الاثنين، 30 نوفمبر 2015

الدبلوماسية القطرية في أفريقيا.. نضج خليجي سابق الزمن

قطر دولة صغيرة في حجمها كبيرة في تأثيرها ودورها الدولي والإقليمي



سلط توقيع قبائل التبو والطوارق الليبية يوم 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2015 في الدوحة على اتفاق سلام نهائي لوقف إطلاق النار، أنهى عامين من الصراع الدموي بين قبيلتين تشكلان أهم مكونات ليبيا، البلد العربي المهم في قارة أفريقيا، سلط الضوء على أهمية الدور والنفوذ القطري في القارة السمراء.

إذ استعصت هذه المشكلة على الحل على مدى عامين كاملين، حيث شهدت منطقة أوباري قتالاً بين التبو والطوارق منذ أكتوبر/تشرين الأول 2014، سقط بسببه عشرات القتلى والجرحى، ونزح عن المدينة قرابة 80% من سكانها، وهو ما دفع النواب الليبي في مايو/أيار 2015 لإعلان منطقة أوباري منكوبة بعد نزوح قرابة 3500 أسرة منها، حيث يشهد الجنوب الليبي بين الحين والآخر اشتباكات قبلية، لا سيما أن المنطقة تضمّ قبائل عربية وغير عربية؛ كالطوارق وأمازيغ الصحراء، بالإضافة إلى التبو الذين يعيشون في جنوب شرق ليبيا وشمال النيجر وشمال تشاد.

حقيقتان لا يمكن إغفالهما ولا إنكارهما بخصوص دولة قطر؛ الأولى أنها دولة صغيرة من حيث المساحة والموقع الجغرافي وعدد السكان، والثانية أنها مؤثرة في محيطها الإقليمي المتمثل بالشرق الأوسط وفي العالم؛ من خلال نزع فتيل النزاعات المسلحة والتوسط في الملفات الإقليمية الشائكة، حيث نجحت على سبيل المثال لا الحصر في إنقاذ حياة الصحفي الأمريكي بيتر ثيو كريتيس، كما قامت بدور فاعل في فك الحصار عن الجنود الفلبينيين التابعين للقوات الدولية في هضبة الجولان السورية المحتلة، إلى جانب مبادراتها في اليمن، ولبنان، وسوريا قبل قمع النظام لشعبه وتحول الاحتجاجات إلى العسكرة.

عربياً؛ نجحت الدبلوماسية القطرية في جمع فرقاء لبنان بالدوحة، ثم وصلت إلى ساحة الحرب في دارفور، تُوج ذلك باتفاق الدوحة، وأخيراً فإن تأثيرها في القضية الفلسطينية يذكر ولا ينكر؛ فقد تم توقيع "اتفاق الدوحة" بين فتح وحماس في 6 فبراير/ شباط 2012، وأجرى أمير قطر السابق زيارة مميزة إلى غزة في 23 أكتوبر/ تشرين الأول 2012 كانت الأولى من نوعها عربياً وإسلامياً.
‏‏وفي هذا السياق، كتب الصحفي والأكاديمي السوداني المقيم في بريطانيا، بصحيفة الشرق القطرية بتاريخ السبت 2013/4/13 معلقاً:
"حوّل قطر خلال أكثر من 10 أعوام من بلد يسعى إلى تثبيت أقدامه على الساحة الدولية، إلى بلد يقوم بدور ريادي غير مسبوق على الصعيدين الإقليمي والدولي"، مضيفاً: "لقد حجزت قطر مساحة مميزة على المسرح الدولي، وأظهرت سياسة خارجية معتدلة وديناميكية في الوقت نفسه، ما مكنها من التعاطي السلس مع قضايا إقليمية ودولية معقدة؛ دبلوماسية براغماتية، قامت على تفضيل لغة الحوار، واحترام الشرعية الدولية".
وفي تقرير سابق لـ"الخليج أونلاين"، كنا تحدثنا تحت عنوان (أفريقيا والأمن الاستراتيجي الخليجي.. من الإهمال إلى عاصفة الحزم) عن وعي خليجي متأخر لأهمية القارة السمراء، ودور دولها الجيوبلوتيكي في تحقيق الأمن والمصالح الاستراتيجية الخليجية، وتحدثنا كيف بدأت دول الخليج تتحرك بعد عاصفة الحزم تجاه القارة استدراكاً منها لما فات.

- دبلوماسية تستشرف المستقبل
اليوم نتحدث في السياق ذاته، لكن عن الدبلوماسية القطرية التي استشرفت المستقبل، وتحركت مبكراً لملء الفراغ العربي والخليجي في أفريقيا، من خلال جملة مشاريع سياسية واقتصادية وعسكرية، شكلت وعياً متقدماً كان له أن يشكل نجاحاً أوسع للأمن الخليجي لو قدر له أن يحظى بدعم جماعي، من خلال تحقيق نفوذ سياسي يمكن أن يحقق أمناً إقليمياً، ويمنع حدوث أزمات كبرى مثل أزمة اليمن الجارية اليوم.
فقد نشطت قطر على تخوم القارة السمراء خلال السنوات العشر الأخيرة، وتغلغلت عبر مشاريع سياسية وتنموية، ساهمت في تشكيل الأساس لتعاون خليجي أفريقي.
ويمكن إبراز أهم ملامح الحراك القطري في أفريقيا بالنقاط التالية:

الدور السياسي
الدبلوماسية القطرية في أفريقيا اعتمدت على مجموعة من الأدوات التي ركزت على حل النزاعات وإقامة الشراكات؛ ومنها:
- قامت بأدوار مهمة في الوساطة بين الحكومة السودانية وحركة العدل والمساواة في دارفور منذ عام 2008، في حين تجاهلت الدول العربية تلك القضية، ويعتبر اتفاق الدوحة الذي وقّع بين الحكومة السودانية وحركة العدل والمساواة، في فبراير/شباط 2013 تتويجاً لنجاح هذا الجهد.
- كما توسطت بين السودان وإريتريا، وجيبوتي والصومال، وإثيوبيا والصحراء الغربية.
- وشاركت بفاعلية في التوسط بين إريتريا وجيبوتي عام 2010 عندما نشبت أزمة حدودية بينهما، وتم توقيع اتفاق تهدئة بموجبها، ونشرت قطر قوة لحفظ السلام، ساهمت في إرساء قواعد الأمن والسلام بشرق أفريقيا.
- ووقّعت 5 مذكرات تفاهم مع الحكومة الإثيوبية، مطلع عام 2013 في بادرة هي الكبرى من نوعها في تاريخ العلاقات بين الدوحة وأديس أبابا، التي تطورت بشكل كبير، وذكر مراقبون في حينه أن تطور وتقدم تلك العلاقات يعود بالنفع على العالم العربي ككل، في ظل انسحاب عدة دول عربية وخليجية عن القيام بدورها الدبلوماسي والسياسي في أفريقيا التي تعد أديس أبابا قوة لا يمكن إغفالها فيها.
- وفي جنوب السودان، الدولة الوليدة، تم تأسيس فرع بنك قطر الوطني بالعاصمة جوبا، الذي يعتبر أول وأكبر البنوك الأجنبية فيها، حيث يعمل البنك على تعزيز الأعمال والعلاقات المصرفية بدولة الجنوب مع المساهمة في تنمية القطاعات الاقتصادية لقطر فيها، وتعزيز دور القطاع المصرفي والتجاري دولياً.

الدور التنموي
دولة قطر تعد إحدى أكبر الدول الداعمة مالياً لمؤتمرات المانحين في أفريقيا، كما حدث في النيجر والصومال.
- وكان لها دور تنموي كبير داخل القارة الأفريقية خصوصاً في جمهورية جزر القمر، وما زالت مشاريعها فاعلة فيها، وقدمت الكثير من الجهد والمال لصندوق دعم التنمية فيها.
- استثمرت في مجال إعادة إعمار السودان، حيث بلغت الاستثمارات القطرية لدى الخرطوم نحو 4 مليارات دولار، شملت عدة مجالات، أبرزها العقاري والزراعي والصناعي. وفي دارفور، تعهدت دولة قطر بدفع ملياري دولار كرأس مال لبنك تنمية دارفور إذا ما تم تنفيذ اتفاقات السلام بين الحكومة السودانية وحركة العدل والمساواة.
- وكذلك قامت بدور متميز في منطقة القرن الأفريقي وفي الصومال وكينيا، حيث تمكنت من دعم المشروعات، خاصة الزراعية والتعدينية، في مناطق وسط وشرق وغرب أفريقيا، حتى أصبحت ضمن أكبر 6 دول حول العالم تستثمر في السودان بحجم يقترب من 3.8 مليار دولار في مشروعات متنوعة زراعية وصناعية وغيرها.
- كما أن جهاز قطر للاستثمار (بحسب تقارير رسمية) أنفق ما يقرب من 30 مليار دولار في عام 2012 في مشروعات أفريقية، الأمر الذي أدى إلى تسارع حكومات دول أفريقية لعقد اتفاقات استثمارية مع الدوحة، خاصة في وسط أفريقيا مثل تشاد وأفريقيا الوسطى.
-بينما تعد الاستثمارات النفطية في موريتانيا الأكثر أهمية؛ إذ تفوق 25% من تراخيص استغلال النفط والغاز في منطقة (تاودني) الموريتانية المحاذية للجزائر.
- ويمكن اعتبار دراسة مشروع للسكك الحديدية الذي سعت الدوحة إليه، الأهم على الإطلاق، إذ يبدأ المشروع المقترح من مدينة نيالا في السودان ويمتد حتى داخل تشاد، ثم يمتد حتى حدود الكاميرون ونيجيريا، ويصل إلى سواحل المحيط الأطلسي.
- وعقب نجاح الثورة الليبية في الإطاحة بالعقيد معمر القذافي نهاية عام 2012، وجهت قطر استثماراتها لإعادة بناء ليبيا الجديدة، حيث تقدر الاستثمارات النفطية القطرية بليبيا بنحو 700 مليار دولار.

مد إعلامي
قناة الجزيرة أولت القارة السمراء اهتمامها كما لم تفعل أي وسيلة إعلامية عربية من قبل، حيث وصلت تردداتها إلى دول أفريقية عدة، وأطلقت محطة خاصة باللغة السواحيلية تستهدف قرابة 100 مليون نسمة في مناطق جنوب وشرق أفريقيا، لتكسر بذلك احتكار إذاعة "بي بي سي" لتلك المنطقة.
كما تخطط الجزيرة لتأسيس قناة ناطقة بالفرنسية من داخل العاصمة السنغالية داكار، لتغطية المناطق المأهولة بالناطقين بالفرنسية في غرب أفريقيا، في مسعى يرتبط مع حصولها على عضوية المنظمة الفرانكفونية.
فيما تعد قناة الجزيرة إنترناشيونال– الإنجليزية– إحدى أهم القنوات الفضائية تغطية للدول الأفريقية، فتعرض شاشتها بصورة يومية عدداً من التقارير التلفزيونية والصحفية حول أوضاع تلك الدول وخصوصية حياة سكانها الاجتماعية والثقافية.

الدور الإغاثي
الهلال الأحمر القطري موجود في معظم الدول الأفريقية، إلى جانب جمعيات ومنظمات أهلية وخيرية، تتركز أعمالها في بناء المساجد، ودعم المدارس الإسلامية، والمراكز الصحية، حيث تصل الجمعيات الإغاثية القطرية إلى مواقع الصراعات المسلحة الخطرة في عدة دول؛ منها مالي والصومال وغيرها.
وقد سعى إلى إغاثة المتضررين في جمهورية أفريقيا الوسطى من جراء أعمال العنف الطائفي هناك، فخصص مبلغ 2.9 مليون ريال قطري عبر صندوق الاستجابة للكوارث، التابع له، كاستجابة عاجلة لإغاثة الأسر المتضررة لتوفير الاحتياجات الأساسية التي أعلنت عنها المنظمات الإغاثية الدولية.
وقد بادر الهلال الأحمر القطري إلى افتتاح أول مكتب لمنظمة إنسانية وعربية في أفريقيا الوسطى رغم الوضع الأمني الصعب.
كما قامت المنظمات الأهلية بدور فاعل في هذا المضمار، حيث أعلنت مؤسسة الشيخ عيد الخيرية، عبر دراسة أعدتها عن جهودها التعليمية، أن المؤسسة استطاعت خلال عشرين عاماً تنفيذ 886 مشروعاً إنشائياً في مجال التعليم يختص ببناء 886 مدرسة ومعهداً ومركز تحفيظ للقرآن بتكلفة تقارب 244 مليون ريال، وحظيت أفريقيا بحصة كبيرة من هذه المشاريع التعليمية، نالت السودان حصة الأسد فيها، فقد احتلت المرتبة الثالثة من حيث حجم تنفيذ مشاريع المؤسسة فيها، فقد نفذت فيها 55 مشروعاً تعليمياً بتكلفة تزيد على 26 مليون ريال. وقد بلغ إجمالي المشاريع المنفذة في السودان من 2007 وحتى الآن أكثر من 10 آلاف مشروع، بتكلفة تجاوزت 210 ملايين ريال، حيث عملت في 7 مجالات رئيسية، منها المشاريع التعليمية التي وفرت فيها 280 مشروعاً تعليمياً، كما توزعت المدارس على 23 دولة بأفريقيا، منها: الجزائر والمغرب ورواندا وبوروندي والصومال وجزر القمر وتشاد وتوغو وجنوب أفريقيا وملاوي ومصر وموريتانيا وكينيا وغانا.

ختاماً
لا بد أن نؤكد هنا أن يد الله مع الجماعة كما يقال في الأدبيات العربية، وأن يداً واحدة لا يمكنها أن تصفق، كما ورد في الموروثات الشعبية، وأن وعي صانع القرار السياسي في دولة واحدة وجهده لاستدراك مقومات الأمن الإقليمي سيحقق أهدافه إذا قدر له أن يحصل على دعم محلي على صعيد الخليج، وعربي على الصعيد القومي الأوسع، ولو تضافرت الجهود للتعاون مع الدوحة لكان لذلك أثر كبير في تحقيق المصالح الاستراتيجية للمنطقة، فالأمن العالمي مترابط، وقارة أفريقيا جزء هام في أمن العالم وأمن المنطقة العربية والخليج ومصالحهما، حيث يعتبر موقعها الأهم على الصعيد الجيوبوليتيكي، لأنها تتوسط الممرات الملاحية بين القارات الخمس، فهي تطل على: مضيق جبل طارق، قناة السويس، مضيق باب المندب، رأس الرجاء الصالح، ويحيط بها جزر تطل على المحيطين الأطلسي والهندي.
هذا الموقع أهّلها لأن تكون همزة الوصل بين قارات العالم، خصوصاً في جزئها الشمالي والشمالي الشرقي، التي تسيطر على حركة المواصلات العالمية بين قارات آسيا وأوروبا وأفريقيا، لذلك فإن لأفريقيا دوراً محورياً في الأمن الإقليمي وفي الحراك السياسي والاقتصادي والثقافي للدول المحورية في هذه القارات.
ونظراً لسيطرة الدول الأفريقية على الممرات الملاحية، التي تربط قارات العالم، كان لها أهمية بالغة في تأمين صادرات دول الخليج، التي تعتمد بنسبة 90% على عائدات النفط إلى العالم، وكذا الواردات من السلع والخدمات، إلى جانب الأهمية السوقية في مواجهة أي تحرك عسكري في المنطقة.

ومن المعلوم بالضرورة أن تحقيق المكاسب السياسية في العلاقات الدولية لا يتحقق إلا من خلال تفعيل أدوات المصالح المشتركة، وتوظيف نقاط القوة لدى الدول في تحقيق تلك المكاسب، ودول الخليج العربي تمتاز بالثراء نظراً لتوفر خامات الطاقة فيها، ومن هنا عد التحرك القطري في القارة السمراء نضجاً لدى مهندسي الدبلوماسية فيها، حيث تم توظيف المشاريع الإنمائية والإغاثية في تحقيق نفوذ سخر لتحقيق المكاسب على صعيد الأمن والسلم العالميين من خلال التوسط في حل المشاكل والمنازعات، واستدراك الأزمات.
2015-11-29 محمد صادق أمين - الخليج أونلاين

ليست هناك تعليقات: