الخميس، 15 يناير، 2015

من المدرسة الى المعركة .. مأساة جيل






    " من المدرسة الى المعركة " كتاب صدر حديثا يروي جانبا مهما من تلك المآسي التي ظلت طي الكتمان لأكثر من ربع قرن من الزمان ،  ومنها قصة : اختطاف طلبة مدرسة النصر الثانوية بمدينة مرزق ، فزان ، صباح يوم 26 / 12 / 1986 م .  ودون معرفة ذويهم أجبروا على ركوب الحافلات ، الى مطار سبها ، وعلى مدرج المطار ارتدوا الملابس العسكرية ، وعلى متن طائرة النقل العسكرية وجدوا انفسهم في مطار قرية اوزو الحدودية جنوبا ، وبعد 10 ايام نقلوا بالطائرة مرة اخرى الى الجبهة الامامية للحرب ، قاعدة " وادي الدوم " بالأراضي التشادية .  رحلة القرصنة والمعاناة التي تلتها يوثقها احد الضحايا الطالب عبدالله صالح محمد ، عدد المختطفين  250 طالبا ، ومع توالى نكبات الهزائم في المواقع المتقدمة ، " فادا " ، " بئر  كوار " ، جاء الدور على قاعدة وادي الدوم الحصينة ، والتي تجاوزت تقديرات تجهيزها خمسة مليار دولار ..  لا كتب ، لا جرائد ، لا اتصالات ، وعيون تتربص ليل نهار ، الإصبع على الزناد ، وحداثة التجربة  .

       في مساء يوم 22 / 3 / 1987 حدثت الطامة الكبرى ، دوى صهيل الانفجارات حول القاعدة والمطار حيث كان يرابض ذلك التلميذ ، عمره 17 عاما ، صحبة زملائه ، اعلى التبة ، بحوزتهم رشاشة متوسطة ، ما ان دوى شررها حتى اغترفت قذيفة الرشاشة وعدد ثلاثة من زملائه ، حاول اسعافهم وزميله الاخر ، لكنهم لقوا حتفهم في الحال ، انسحب نحو طرف المطار ، حاول امتطاء عربة تركها جنود اخرين ، لكنها هي الاخرى اصيبت ، وانتهى امرهم للبحث عن ملاذ ، القاعدة مسورة بالألغام ، والمسالك السرية لا يعرفها سوى القليل ، وبعد لآي وبمساندة جنود اخرين تمكنوا من الفرار سويا .. تاهوا بالصحراء بعد قطع مسافة 50 كم ، انهكه التعب ، قرر وزميل له التخلي عن مواصلة الرحلة ، ليقع في الاسر .  

     تمكن من الهروب بعد أثنى عشر شهرا . بمساعدة احد الجنود الذي رق لحاله وقد كلف بأعمال الطبخ والتنظيف ، وظل يتنقل في الخفاء بين قرى ووديان شمال تشاد ، قورو ، فايا ، ازوار ، برداي ، زموري ، ومن هناك ، ولمسافة 75 كم ، راجلا صحبة الدليل ، نحو اوزو التي لا تزال حينها ضمن التراب الليبي ، وبها قاعدة عسكرية . السير ليلا ، صعود الجبال ، مهاد ووهاد ، الهمسة ضجة ،  الجوع ، العطش ، القلق ، الخوف من الوقوع في قبضة الجيش التشادي مرة اخرى ، خطر الالغام ، اشياء لا حصر لها .. هواجس ومشاعر مختلطة واكبت رحلة فتى صغير يحلم ذات يوم بالرجوع الى وطنه الام .. يتأمل اللحظة التي تكتحل عينيه برؤية امه وأبيه .

  وأخيرا يصل على مقربة من القوات الليبية .. يشير اليه الدليل بالجبل والاتجاه ، فلم يبقى سوى 15 كيلو متر .. قطعها متوحدا .. لكنه فوجئ عند الوصول ، توقع ان يستقبل كبطل ، ربطت عيناه وأودع السجن ، ومن هناك الى سجن ابوسليم بطرابلس ، وبعد مضي شهرين ، اطلق سراحه .. رمي به عند محطة الحافلات طرابلس ، الى سبها ، ثم الى مرزق .. تجربة مليئة بالآلام والأحزان ، ولحظات الفزع والرعب .. " ما بكيت في حرب وادي الدوم ، ولا جوع " اونيقه " ، ولا تشريد " فايا " ، ولا عزلة " زوار " .. لكن السجن الانفرادي ابكاني " .. كتاب " من المدرسة الى المعركة " .. قصة مأساة جيل  ..  كتاب زاخر بالعبر .. يستحق عناء القراءة .  

ليست هناك تعليقات: