الجمعة، 31 يوليو، 2015

الادراة الفرنسية في فزان وطبيعة علاقتها باسرة سيف النصر

لهيب الصحراء - 11





    مضى اسبوع  على التحاقي بقاعدة " السارة " .. وها انا اجد نفسي احمل علامات الاستفهام ، تلاحقني تهم العداء المضمر للنظام ، او بالاحرى للثورة وقائدها ، ومن حيث لا ادري .. مجرد زلة لسان اريد لها احقاق حق .. صحيح ان زيارة العقيد النعاس خفف الكثير من وطأة التوجس ، لكنها بالمقابل جعلتني احسب خطواتي واحدة باخرى ، احتاط لكل صغيرة وكبيرة ، التزم الصمت خشية زلة لسان ، او عبارة انطق بها تفسر على غير وجهتها ، عيون الرقابة منتشرة في كل زاوية وناحية ، الحيرة تقتلني ، اطارد الفكرة ولا اجد مخرجا .. اين المفر .. الصحراء من امامكم ومن خلفكم .. تحاصرني حيثما فررت .. لم اكن هكذا ذات يوم .. لم اخشى سوى ما يغضب الله ، ووالدي ووالدتي ، كنت دائما طائر حر ، يرفرف بجناحيه في الاعالي ، ادرك مكامن الخطر ، وحدود المعقول .. وادرك ايضا ان ثمة امران في ليبيا ، خطوط حمراء ، من يقترب منها لا يأمن على نفسه ولا عائلته ، وسيلفحه صهيدها المزمجر ، " القائد " و " الثورة " .. كلمة واحدة كافية لوقف انفاس الحياة بالجسد .. ما لم تنتهي الى زواريب سجون لا يعلم بما وراء قضبانها سوى من هو حبيس جدرانها .. ابوابها تفتح مرتين فقط ، يوم استقبال السجين لاول مرة .. ويوم مواراة جثمانه .
   في السياسة اعمل بقاعدة .. " ابعد عن الشر وغنيله .. ما ادير شيء ما ايجيك شيء " .. وهكذا اتوخى المحافظة على علاقة جيدة مع الجميع .. لكنني اليوم اشعر بفقد الاتزان .. وبتجاوز الخطوط الحمراء دون وعي ، حياتي مهددة ، ومستقبلي رهين اللحظة ، اكره العبودية ، واعشق الحرية ،  لكن عندما يصبح مطلب الحرية جسر يقود الى ظلام السجون ، يبدو التروي والحذر صفة عاقلة .
      حرب تشاد  كارثة ، استنزفت ثروة البلاد المادية والبشرية ، لم يستشار الشعب في خوض غمارها ، ولا يرى فيها قضية منصفة ، ذلك شعور عام مضمر لا تقوى الالسن على البوح به . ماذا لو ان الاموال التي هدرت على التسلح والقتل انفقت على دولة تشاد الجارة للرقي بمستوى وعي ومعيشة الناس هناك ؟ ماذا لو شيدت المدارس والجامعات والمكتبات بدلا من تصدير القنابل والمتفجرات ؟ اتسأل بصمت ، ولا اجد الاجابة .
    تذكرت لحظات لم اندم علي قراري فيها ، يوم ان زارنا بالمدرسة الثانوية ثلة من العسكريين ، ملابس انيقة ، طله متعالية ، انفة وشعور بالثقة وعزة النفس ، اوهمونا بالانضمام لصفوف القوات المسلحة ، خدمة الوطن في ارفع ميادين الشرف والمجد .. وعزف على اوتار الامة العربية وتحرير فلسطين .. بعض الزملاء اختاروا مغادرة كرسي الدراسة والالتحاق الفوري بكلية الضباط ، وكثيرون فضلوا مواصلة دراساتهم .. كانوا معذورين .. لم يتوقعوا ان تحرير فلسطين سينتهي بهم الى مجاهل صحراء تشاد ، ولابد ان تلك الامتيازات التي نسمعها ونراها تقدم لضباط الكليات العسكرية كان لها وقعها وتأثيرها على قرارهم ، سيارة حمامة 504 .. قطعة ارض ، الهيبة لدى الجهات العمومية ما يكفل تسيير الاجراءات الخاصة ، وأشياء اخرى لا تستثني جذب انظار الفتيات بنجوم يتراقص شعاع لمعانها على الكتف .
   اعود اليوم واتأمل المصير الذي انتهى اليه معظمهم ، حروب توالت ، يؤلمني انهم غادروا ولن نراهم ثانية .. حرب تشاد ، فخ لبنان ، مأزق أوغندا ، قفصة تونس، انقلابات افريقيا ، جبهات التحرر ، البوليساريو والولي الرويعي  ، قرنق وجنوب السودان ، ابوسياف والفلبين ، نيكارجوا وارتيجا ، فرق صواريخ سكود لمناصرة إيران ،  اريتريا وجبهة التحرير .. الى بوكاسا ، وعيدي امين ، ووو .. وكم من سلاح زرع بالقارة الافريقية ليمتطي سدة الجهل والفقر ، ويشعل حروب لا حصر لها ، من سيراليون وحرب ماس الدم ، الى ليبيريا وبوركينا وبورندي والقائمة تطول .
   اوااه .. هذه الكليات العسكرية التي تستهوي الشباب ، اصبحت مصيدة تلتهم مستقبلهم التعليمي ، ومستقبل ليبيا الغد المنتظر  .. الكلية العسكرية للمشاة ، الكلية الجوية مصراتة ، الكلية البحرية ، كلية الدفاع الجوي ، كلية الهندسة العسكرية ، .. الخ ..  بل وأجبر الحاصلين على الاجازة الثانوية في احيان عدة على الالتحاق قسرا ، وفق التوجية الصادر عن وزارة التعليم العام .. وفي الواجهة من اجل بناء جيش قوي يحمي الوطن ،  لينتهي بهم الأجل بين فكي تماسيح أوغنده ،  وسافي رمال الصحراء التشادية ؟!!
     اوواه .. يمر شريط الذكريات ولا يترك بصمة امل ، صور حزينة تتوالى .. اصدقاء رحلوا .. اخرون يعانون .. ابن خالتي صالح الذي ثم تجنيده قسرا ، كان يرغب في مواصلة دراسته ، لم يتسنى له تحقيق طموحه ، عشرات المرات تمكن من الهرب من معسكر " الدعوكي" بسبها ، وفي كل مرة يقبض عليه ويعاد عنوة ..  " التجيش القسري " .. يرفض ويعاود الكرة ما ان يجد الفرصة ، دون اكثرات بالآم السجن والتعذيب  ، القفز من على اسوار المعسكر ، مخاتلة حارس  البوابة الرئيسية ،  الاختباء وسط سيارة القمامة .. حتى اصبح  يتلذذ الهروب اكثر مما يأمل ان يحقق من ورائه .
     مشهد كبار السن وقد جندوا للتدريب على السلاح تحت ذريعة المقاومة الشعبية ، عسكرت الدولة ، وحيثما ابصرت ، معسكر تدريب ، وكتائب مقاتلة .. ترسانة الاسلحة الروسية الخردة .. ولا تسل كم من الاموال والميزانيات هدرت ، وذهب ادراج الرياح .. وكم منها التهمته جيوب الفساد والوسطاء .. المدارس اصبحت ثكنات عسكرية بأمرة ضابط ، الحصة الاولى والثانية تربية عسكرية ، اشبه بإزاحة للحظات صفاء الدهن .. استحدثت كلية الضابط المعلم والشعب المسلح ، ارتدي الطلبة والطالبات الزي العسكري ، وأضحت بذلة الكاكي الخضراء الزي المدرسي الملزم ارتدائه .
    الحاج عبدالسلام رجل متدين وقد تجاوز سن السبعين ، يرفض ان ترتدي ابنته الزي العسكري ، يطوف مناطق الجنوب ، يردد دون كلل او ملل ، هذه مصيبة ، بناتنا ترتدي سروال  عسكري ، وأبنائنا يساقوا الى الجبهات دون علمنا ، " ضيعتوا صغارنا " ، ولا احد ينصت لصرخاته ، ومنهم من يتهمه باستدراج الناس لمعرفة ردة الفعل ، وانه يعمل لدى الاستخبارات الامنية .
     تبحر بي الذاكرة الى زواريب تلك الفترة ، اتذكر بنغازي والمقدم " احمد " معاون أمر اللواء ، يختلي بي ويحدثني بحرقة ولوعة عن الأوامر الصادرة ، تجنيد من هم قادرون على حمل السلاح دون اية اعتبارات ،
حافلات تنتظر ، وبوابات قبض .. ومن يجلبه حظه التعيس ، ينقل مباشرة الى المطار ، ومنه الى جبهات القتال بالجنوب .. حدثني كيف انه سمح للمقبوض عليهم بالهرب ذات مرة ، اوقف الحافلة وفتح الابواب ، وعندما وصل المطار ابلغهم بأن المقبوض عليهم تمكنوا من الهرب .. قال لي ان تلك كانت مجازفة ، ومخالفة للاوامر العسكرية ساعة النفير ، قد تنتهي بحكم الاعدام ، لكنني لم اكن قادرا على تحمل اثم نقل شباب صغير السن الى معركة خاسرة .. ولم يكن وحده يحمل الشعور بالامتعاض مما يحدث ، بل وكثير من زملائه ، لكن الصمت المطبق والنهايات المرعبة تفرض على الجميع تنفيذ الاوامر .. يمقتون الحرب ولا يجدوا الحيلة للتعبير عن مقتهم .. تذكرت له ذلك الموقف ما عزز موقفي ، قلت في نفسي : " قاطع الرأس خالقه " ، انا لم ارتكب مخالفة في حق الوطن والاهل ، بل حرصت على ان يعطى المواطن الاولوية في الدواء والعلاج .. وقرأت الاية القرأنية " قل لن يصيبنا الا ما كتب الله لنا " .

