الأربعاء، 4 فبراير، 2015

- الشخصية الليبية .. ثالوث القبيلة والغنيمة والغلبة

  


     " الشخصية الليبية .. ثالوث القبيلة والغنيمة والغلبة " كتاب صدر حديثا للاستاذ المنصف وناس ، جامعة تونس . حاول الباحث من خلاله تفكيك مكونات الشخصية القاعدية – حسب المفهوم الذي يستعيره – بهدف قراءة المشهد السياسي ما قبل فبراير 2011 ، وما بعدها ، "
    في التوطئة للكتاب يتساءل عن الخصائص البارزة المميزة لهذه الشخصية . ففي رأيه : " لا يمكن فهم جذور ( الانفجار الشعبي ) الذي حصل سنة 2011 اعتمادا على اعتبارات سياسية محض " . لينطلق من فرضية وحيدة يبني عليها مشروعه ، ألا وهي البداوة ، او البدونة خصيصة الشخصية الليبية . والتي هي " نظام متماسك من الاعراف والتقاليد والممارسات التراتبية ومن التبجيل لشيوخ العشيرة باعتبارهم حماة الديار وحراس راس المال الرمزي " . وهي ثقافة ذهنية قبل أي شيء اخر . قادرة على الصمود رغم اندثار القاعدة المادية او المرتكز الاقتصادي . وللتدليل على قوله يشير - فيما يخص الحالة الليبية – الى انها " قاومت على طريقتها ما سمي بالمشروع الثوري للنظام السابق ( 1969 – 2011 ) الذي انفق بسخاء من اجل تكوين قوى ثورية مقتنعة بهذا المشروع وخاصة في منطقة برقة والجنوب الليبي " . يعزو ذلك الى رغبة في اكساب النظام مقبولية سياسية من خلال تعبئة القبائل .
    يقفز هنا وهناك لرصف مبررات " التغير السياسي في الفاتح من سبتمبر " - حسب تعبيره - ، ويسترشد بفكرة عامة مؤداها ان " الثورة – يقصد انقلاب سبتمبر – انطلقت من فكرة اساسية .. ان البدو هم اكثر قابلية للثورة .. قياسا بالحضر .. الذين جرى اتهامهم بالطلينة .. بواسطة جيش الباندا .. ولعل اشهر باندا هي باندة عاكف التي اقتلعت سكان الجبل الغربي من جذورهم "
" وبمقتضى هذا المبدأ السياسي .. سيطر على مختلف مفاصل الدولة الليبية اشخاص من اصول بدوية غالبا ما تعاملوا مع الادارة على انها غنيمة ، فهيمن الاداء الارتجالي " . تجسده نماذج يستعيرها مثل " الثورة الثقافية " ، " خطاب زوارة " ، " " الثورة الادارية ".. انموذجا ، وبالطبع " الادارة ثورية " . تاويلاتها وتطبيقاته التي افضت الى امتلاك موارد الغنيمة والقوة وصولا الى السيطرة والغلبة القبلية . وهنا يعزو حالة الاحباط المجتمعي الناجمة عن تلك السلوكيات السلبية المترتبة ، الى الخطأ في التأويل .
   وفي سياق توضيح فكرة البدونة السياسية ، فلسفة النظام السابق ، يعتقد انها " تقوم على تدمير الدولة بكل هياكلها وعلى تشجيع الليبيين على المشاركة .. وتحقيق الديمقراطية المباشرة " . وانه لاحظ ميدانيا ، ان هذه الفلسفة لم يواكبها اقتناع فعلي من قبل الليبيين ، كما لم تكن الاليات المستعملة ناجعة . وأنها لقيت ترحيبا من البدو باعتبارهم غير مقتنعين اصلا بفكرة الدولة .
ثم يقدم فرضية ترجح " ان جذور الاخفاق السياسي والاقتصادي تكمن في هذه الفكرة الطوباوية " .. اذ اتخذ الاداء السياسي بموجب ذلك ، طابعا قبليا ، بل واضحى الحصول على الخدمات هو الاخر خاضعا للثقل القبلي والاجتماعي . فاستفادت " مصراته والبراعصة والعبيدات وبني وليد والقذاذفة والمقارحة واولاد سليمان والزنتان ، ولكن تضرر ، في مقابل ذلك ، الامازيغ والطرابلسية والعلالقه وزوارة وورشفانه – سهل الجفارة - والعجيلات والجميل ورقدالين والنوائل والصيعان والمشاشية والتبو والطوارق " . ولقد هدف النظام من خلال ذلك الى استمالة قادة وشيوخ القبائل للتأثير في قبائلهم ، لمنع تكون معارضات ، وتجنيد موالين . ما انتج " فراغا مؤسساتيا وسياسيا هائلا " .
يعرج على النظام الملكي ( 1950 – 1969 ) ، وشخصية البدوي التي " تحب بعمق وتكره كذلك بشدة " . وتفاعل الليبيين معه رغم تحفظات البعض في طرابلس ، والتحريض ضده ، وتشجيع الجيش للاطاحة به ، وفرح الليبيين بالحكام الجدد " فقد حظي التغير السياسي في الاول من سبتمبر بقبول شعبي ملحوظ .. ولكن سنوات قليلة بعد هذا التغيير ، بدأ القلق والملل السياسيان في الظهور .. وتنامت المعارضات بفعل الزمن الى ان انتجت تدريجيا ، 17 فبراير 2011 المدعوم من الوضع الدولي المشجع له " . يعزوه الى تراكم الاخفاقات والاحباطات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية . ثم " اعلاء ثقافة البدو على حساب الحضر على امتداد اثنين واربعين سنة " . البدونة القيصرية حسب تعبيره ، التي افضت الى " قمع كل التعبيرات الثقافية غير البدوية مثل المسرح والسينما والرسم والنحت " . وما نجم عنها من " تشظي ليبيا من الناحية البشرية الاجتماعية .. فتحولت ليبيا بفعل الواقع الى جغرافية شاسعة من العداوات ومشاريع الثأر المؤجلة " .
     ينتقل الى عرض مفارقة انتربولوجية ، " فالمنطق القبلي لا يسمح بالانحياز إلا الى الغالب ولا يغامر بالانحياز للمغلوب " . يدلل على ذلك باستدعاء مثال من القبائل التي اختارت الانحياز لانتفاضة 2011 . وبالنص : " لان تدخل الحلف الاطلسي جعل الامور واضحة منذ البداية وأكد ، بما لا يدعو مجالا للشك ، ان النظام القائم انذاك سيكون الخاسرر في هذه المعركة جراء تدخل الناتو واستعمال التكنولوجيا العسكرية المتطورة في عمليات القصف .. ولذلك ، فالانحياز للمغلوب لا يقبله المنطق القبلي .. فقبيلة الزنتان المتمركزة في الجبل كانت على علاقة وثيقة بالنظام السابق ، واحتضنت عدد من معسكراته ، ولكنها انحازت ، من باب الواقعية السياسية ، الى الشق الموعود بالغلبة ، كما انحازت من قبل ، وفي فترات محددة ، الى الاتراك .. فن بناء التحالفات .. حسب قاعدة الوصول الى الغنيمة قصد تحقيق الغلبة وهي فكرة يدعمها ايضا الباحث الليبي على عبداللطيف احميده " . ( لم يذكر ان التدخل الدولي والقصف جاء بعد شهر من الانتفاضة ) . فقد كانت هذه القبيلة حليفا للايطاليين وغيرت تحالفها بعد معركة القرضابية .. 1915 .. أي بعد غلبة المجاهدين الجيش الايطالي " .
     ياتي الباحث على ذكر عدد من القبائل والمناطق " التي طلينت " ، وخيارات تبادل مواقع الولاء انعكاسا لموقف خصمها القبلي .
    مفارقة انتربولوجية اخرى تكمن في كون الشخصية البدوية " نهابة وهابة .. تمارس السخاء ، لبناء تحالفات " . وكرمها ليس فعلا عفويا ، " وانما هو دين رمزي وفعلي متخلد بذمة الاشخاص المكرمين يتم استحضاره عند الحاجة وتوظيفه " .
       يستدعي الباحث الشعر الشعبي في كثير من الاحيان لتحديد خصيصة الشخصية الليبية وطابع البدونة ، فهي  لا تميل للعمل والجهد .. ملولة حالمة مترحلة  ، وفي حالة ضما دائم  . ( على ما شرب ما راق .. عطشان صوبه  مزال خاطري ) . ويعتبر ان اهم الاولويات في المرحلة القادمة لبناء شخصية منتجة ، " ثورة ثقافية حقيقية قادرة على تغيير الواقع نحو الافضل " . كما  يعتب على الرواية الشفهية ودورها في تدمير العلاقات القبلية ، وفي اعادة انتاج احقاد معينها ذاكرة دامية . في بيئة واهنة .
     الكتاب يصف مرحلة الثورة ( فبراير – اكتوبر 2011 ) بالازمة العميقة ، التي افضت الى تدمير البنيات الاجتماعية والى استحضار تاريخ مسكون بالتوترات والاحقاد والى اعادة انتاج ذاكرة دامية وتاريخ مأزوم .. قرأت بموازاة اللحظة قراءة للدكتور عبد السلام عماره . ملخصها : الكتاب " يعد محاولة جريئة لتشخيص الحالة الليبية الراهنة وما وصلت اليه الأوضاع في ليبيا من ترد وانحلال للدولة.. يأتي في ظروف حرجة وصعبة تمر بها ليبيا كثرت فيها التحليلات والاهتمامات الصحفية والاكاديمية ولكنها بقيت في عمومها في طور التوصيف والاخبار ولم تنفذ إلى عمق الأزمة.. أن هذا العمل يمثل محاولة جادة لاستخدام الحقل الامبريقي في فهم ما يحدث في ليبيا وبالتالي إيجاد العلاج الممكن لهذه المعضلة " .
      جدير بالذكر . ان الكاتب عاصر الحراك السياسي ما قبل فبراير ، واحد الذين سخروا سلاح الكلمة للدود عن النظام السابق . وتصدر فيما بعد جموع المناهضين للثورة والثوار ابآن تفجر ثورة السابع عشر من فبراير . ينقل عنه قوله : " ان ليبيا جغرافية الفراغ وليست مرشحة لحالة ابداع انساني " . ولربما لهذه وتلك ، لم يأتي على ذكر العهد الملكي إلا لماما ، ولم يتعرض لدوره في استيعاب تلك الذاكرة وتطويعها وصهرها في بوتقة وطنية ابتعدت بها عن العودة لتلك الذاكرة العصبية التي احياها نظام العسكر وجعلها مطيته في الانفراد بالسلطة .
عابد

ليست هناك تعليقات: