الأربعاء، 16 سبتمبر 2015

وجع السنين .. فزان .. هذا الفرن

فزان .. هذا الفرن
      الصيف والصحراء..    لقاء وكأنه برغبة في اغتيال الحياة .. الشمس في كبد السماء .. صحراء فزان هذا الفرن .. تجاوزت حرارة الشمس اللافحة حد الاحتمال .. لا ظل ظليل يقينا الحر خلاف ظلالنا .. الرمال الملتهبة تحت اقدامنا تقذف وهجا يبعث على النزق والغثيان .. وفي الافق البعيد تبدو اجنحة السراب الفضي الخادعة .. الغم والسخونة الخانقة  ..  لا شيء يبعث نفس الحياة .. هبت عاصفة رملية  ..  تشبعت الاجساد بذرات الرمل .. التهبت العيون .. يبست الالسن .. تجرحت الحناجر .. بحت الاصوات .. والأوفر حظا من لم يفقد حاستي الشم والذوق   .. تفشى الدعر ..  اذ الحياة اضحت  مهددة حقا هذه المرة .  
       جرجرت الشمس ذيولها نحو الغروب .. وأعلن الشفق مودعا نهاية يوم من ايام العمر .. هنا في هذا البراح الوحشي الممتد .. واحة الزيغن بالجنوب .. اضاءت المنازل انوارها .. واستسلم الكون للغة ليل الصحراء .. يطيب الآن الخروج نحو الباحات الواسعة .. فضاءات الصحراء والليل والسكون .. استلقي على صفح تل رملي .. اناجي النجوم .. اتأمل القادم واستنطق لغة الكون  .. اكتب حروفها على صفح الرمل ..  واتمتم بالأماني التي لا تفارقني .. وطن شفي من ألم شديد .. وعودة نخوة الاهل من جديد .. وبزوغ فجر سعيد .. اكتب .. وأعيد ما خططت .
        هناك متعة في الكتابة  اكثر مما هناك متعة في قراءتها ، وجود جمهور يتقبل فكرة متابعة ما تكتب .. ضمن اشياء قد لا تشجع البعض على الاستمرار في الكتابة ..  وهكذا بطبيعة الحال وفي اكثر الاحيان  انت في حاجة الى شريك يحفزك الى الكتابة .. ورغبة في التوافق مع الاخر في الرؤى .
    الكلمات  كرقيق .. هي سبي اقتنصته من وراء حملة مجحفلة في عالم الكتب وتجارب الحياة .. تأمل وإعادة نظر لإنتاج رؤية ..  افراز لغصة اسيرة بين جوانحك .. النفس كمحجر معادن ..  متنوعة بقدر روافدها الثقافية .. تحترق لفضفضة ، كأن تستقطع درر نفيسة من بين معادن خسيسة احتواها المحجر .
        الكلمات سعال .. وفي الفضفضة بكتابتها وصف لأسباب ذلك السعال .. اكتب أي اسعل .
        اكتب للحب عندما تكون طربا .. وللحزن عندما تكون كليم .. اكتب لأنك تحلم .. او لأنك تأمل واليأس يحاصرك .. اكتب للسماح للآخرين قراءة روائع بصماتك .. اكتب أسرار لا يعرفها سواك .. وعن اهوال مرت بك ونجوت منها .. ذكريات زمن ولى .. اكتب لأن لديك ما تود قوله للآخرين .. لان لديك ما تقول مما لا يمكنه ان ينتظر .. حالة مخاض وألم كاتب يتلوى .. اكتب كلما شعرت بأن رحيق الكلم حرر القلم واللسان ..  اكتب لا للمقايضة .. وبلا توقعات لما بعد الولادة .. ودون الحاجة للمعاملة بالمثل .. اكتب .. الى لا أحد .. ولا حتى لنفسك .. اكتب شيء لتقوله وكأنه حجر مقطوع من داخل محجر بعيد القرار .. اكتب فقط لمجرد انك ليبي حر بفعل الثورة .. وليبيا هي وطنك الذي تحب .
       اكتب عن الحكومة .. والوساطات والفقر والتهميش .. وعن نهب الاموال .. والتعاقدات والمليارات .. وعن التهريب والعمولات .. اكتب عن المنافذ الحدودية .. الاحزاب والجمعيات الوهمية .. والفنادق والنزاهات واجتماعات الحوارات .. وعن فزان ومخالب تنهش الكيان .. اكتب بتجاسر اكثر .. وتسأل عن حقيقة وجود قوى اجنبية تدير الصراع .
   اكتب لنقترب اكثر من الوطن ..  اكتب في السياسة وإن عبر الانترنت .. واحذر هناك .. قد لا يكفي ان تستخدم  اسم مستعار .
     في احدى المناسبات السعيدة من ذلك الزمن الغابر ، وما كان يبخل علينا بالمناسبات الاحتفالية والمسيرات الجماهيرية ، ووسط حشد جماهيري لا زال يلتئم ومن المتوقع حضور الرمز الاوحد ، بدأت جوقة تمهيد وتهيئة لما قبل اكتمال تدفق الانصار من كل فج عميق ، وبدأ التزاحم والتقافز على المقدمة ، وحول حلبة المسرح ، احدهم يلقي برقية تهنئة ، واخر وثيقة عهد ومبايعة ، وثالث يريد للجماهير ان تردد بقيادته هتافات حماسية ، ومن يمكنه التقاط لاقط الصوت يكون قد ظفر بالجولة .. كان من بين من تتقاذفهم زوابع الطوفان البشري شيخ مسن ، يبدو انه خصص من وقته الكثير لنظم قصيدة زجلية ابتهاجا بالمناسبة ، سعى بكل ما يملك من قوة وحيلة للاقتراب من المنصة عسى ان يظفر بدور ، وفرصة لإلقاء قصيدته .. وما ان بات قاب قوسين او ادنى ، وكادت انامله تلمس لاقط الصوت من بين ايدي تتصارع ، ولم يكن بالامر السهل ، انتهت به المغامرة والتدافع ، فوقع ارضا بين اقدام المتنافسين ، ومع حرارة الخيبة وقد اشتاط غضبا ، قفز على لاقط الصوت دون ان ينفرد به لنفسه ، وصرخ بأعلى صوته " يعيش الملك ادريس " .. صدح صوت العبارة كوقع الصاعقة بالمكان ، ساد الصمت .. وجحظت العيون مشدوهة لهذا الخرف الذي تسور على ما لا يمكن ان يقبل تحت اى مبرر .. لم يكترث بما جرى وهو يلملم اطراف جرده المبعثره وينفض الغبار .. تذكرت تلك القصة .. خطر  ، فيما لو ان ذلك الشيخ المسن او الخرف بيننا ، لما تردد في القول ..  " يعيش هتلر وموسيليني .. بل وحتى غرايستياني "
       ذات يوم عام 1976 م ، بمعسكرات الاعداد العقائدي التي كان يقيمها ويشرف عليها بنفسه ، راعيا ، ومحاضرا صحبة رفيقه جلود .. بمعسكرات تاجور ، وجودايم ، والسواني ، وابن منظور .. رغم ان حضور طلبة المرحلة الثانوية كان اجباريا ..  ظل يردد.. " انتم جيل الثورة .. العصب الاحمر للثورة .. كما كريات الدم التي تجري بالعروق .. لكن عليكم ان تنتبهوا لنقطة مهمة .. لا تشيروا بالأصبع على شخص بأنه رجعي او خائن او عميل إلا بعد ان يستعصى عليكم استمالته .. واحذروا .. انكم عندما تشيرون عليه بالأصبع جهارا تكونوا قد افقدتم صف الثورة فردا .. وقدمتم الى مناهضيها من الاعداء خدمة مجانية بتجنيد فردا جديد انضم الى صفوفهم بعدما كان مترددا الى حد ما " . حدث ذلك في سبعينات القرن الماضي عندما كان يحشد الاتباع  ولم يشتد عود السلطة المستولى عليها بعد .. وإن عدل عن كل ذلك فيما بعد !!
