية فقد توازنه ، امر حظيرة صواريخ الجراد بقصف القرية .. " تقلدوهم هالعبيد " .. وبدأت الراجمات بالقصف ، وحمم النيران الملتهبة تتساقط وتحرق اكواخ القش ، علا صراخ الاهالي ، تبعثروا فزعين كل في اتجاه ، نساء ، اطفال ، شيوخ ، يهرعون ويصرخون ، حيواناتهم ايضا ، الماعز والابل ، كل ما كان حي بالمكان ظل طريقه وفر .. كنت انظر باستياء شديد لما يحدث ، ولا احد نبس بكلمة توقفوا ، او ان ما تفعلونه لا يرضي الله .. وآلمني ان البعض  كان يقهقه بسرور .. وأكثر من ذلك ، بلغ بأحدهم الهوس - " طير شر " -  وراهن على ناقة لقحة لم تقوى على مقارعة القطيع الهارب ، وما اذا حوت بطنها حوار ام بكره .. صوب رشاش نحوها ، وأمطرها بوابل من الرصاص ، تمايلت يمينا وشمالا ، ووقعت صريعة الموت ، ترغي والدماء تنزف .. تاقت رعونتهم وفضولهم لمعرفة ما في بطنها .. وعندما وقفوا عندها ، وجدوا صغيرها الذي دفعت به الى الحياة في سكرة الموت ، بكره ، لكنها ماتت هي الاخرى .. وبينما هم في غيهم ، حضر شيخ مسن ، صاحب الناقة .. يعدو ويعرج ويصرخ ، وعندما تيقن له فقد ناقته  .. جلس جوارها كليم حزين ،  وقال لهم " هرام .. هرام " .. ورفع يديه للسماء يدعوا ربه  .. " هذا الله بس .. الله بس .. الله بس " .. الشكوى لله الواحد الاحد ، ناصر المستضعفين في الارض .
   في صباح اليوم التالي تعرضنا لهجوم من قبل مجموعات الكر والفر ، لم تحدث اية اصابات او اضرار ، سوى اصابة واحدة ، رصاصة حارق خارق ، مزقت جمجمة ذاك الجندي الذي قتل الناقة .. وتناثر دماغه اشلاء .
     لحظات وجوم واسى سيطرت على المكان ، المجموعة تنظر لبعضها البعض وتعيد النظر ، لعل منهم من يراجع ما اقترفت يداه في هذه الحرب الظالمة ، يستنكرون فعلة الجندي البشعة .

    هنا وقف " بنينه" الذي لا يطيق صبرا في مثل هذه المواقف ، قال بصوت عال .. " اسمعوا يا جماعه .. وقولوا قالها  بنينه ..والله والله .. كل ما فعل الليبيين في  تشاد  صاير في  ليبيا  .. كيف زمان .. كيف توا .. عاجلا .. وأجلا " .

رحّالة الصيف: رحلات الباشا حسنين





أكثر من كتب عن حسنين باشا ومن عرفه، كان ساحر الصحافة والحكاية المصرية، محمد التابعي. فالتابعي كانت له عين على النساء وعين على النسائيات. ويجب القول إنه كانت له مخيلة أيضًا، يلجأ إليها عندما تكون الوقائع باردة أو رابضة وفي حاجة إلى أجنحة تطير بها. وكان بارعًا في تركيب الأجنحة وتلوينها.
ظهر أحمد حسنين باشا أيضًا في كتابات محمد حسنين هيكل، كجزء من نقد مرحلة الملك فاروق. ثم ظهر للعموم على نحو بارز في مسلسل «فاروق» الذي كان قبل سنوات من أفضل الأعمال الفنية المتقنة. وقد سألت يومها وزير خارجية مصر الراحل أحمد ماهر (باشا) عن ملاحظاته عن المسلسل، فقال إنه كان صادقًا تمامًا إلا من بعض الاختلاف في ثياب وأزياء الممثلين. ولد حسنين باشا في عام 1889م لأبٍ كان عالما بالأزهر. وتلقى تعليمًا دينيًا تقليديًا في طفولته؛ حيث حفظ الكثير من سور القرآن الكريم وقرأ على أبيه الكثير من التفاسير. كذلك حفظ بعض قصائد الشعر العربي القديم؛ مما انعكس على أسلوبه الأدبي وأمدّه بذخيرة تراثية مميزة. التحق بعد ذلك بالمدرسة الخديوية التي كانت مقصورة على الصفوة، ثم سافر إلى إنجلترا حيث أكمل تعليمه بجامعة أكسفورد. وبجانب تفوقه الدراسي لمع في مجال رياضة السيف (الشيش)؛ حيث حصل على عدة بطولات في هذه الرياضة، أهمها بطولة جامعة أكسفورد. كما اشترك في الدورة الأوليمبية عام 1912م كأول عربي يدخل هذه المسابقات.
كان حسنين باشا محبًا للمغامرة، وأراد أن يكون في شبابه طيارًا، فقاد بنفسه طائرة من إنجلترا إلى إيطاليا، وحاول الطيران إلى مصر ولكنه لم ينجح. كذلك شُغف بالصحراء واستكشافها والارتحال إليها، فقام بالسفر في بعثتين استكشافيتين لصحاري ليبيا جمع فيهما الكثير من الملاحظات العلمية عن طبائع وعادات القبائل والبدو الذين يسكنون تلك الصحراء. كذلك قام بجمع بعض العينات الصخرية من أجل دراسة تلك الصحراء جيولوجيًا. كما كان له الفضل في اكتشاف بعض الواحات الصحراوية بمصر كواحتي «اركينو» و«العوينات»، وألف عنها كتابًا بالإنجليزية سماه «الواحات المفقودة».
عمل بعدة وظائف حكومية رفيعة، أمينًا للملك فؤاد، كما صاحب البعثة التي سافرت مع الملك فاروق أثناء تعلمه بالخارج، وعندما تسلَّم فاروق الحكم أصبح حسنين باشا رئيسًا للديوان الملكي.
غدًا نص من رحلته إلى الصحراء الليلية.
إلى اللقاء..
سمير عطا
الأربعاء - 19 شوال 1436 هـ - 05 أغسطس 2015 مـ

الأربعاء، 5 أغسطس، 2015

لهيب الصحراء - 30





      شهر رمضان .. وارق الصوم .. هذا الصباح حضرت للعيادة مبكرا .. لاحظت وأنا اهم بجرد الادوية والمستلزمات نضوب علاج السعال  " اكتفيد " .. انتظرت بنية الذي يأتي متأخرا بعض الشيء ، سألته عن الكمية المتبقية ، وتبين لي قيامه بصرف العلاج من تلقاء نفسه دون استشارتي .. ليس من عادته ، كيف يحدث هذا ؟! ، اجابني : كثر المترددين لطلب العلاج ، وأدرك كما حدثك سابقا انهم لا يعانون السعال ، ولكنهم وجدوا فيه مهدئ ومخدر لهم بديلا عن الخمر .. وتبين لي ان عدد معاقري الخمر بالقاعدة كثر ، قلت في نفسي لما لا  ، بدلا عن شربهم لقاذورات وسموم " التاكيلا " التي يصنعونها بأنفسهم .. قنينة لكل فرد .. كنت اظن انني افعل الخير .. وها انا اعتذر .
- لكننا في رمضان .. أليسوا صائمين ؟
- جميعهم صائمين .. يتناولون جرعة بعد الافطار .. وحبذا يا دكتور وأنت تعد الاحتياجات والنواقص المطلوبة مستقبلا ، ادراج الحاجة الى عدد من الصناديق حجم كبير  من علاج السعال " اكتفيد " .. " على الاقل ننستروا مع العرب " .
   قدم جندي مكلف من العقيد مفتاح .. الآمر يطلب حضورك الى مكتبه بعد الظهر .. علم ، وسأكون في الموعد .
   لم يهنأ لي بال ، ما حاجته بي ، بالأمس نهر الجندي المريض ، وحذرني بصلف ، اشعر بالقلق .
    وإذا لا مناص من تنفيذ الامر الصادر .. بنينه ايضا شعر بعدم رغبتي في المقابلة .. يشد من ازري بعبارات من المأثور الشعبي : " الراجل طير حر ان حصل ما يتخبل " .. " يجيبها الله لك زينة " .. وبعدين : " ليلة قبرك ما تبات في الخلاء " .
      في الموعد .. ركبت السيارة واتجهت لمقر الادارة .. ومكتب الآمر .. الحراس يبدو انهم على علم بقدومي .. وما ان ولجت المكتب ، هلل ورحب بقدومي على غير ما عرفته ليلة البارحة ، شعرت وكأنه عاتب نفسه  ولم يقوى على الاعتذار .. وبنوع من الدعابة قال لي : بودنا ان نقدم ضيافة لك ، مشروبات باردة تخفف وطأة الحر .. لكننا في شهر الصوم .. اود فقط ان ابلغك بأنني وافقت على احالة المجند المريض الذي حفزك للقدوم ليلة البارحة .. وبإمكانه المغادرة هذا المساء بالطائرة . ادرك بأنك خرجت بالأمس غير راض .. لكن يجب ان تدرك ايضا ان الوضع هنا خطير للغاية . نحن اصبحنا في الواجهة .. الجيوش في المواقع المتقدمة سابقا ، تقهقرت ، وتوالت الانكسارات .. وحماية القاعدة امانة في رقبتي ، اعداد الجنود في تناقص ، المعنويات مترهلة وفي ادنى درجة ، انا ادرك ذلك ، ولكن لا مجال للتراخي ، ما لم نقف نحن هنا في مواجهة هذا الزحف ، سيحتل التشاديين الكفرة . وربما لن يقفوا دون بلوغ بنغازي .. الوضع خطير . . بل وخطير جداً .. نسبة الهروب تجاوزت 25% .. ومن هم موجودين غير مؤهلين ، وأبلغت القيادة بالأمر الواقع ، ولا اجد غير الانتظار والترقب .. لهذه الاسباب رفضت الاحالة .
    شكرته على موقفه ، وأردفت بالقول .. ما جدوى الاحتفاظ بعسكري مريض ، هل تتوقع انه سيدافع لحظة الشدة ؟
- لا اظن ذلك .. ولكن ما العمل ؟ لا  تتوفر لدي حلول بديلة .. هذه الحرب اشبه بحفرة عميقة ، تأكل ولا تشبع .. كم من الرجال ذهبوا ضحيتها .. من خيرة رجال الوطن .. في الجولة الاولى ، وفي هذه الجولة اللعينة .. الآن الامور اكثر سوءا ، مرارة قاتلة ، فرنسا تقارعنا بقوة وفي صدارة الحدث .. وليس لدينا القدرة على المواجهة .. الجيش نفسه يرفض القتال .. ومع ذلك ، نداري ونتحمل وزر ما آل اليه حالنا ، وأخر ما تفتقت به تدابيرهم .. ارسلوا طلبة مدارس .. صغار في السن وغير مدربين لحماية وادي الدوم .. ذهبوا ، وطوت رفاتهم رمال تشاد .
    اصغي اليّ يا دكتور .. قم بواجبك كما ترى وكما ينبغي .. اما انا فسأعمل بما يمليه واجبي  واستطاعتي ،  لحماية  قاعدة السارة .. لن يدخل التشاديين القاعدة وأنا على قيد الحياة .. هذا الكلام مخصوص لأجلك .. ولا اريد له ان يتجاوز حدود باب المكتب .. هنا تحدثنا .. وهنا طمرنا .
      حديثه كان مفاجأة ليّ بكل معنى الكلمة .. ان تسمع مثل هذا الكلام من جندي او ضابط صغير ، ربما .. اما ان يتحدث القائد مدركا عجزه والخطر المحدق .. هذا خطير جدا .. وللغاية .



      ودعته .. وغادرت المكتب ، تنهشني مشاعر مختلطة ، مثقلة بالأسى والحسرة ، والخوف والحذر من المجهول ..  ليس في بالي الان العودة للعيادة .. اخترت الذهاب الى خلوة المزرعة .. اناجي النفس ..  وانتشي نفحة من اثر روح الرفيق الاشكداوي .. اقضي بعض الوقت في ري ما بذرت يداه .. اعيش لحظات مع ذكراه .. وذكرى اخرون رحلوا .. ولعلني لاحق بهم .
    الوقت بين الثانية والثالثة ظهرا ، القاعدة في سبات وسكون تام ، حرارة الطقس حارقة .. اسقي الزرع  ، انصت لخرير الماء يتدفق .. اتأمل  الجداول ، واري الاشكداوي يؤنس وحدتي ..
      كنت اخشى الاقتراب من العقيد مفتاح .. هو في تعبيرهم " تيار ضغط عالي " .. ابن عم القذافي .. ومن ذات العائلة .. وها انا اراه يشاركني تخوفه ، ويفضي اليّ اسراره .. غابت تلك الصورة التي رسمتها عنه .. ثقته بي .. حرصه على سلامة جنوده .. تصميمه على الصمود والأوضاع مترهلة .. اكبرت فيه الكثير والكثير .. نعم .. الكل هنا تقتله المرارة والإحباط .
      اغترف غرفة ماء من الساقية .. ابلل وجهي وأطرافي .. اخفف لدعة شمس .. ولدعة المصير المجهول .. اتأمل الامتداد الصحراوي المحيط .. وهذه الدشم والطائرات والمعدات .. هل سيغدو مصيرها ذات يوم .. مصير اضعافها في وادي الدوم .. الحيرة قاتلة ..  يا الله .. هل ينتظرني مصير رفاقي ؟ .. ام لا يزال في العمر نصيب ؟ .
   سيارة قادمة نحوي في هذا الوقت الصامت ، عندما توقفت .. فوجئت ان العقيد مفتاح لحق بي الى هنا .. ام انه اتى هو الاخر يطلب خلوة علاج النفس ..  اتجه نحوي .. وبادرته اللقاء والتحية ثانية .
 - خيرك بسم الله ،.. قاعد في ها الشفناني  هنا ؟! .. شمس عليك .. اليوم بالذات .. حر يطيح الطير الطائر في السماء .
 - بيني وبينك يا أفندي ..  خرجت من مكتبك ، خطر ببالي ري هذه الجداول اليتيمة .
- مررت على العيادة .. اخبروني بأن لا مكان اخر لك سوى المزرعة .
-  ان شاء الله خير يا أفندي ؟!.
-  خير ..  اردت ان اؤكد لك على ان الكلام الذي دار بيننا  في المكتب ، يبقى في المكتب !!.
-  اطمئن .. وعدتك .. وعند وعدي .. وما قلته هو ما دفعني لاختيار خلوتي في هذا الوقت .. اذا انت لا تستطيع ان تقول ما يخالجك ، او ان تفعل .. اذن من الذي يستطيع ؟

- زفر زفرة طويلة نفثت من الاعماق .. وكأنه يحمل  جبال تبستي برمتها على ظهره ..  وقال :  " أيه يا دكتور .. بالله خليني ساكت .. واحنا منين .. السنا من هذا الشعب !! الله غالب .. الله غالب ..اللي يتكلم ويقول  لا  ، يعدي فيها ..  ربي يرحمك ويغفرلك يا حسن " !!! 

فضيحة :الجيش الكامروني يلقي القبض على فرنسيين بحوزتهما شحنة سلاح ومتفجرات موجه إلى بوكو حرام


IMG_87461-1300x866

الجيش الكاميروني عنده الدليل القاطع على أن الإستخبارات الفرنسية و الجيش الفرنسي هما الوجه المستتر للمجموعة الإرهابية (بوكو حرام)
بعدما ألقى الجيش الكامروني على فرنسيين بحوزتهما متفجرات, أحبط الجيش الكامروني تسليم شحنة سلاح حربي موجه إلى هذه المجموعة و الذي تم الكشف عنه بداخل حاوية كانت متواجدة في ميناء دوالا و الذي إكتشف على إثره تواطؤ بعض الرسميين من الكاميرون

حلقة جديدة في مسلسل التواطىء الفرنسي مع الإرهاب الدموي في المنطقة بحيث تم العثور على هيليكوبتر من طرف الجيش الكاميروني في شمال الكاميرون و الذي حط في منطقة نائية و كان هذا الهيليكوبتر محمل بالعتاد الحربي و الذخيرة الحربية و كذا بقيمة معتبرة من الدولارات بحيث نزل الهيليكوبتر على ما يبدو في هذا المكان بإتفاق مسبق لكي يأتي الإرهابييون و يتسلمون البضاعة و لكن السكان هناك أعلموا الجيش و تم مصادرة الهيليكوبتر التابعة للجيش الفرنسي


المجموعات الإرهابية هي صناعة الدول الإنبريالية و التي تريد العودة لمستعمراتها السابقة و كذا لتحقيق حلم إسرائيل الذي هو بناء إسرائيل الكبرى ،الأمور أصبحت واضحة و من لا يريد أن يرى في النور فهو أعمى البصر و البصيرة
ها هو رابط كل هذا الكلام ( بالفرنسية)

لهيب الصحراء - 29




    الأسى والفقد .. الموت والأسر .. الفجيعة ..  بصمات الحرب عبر الزمان .. من يشعلون فتيل الحرب ، يسبغون فعلتهم بلحاف الحق المقدس .. يبررون تهورهم بشرعية زائفة .. يختلقون الذرائع .. يغترفون من معين الدين والوطن ما يواري سوءتهم .. الدفاع عن العرض والوطن والدين .. يغرقون جندهم البسطاء بشعارات تبتز فيهم روح الاخلاص .. يعدونهم بالمجد والخلود .. يكبرون فيهم حب الاستشهاد .. شهداء الحق .. الموعودون بالجنة .. في خطبهم نبرة الافتراس .. وروائح الموت .
    ليلة الامس كانت الفرحة غامرة بوصول الاسير المفقود .. واقعة خلاصه من براثن الموت .. اعجوبة .. بعثت في نفوس مستمعيه العبر ..  وفي نفس رئيس العرفاء منصور الترهوني فجرت شجون تعود الى الماضي القريب ..  عام 1980 م عندما اجتاحت القوات الليبية الاراضي التشادية .. يستذكر تلك التجربة ، ويعلق بامتعاض شديد بين اللحظتين .. يتحسر على واقع الجيش بين الامس واليوم .. التدريب والإعداد .. المعنويات .. المهارة .. حرفية التخطيط ..  يختصر الفرق في عبارة واحدة : " بالامس كان لدينا جيش .. اليوم دوه فارغة " اي لا شيء .
     عام 1980 دخلنا تشاد بمحورين .. الشرقي انطلق من واحة الكفرة نحو السارة الى اوجنقا ، ام شعلوبه ، ابشه .. والمحور الغربي من فزان نحو اوزو ، كرزو ، بردي ، فايا لارجو ، وصولا الى العاصمة انجامينا .. خلال شهرين فقط احكمنا سيطرتنا على كامل التراب التشادي .. كان لدينا ضبط وربط .. وفرضنا احترامنا على الشعب التشادي بطيب المعاملة .
    بعدما سيطرنا على مدينة " ابشه "  في ديسمبر 1980 م .. تمركزت قواتنا بإحدى الاودية  .. انتظرنا عدة ايام .. اعدنا تنظيم صفوفنا استعداد للهجوم على العاصمة انجامينا  .. كان الموطنين التشاديين المدنيين على مقربة منا ..  وذات يوم قدم شيخ مسن صحبة ابنته  ، طلب مقابلة الآمر .. ظننا انه يريد مالا او تموين ، وان اعتقد البعض انه يبيع شرفه .. استقبله الآمر محمد .. لمدة تزيد عن الساعة .. ثم خرج الآمر وطلب تجمع كل القوات .. حالا .. دون استثناء لجندي او ضابط .. امتثلنا للأوامر .. نادى على الشيخ وابنته ، وطلب منهم تفحص الوجوه .. فردا فردا .. عددنا يفوق الاربعمائة عسكري .. بعد تفحص ما يقارب المائتين .. اشارت الفتاة على مجند ، وقالت : هذا هو .. هو .. هو .. صرفهم الآمر وأعاد  الاصطفاف بطريقة مختلفة ، ونادى على الفتاة ووالدها ، تفحصت الوجوه للمرة الثانية ، واشارت للشخص عينه ، وكذلك الكرة الثالثة ..  طلب من الشيخ وابنته انتظاره في ردهة الادارة .. وبدأ التحقيق مع المجند الذي اعترف بأنه وجد الفتاة ترعى اغنام بالوادي المحاذي لموقعنا ، كانت بمفردها ، توقعت انه يرغب في احتساء حليب الماعز ، لكنه انقض عليها ، واغتصبها .
      دبت حالة من الغيظ بين الجميع ، استنكارا لفعلته ، خرج الامر من جديد الى الساحة وبيده سوط ، وطلب التجمع من جديد .. ربط الجندي على جدع شجرة امام الجميع ، وأقام عليه حد الجلد .. مائة جلدة .. بحضور الشيخ وابنته ، كان المجند يتلوى وصرخ بأعلى صوته ، وعندما انتهى من جلده ، فك رباطه ، وطلب من مجموعة التموين ان يتولوا مهمة تحميل تموين من مختلف الاصناف ، وبكميات وفيرة ، وايصال الشيخ الى حيث اقامته ، وجبر خاطره ، وطلب السماح .. وبالفعل .. قبل الشيخ بالمراضاة .
   في اليوم التالي حضر مجموعة من مشائخ المنطقة ، قابلوا الآمر محمد ، قدموا شكرهم له ، وأعربوا عن اطمئنانهم  لتواجد القوات الليبية .. وان لا اعتراض لديهم على قوات تحتكم الى الاسلام دين .
     هكذا كان الجيش في الثمانينات .. يقوده قادة مخضرمين  .. يحكمه الضبط والربط ، وتميزه الاحترافية والمهارة والمعنويات العالية .. اين نحن اليوم من ذاك الزمن ؟ .. هل يعقل ان يتألف جيش من طلبة مدارس  حديثي السن ، لا معرفة لهم بشؤون الحرب والقتال ؟  يدفع بهم الى الجبهات اشبه بالنعوش .. " طاجين " .. اما المعنويات ، فما تبقى منها تترجمه حالتي .. منذ اكثر من سبعة اشهر لم ارى عائلتي !! .. وهذا حال جل من تراهم هنا ، لا احد يرغب بالقتال وخوض الحرب .. او مجرد اطلاق رصاصة واحدة بالجبهة .. مجرد اناس مرغمين على التواجد هنا ، ينتظرون لحظة الزحف على المكان ليتفرقوا .. لن يقاوم احد .. الجيش دمر نهائيا .

  كنت استمع لكلماته وأتوجس الخطر القادم .. نحن هنا في المقدمة .. وفي اي لحظة معرضون لهجوم مباغت .. فما عسى ما تخفيه لي الاقدار ، والايام المقبلة ؟!

لهيب الصحراء - 28




    
   كل الانظار تتجه نحو الاسير القادم بعد فقد طال ، شاهدا على معركة " فادا " والهزيمة الماحقة .. شاب ثلاثيني ، ندوب الاسر وويلاته ظاهره في تراقص عينيه ، وكأنه لم يصدق بعد انه نجا مما كان فيه ، نحيل الجسم ، لحيته الكثة وعيونه الغائرة تنبئ بحجم ما ناله من هول الاسى .. عندما بدأ يحكي قصته ، انصت الجميع باهتمام بالغ ، الافواه فاغرة ، الاذان صاغية لكل حرف وكلمة ، العيون تتحرى حركاته وسكناته ، ونبرة الشفاه .
   كنت ضمن القوات الرابضة بمنطقة " فادا " .. بغتة فوجئنا بهجوم القوات التشادية من كل جانب ، تشتتت القوات وفقدت السيطرة والمناورة ، وتم لهم احتلال المكان بالكامل ، حيث تمركزنا ، لم يتوانوا في قتل من لا يزال على قيد الحياة ، رأيت رفاقي يقتلون امامي بدم بارد ، رغم اعلانهم الاستسلام ، اختبأت تحت غطاء مهتري لمدفع 14.5 .. " قيطون " .. شاهدت كيف كانوا يبتهجون بالنصر ، وبلملمة الغنائم ، عربات رشاش 14.5 .. مدافع 106 .. عربات صواريخ الجراد .. الاسلحة الخفيفة ، ثم اتجهوا نحو مخازن التموين ، يحتسون العصائر ويصرخون بهستيريا فظة .. لم يتركوا اي شيء إلا اخذوه .. ظللت متسمرا في مكاني .. ارى الموت يقترب .. ولا اجد مفر منه .. يساورني الأمل في ان لا يثير نهمهم هذا الغطاء البالي .. لكن احدهم اتجه نحوي ، وعندما هم بحمل الغطاء .. استثقل الحمل .. جمد الدم في العروق عندما نفض الغطاء .. أصبحت امامه حاسر الوجه والجسد .. صرخ في وجهي وانهال ضربا مبرحا .. لحق به اخرون ولم يتوقفوا عن ضربي وتعذيبي .. كل واحد منهم يركلني بطريقته ، تتقاذفني الارجل واللكمات .. والدماء تسيل مني من كل جانب .. شروخات في الوجه تركت اثارها ، كما ترون .. لا رحمة ولا شفقة .. اصرخ .. واصرخ .. استجدي رصاصة رحمة ..  جفت حنجرتي .. تبلد جسدي .. خفت الموت .. وعندما تمنيته لم اجده .. بعد اكثر من نصف ساعة من العذاب المتواصل .. حضر شخص آخر .. احاط بي ، كنت منهك الجسد تماما .. حملوني كالجنازة الى حيث يقبع ثمانية اسرى ليبيين .. وجدتهم وقد نال منهم التعذيب ما نال مني .. يئنون ويتوجعون .. يتململون  وجنوبهم لا تحتمل استرخاء الجسد .. كنا جميعا نرمق لبعضنا البعض كأشباح .. بقينا على تلك الحالة لعدة ايام .. الالم والخوف والجوع والعطش تحاصرنا .. قليل من التمر والماء يرمى لنا كما يرمى للحيوانات .. وفي اليوم الثاني جرجروا اثنين من رفاقي الى الخارج  ، وبعد قليل سمعنا صوت الرصاص .. وصرختهم الاخيرة .. ايقنا بأن الموت قد حان موعده .
    في اليوم السابع .. دخل علينا احدهم .. نظر اليّ وبدت ابتسامة على وجهه ..  ظننت لحظة اللحاق بالرفاق الآن .. لكنه خرج ولم يجرجرني .. عاد بعد لحظات بمفرده .. وفي جعبته ماء وتمر وقطع من الخبز .. وضعها أمامي .. ثم  انحنى ، و قبل راسي ..  وخرج .. ذهلت ولم استطع تفسير موقفه .
     منتصف الليل .. وبينما كنت مستغرقا في نومي .. تحسست وجوده وعودته .. ايقظني وامسك بيدي .. تبعته الى الخارج حيث جرني .. تثاقل جسدي الى الارض .. همس لي .. لا تخف .. لا تخف .. هيا .. تعال معي .. وما كان لدي خيار .. قادني لمسافة تزيد عن كيلو متر مشيا على الاقدام .. هناك وجدنا سيارة تيوتا تنتظر قدومنا ، يقودها اثنين من التشاديين ايضا .. ركبنا السيارة وانطلقت بنا تطوي الصحراء الى حيث لا ادري .. وبعد مسير لحوالى ساعتين  .. توقفوا .. وقالوا لي : " توا أنتا فيه نوم " ..  عند الفجر استيقظوا .. الشخص الذي جرجرني من الاسر يتوضأ ويتهيأ للصلاة .. بعث في نفسي شيء من الطمأنينة لا عهد لي بها  منذ لحظة الاسر .. توضأت وشاركته الصلاة ، وان كانت حركتي مترهلة ووجع ووخز التعذيب يؤلمني من كل جانب .. شاركوني زادهم .. خبز وتمر .. انعشني .. كان نور الفجر بزغ في الأفق .. رفع العمامة عن وجهه وسألني : هل عرفتني ؟
   نظرت اليه .. حاولت ان اتفرس ملامح وجهه .. لم اتمكن من معرفته .. قال لي .. انت نسيت .. انت تنسى .. ألا تذكر يوما ما عند بوابة البرطمة ( 200 كم شمال سبها منتصف الطريق الرابط لواحتي الشويرف وبراك طريق طرابلس الجنوب ) .. كان ذلك قبل خمس سنوات مضت .. كنت احد الجنود الرابضين بالبوابة ، انزلونا مجموعتك من السيارة ، كنا مستأجرين .. وضعونا في " تريلا " .. حجرة الصفيح .. ينادون علينا .. العبد .. هات العبد .. وكان من بيننا اشخاص من النيجر وغانا .. جماعتك اخذوا منا كل ما بحوزتنا من اموال ، وهي ضئيلة ، ولكن ذلك ما كنا نملك  .. ( هات فلوس ) .. بقي بحوزتي خاتم صغير بالأصبع .. اخذوه ايضا .. اعتقدوا انه من الذهب .. ثم اتى احدهم .. لا ارى فيه إلا صورة شيطان .. نعم اقول انه من شياطين الانس .. انهال علينا ضربا وإهانة .. كنا ندرك انه يريد المال ويعتقد اننا نخبئ اموالنا .. فتحت انت الباب .. اوقفت تهوره ، وضربه لنا ، اعدت لكل منا المال الذي اخذ منه ، وعندما قلت لك انهم اخذوا مني خاتم اصبعي ايضا .. ذهبت اليهم .. وكنا نسمع الهرج والمرج بينك وبينهم .. هو يقول لك هؤلاء عبيد .. وأنت ترد عليه اين خاتم الرجل .. اعطه خاتمه .. واعدت لي خاتمي .. ثم اشار الى اصبعه وقال .. هذا هو الخاتم عينه .. انا لا انسى إن نسيت .. انت من اهل الخير ولا يجب ان تموت .. انت رجل تستحق الحياة .. انا اموت دونك .. " انت انسان هرام يموت " .. انهمرت عيناي بالدموع .. بكيت وبكيت .. وهو يحضنني وزملائه .. نعم تذكرت ذلك الموقف .. وافراد " التوكه " المجموعة .. ولم اجد مبرر لتعذيبهم .. وأدركت ان من يعذبهم يريد ان يسرق اموالهم .. وقمت بإعادتها اليهم .. وكل ما سلب منهم .. وأطلقت سراحهم جميعا .. يا الله .. ما كنت ادري انني سألتقي احدهم أبدا في هذه الدنيا مرة اخرى !! . يا للمصادفة الفارقة .. تحركت السيارة واتجهنا نحو " اوجنقا" .. ومنها حتى أوصلوني الى القوات الصديقة ..  الحمد لله انا اليوم بينكم .. صدق المقال " دير الخير وأنساه .. ودير الشر وأرعاه " .

   تلك الليلة ..  امتزجت دموع الفرح .. ودموع الحزن ..  خضبت ثرى المكان .

لهيب الصحراء - 27




   حل شهر رمضان ، تغيرت المواقيت والمواعيد .. عمل العيادة من التاسعة الى الواحدة ظهرا .. ومن العاشرة الى الثانية عشر ليلا .. كعادة معظم الليبيين .. السهر ليلا ، والنوم نهارا ،  ومع اشتداد درجة حرارة النهارا  في عمق الصحراء ، ثمة ما يبرر الكسل .
     اقتصرت المعالجات صباحا على تغيير ضمادات الجروح ، الامراض الجلدية .. " مراد " يتردد باستمرار ، الطفح الجلدي يزداد التهابا ، وأمام الرفض المتكرر لإحالته على طبيب مختص ، زاد تدهور صحته يوم بعد يوم .. الاكتفاء باحالة التقارير الى الادراة لن يجدي ، قررت ان لا مجال للسكوت اكثر ، حسمت امري ، واصطحبته بعد الافطار مباشرة الى بهو الضباط حيث مركز تجمعهم ، رتب مختلفة ، ملازمين ، نقباء ، رواد ، مقدمين ، كان دخولي صحبة مراد مفاجأة لهم ، لا زال بعضهم منهمك في تناول الاطعمة والترويقات ، امطرونا بنظرات مشدوهة .. اردت ان لا تطغى حالة الاستغراب ، طلبت من مراد ان يرفع قميصه ليرى الجميع نظر العين حجم معاناته ، وما ان وقع نظرهم على التشققات والالتهابات واحمرار لو الجلد والصديد ، وكأنه تعرض لانفجار قنبلة ، توارى معظمهم ، ومن التفت الناحية الاخرى ، لا احد رغب في متابعة الرؤية .. المقدم احمد اختار تغطية عينية ببطانية ملقاة على الاريكة حيث يتكئ ، وانزوى الى ركن البهو ، يهرف بكلام لم اميز فحواه مع او ضد .. العقيد مفتاح صاحب القرار والذي جئت لأجل اقناعه بإحالة المريض ، متكأ على اريكة فاخرة ، امامه عدة اطباق من المأكولات .. مشويات ومقليات .. وسلال الفواكة والمشروبات متناثرة بالهو .. يمينا وشمالا .. اعتدل في جلسته قليلا  ، وخاطبني باستفزاز  : ما هذا يا دكتور ؟
- استعصت حالته ولم اجد طريقة لأطلعكم على معاناته .. ثلاثة مرات رفضتم طلب الاحالة ، الرجل يتوجع بشدة .
    وضع صحن المشويات الذي بيده على المنضدة ،  فتح إزار قميصه ،  أشار الى ثالوله اعلى صدره .. وقال : ارأيت هذه  ، ذهبت الى لندن ولم اجد لها علاج .
  - يا أفندي  مفتاح ... انت  اعطاك ربي وتمكنت من العلاج بلندن .. هذا الجندي راقد ريح .. يأمل في العلاج بطرابلس .. اتأمل منحه الفرصة .
    انتفض بنزق كعادته .. صرخ في وجه الجندي وهو يشير اليه بيده طالبا منه مغادرة البهو ..  " اطلع بره .. اطلع بره " .. وقفت مشدوها امام تقلب مزاجه المفرط .. التفت اليّ انا الاخر محذرا : " اسمع يا دكتور .. هذه او مرة لك ، واخر مرة .. تحضر عسكري مجند الى هنا " .
 - حاضر افندي .. كنت اظن انني عملت ما تفرضه عليّ مهنتي وواجبي .. اسف .. شكرته وغادرت .. مع انني لمحت في عيون عدد من الضباط الرضاء والارتياح لما قمت به .
   عدت للعيادة مكسور الخاطر ، وفي نفسي اقول : هذا ثمن تهورك ، بدلا من ان تساعد المريض برفع معنوياته ، وتحفيز جهاز المناعة على دفع المرض ، حطمت نفسيته ، لقد ثم نهره امام الجميع  .. يا لوجعي انا الاخر .
   جلست على كرسي المعالجة ، اشبه بجثة هامدة ، اعاتب النفس وأراجع فعلتي ، هل ما قمت به يعد صوابا ؟  ألا ينبغي اللحاق بـ " مراد " والاعتذار له عن ما لحق به بسببي ؟  ادمدم واهرف كفاقد الوعي .. وبينما انا على ذلك الحال .. حضر الطبيب التشادي " غمجه " .. صحبة " اكوكو قاجا " .. ظننت انهما جاءا بغرض المراجعة ، لكنه بادر بالحديث .. يا دكتور .. " فيه هبر كويس ، أنتا يفرح ياسر ! "  .. خبر سار يفرحني ، ما هو :
- "  فيه  واحد أسير  ليبي ، يجي من  فادا !!. "
   سررت حقا للخبر ، وصول جندي ليبي سبق اسره في معركة " فادا " .. احدى الهزائم والانكسارات للجيش .. وكم من المفقودين الذين لا يعرف عن نهاية مصيرهم .. ها هو احدهم قد وصل .. الحمد لله .
- " أنتا يمشي معانا ويسمع بروهك ! "  .. لما انا بالذات ، مجرد طبيب لا علاقة لي بالأسرى ، ويريدني ان اذهب معه لأسمع وارى !! ترددت في الموافقة .. لم يسبق لي زيارة معسكرهم ، وما لاحظه ان الثقة المتبادلة بين الطرفين ليست كما يروج لها ، كلمة " قوات صديقة " اشبه بالمجاملة للحفاظ على حليف .
      ادرك بنينه المأزق الذي يحيط بي ، وترددي في حسم امر الذهاب .. نادى عليّ .. يا دكتور .. المريض ينتظر وأنا جهزت الحقنة ، لنكمل ما بين ايدينا اولا .. وفي غرفة المعالجة حذرني من الذهاب معهم .. هؤلاء لا ثقة بهم .. ولكن لا تتركه يغادر ، سأذهب الى النقيب عبدالسلام وأستشيره فيما يجب فعله .
    انهيت معالجة الحالة ، وعدت لمواصلة الحديث مع الطبيب وقائد القوات الصديقة .. وكسبا للوقت .. سألتهم كيف هي احوال القوات ؟
- والله يا دكتور .. ما كويس .. ما كويس .. فيه جوع كثير .. ما في " منجريه ".
- ابديت تعاطفي معهم ، كيف يمكن ان تشكو القوات الصديقة من الجوع .. الى ان حضر بنينة والنقيب عبدالسلام ، كل على حده .. وعلى الفور سأل بنينه النقيب عبدالسلام : هل من المسموح به مغادرة الدكتور للعيادة والموقع ؟ .
     اجاب عبدالسلام باستغراب شديد .. ماذا قلت ؟ .. ممنوع منعا باتا !.. ثم سأل :  الي اين ؟
     أجبته .. الطبيب " غمجه" والقائد  " اكوكو قاجا " افادوا بوصول أسير ليبي ، وهو موجود عندهم بالموقع .

   طلب منهم النقيب احضار الاسير فورا ، وبلهجة حادة لم تعجبهم ، وتوترت الاجواء لولا تدخلي ، هدأت من الموقف ، كنت اشعر بأنهم ارادوا رد الجميل لي شخصيا .. قلت للطبيب ومرافقه ، طالما هو اسير ليبي يجب احضاره .. وقبلوا بالأمر .. وان يتولى النقيب عبدالسلام المهمة .. بعد جدل .. ورفضه لذهابي .. ابلغهم انه سيذهب مع سرية حماية .. عصر اليوم .. وتم الاتفاق .. ومع موعد الافطار .. عاد النقيب عبدالسلام وبرفقته الاسير العائد .. قابله الجميع كشقيق غائب لدهر .. احضان .. قبلات .. تهاني بالنجاة وسلامة الوصول .. عمت الفرحة المكان .

لهيب الصحراء - 26




   " بوليس " احد الرفاق الذي عاد لتوه من الاجازة .. تحصل على اسبوعين أثم خلالهما مراسم الزواج ، فرحنا بقدومه ، واحتفينا به ، باركنا له الزواج ، معظم الجنود عزاب ، يدفعهم فضول لتحري تجربة الحلم بعش الزوجية  ، تكاليف وطقوس الفرح ، والمصاعب التي لا قت زميلهم ، وكيف تدبرها او تغلب عليها .. لم ينسى نصيبا من المكسرات ، وحدثنا عن كل خطوة خطاها ، فساتين العروس ، مستلزماتها ، الى اللوز ، الكاكاوية ، جميعها من تركيا ، سافر اخيه الى استنبول للغرض ذاته .. هنا بدأت تعقيبات الرفاق .. حتى اللوز والكاكاوية لم تعد متوفرة بالسوق .. لنقرأ الفاتحة على المرحومة ليبيا .
   كنا متلهفين لتلقف الاخبار .. وصف لنا ما شاهده في ببنغازي واجدابيا .. قصص الموت ، ضحايا حرب تشاد ، ومع اطلالة كل صباح جديد ،  بلاغ عن متوفى جديد .. خيم العزاء في كل شارع ، مدن تحولت الى مآثم .. الناس تتألم بصمت .. واكتسى الحديث طابع الحزن والرثاء ، بديلا عن الفرح والاحتفاء .
     في المساء حضر الطبيب التشادي " غمجه" المرافق للقوات الصديقة ، برفقة مريض يتصبب عرقا ، ويئن بفزع ، لا يكاد يقف على صلبه .. يهذي بكلام مبهم ، فهمت من الطبيب ان المصاب هو قائد القوات الصديقة ، ويدعى " اكوكو قاجا " ، لذغته عقرب .. ولم تجدي الاحجبة والتمائم ولا قراءة العزائم .. شرعت بإسعافه ، حقنة مضادة لسم العقرب ، كمادات ، كان الدواء المتوفر فعالا ، مثل هذه الحالات تتكرر هنا ، ولم يمضي من الوقت الكثير حتى شعر بالتحسن ، خف الالم ، وعلامات رضا الطبيب غمجه بدت ظاهرة على وجهه ، قدم شكره لنا على ما قمنا به .. عادت البسمة الى وجه " اكوكو قاجا" .. انت يا دكتور .. ان شاء الله ما يشوف شر !!.

   في الاثناء يبدو ان الخبر بلغ القيادة ، فوجئنا بحضور العقيد مفتاح يطمئن على الحالة ، شكرنا هو الاخر .. تمنيت لو انني انتهزت الفرصة وتحدثت معه بخصوص ضرورة تحويل الجندي " مراد" الذي يعاني من تقرحات جلدية حادة ، ورفضت اوراق احالته للمرة الثالثة . لكن ذلك لم يحدث .

الثلاثاء، 4 أغسطس، 2015

لهيب الصحراء - 25



     اعتدت مؤانسة النقيب عبدالسلام .. حديثه ممتع ، طلاقة اللسان ..  ذكاء ثاقب ، بصيرة نافذة .. تنهل من عقلية واعية .. مثقف ومحب للاطلاع  ،.. تحصل على تقدير ممتاز بالشهادة الثانوية ، وثم توجيهه للقوات المسلحة ، وإذا لا مناص .. حسه الوطني فرض عليه القبول ، ففي قناعاته يؤمن بالوحدة العربية طريق لتحرر الامة من الهيمنة الغربية .. اذ تحدث عن الصادق النيهوم يذكرك بأخر مقالة له بمجلة الناقد ، وعن مالك بن نبي يشرح معنى القابلية للاستعمار .. وفي اصله توليفة ليبية .. والده من منطقة " بير الغنم " .. اسرته تقطن منطقة بن عاشور طرابلس ،  والدته من مدينة درنه ، من جذور قريتلية .. درس بمدرسة على النجار الثانوية بطرابلس .. يعد ضمن خلايا اللجان الثورية بالقوات المسلحة ، وعندما سألته عن خيار انخراطه .. اجاب :
-  تاريخ مضى تعلمت منه الكثير ولا اود الرجوع اليه ، وليس الوقت مناسبا لطرقه .. كما علمتني تجربتي بالقوات المسلحة الكثير ، شاركت في حرب لبنان 1982 - 1983 م .. وشاهدت العبث الذي دمر منارة الثقافة العربية آن ذاك ، وكيف تصادمت ارادات قوى عالمية لتحرق بلد صغير بحجم لبنان ، وما كان دخول ليبيا حلبة الصراع سوى نوعا من التجني اللامجدي ، حال دول الخليج التي انحازت هي الاخرى لتأليب طرف على اخر .. صراع ارادات ، وأموال تضخ من هنا وهناك ، افضت في النهاية الى تصفية القضية الفلسطينية .
    - كيف ترى ليبيا المستقبل ؟

   -  اعتقد انها ضائعة بين خليفة وخليفة وخليفة .. ولا مجال لشرح التفاصيل .. عليك ان تعرف الفرق بين " الدرناوي والدرنيني " .. و  " ورفلة الفوقيين ولوطيين" ؟!..  كيف تريد ان تبني دولة حضارية  وأنت تتغنى بمنطق القبيلة ، عشت في طرابلس العاصمة ، مدينة تتوق للعصرية والحداثة ، زملائي بالمدرسة اعرف أسمائهم وأسماء عائلاتهم ، وتربطني بهم علاقة متينة ،  انظر اليوم ما الذي يجري ؟!! .. تتجول وسط العاصمة ، تداهمك لوحات تعلو مقرات .. رابطة شباب ترهونة .. رابطة شباب الصيعان  ..  رابطة شباب الزنتان .. الخ .. هذا الانحراف بالقبيلة مدخل لتجزئة الوطن وتمزيق نسيجه الاجتماعي .. لا عهد لنا به .. لماذا يحدث كل هذا ..  اسأل نفسك دكتور  .. بدونة المدينة العريقة .. لتصبح مدينة القبيلة .. أظن اننا اخترنا الخيار الخاطئ .. والذي ستكون نتائجه  كارثية في المدى القريب والبعيد .. تشظى  كيان الدولة .. وأضحت تائهة . وما نزرعه اليوم  ، سنحصده ثماره غداً، .. كل ما أقوله الآن .. " ان شاء الله  الطيحه تجي  تسلحيب " .

لهيب الصحراء - 24





   كدت اخلد للنوم .. الطقس داخل الغرفة حارق .. اشبه بفرن الجمر .. صيف الجنوب .. درجة الحرارة قاسية ..  لكنه في البراح الخارجي .. ممتع ليلا .. نسمة رطبة .. اعددت فراش في الهواء الطلق .. اتأمل صحن السماء .. النجوم السيارة .. النجم القطبي ودرب التبانة .. عظمة الكون تتجلى في ليلة غاب عنها القمر .. وفي موعده المتأخر دائما ـ قدم النقيب عبدالسلام .
- كيف انت هذا اليوم ، ألا زلت تطارد النوم ولا تجده .
- نعم .. اسعى اليه .. اطلبه ويأبى .. الفكر في الاهل والوطن يشغل تفكيري .. وهذه الرمية العجيبة في اتون صحراء جرداء .. واخبار الحرب والقتال .. ومتى تنتهي الحرب ؟ .. والى اين نحن سائرون ؟ .. ورفاق غادروا ولن نراهم ثانية ..  كل شيء يعادي النعاس .
- اشعر بوجعك .. وجعنا جميعا .. الحرب هي الحرب .. اننا في مأزق ومسرحية متعددة الفصول بدأت منذ وقت طويل ، ولا ندري متى يسدل الستار .. حرب تشاد ورطة ليبيا .
- اخبرني شيء عن معاصرتك لهذه الحرب ؟ انت عسكري اقرب منا الى فصولها .
- اول السبعينات تأسست حركة فرولينا ، حركة معارضة للنظام الحاكم في انجامينا عاصمة تشاد .. كان حسين هبري القطب البارز بالحركة .. وليبيا داعم خفي .
   عام 1978 م .. بدأ النظام فعليا في التدخل في شؤون الدولة الجارة  ، دفعت بآليات مجنزرة وطلائع الجيش .. عبر مدن الجنوب .. سبها ، ام الارانب ، القطرون ، الويغ ، كرزو ، الكفره ، لتتجاوز خط الحدود .. منحازة الى قوات فرولينا .. عبرت مدن شمال تشاد ، زوار ..  أوغي .. عين كلك .. كردمي .. الخ .. عبرت ألاف الكيلومترات ، وتم لتلك القوات المشتركة دخول العاصمة انجامينا وتنحية الرئيس فيلكس معلوم ، ونصب قائد قوات احدى فصائل فرولينا كوكوني عويدي رئيسا ، وحسين حبري وزيرا للدفاع .. لكن الاخير اختلف مع الرئيس وتمكن من طرده ، ومن تنصيب نفسه رئيسا للبلاد ، بل ورفض الهيمنة الليبية على القرار التشادي ، وطالب بالانسحاب من اقليم اوزو الحدودي .. المختلف حوله آن ذاك .. التجأ كوكوني الى الشمال ، ومن جديد وجد في الحليف الليبي داعما لتكرار الجولة والمحاولة ، وتمكن من طرد حبري ، وتولى رئاسة البلاد ، وفي هذه المرة كانت القوات الليبية صاحبة اليد الطولى في تحقق الانتصار  تحت ذريعة دعم الحكومة الشرعية بزعامة الرئيس كوكوني ، لكنه ما ان اعتلى كرسي الرئاسة ، طلب انسحاب القوات الليبية التي اطلق عليها مفهوم قوات السلام .. لم يلقى قراره قبولا لدي القذافي ، فأمر الاخير بانسحاب القوات فورا ، ما احدث فراغ استثمره خصمه حبري المتربص بالكمرون  .. اعاد ترتيب قواته ، وانقض على العاصمة ، ثم لاحق فلول كوكوني والقوات الليبية المتمركزة بالشمال .. والحق الهزائم تلو الهزائم بها ، غنم قواعد عسكرية مجهزة ، واليات ، وتجاوز لمهاجمة واحة اوزو واحتلالها .
   حرب كر وفر ، استنزفت طاقات ليبيا البشرية والمادية ، دمرت معنويات الجيش الليبي .. افرغت خزينة الدولة ، حرمت الشعب من الوفرة النفطية في حينها . توقفت حركة التنمية .. المدارس اصبحت ثكنات عسكرية .. والشعب يهتف قسرا  : " بالخبزة والماء .. قررنا الحياة ".. اغلب الضباط .. يا دكتور .. متذمرون مما يجري .
   - اذهلني سرده للأحداث ، وعن تصريحه بالتذمر والرفض .. سألته : كيف يأتي هذا من ضابط يقود معركة ؟ 

- هذا هو واقعنا ، ولو انني لا اثق بك ، لما صارحتك ، نحن وقود هذه الحرب ولسنا قادتها .