درس السنوسي الاول .. الجلاد والضحايا

video


   قد يبو ليس بالاهمية خروج حفنة من محدودي العدد والمعرفة ، وممن هم من عامة الناس البسطاء وجند سابقين ، وهم يظهرون تضامنهم مع العهد المنهار ، وليس بالاهمية شعارات يرددونها كما لقنت لهم " انصار الناتو " .. لا انصار استعداء الافارقة من الصحراء الى الصحراء على الليبيين قبل ان تقرر الجامعة العربية الانحياز للشعب الليبي الذي انتفض بعد 42 عاما من حكم الفرد المستبد .. الاهم من هذا وذاك .. هل يلام هؤلاء ؟  ولماذا اختاروا رمزهم النظام المنهار .. وهم في قرارة انفسهم جلهم لم يستفيدوا منه ، سوى اقلية تقودهم .. لابد ان ثمة اسباب اخرى دعتهم الى الانصات لمن يقودهم ..  وفي جزء كبير منها : التهميش والاقصاء وعدم قدرة القادة الجدد على استيعابهم .
   المناسبة الحكم على احد رموز النظام السابق بالاعدام .. عبدالله السنوسي ..  هل كانوا يتوقعون الحكم ببراءته ؟!! .. في المناسبة يكتب احد الضحايا ، طالب بالسنة الاولى جامعة  في ذلك الوقت ، لم يحمل بندقية ، لكنه فقط كتب مسرحية عنوانها : " عندما تحكم الجردان " .. وهؤلاء يزعقون بعد 40 عاما .. يرددون الشعار نفسة "  لا لحكم الجردان " .. فرق بين ما كتبه الضحية والاديب منصور يوشناف في مناسبة الحكم على الجلاد . وبين ما يزعق به انصار الجلاد رغم انهم يرددون عبارة الضحية بالامس .. كتب الاديب بتاريخ اليوم :
درس السنوسي الاول
    عبدالله السنوسي هذا الاسم الذي ظل يرعب الليبين والعالم لسنوات طويلة ,وحين اتذكره عام 1976 ادرك ان البشر قابلون لان يكونوا اي شيء,ملائكة او شياطين , مرضى او اطباء ,جلادين او ضحايا ,غاندي او هتلر المهم ان الدور الذي يناط بهم يصنعهم ويحدد مصائرهم ...
     كان عبدالله السنوسي عندها ضابطا صغيرا بالحرس الجمهوري برتبة ملازم اول ,وكانت ملامحه الجنوبية تمنح الطمأنينة وكان هدوءه يوحي بالثبات والعقل بل وحتى التربية والاصول كما يقول الليبيون!!
     لم اره في حياتي قبل ذلك اليوم 12 ابريل 76 بالحرس الجمهوري ببنغازي حين احضرني ضابط امن الثورة من مقرهم الى سلخانة الحرس الجمهوري كما يعرفها البناغزة اذ ذاك مصحوبا بتحويل رسمي من الضابط عثمان الوزري ,الذي استقبلني في مقر الامن ببنغازي بعد ان قبض علي في الجامعة,والذي اخذ مني الكتاب الذي كنت احمل "سأهبك غزالة"للمغربي "مالك حداد" وقال لي بعد ان قرأ عنوان الكتاب "سيمنحك حسن اشكال جليبة غزلان يعني قطيعا كاملا"!!
     كنت اعرف ان الوزري يرسل بي الى الجحيم ,فاخبار سلخانة الحرس الجمهوري تصل الى الجميع ترهيبا ...
      اوقفني ضابط الامن امام مكتب بالحرس الجمهوري ودخل وما ان نطق باسمي حتى سمعت صوت حسن اشكال وهو يضحك ويقول "عندما تحكم الجرذان دخل الكلب"ليعود الضابط ويجرني الى الداخل بعنف ..
     امام حسن اشكال الاشقر الوسيم كما يبدو للوهلة الاولى ,والرجل المجنون الذي يتسمتع بالعبث باجساد المعتقلين وكرامتهم ,الذي يهين ويعذب الاخرين ساخرا ومستمتعا وقفت مرتعشا خائفا واحسست بطغيان وجبروت الجيش والمخابرات تسحقني ,كنت صغيرا ونحيلا كنواة بلح كما يقول "ناظم حكمت" وكانت الحكومة عتلا جبارا ..
لم اكن الا كاتبا صغيرا يكتب للمسرح وكتبت عندما تحكم الجرذان وانا بالثانية ثانوي بمصراته ليلتقطها المخرج عبدالحميد المالطي ويخرجها لفرقة المسرح العربي وتكون جاهزة للعرض في بنغازي في تلك الفترة وتعلق اعلاناتها في شوارع بنغازي ليعرف الجميع اسمي قبل ان يمضي على قدومي الى بنغازي للجامعة عام او اقل.
     اشكال صفعني على وجهي مباشرة حتى وقعت على الارض تحت قدميه وهنا تدخل عبدالله السنوسي ,اوقفني وجرني من يدي بعيدا عن اشكال وهو يقول "لا يافندي حسن ,خلي الجيفه عنك" بتلك الكلمات منحني صفة الجيفه .. فاحسست بانني انجو من انفلات اشكال وشهوة الفتك بالبشر لديه!!
     ورايت وجه عبدالله السنوسي ,كانت سمرة الجنوب قد طمنتني وبدأت استجدي عطفه "يافندي ما درت شي والله"
      اخرجني من المكتب تاركا شكال ومن معه,ومضى بي الى المعتقل ,حيث تنتشر ادوات التعذيب ,فلقه, عصي, خراطيم ,اسياخ حديد ,وحيث يؤدي له التحية جلادون مرعبون ..
       عبدالله السنوسي وما ان دخل بي المعتقل حتى تحول كائنا شرسا ,والقى بي على الارض وانهال علي بالضرب بحذائه ليتقدم ست جلادين وينهالوا علي بكل شيء ,بالعصي بالخراطيم باسلاك الكهرباء ,جلس على بطني ولازلت احس ملمس مقعده فارتعد وخنقني بعنف وتحول وجهه الى وجه غوريلا هائجه وهو يقول "من يمول فيكم ياعملاء"!!
      "شن دارلكم الاخ العقيد ؟"كنت اصرخ مستجديا "كل خير, والله مادرت حاجه ضده"..
     كان عبدالله السنوسي يقدم اوراق اخلاصه وولائه وهو يعذبنا لشكال ,لتصل الى القذافي ,كنا معتقلي السابع من ابريل بالنسبة له اول درس في الاخلاص واول اختبار ليتخرج قاتلا وجلادا وناشر رعب وفزع عبر ليبيا والعالم

لهيب الصحراء - 9




   قبل موعد انتهاء دوام العيادة ، حضر العقيد النعاس ، العقيد خليفة غادر في مأمورية الى طرابلس ، وهو الآن آمر القاعدة ، لم يكن يرتدي رتبته العسكرية ، تواضعه وطيب سريرته جعله يلقى قبولا اكثر لدي الجنود .. سعدت والمجموعة بقدومه ، وهم ايضا كانوا على علم بذلك الموقف الذي حدث ظهرا اثناء ذهابي لمقر القيادة ، وزجر المقدم مفتاح ، جلس على كرسي المعالجة يطلب استشارة طبية ، وفي جعبته يود ان يتحدث معي على انفراد ، وبنينة التمرجي ادرك ذلك ، خرج وتركنا في خلوة لوحدنا .
     بداء حديثه بالسؤال ؛ انت امنين يا وليدي ؟! .. سررت لنبرة صوته وعبارة ولدي ..  اجبته : انا من الجنوب .. من سبها .
- انت يا وليدي قذافي وإلا مقرحي؟!!...
     لم اتوقع هكذا نوع من الاسئلة .!!. لا ..  لا .. انا من قرية تمنهنت " الحميدية " .. 30 كم شمال شرق سبها  ،  وادي البوانيس .
-  آه .. تمنهنت.. " التصنيع الحربي" ؟ .. بالطبع معظم الضباط العسكر يعرفون مجمع التصنيع الحربي الضخم الذي انشئ مؤخرا بجوار الواحة .
 أجبته..  نعم .. تمنهنت والتصنيع الحربي .
 -  هل تعرف الرائد " الزروق" ؟.
- نعم ، اعرفه .. من واحة سمنو ، من اهلنا بوادي البوانيس . كما انه صديق شقيقي وزميله بالمدرسة ، ونحن أهل البوانيس جميعنا يعرف بعضهم البعض .. نتشارك الأفراح والأتراح.. تجمعنا مصاهرات تمتد لاحقاب زمنية ممتدة .
   اثنى على الرائد الزروق  الذي عمل مديرا لمكتبه ذات يوم ، او بالمصطلح العسكري " قلم الآمر " .. تحدث عن سيرته العطرة ، مهارته ، كفأته في مجال تخصصه ، كلام جميل دغدغ مشاعري .. ولم يفوتني سؤاله الاول ، اعربت له عن الصداقة التي تربطني بالكثير والكثير من ابناء قبيلتي القذاذفة والمقارحة .. بل وجميع اهل فزان في العموم .. جميعنا قبيلة واحدة تعايشنا كما اسلافنا تربطنا المودة واحترام الاعراف لقرون مضت .. واومأت له بالتغير الحادث مؤخرا في التركيبة الديمغرافية لفزان ، والتي تعد حرب تشاد احد عناصرها .
 - اعرف .. اعرف .. لكن يا دكتور انت لا زلت حديث عهد وتجربة ، صغير السن وفي مقتبل العمر .. انصحك ان لا تدخل نفسك في مشاكل لا تدرك ابعادها ومراميها .. احفظ لنفسك هيبتها .. قالها وهو يقترب مني اكثر ، وكأنه يفضي لي بسر خطير يجب ان احتفظ به قاع الجب .
   تخديره ازعجني اكثر مما بعث الطمأنينة في نفسي .. سألته : اي مشاكل اختلقتها او كنت سببا في اذكاء لهيبها ؟.
- صارحني بالحقيقة التي يضمرها .. اضنك لاحظت كيف انني وقفت الى جانبك هذا الصباح عندما لم يروق للمقدم مفتاح قولك بأننا في ليبيا نفتقد بعض الادوية .. وكيف كان رد المقدم مفتاح مستهجنا .. نحن ندرك ان ليبيا تعاني ، وان لا شيء يسير على الوجهة المطلوبة والسليمة ، ولكن ينبغي ان تعرف ايضا ان المقدم مفتاح مهمته هنا عين علينا جميعا .. وهو من المقربين .
    يا الله .. الى اين يمضي الركب .. اظنني وقعت في المحظور !! وما عسى ان افعل لو فسر قولي نوعا من التمرد والرفض ، وانتحى وجهة سياسية ؟
   - انا مجرد مواطن .. افندي النعاس .. وكما اسلفت حديث تجربة لا اعي كل هذه المطبات .. وما قلته كان بوازع الحرص ، لا الانتقاد .. ولا يعبر عن موقف سياسي لا من قريب ولا بعيد . انها الحقيقة التي رغبت في ايصالها للقادة .. دون مواربة او تزوير .. وظننت ان واجبي المهني يفرض عليّ ذلك .
   وضع يده على ركبتي بنوع من الملاطفة .. لا تخف ، انا مسرور لشجاعتك ، لكن الحذر واجب ، فالوضع متأزم هنا ، وما حدث في وادي الدوم اضاف توترا اخر ، واخشى عليك ان تذهب ضحية وشاية مغلوطة .. ولا استغرب موقفك طالما انت من معدن وطينة الرائد الزروق الذي عرفته عن قرب " دمكم حامي لايعرف المجاملة " .. لكن الواقع يتطلب المرونة في التعاطي .. اعدك طالما انا هنا لن ينالك احد بسوء .. لكن احرص مستقبلا على تفادي هكذا مواجهات لن تفضي الى اصلاح شأن ، بقدر ما تجر المكاره لنفسك .. ليبيا يا بني تعيش دوامة من العبث ، جيلنا الضحية الاولى ، " راح فيه " ، ولا نريد لكم ان تكونوا انتم الضحية الثانية .
   قبل ان يهم بالمغادرة .. شكرته على نصحه والمودة التي غمرني بها ، ووقوفه الى جانبي لحظة الازمة ، وانني لن انسى موقفه النبيل ما حييت .
     ادرك المجموعة وهم في الانتظار بالخارج ان ثمة خطب ما ، وان الاجواء مشحونة ، يدفعهم الفضول لمعرفة التفاصيل ، وبنينة الاقرب لي على احر من الجمر ينتظر فحوى المقابلة والغرض من الزيارة .
 آثرت ان لا افضي بما حدث للمجموعة ، لكن اصرار وحدسه ، او لربما تلصصه من وراء الاستار .. ساعده على تكهن شيء مما يدور .. الح عليّ .. اخبرته بالحقيقة .. انتفض قائلا : " حي حي حي .. هل جننت يا دكتور .. تلامس سلك كهرباء قوة 11000   ويدك عارية " .. الم انصحك من البداية مرات ومرات .. الحذر ثم الحذر .. المقدم مفتاح .. الكوز هنا ، لا تغرك الرتب الاعلى منه .
      لم يكن خافيا على الجميع النظرة الى اهل الجنوب عموما بأنهم انصار القذافي ، مخبرين " انتينات " ، وأعضاء لجان ثورية ، يتوجب الحيطة من تداول الشأن العام في حضورهم ، ومع مرور الوقت انتحت جانبا صورة الجنوبي الامين المؤتمن ، الصادق في معاملاته ، الانيس العشرة .. طيب السريرة حد السذاجة .. وطغت تلك النظرة السوداوية التي لا تستثني احد منهم .. ساوتني انا الاخر الشكوك .. هل انا استثناء من تلك النظرة ، لا اظن .. الامر استفحل وصار حكما جازما .. اهل فزان لا ثقة فيهم .. انا هنا استخبارات .. شوشاد .. اتنصت اخبار العباد وانقلها الى دوائر الامن .. حتى وان انتقدت امر ما ، تظل محل ارتياب ، لعلك تريد ان تعرف من يوافقك ، مراوغة امنية خسيسة للإيقاع بالخصوم .. خديعة يمارسها مدعوم .. يا لحظي التعيس .
   اعي مدى سيادة تلك النظرة ، واعي ايضا ان الكثير من ابناء الجنوب تعاطفوا بحكم المنشأ والانتماء القبلي من النظام ، خصوصا في سنواته الاولى وهو يعدهم بتحقيق شعاره الذي اطلقه في اول زيارة له لفزان بعد الانقلاب : " ان فزان سوف لن تكون نسيا منسيا بعد اليوم " .. لكنني اظن ان حتى اولئك الذين انساقوا اليه بالأمس ، وارتكب بعضهم اخطاء جسيمة او بالأحرى ورط بها .. هم نادمون اليوم .. وهم كغيرهم بل يشكلون الاقلية ، لكن محو النظرة السوداوية وقد نسجت وتجدرت اضحى صعبا وغير يسير .
    لبرهة شعرت بالخوف .. ما عسى رد فعل الرائد  مفتاح ؟  هل سيغفر لي زلتي ؟  اتوجس خيفة .. وانتظر المجهول .


لهيب الصحراء - 8

   


   بدأت حالات التردد على العيادة في ازدياد يوما بعد يوم ، رغم ان الاغلبية هم من فئة عمرية شابة .. تعلمت من واقعة مراجع درسا ، وفي ذاكرتي ان معظم الامراض الغامضة التي يتعلل بها المترددون لا تخلو من تأثير العامل النفسي ، بل وبدأ لي ان جميع منتسبي القاعدة مرضى نفسيين ،  وكنت كلما اجد احدهم لا يستطيع حتى وصف ما يشعر به من ألم ، او نوبات تتوالى لا يعرف لها مسببات ، اسأله عن مدى رضاه عن وجوده هنا ، وما يشغله من امور تتعلق بالعائلة ، الى غير ذلك من الاسئلة عن تاريخ الحالة في محاولة للتعرف اكثر على مصدر قلقه .
   ابعث فيهم الثقة للحديث مع الطبيب بصراحة ، ودون خشية من اي عامل قهري مسيطر ، وان ما سيفضي به سيبقى سرا .. تبين لي ان الجميع يرفض هذه الحرب ، ولا يرى مبررا للمشاركة فيها ، وانه امام الامر العسكري الملزم ، وحوار النفس الداخلي الرافض والغير قادر على ترجمة رفضه ، توالد عند معظمهم حالة من الغثيان والقلق ، بل والشعور بالانهزامية وجلد الذات .. الجنود منهم بالذات ،  بعضهم  يسألني عن الغرض من هذا النوع من الاسئلة ، يتردد في الاجابة بداية الامر ، لكنه يعود ويقر بحالة الضغط النفسي الذي يلاحقه .
   لا اجزم بأن الامر عام .. المقدم مفتاح الذي يفضل ارتداء رتبته بخلاف المعهود هنا ، يكاد الوحيد الذي قدم اجابة مختلفة ، ينظر الى هذه الحرب على انها حرب عادلة فرضت على ليبيا ، وهي بالدرجة الاولى حماية للوطن من اطماع اجنبية تمس الامن القومي ، غربية منها بالذات ، وإن لم يخفي امتعاضه من اسلوب ادارتها ، وعندما حضر للعيادة لم يكن يشكو مرضا محددا ، بل حب استطلاع وتمضية وقت .
 وكان لزاما ان اترك له الفرصة ، لم استطع قطع حديثة او حتى مجرد ابلاغه بالمدة الزمنية المخصصة لكل متردد ، والتي هي عشرة دقائق في العموم ما لم تقتضي الحالة وقتا اكثر .. شعرت بالملل من حديثه حول معنويات الجيش ، واستعدادهم للدفاع عن " ثورة الفاتح " .. وفي نفسي اقول .. ان ما تقولة لا مكان له من الاعراب ، كل الجنود يشعرون بالتذمر ، ولا احد لديه الرغبة في البقاء هنا ليوم واحد ، بل للحظة اضافية ، ولو خيروا ما اختاروا هذا المصير مطلقا .. اوووف .. ما هذا الهذر الذي لا ينتهي .
   كنت ادرك ان مجرد احراج هذا المقدم بمخالفته الرأي غير مقبول مطلقا .. وبنينة الذي يدرك دائما وجع معصمي ، طرق الباب ودخل منذ البداية ، وتظاهر بالبحث عن دواء بين الارفف ،  وفي الحال زف الى مسمعي اشارة التحذير " 11000 " .. اي ان المقدم ينتمي للعائلة المالكة او الحاكمة ، احد اقارب " القايد " .. الرمز " 11000 .. استعارة عن قوة تيار الكهرباء .. ضغط عالي " متعارف عليها  .
    انتظرت الى ان اختار بنفسه لحظة المغادرة ، تلحظ في مشيته وهو يتبختر نوعا من العجرفة والتعالي ، وان كان حديثه معي لبقا الى حد كبير ، وجمل ايات التقدير والثناء لفريق العيادة .. وما ان غادر .. عاد بينية يطمئن عن سير الحديث .. " رد بالك يا دكتور  .. هذا كوز كبير " .. وفي الحال اخبرني بوجود " كمشه " تلة من التشاديين بينهم طبيب يريد مقابلتي .. لا بأس .. افسح له المجال .. بنينه .
    الطبيب يتحدث الفرنسية فقط مما صعب مهمة التواصل معه ، ما اضطره الى الحديث بما تيسر له من العربية .. ( انا دكتور " كوات صديقه" ... أسمي " غمجه" انا فرهان ياسر انت فيه هانا... انا فيه كثير نفر.. مريض ويبي هلاج ) .
    أدركت انه توجد هنا  قوات تشادية يشار اليها بالقوات الصديقة ، وانه الدكتور المرافق لها .. يطلب علاج حالات عدة تعاني امراض مختلفة .. عرفت منه ايضا ان عدد القوات التي يرافقا 1000 جندي .. هنا قال بنينة القابع طرف الغرفة / وبصوت منخفض : " خلا .. خلا .. ما منهم ها العبيد " .. لكن الطبيب فهم ما نطق به بنينه على الفور ، واشتط غضبا .. يسألني وعينيه تقدح شرر : (  ما يقول ؟ عبيد !! ) .. لتفادي الموقف .. نهرت بنينه ، وطلبت منه مغادرة الغرفة .. واعتذرت للطبيب عن تصرف غير لائق صدر عن جندي ، وبلغة عربية ركيكة كالتي يتحدث بها ، ابلغته ان العبارة في ليبيا تطلق على ذوي البشرة السمراء عموما ، لا بقصد وصفهم بالعبودية ..
   ما كان لبنينة ان يضعني في هذا الموقف الحرج .. لكن الطبيب قبل على مضض اعتذاري .. وفي الحال اردت ان اغير وجه الحديث .. سألته عن الحرب ، ودواعي تمردهم على حكومة تشاد ، واختيارهم ليبيا نقطة الانطلاقة .
أجاب :  " يا دكتور تاريخ تشاد كله هرب " حرب " ، مرة هنا ومره غادي ، انا ما يبي حرب ، انا يبي يعيش في مكان فيه ميه وفيه برادات .. ..  هنا في التشاد شمال كله صحراء،.. ما فيه شيء " .
   فهمت قصده ، انه يريد لشعب شمال تشاد حياة هانئة بعيدا عن الحرب ، يستمتع فيها الناس بالتقنيات الحديثة ، الكهرباء ، الماء ، الثلاجات .. الخ .. ووعدته بأنني سأهتم بتوفير قائمة الطلبات .. ادوية ، ومعدات طبية ، بالتنسيق مع القيادة .. الى هنا انتهت المقابلة .
    فترة القيلولة وتناول وجبة الغذاء ، حديث " الكبانية " يعج بأمرين : زيارة المقدم " ١١٠٠٠" او " الكوز" .. القوات الصديقة والطبيب التشادي " غمجه " .. الغريب انهم لم يكونوا مطمئنين لوجود هذه القوات التي تنعث بالصديقة قرب القاعدة ، وبعضهم لا يستبعد ان تنقلب القوات ذات يوم من قوات صديقة الى عدو .
   كنت قد وعدت الطبيب بانني سأقدم لائحة الطلبات الى القيادة .. ذهبت الى مقر القيادة ، ثلة من الضباط من بينهم العقيد ركن محمد النعاس مساعد آمر القاعدة ، الى جواره المقدم مفتاح ، المقدم احمد ، الرائد يوسف المنقوش الذي اشاد زملائه بكفأته بعدما غادرنا .
   قدمت القائمتين معا ، نواقص العيادة من ادوية ومعدات ، والقائمة المقدمة من قبل طبيب القوات الصديقة .. وبعد اطلاعهم ، لاحظ احدهم انني شطبت ثلاثة ادوية من قائمة القوات الصديقة ، سألني ما السبب ؟ اجبته : الاول مضاد حيوي من الجيل الثالث باهض الثمن ، وفي العادة يقتصر استخدامه على المستشفيات ، اما الثاني دواء مخدر لا يصرف في ليبيا الا بأحكام ، اما الثالث علاج  مرض السل وهو غير متوفر بالقدر الكافي في مستشفياتنا ، وارى ان وجد الاولى ان يستفيد منه الليبيين قبل غيرهم .
   هنا انتفض المقدم مفتاح موجها لي زوبعة من الملامة : " كيف تقول يا دكتور ان ليبيا لا تتوفر بها بعض الادوية .. ليبيا ارض الخيرات وتنعم بكل ما يلزم لصحة المواطن .. وبلهجة حادة حذرني .. " الامور في ليبيا تمام مائة بالمائة .. رد بالك يا دكتور !! " .
     لم اجد في جوابه ، ولا طريقة طرحة اي موضوعية ، اجبته بامتعاض شديد وشيء من الانفعال الغير مطلوب :  " عندما قلت ما قلته ، كنت أظن انني حريص على ليبيا والليبيين ، كلامي ليس سياسة ، بل من واقع عايشته باروقة المستشفيات قبل حضوري الى هنا .. هذه الادوية غير متوفرة وان وجدت بكميات ضئيلة تنفد بسرعة .. الليبيين أولى من غيرهم .. ولا امانع ان كنتم ترون التشاديين اولى من الليبيين بها ، انتم اصحاب القرار ، انا مجرد طبيب واجبي ابلاغكم .. هذه حقيقة احاسب عليها غدا ان لم افصح عنها .
       علامات الغضب ترتسم على وجهي ، ومحاولة اضماره غير مجدية  .. هنا تدخل العقيد النعاس وتولى الرد نيابة عني .. نعم ما يقوله الدكتور عين الصواب ، في ليبيا الكثير من الادوية غير متوفرة ، وازيدك من الشعر بيت ، حتى الاكسجين غير متوفر بالمستشفيات إلا ما ندر .. شعرت بارتياح لصراحته ، رغم عبوس المقدم مفتاح وعدم تقبله .. في تلك اللحظة وتوتر الاجواء يشتد فيما بينهم ، اخترت الانسحاب المفاجئ .. سمعت العقيد النعاس ينادي .. يطلب عودتي .. تجاهلت ، سيارة العيادة تنتظرني في الخارج ، ركبنا وعدنا ادراجنا للعيادة .

الخميس، 30 يوليو، 2015

حوار مع احد وسطاء الهجرة عبر الصحراء






      حوار مع احد وسطاء الهجرة عبر الصحراء الافريقية نحو ليبيا وانتهاء باوروبا  .. عمل لعهود طويلة في مجال نقل وتسهيل عبور الافارقة .

    س -  العالم الاوربي يبدي امتعاضه من الهجرة غير المشروعة ، ويستنفر قواه ، ألا تعتقد بأنكم تساهمون في استعداء الاتحاد الاوروبي على ليبيا ؟
     ج - اولا اود ان اصحح لك مفهوم تردد استخدامه مؤخرا " الهجرة غير المشروعة " .. وهو من نحت العالم الغربي الذي يرى في لحاق هؤلاء الفقراء الافارقة بثرواتهم التي نهبت حقبة الاستعمار الاوروبي للقارة عملا غير مشروع .!! افقروا بلدانهم وشتتوا نسيجهم الاجتماعي في حروب اهلية وانقلابات سياسية لا تنتهي ، فكيف لهم ان يمنعونهم حق اللجوء الانساني ، جميعهم يبحثون عن لقمة عيش هانئة ، وبعضهم فرضت عليهم الحروب الاهلية المشتعلة مغادرة بلدانهم . أليست هجرتهم شرعية ومحقة ، ومن واجبنا ان نساندهم ، انهم الاقرب لنا ، ونشعر بمأساتهم وان تقاضينا شيء من المال اجرة النقل والمغامرة .
     هذه الهجرة نحو الشمال ليست حديثة العهد ، ففي عصر الثورة الصناعية باوروبا سيقوا قسرا وفي اقفاص ، واسلافهم هم من بنوا المصانع وأداروا عجلة الانتاج الذي تجني اوروبا ثماره اليوم .. هل يعقل ان يشاركوا في بذر الارض ولا يحق لهم الحصول ولو القليل من ناتج المحصول ، او على الاقل ايواء ابنائهم وأحفادهم وقت الحاجة .. عالم اليوم اناني فاقد العقل .. فلا تكثرت بما يقولون .
     س - كيف يمكنك ان تقنع اوروبي يعيش في القرن الواحد والعشرين ان من حق هؤلاء الاقامة في بلده دون اذن رسمي ؟
    ج - تتحدث وكأنك ترثى لحالهم .. او ان الهجرة تفاقم سيلها اليوم فقط . بالعكس . في العهد السابق كانت اكثر رواجا ، ومع اعلان افريقيا للافريقيين وفتح الحدود امامهم كانت قوارب الهجرة لا تتوقف والحجز بها يحتاج الى انتظار اطول ، ما فرض وجود مواقع للتجمع بالشمال .. اطراف مدينة طرابلس ، بل ووسطها عند باب الجديد ، وايضا على طول الساحل من زواره الى الزاوية ، واظنك تذكر حادثة تظاهر اهل الزاوية رفضا لتواجد تجمعات حولها مما كاد يتسبب لنا في احراج وركود حركة التنقل و التجارة وفتح افاق الهجرة للاشقاء الافارقة نحو الشواطئ الباردة .. ثم ما هي الخسارة التي تلحق بليبيا من وراء حركة التنقل .. نحن مجرد دولة عبور ، يأتون الى بلادنا ويعملون بمزارعنا ، وما نقدمه لهم من مال يدفعونه لنا ثانية ، لدى اهل المراكب والقوارب اجرة نقلهم الى هناك . اليس مكسبنا مضاعف . يحرثون ارضنا ، ويتركون لنا اجرة عملهم عندنا .
     نحن اليوم نواجه مصاعب اكثر ، ونقلهم الى الشمال ليس بالأمر اليسير كما في السابق ، الاعلام يضخم من المسألة ويجعل منها موضوعا يلوكه صباح مساء . والغايات سياسية تستهدف وضع رجل الاوروبي على الارض الليبية ، هناك مئات الالاف الذين يعبرون الى اوروبا عبر تركيا واليونان والاراضي البرية ، وهو ما لا يقارن بعدد المهاجرين من شمال افريقيا على متن قوارب صغيرة قلما تصل . كما ان المانيا على سبيل تتحدث عن حاجتها لمهاجرين افارقة جدد يؤدون الخدمات اليومية .
    س - هل تعتقد ان احلال التنمية ببلدان المصدر يحد من الهجرة ؟
  ج - كلام في غير موضعه ، اي استثمار اوروبي يعود بخمسة اضعاف على المستثمر . ربما لو حدث ان قامت نهضة محلية وهذه مستبعدة الان . الهجرة لن تتوقف مهما تعددت العراقيل .. اين كنتم .. مستضعفين في الارض .. الم تكن ارض الله واسعة لتهاجروا فيها .. كل الانبياء والرسل هاجروا .. الهجرة باب خير .. يجب علينا مساعدتهم وتخفيض اجرة نقلهم والتغلب على المصاعب التي تقف دون عبورهم .وان ندشن جمعيات خيرية وحقوقية للدفاع عنهم .
- اشكرك ..

- اهلا بك دائما 

مدينة سبها بالجنوب الليبي مركز شبكات الاتجار بالبشر




   سبها هو نقطة توقف للمهاجرين وهم في طريقهم إلى العاصمة الليبية .. تقع على مسافة 770 كم جنوب العاصمة .. وهي حاضرة اقليم فزان .. ومركز شبكات الاتجار بالبشر  .. ونقطة ربط من بين طرابلس ، وحواف البحر المتوسط ​​وجنوبا حيث النيجر وتشاد وأفريقيا جنوب الصحراء .
 وعبر حدود يسهل اختراقها ازدهرت تجارة السوق السوداء العابرة للحدود ، وبالذات في مرحلة الفوضى ما بعد عهد القذافي . ومع حدود يسهل اختراقها لعدة قرون ، ازدهرت التجارة في أرض خصبة من تغذيها الفوضى .
     ورغم وجود حكومتين وسلطتين بالبلاد ، إلا انها لا تقوى على وقف ذلك السيلان الهادر ، او اعتراض شبكات المتاجرة الغير مشروعة ، بالبشر والمخدرات والأسلحة والوقود .. والتي وجدت ارضا خصبة لتنمو بصورة واسعة جدا ، ولكونها تدر ارباحا وفيرة ، فلا تقتصر التجارة على فئة بعينها ، بل وتشمل مشاركة جميع الفصائل والجماعات المتطاحنة في حرب اهلية تهدف الى تقسيم ليبيا .
    ناشط من سبها طلب عدم نشر ، يشير الى ان هذا النوع من الاتجار وجد له رواجا بالمدينة منذ عام 2011 .. كونه وسيلة للارتزاق والكسب السريع .وتشترك المجموعات القبلية الثلاث المسيطرة على طرق التهريب في تبادل الادوار ، لذا فهي في حالة حرب واشتباكات متفرقة بهدف السيطرة على المعابر والتجارة .. ولكن مع مبالغ طائلة من المال على المحك ، كانت تلك الفصائل دائما قادرة على وضع خلافاتهم جانبا . فهم على السطح يتقاتلون ويكرهون بعضهم البعض ، ولكن على أرض الواقع يتعاملون مع بعضهم البعض لإنجاح الصفقات..  ومع ذلك ، يضاف تواطؤ المسؤولين في الدولة ، والذي اصبح أكثر وضوحا مع انتقال المهاجرين الاتجار شمالا بيسر .







المؤتمر الوطني الليبي يتهم دولاً خارجية بتغذية صراعات الجنوب

المؤتمر الوطني الليبي يتهم دولاً خارجية بتغذية صراعات الجنوب



حذّر المؤتمر الوطني الليبي العام "الدول المتورطة في شأن الجنوب الليبي، من مغبة العبث بأمنه واستقراره أو بتركيبته السكانية أو ثروته الطبيعية".
وشدد المؤتمر، في بيان، مساء أمس الأربعاء، أن "ليبيا ستتخذ كافة الإجراءات الكفيلة بحماية شعبها وحدودها، وأن عدالتها ستطاول الخونة والمعتدين".
كما أوضح أن "ما يشهده جنوب البلاد من الكفرة شرقاً إلى سبها وأوباري غرباً، بكل تأكيد مؤامرة خارجية تغذيها دول بعينها (لم يسمّها)، لا تريد الاستقرار لليبيا وتتآمر ضد ثورتها بمشاركة قوى مضادة للثورة".
إلى ذلك، اعتبر المؤتمر أن "تدفق المرتزقة الأجانب عبر الجنوب الليبي هذه الأيام، دليل على تورط أطراف خارجية في هذا الصراع، غايته إطالة أمد معاناة الليبيين وإضعافهم حتى يتحقق تنفيذ المآرب الخبيثة والمشاريع المريبة لهذه الدول".
وطالب المواطنين الليبيين في كافة مدن وقرى الجنوب، بالترابط ووحدة الصف لمجابهة المخططات والمؤامرات الخارجية، والتصدي للصف المعادي لثورة السابع عشر من فبراير.
كما دعا، كافة المؤسسات والجهات المعنية الرسمية والأهلية لتقديم كافة أشكال الدعم والمساندة المادية والمعنوية، وتخفيف وطأة المعاناة على المواطنين الليبيين في الجنوب.

ويشهد الجنوب بين الحين والآخر اشتباكات قبلية، خصوصاً وأن المنطقة تضم قبائل عربية وغير عربية أغلبها من أصول أفريقية أو أمازيغية.
الأناضول
30 يوليو 2015

فزان كما شاهده الفرنسيون غداة الاحتلال




للاطلاع على المزيد اضغط ادناه 


رئيس الوزراء يطمئن حول ملفات الجنوب .الامن ، الكهرباء ، الهجرة ..


   خليفة الغويل رئيس حكومة الإنقاذ الليبية،.. في حديث إلى «الحياة» في مكتبه في طرابلس أمس، .. طمأن  إلى أن «لا صحة لما يشاع عن الوضع الأمني في الجنوب الليبي حيث توجد القوة الثالثة (جيش وثوار) التي تقوم بواجبها على أكمل وجه مدعومة من الشرفاء من أهالي الجنوب، وعدد من الثوار في سبها وبراك واوباري وغيرها من المناطق المحررة».

   وعن معاناة المواطنين من انقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة، علماً أن المصرف المركزي قدم بليون دينار قرضاً لهذا القطاع قبل نحو سنة، قال: «نحن بصدد التحقيق في أوجه صرف هذا المبلغ، والكهرباء من أولوياتنا وتمت صيانة محطات عدة تعرضت للتدمير والسرقة كما أن العمل في بعض المحطات متوقف بسبب مغادرة الشركات الأجنبية البلاد. لكن بفضل الله وبفضل الأوفياء لهذه الثورة، تمت أعمال صيانة ومعالجة لبعض المشاكل وسنجتاز مرحلة الخطر تباعاً وتدريجاً».
   وفي شأن الهجرة غير الشرعية، قال الغويل: «أود أن يعلم الجميع أنه حتى هذه اللحظة لم يساعدنا المجتمع الدولي بأكثر من الكلام المعسول لعلاج هذه الظاهرة التي لا تشكل خطراً على اوروبا شمال المتوسط فحسب، بل أيضاً على ليبيا التي تكاد تصبح عاجزة حتى عن إعادة المهاجرين إلى بلدانهم».


الأربعاء، 29 يوليو، 2015

لهيب الصحراء - 7



   هذا الصباح بنينة على غير عادته ، البهجة والسرور ترتسم على محياه .. نشاط وهمة وحيوية وصحوة مبكرة  .. تناولنا سويا افطار الصباح ، وبدأ وكانه يريد ان يزف لي خبر سار .. وفي الحال اشار لي بالاستعجال ، ثمة ما ينتظرنا فعله قبل موعد افتتاح العيادة ، امامنا ساعة ونصف .. لنستثمر الوقت مع اطلالة الصباح  ..  يدير بين انامله مفتاح معقود بخيط طويل .. يراقصه يمينا وشمالا .. علت وجهه ابتسامة مشرحة .. وقال : " وصلت الحنينه يا دكتور " ..  ادركت على الفور وانا ارى السيارة التيوتا امامي .. ان الكنغرس اوفى بوعده .. سيارة العيادة تم استلامها .. السائق بنينة دون مزاحم .. وها هو يقترح جولة داخل القاعدة ، وانا الاخر كنت متشوقا لمعرفة المزيد عن هذا الصرح الشاسع وسط براح الصحراء .
  امتطينا السيارة التي لا تزال تحتفظ بفوائح الشحن والمواني .. القيت نظرة على عداد المسافات .. ودهشت عندما لاحظت انها لم تقطع  سوى 80 كم فقط .. سألت بنينة .. كيف وصلت الى هنا وهي لم تتجازو مسافة محدودة جدا .. همهم قائلا .. هذه ومثلها كثير مما هو اكبر حجما ، ووزنا ، يأتي الى هنا محملا عبر طائرات ضخمة سترى خلال جولتنا عينة منها على مدرج المطار .
     ادار محرك السيارة .. وبدأ صوته يكاد غير مسموع ، يعيد بنينه الدوس على عتلة البنزين .. ويردد مزهوا .. " البلا .. البلا .. اها .. الكنغرس معنقر .. يقول ويفعل " .
   يكاد لا يصدق انه يقود سيارة جديدة وحديثة الصنع .. دفع رباعي .. صحراوية بامتياز .. يردد مرت ومرات :  " بنينه  يسوق في كرهبه جديدة أصفار"  .. يعود ليفضي لي بمشاعره .. انا لا اصدق انني اقود سيارة جديدة .. لا بل  مجرد ان امتطيها .. كانت هذه من الاماني البعيدة بالنسبة لي .. قضيت عمرا اتنقل عبر سيارات مستهلكة، بل ومنتهية الصلاحية ، تتوقف بين الحين والاخر .. واعطاب هنا وهناك .. " قرباجات " .. الله يا دنيا .. ملك الملوك اذا وهب ، فلا تسألن عن السبب .
  اثناء تجوالنا لم يبخل بتقديم شروحات عن الامكنة والمواقع .. قاعدة السارة انشئت على نقطة دالة عبر الصحراء .. على مسافة مائة كم عن الحدود التشادية .. مجرد معطن للماء لارتواء الابل والقوافل العابرة .. منذ عهد نشاط الحركة السنوسية بين كوار والكفرة .. او ليبيا ووسط افريقيا .. انها نقطة وصل .. ومحطة للاستراحة والاسترخاء .. وها هي اليوم محطة وقاعدة عسكرية ضخمة .. " الله .. الله يا سيدي ادريس .. حيثما حطت ارجلكم فاض الخير كله " .
   يضع مرفقه الايسر على سدة النافدة مع اتكاءة الكرسي .. يغمره زهو القيادة .. يبطئ السرعة .. يتطلع يمينا وشمالا بهدوء وسكينة .. يسهب في التعريف بمرافق القاعدة  .. هنا مقر مركز القيادة حيث يقبع الكنغرس .. الى جواره بهو الضباط .. هناك مركز الاتصالات بالاقمار الصناعية .. دشم التسليح والذخيرة .. مقر مخازن التموين .. مخازن الاسلحة .. دشم الاليات الميكانيكية الثقيلة .. مقار كتائب الحماية .. الميز او المطعم العام للجنود ..  وفي الطرف الاخر حيث القاعدة الجوية ومدرج الطائرات بمسافة 2 كم .. مركز المراقبة الجوية .. طائرات متعددة الانواع تربض على ارض المطار .. الانتينوف الناقلة الضخمة .. السونتيرتي .. السمركيتي الصغيرة الحجم والمجهزة بصواريخ هجومية طرف الاجنحة .. إمكانيات ضخمة في عمق الصحراء الليبية .. ذهلت من وجود كل هذا الكم الهائل من المنشأت والتجهيزات الضخمة  .. لم أكن أتوقعه بهذا القدر  ..  توقف " بنينه" بجانب احدى الطائرات الكبيرة ، قائلا  " هذي اللي قربعت إذاعة ام درمان في الخرطوم".. تذكرت حادثة قصف طائرة ليبية لإذاعة ام درمان بالسودان الشقيق عندما كانت تذيع لقاءات مع افراد من المعارضة الليبية بالخارج .
    وبقدر ما غمرني الفخر بما تحوي هذه القلعة العسكرية لاجل حماية الوطن ، اثار لدي فضول السؤال عن اسباب تردي مدارج هبوط الطائرات بمطار سبها سرة الجنوب ، ومطار بنغازي بوصلة الشرق .. وكيف هي مهتمة لا تنبئ بأنها تنتمي الى دولة نفطية .
      نالني العجب مما شاهدت .. لكن بنينة الحاذق بالخفايا .. قاطعني وانا اردد .. خيرات .. خيرات .. ماشاء الله .. عن اي خيرات تتحدث يا دكتور ؟!!  وأين هي الخيرات .. بالله عليك؟! ..ما تراه غيض من فيض .. لكنه في مجمله " طايح في رايح " .. ما تراه هنا من اكوام ترسانة عسكرية .. ومرافقها .. خسرنا  مثله واضعاف مضاعفة في انكسارات وهزائم متوالية .. اخرها قاعدة وادي الدوم .
     وادي الدوم كان خسارة كبرى لا تضاهى .. يصعب وصفها .. وكثير ممن تراهم يترددون على العيادة ، هم من الجنود الناجين من تلك المذبحة الرهيبة .. زهم قليلون بالمقارنة مع من التهمهم سافي الرمال .. من مات في لحظة اقتحام القاعدة .. الى من مات جوعا وعطشا في اتون صحراء قفر عارية .. ومن تحولت جثثهم فريسة للذئاب وهوام الصحراء .
   لا حول الله ولا قوة الا بالله ، رحمهم الله .. لم اجد سواها عبارة تؤنس حسرتي ..وفي محاولة مني للخروج من نفق التاريخ والذاكرة الدامية .. سألت بنينة : ماذا عنك ؟ .. رغم الالفة التي جمعتنا لا زلت اجهل الكثير عن الدواعي التي اتت بك الى هنا .
-  أييييه .. يا دكتور ..  ( غير ايش نحكيلك ومنين نبدأ ؟!...  تَرّ وقاطر).. ويبدو ان سؤالي حرك في نفسه شجون وشجون اراد ان يفضي بها تخفيفا لوقعها طي الكتمان .
    انا يا دكتور " راقد ريح " اظنك تعرف ماذا تعني الكلمة  ..  أومأت برأسي تأكيدا لقوله .. اوقف السيارة .. واسهب في التفاصيل وقصة عمر انقضى واخر ينتظر النهايات  .
      والدي رزق بي في اواخر العمر  ، منذ ان بلغ سن الرابعة عشر التحق بادوار سيدي عمر المختار ، وعندما استشهد شيخ الشهداء وضاق بهم الحصار ، لجأ الى مصر . ظل هناك لسنوات طوال .. وفي اوائل الخمسينات من القرن ، ومع اعلان استقلال ليبيا ، عاد الى ارض الوطن .. اهلنا بدو رعاة يقطنون منطقة " مسوس " .. ومع عودته تزوج وحدث ان كنت انا اول العنقود .. اسمي احمد .. ويلقبونني بنينه .. فقد صادف لحظة ولادتي سرحان الغنم بمنطقة بنينة  .. انا من قبيلة الشويخات " شيخي " .. اعتدت رعي الاغنام ما ان انفتحت عيني على الكون والحياة .. الفقر .. العوز .. اضنى كاهلي .. وفي ستينات القرن اتيحت لي فرصة الالتحاق بمدرسة الابيار .. لكنني لم اكن مواظبا على الحضور دائما ، ففي موسم المطر والربيع اضطر لصدور المرعى وملاحقة القطيع .. ظللت على هذا الحال المتقلب الى ان حدث انقلاب 69 .. في البداية استبشرنا خير .. بنيت مساكن شعبية منتصف السبعينات .. تحصلنا على سكن افضل حالا مما كنا فيه ..  وفاض الخير حتى تحصل والدي على عمل بالدولة .. مهنة غفير بالمدرسة .. لكن المرض باغته فلم يعمر طويلا .. انتقل الى رحمة الله .. رحمه الله وامة محمد .. اطلت من جديد معاناة العائلة وضنك العيش .. والدتي هي الاخرى تعاني المرض ولا اجد حولا ولا قوة لمؤازرتها .. اضطررت لترك المدرسة نهائيا والتفرغ لرعي الاغنام والاهتمام بالعائلة .. والدتي .. سقيقي الاصغر .. وشقيقتي الاصغر منه .. لكنني مع الوقت ادركت ان الاستمرار في امتهان الرعي لن يكفي لسد حاجة العائلة  .. ظللت ابحث عن فرصة عمل .. قصدت احد الاقارب طمعا في مساندته .. رحب بي واضاف .. والمرحوم والدك انضم الى دور سيدي عمر في سن الرابعة عشر .. كان شجاعا وفارسا .. وواجبي ان ابدل جهدي لاجلك مهما كلفني ذلك .. ولن تبرح المكان قبل ان نصل الى دالة .. وبالفعل خلال يومين حظيت بفرصة عمل بشركة الخليج العربي للنفط .. وتم تعيني بأحد الحقول النفطية بالصحراء .. وذات يوم اثناء مغادرتنا الحقل ، اوقفتنا بوابة تفتيش وتجنيد ، " كبسه " .. انزلوني من السيارة ونقلوني مباشرة الى معسكر تدريب المجندين الجدد .. حلقوا شعر راسي حال وصولي .. والتحقت بوحدات التدريب .. ( يس ، يم .. رجل ابدل ) .. ومنذ ذلك الحين وانا على هذه الحال .. جندي نظامي .. والدتي هي الاخرى لحقت بوالدي رحمها الله .. شقيقتي تزوجت .. وشقيقي التحق بالجامعة وبدوري اعمل كي اوفر له فرصة مواصلة دراسته .. لا اريده ان يحرم من نعمة التعليم مثلي .
لذلك اكرر يا دكتور .. نحن " تَرّ وقاطر" يعني " قذاف وخرا"، من اعلى واسفل .. حال قاطن " براكة  زينقو" في ليلة ممطرة ، احوالنا بائسة منذ البداية .. ولاحقاب طويلة لم يتغير شيء .. وها هم يضيفوا الى نزقنا هم اخر .. تشاد وحرب تشاد .. كم من ارواح ازهقت .. " ضنانا راحوا حسافه " .. وما اراه ، انني انا الاخر سأكون احد ضحاياها .
    قاطعته .. بعد عمر طويل .. تفاءل خيرا .. غدا تعود لبنغازي .. وتسعد بلقيا اشقائك .. وستبني عائلة تحمل اسمك .. واطفال يسعدون بمستقبل زاهر .
- آه .. يا دكتور.. " مريم اللي في البال " .. خطبتها منذ اكثر من خمس سنوات ، اهلها ينتظروا لحظة اعلان مراسم الزواج ، يمر العام ويليه الاخر ،  ولا بصيص امل للوفاء بالوعد .. واكثر من هذا ، ها نحن نقع بين فكي حرب لا تنتهي .. " غبارة ثانية " ..  حرب تشاد اتت على الاخضر واليابس .. كم من رفاق عرفناهم وتركونا .. شباب " راحوا حسافه " في عمر الورد .. امهاتهم المكلومات تقطعت اكبادهن حزنا .." الله يقطع اكبودهم انشالله " .
   
 " ما يغرك شكلي يا دكتور، رانا شيوخ غير الوقت هو اللي معكوس، اجدودنا فراسين يقدموا على النار، وديما على راس الميعاد، لكن هالوقت عطيب"  الرجاء في المولى سبحانه وتعالى .. اتألم لحال رفاقي المفقودين .. ورفاق لم نعد نسمع كيف انتهى بهم المطاف .. واخرون فاضت ارواحهم لاجل لا شيء .. حرب خاسرة لا ناقة لنا فيها ولا جمل .. اظنني سألحق بهم قريبا ، وما يحزنني ان تكون نهايتي حيث لا قبر يؤويني .. ولا مشهد علامة لمن رغب الترحم على تربتي .

طال الحديث .. سرقنا الوقت .. وحان موعد افتتاح العيادة .. هممنا بالعودة

لهيب الصحراء - 6


  
    اقلعت طائرة الانتينوف الروسية متجهة نحو بنغازي ، وعلى متنها العسكري الجريح مراجع ، لم تكن الضرورة تستدعي مرافقتي له ، حالته مستقرة . لكن الحادثة لم تمر كما اراد لها منتسبي مكتب الامن .. فما احدثوا من هرج ومرج داخل العيادة وخارجها ، وواقعة الشد بيني وبينهم وصلت على ما يبدو بفعل العيون المزروعة في كل الارجاء الى قمرة القيادة .
    عند الساعة العاشرة مساء حضر الى العيادة الكنغرس بنفسه .. قدم الشكر للزملاء المساعدين " الكبانية " على ما قاموا به ـ سواء في اسعاف الجريح او تهدئة التوتر .. ثم طلب مني مرافقته نحو البراح الواسع .. تحدث بصوت خافت وهدوء , اعتذر بالنيابة عن تصرفات افراد مكتب الامن .. وابلغني بانه على علم بدقائق فعلتهم ، دخولهم للعيادة .. كتابة تقرير مزور .. وانهم موقوفين الان قيد التحقيق ، وقد اعترفوا بفعلتهم وتعللوا بالخوف مما يحدث لهم فيما لو تتابعت التحقيقات في الحادثة .. كونهم لم يلقوا اي اهتمام بتوسلات العسكري المصاب .. ولا شكواه وتحذيراته .. ووعد بعقاب رادع ومنصف .
    بدوري شكرت له تجشمه الحضور الى العيادة بشخصه ، واكبرت فيه الموقف .. وان كنت في اللحظة ذاتها اشعر بأنني انا الاخر مدان وأتحمل قدرا من اثم الحادثة .. لقد حضر مراجع ليستشيرني قبل ان يختار الذهاب الى مكتب الامن ، ولولا انني صفعته بجهلي التام بالامراض والاحوال النفسية ، لما اضطر مجبرا اللجوء الى زمرة الامن .   
   لعله من سؤ حظي .. كل الكتب التي احضرتها معي لم اجد من بينها ما يتعلق بمداواة الامراض النفسية ، واقتصرت على حالات الاسعاف السريع ، والجراحات المستعجلة ، وكل ما له شأن بأمراض الصحراء والحوادث والإصابات .. اخترت ان ابقى وحيدا تلك الليلة .. خلوة .. اعاتب النفس .. استرجع ما لا تزال تحتفظ الذاكرة  عن الامراض النفسية فترة التدريب الاكلينيكي بكلية الطب جامعة العرب الطبية ببنغازي .. انفصام الشخصية ، الاكتئاب، الخوف الرعابي ، القلق ، الغثيان .. المعتل اجتماعيا ..  ابحث عن اي مقاربة تفسر ما حدث للعسكري مراجع .. والدوافع وراء اقترافه لفعلته ضد شخصه .. حيرة تكتنفني وانا لا اجد في جعبتي التشخيص المناسب ، والإجراء اللازم لتفادي تكرار الحالة مع اخرين مثله .. وفي غمار الحسرة .. تذكرت فاجعة  " حنان " .. تلك الفتاة الرائعة ابنة الأثنى عشر ربيعا  ، توفي الوالد رب الاسرة ، وامام ظروف الحياة المعيشية القاسية ، والمعاناة الصعبة ، اضطرت والدتها للعمل ، نظافة بإحدى المرافق العامة .. تغيب عن المنزل لسعات طويلة .. تتركها لوحدها وشقيقها الذي يكبرها بخمس سنوات .. كانت قد لاحظت مسبقا تناوله  لأقرص غريبة وهو لا يشكو من مرض ما .. بل وسمعت من احدى صديقاتها عن مفعول تلك الاقراص المتداولة بين الشباب وتأثيرها على العقل .. انتابتها شكوك حوله .. افضت بشكوكها الى والدتها التي لم تعبأ بها ، وذات يوم .. دخل عليها حجرتها في غياب الوالدة .. كانت حركاته غريبة وكأنه في حالة  سكر  او هديان عقل ، اقترب منها اكثر على غير العادة ، وضع يديه حول خصرها .. ادركت الخطر .. صرخت بأعلى صوتها طلبا للنجدة .. ولا مغيث .. لقد وقع المحظور .. اغتصبها شقيقها .
   ظلت تكتم سرها .. تتجرع ألامها ..  تختار الابتعاد عن شقيقها .. وما ان بلغت سن الزواج .. تعذر عليها الموافقة على من يتقدم لخطبتها .. ترفض هذا وذاك .. وتعلن عدم رغبتها في الزواج مطلقا .. لكنها لم تقوى على الرفض يوم ان فرض عليها شقيقها القبول بشخص تقدم لخطبتها .
        في ليلة العرس .. انكشف الغطاء .. انقض عليها زوجها بالضرب .. والحق ذلك بالطلاق البائن .. لتعود الى منزل العائلة وفي انتظارها شقيقها الذي لم يجد ما يواري به فعلته سوى حجزها في غرفة ، اوصد الابواب ، وانهال عليها ضربا هو الاخر .. وظلت حبيسة الجدران والاهانات المتوالية لمدة شهريين متتاليين .. وعلى السنة الناس يأتي نعتها بأم الخطيئة .
     دارت الايام والسنين .. ظلت على حالها حبيسة المنزل تطوقها جدران العار .. تزوج اخيها وصار له ابناء واسرة .. ضاق بها الحال .. روادتها فكرة الفرار من جحيم المنزل والسجن الذي لا نهاية له .. عسى ان تجد من ينقذها من براثن الاخ العاق  .. وفي عفلة منه ، تمكنت ذات يوم من الفرار خارج المنزل ، وامتطاء اول سيارة اجرة صادفتها ، افضت له برغبتها في ان تجد ملاذا يؤويها بعيدا عن جحيم الاسرة .. فلم يمانع من اصطحابها الى وكر مهجور طرف مزرعة نائية .. وهناك احتجزها لنفسه ، ولتكون ضحية وحش اخر لا يقل شراسة عن سابقه ، على رأي المثل السائد " هارب من الغوله طاح في سلال العقول " .. سائق التاكسي هو الاخر متزوج ويعول اسرة .. ارادها ان تكون له ، وفرض عليها الحياة حبيسة جدران بالية ، وحياة اكثر بؤسا وشقاء .. ومع توالي الايام .. اراد التخلص منها على قارعة الطريق .. اهتدت الى دار الرعاية .. وهناك وجدت الى حد ما من يتقبل وضعها .. ويقدر حجم الالم الذي تعاني .. استعادت الثقة بنفسها ، وقبلت عرضا للزواج ، وما ان روت للزوج قصة معاناتها بصدق .. انتفض كالأسد المذعور .. طردها خارج البيت لتجد نفسها مرة اخرى على قارعة الرصيف .. انتقلت من شرق البلاد الى غربها رغبة في البعد عن تلك الاماكن التي تذكرها بمأساتها .. وظلت على ذلك الحال " معتلة اجتماعيا " .. يتعذر علاجها .
   جالت بخاطري معاناتها تلك الليلة .. بكل تفاصيلها التي لم تغادر مخيلتي رغم تطاول الزمن .. وبنوع من جلد الذات .. والشعور بالتقصير في حق مراجع .. تمنيت لو ان ذلك الدرس الذي تعلمته من معاناتها كان عونا لي حال مقابلتي لمراجع اول مرة .. انه الظلم الاجتماعي الذي يفترس وراء الجدران ضحايا لا نعلمهم .. وقليل ما نقبل بأعذارهم .. وفي الواجهة ذئاب يتطهرون من افعالهم .. يتظاهرون بالتقى وطيب السرائر .. وفي حقيقتهم وحوش الظلام المفترسة .. ما كان لحنان ان تتحول الى معتلة اجتماعيا .. ولا ان تبتر رجل مراجع .. لولا  ظلم اسود يرتدي لحاف ابيض .. يرانا ولا نراه .. ولابد ان غياب الطب النفسي والتأهيل الكافي ساهم الى حد ما في تفشي الظاهرة .


لهيب الصحراء - 5

   
 
   جلجل صوت الاذان سكون الصحراء .. افقت من نومي على عادتي .. نداء الصلاة في هذه الفيافي الجرداء .. بلسم الروح .. فجر يوم جديد لا كأي يوم .. افكر بما سيحمله لي القدر في اول يوم عمل .. النجاح والفشل .. التشخيص الدقيق للحالات في غياب اجهزة الفحص الدقيق .. انطباعات المرضى .. خوض تجربة لا عهد لي بها .. هذه اول مرة اجد نفسي في مجال الاسعاف والصحة العامة .. لا زلت افتقد التأهيل والخبرة الكافية .. ومن واجبي ان اجتهد قدر الامكان .
     سعات ما قبل شروق الشمس بالصحراء لها وقع خاص .. نسمة خفيفة باردة منعشة تعبر المكان .. او لعلها تودعه ايدانا باكتساح موجات الحر اللافح صيفا .. ثمة مسجد صغير بالقرب من العيادة ، مسافة مائة متر ، التحقت بجمع المصلين ..،  احصيتهم عددا ثلاثة وثلاثون ، العدد بعث في نفسي التفاؤل ، ففي التسابيح المعهودة .. نسبح بحمد الله .. ونستغفره .. ونتوب اليه .. ثلاث وثلاثون مرة عقب كل صلاة .. يا لهذا الفجر الرائق المتخم بعبق المنن الروحية .
    تناولت الافطار صحبة " الكبانية " .. جماعتي او الموظفين الجدد المنضمين لطاقم التمريض والإسعاف بالعيادة .. هم ايضا مسرورون بتفرغهم للمهنة ، رغم عدم معرفتهم بأدنى اساليب التمريض والإسعاف .. وفي وجود " بنينة " لكل حادث حديث .. اختار ان يوزع عليهم الادوار .. من يهتم باستقبال المرضى ، وأخر بالتنظيف ، وثالث الى جواري لتهيئة المريض .
    الساعة الثامنة صباحا فتحت العيادة ابوابها لاستقبال اول حالة مرضية .
 - السلام عليكم .. يومك سعيد دكتور .
- وعليكم السلام .. اهلا بك .. تفضل بالجلوس .. ما اسمك ؟
-  امراجع .
- مما تشكو ؟ صمت للحظات ثم اعاد لي السؤال : هل لديك فهم بالأمور النفسية وسبل معالجتها ؟
   يا له من سؤال على غرة ، ومما لم اتوقعه ، هذه اول حالة ينبغي لي التعامل معها بثقة .. اجبته .. لا اخفي عليك .. ليست لدي الخبرة الكافية بالمجال ، ولكن لا يعني انني فاقد الرؤية ، ربما استطيع ان اسعفك برؤيتي .
- رمقني بنظرة المتشائم .. قاطع بقية حديثي معه .. لا فائدة منك !! .. وخرج على عجل دون ان يكثرت بنداءاتي .. يا له من صباح اوله وعكة ، فما عسى ما يحمل المساء !! . شعرت وكأنه نهرني امام جمع المساعدين .. تظاهرت برباطة الجأش .. وتمتمت بعبارات .. سيعود ثانية لا تقلقوا عليه .. اعطوا الفرصة للذي يليه .
      توالت الحالات المرضية ، من يعاني صداع الرأس ، حرقان بول ، بواسير ، الم في البطن ، أرق النوم ، الآم الظهر .. ومع الايام شعرت بنوع من الرضا في حديث المرضى ، ولدى مجموعة العيادة اهم الاقرب لمجريات العمل اليومي وعلى دراية اكثر بردود افعال المرضى .
    اخبرني بنينه انه تتبع المريض الاول ليعرف سبب نزقه وخروجه على عجل ، وانه ما ان غادر العيادة توجه الى مكتب الامن بالقاعدة .. بقي هناك لمدة نصف ساعة ..لما اختار الذهاب الى مكتب الامن بالذات ؟ .. هواجس حاصرتني بأسئلة عدة ، منها ما يتعلق بقضية بنينة التي استوجبت عودته الى قاعدة السارة .. وفي مثل هذه الحالات ..  مكتب الامن يشكل بؤرة رعب لا تعرف الانتظار ، وقد تفاجئك بغير ما تتوقع .
   فترة القيلولة وتناول وجبة الغداء .. ظللت افكر بتصرف ذلك المريض ازعجني خروجه وأسلوبه في الحديث .. لم اخلد الى النوم ، بينما الجميع يغطون في سبات عميق .. اتسأل : لماذا تصرف معي بهذه الرعونة المفرطة ؟ .. هل هو ضمن فريق الامن هنا ان انه ذهب لإبلاغهم عجزي وعدم كفاءاتي ؟ ..
   نهاية الدوام الساعة الثامنة مساء .. جلست ضمن زمرة الاصدقاء .. الكبانية .. او الرفاق .. تحلقنا حول وجبة العشاء ، مكرونة " مبكبكه " ، وما ان هممت بمشاركتهم حتى دوت صافرات ابواق سيارات قادمة من بعيد ، واضواء تحذير بالخطر .. واصوات تزعق .. اين الدكتور .. اين الدكتور .. نهضت على الفور فزعا .. والتحقت بالعيادة ، لحق بي بقية المجموعة .. شخص جريح ينزف دما .. مصاب بعيار ناري بالقدم اليسرى .. ثم وضعه على سرير المعالجة ،  ويا للمفاجأة .. تبين انه الشخص عينه الذي جاء يسألني صباحا عن معرفتي بالامراض النفسية .. واول مريض قابلته .. مراجع .
      قمت بتضميد موضع النزيف ، مع حقنة لتسكين الالم ، ثم فحص الاصابة وتقدير درجة الضرر .. وما ان استقرت حالته .. حضر اثنان ظننت انهم اصدقائه يودون الاطمئنان عن حالته .. طلبوا التحدث معه  .. ولقد صدمت عندما سأله احدهم  ..  انت لا تحب الثورة ، وانضممت للجيش قسرا لا رغبة !! أليس كذلك ؟ اعترف .. اعترف انك لا تحب الاخ القائد !!! .
    علا صراخه المتخم بالالم .. مبررا موقفه .. ليس لدي مشكلة مع احد .. لا مع القائد .. ولا مع الثورة .. مشكلتي مع آمر الكتيبة الرائد مسعود ، افرط في تعذيبي ، ابقاني السعات الطوال متسمرا تحت اشاعة الشمس الحارقة .. ضربوني جماعته " فلقة " حتى بح صوتي من الصراخ .. وتوقف جسدي عن التعاطي مع حجم الالم .. انا لا احمل ضغينة للقائد .. ولا اكره الثورة .. ليست لدي مشكلة مع احد .. لا القائد ، ولا الثورة .. مشكلتي مع من اهانني وعذبني عذاب الهدهد .. الرائد مسعود .
   كانت الصدمة مروعة لي ، لقد حاولوا اخد اعترافاته وهو يئن من قسوة الالم .. تبين لي خبث نواياهم .. كتبوا ورقة بأنفسهم في الحال ، وطلبوا منه التوقيع عليها .. تدخلت على الفور وطلبت منهم مغادرة العيادة ، حدث بيني وبينهم نوع من الشد والتوتر  ،  انتزعت الورقة التي ارادوا ان يرغموا الجريح التوقيع عليها ومزقتها .. ارتفع صوتي مع تلكؤهم في المغادرة .. .. تدخل افراد مجموعة العيادة لتهدئة الموقف .. انتابني شعور بالغضب او الحماقة .. لا ادري .. كل ما هناك انني لم ارتضي ارغام مريض يتألم التوقيع على اقواله زورا .. امام عيني .. انا الطبيب المعالج .
   بنينه الى جانبي يهدئ من روعي .. انفض الكابوس .. عدت الى الجريح ثانية ، وقد بدأ اكثر حنوا وقربا مني .. غابت عنه رعونة الصباح .. قال بلطف : عندما قابلتك في الصباح كنت في حالة نفسية صعبة ، ومزاج مضطرب .. وعندما لم اجد لديك ما يعزيني ، اخترت الصمت ، لكنني ذهبت على الفور الى مكتب الامن ، ابلغتهم عن الكيفية التي يعاملني بها الرائد مسعود .. الضرب المبرح .. نزع ملابسي .. تركي عرضة لإشاعة الشمس لسعات طويلة في صيف الصحراء الحارق .. لماذا يحدث كل هذا الظلم ، ولا احد يمكنه ردعه ؟ .. لا لشيء سوى انني رفضت اوامره بأن اتولى مهمة الطبخ والتقديم لديه .. قلت له انا عسكري .. مهمتي حماية الوطن ، انا لست طباخ  .. فلم يتوانى في التنكيل بي ، واخر ما تفتقت عنه حبائله اللعينة .. يريد ان يلصق بي تهمة معاداة الثورة ، ومقت القائد .. وواحدة منها كفيلة بقضاء بقية العمر داخل السجن .. ألا ترى يا دكتور كم هم اشقياء وظلمة ؟!!
   في مكتب الامن اخبرتهم هذا الصباح بأنني قد اقدم على فعلة ما ، ان لم يتخذوا بشأنه حد يردعه .. فكرت في قتله .. وتراجعت او انني لم اجد الشجاعة الكافية .. عند الغروب .. اطلقت عيار ناري من بندقيتي على رجلي اليسرى كي الفت الانتباه لمعضلتي .. هذا ما استطعت فعله ، وان كان نوعا من الجنون .

   بالفعل حدث ما توقعه .. حضرت مجموعة من الضباط النافذين الى مقر العيادة يستطلعون الامر ، اجبتهم بأن حالته مستقرة الان ، ولكن علاجه يقتضي نقله على عجل الى مستشفى الجلاء ببنغازي .. يحتاج الى جراحة عظام دقيقة .. اجابني احدهم .. الطائرة جاهزة .. لقد تحقق له ما اراد .. لكنه الخروج من عذاب الى عذاب اشد .