        يوم 28 نيسان 1793 م . كتبت رتشارد توللي شقيقة زوجة القنصل الانجليزي ، بمذكراتها تقول : ( في هذا الاسبوع فوجئنا جميعا بما فينا القنصل الفرنسي بظهور فرقيطة فرنسية مقلة قنصلا جديدا بعثته الجمهورية الفرنسية . وليس من اليسير على ان اصف الذعر الذي استولى على الهيئة الدبلوماسية الفرنسية في طرابلس : فالقنصل ، ونائب القنصل ، والمستشار باتوا الآن في خطر عظيم . وقد اسرع ضباط الفرقيطة الفرنسية وقبطانها الذي كان مزينا للشعر بضع سنوات ، الهبوط الى الشاطئ ومعهم قنصلهم الجديد . وبعد ان قام القنصل بالزيارة التقليدية الى القلعة حيث استقبل بصورة رسمية هناك . تجمع البحارة في ساحة دار القنصلية الفرنسية . وهنا اجروا تحريات على سلوك القنصل السابق ، وكان البحارة في ثورة شديدة : زرعوا شجرة الحرية في ساحة الدار واجروا محاكمة مزيفة للعائلة الفرنسية التي بدا انها ستلقى حتفها على يد اولئك البحارة المنفلتين . وكان من حسن الحظ ان تصرف القنصل الجمهوري بلباقة في هذه المناسبة ، فقد القى خطابا طويلا هو والقناصل الاخرون في طرابلس في ذلك الجمع الفوضوي من البحارة ونجحوا في السيطرة على عواطفهم وتبديد نواياهم السابقة . وبعد برهة قصيرة ارتفع هتافهم عاليا : ”  لتحي الامة ، لتحي الجمهورية ” ، ثم اتبعوه بـ " ليحي المواطنون " قاصدين بذلك القنصل ونائب القنصل والمستشار. وكان الهتاف امانا لهم من الخطر 
        كان يمكن لكلمة القنصل الجديد ان تؤجج نار الحقد وتشعل فتيل الثائرين .. فهو بمثابة القائد لهم .. لكن حنكته السياسية استوعبت الحاجة الى ضم افراد جدد الى صف الثورة اهم من البحث عن زلة انتماء سابقه ومعاقبة القنصل السابق لتشيعه للملكية المنهارة .. وان الثورة الوليدة في حاجة الى احتضان المواطن الفرنسي اكثر من شغفها بمحاكمة وتأثيم .. وبالكلمة فقط امكنه نزع فتيل اللهب .. وهكذا عندما تغيب عن قادة الثورة القدرة على انتاج الكلمة وانتقاء الحجة .. قد لا يلام الثائرين من العوام على الخروقات ..  القائد المسئول عن رصف الصفوف ، وحشيد المناصرين للثورة الوليدة .. وتعبيد طريقها ..  كما المسئولية عن اختلاق اعداء جدد .. وتقوية الصف المعادي المناهض .. القدرة على التجاوز ، إضفاء مسحة التسامح كفيل بتضميد جراح وطن هزه زلزال الثورة .. ووقاية لها من توابعه .. الثورة على الاستبداد ملكي او عسكري جاءت لتخليص المواطن من ربقته .
       القيادة الراشدة بما تملكه من حنكة سياسية وحدها القادرة على إنقاذ انتصار ثورة بدلا من الغوص بها في مجاهل مظلمة .. قال هاري ترومان ان دراسة التاريخ علمته ان القائد هو الرجل الذي يملك القدرة على جعل الناس يفعلون ما لا يريدون ان يفعلوا وان يحملهم على ايلاف ذلك .. " مونتغمري "  الشهير ، قائد معركة "  العلمين " .. بداية النهاية للحرب العالمية الثانية وترجيح كفة دول الحلفاء .. كتب في مطولته ،  ومن واقع تجربته الشخصية الغنية ..” القيادة .. القدرة والعزم على جمع الرجال والنساء حول هدف مشترك ، يضاف اليهما الخلق الذي يوحي بالثقة .. ولكن امتلاك هذه القدرة لا يكفي . فالقائد عليه ان يقول الحقيقة لأتباعه .. وعلى القائد الحق .. ان يسيطر على الاحداث . فإذا هو سمح لها بأن تسيطر عليه فقد ثقة رجاله .. ان يمارس تأثيرا فعالا .. ان يعرف ما يريد .. ان يرى هدفه بوضوح ويجهد من تم في بلوغه .. ومن الخطأ الاعتقاد انه يكفي اعطاء الأمر . فإن عليك ان تتأكد من أنه قد نفد بالروح التي اصدرته أنت بها .. وإنها لضرورة مطلقة أن يتجنب القائد الغرق في التفاصيل .. وما من قائد أعلى يهتم يوميا بالتفاصيل ولا يجد الوقت للتفكير في جو من الهدوء ، يستطيع ان يضع خطة سليمة .. ان هذه المبادئ تصلح ايضا في الحياة المدنية ، لا سيما في السياسة . وكثيرا ما أرى الوزراء وغيرهم من الشخصيات العاملة في الآلة الحكومية لا يدركونها . ويمكننا ان نسطر على اضرحة كثيرين من الرجال السياسيين المكلفين بوظائف حكومية عليا الاسطر التالية :   هنا يرقد رجل مات ارهاقا لكثرة انشغاله بالتفاصيل . لم يكن لديه أبدا وقت يفكر فيه لأنه كان دائما يقرأ الاوراق . لقد كان يرى كل شجرة ولكنه لم يكن يرى الغابة أبدا " .

           عندما يعتري مسيرتنا الترهل ، خطب ما ينخر حركتها .. الخلل رأس الجسد ، دفة القيادة ، حاجة الى التغيير .. ففيما استخلص منتغمري عن تجربته ، قد نجد ما يمكننا ان نرى الغابة بمجملها دون ان نغرق في التفاصيل  .

ليست هناك تعليقات: