السبت، 31 يناير 2015

- عين الشب







    على مسافة 20 كم شمال غرب واحة الزيغن ، و 40 كم شرق واحة براك ، في براح مقفر ، نبع ماء كبريتي ينضح ارتوازيا منذ آماد طويلة موغلة في القدم ، تنمو حولها شتات من الاعشاب الصحراوية وشجيرات الاثل ، لا عهد للناس بتواجد سكاني حولها ، وكانت بمثابة معطن لإرواء الابل التي تجوب الصحراء بحثا عن الكلأ ، من عشب العقول والضمران والرتم .. ولا يزال النبع ينضح الى يومنا هذا كما في الصورة الحديثة اعلاه من هناك .
    خلال العقود الاخيرة ارتبط ذكرها في صحائف مركز دراسات التاريخ الليبي بالمعركة التي حدثت بالمكان ، في مواجهة جحافل الطليان الفاشست .. وان كانت الرواية تجنح الى حد بعيد في المبالغة ، فهي تذكر وجود قرية آن ذاك ، وان طلائع المجاهدين اختاروا الانسحاب نظرا لنفاذ ذخيرتهم ، وحاجة لتنظيم صفوفهم . تكتب مجلة الشهيد يصدرها مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية في عددها  التاسع ، أكتوبر 1988 م ، ما نصه : (  الشب هي قرية صغيرة بوادي الشاطئ تقع إلى الشرق من مدينة براك بحوالي 40 كم  .
    قامت إيطاليا بالتمهيد لاحتلال فزان بتوجيه قوة بقيادة " الكابتن هركولاني " لاحتلال سوكنه واتحادها كقاعدة أولية لحملة العقيد مياني وقد تم احتلال البلدة في يوم 23/7/1913 م بعد معركة قصيرة ، وقد لعب موقعها دورا هاما في كافة العمليات الحربية التي جرت لاحتلال منطقتي الجفرة وفزان .
      أقام الايطاليون بسوكنة لمدة ثلاثة أشهر للراحة والاستعداد ومراقبة الوضع في فزان .
      بعد أن استكملت كافة الإجراءات لحماية ظهورهم تحركت قوات مياني من سوكنه نحو فزان في 6/12/1913 م ، وكانت قوات المجاهدين متمركزة في منطقة " القرضة " بوادي الشاطئ متخذين موقف الحذر من الهجوم الايطالي المتوقع ، كلفت قيادة المجاهدين عددا من المجاهدين للقيام بعملية استطلاع بمنطقة الشب ومراقبة تحركات العدو ، وعند خروج الايطاليين من سوكنه اعترضتهم مجموعة من المجاهدين ، ونظرا لعدم تكافؤ القوتين لم تدم المعركة طويلا حيث انسحب المجاهدون إلى أشكدة تاركين وراءهم ثمانية شهداء ، ويعلل احد المجاهدين بأن سبب انسحاب المجاهدين من المعركة هو نفاذ الذخيرة .
    والجدير بالذكر أن معركة الشب كانت من المعارك التي لم توضع لها خطة مسبقة من قبل المجاهدين ، ولم يشترك فيها عدد كبير منهم ، بل إنها وقعت بين قوات العدو وفرقة الاستطلاع الصغيرة التي بعث بها قادة المجاهدين لاستطلاع قوات العدو ، وعندما وجدت تلك المجموعة الصغيرة نفسها وجها لوجه أمام قوات الأعداء اضطرت إلى مجابهتها رغم قلة عددها ، ولهذا فإنه عندما اشتد القتال وجدت المجموعة أنه من الأنسب لها أن تنسحب نحو أشكده حتى يتمكنوا من إعادة تنظيم أنفسهم ويستعدوا لمجابهة العدو من جديد ) .
   يعلق احد الرواة على ما كتبت الصحيفة . يقول :  عين الشب كما نعرفها لم تكن اهلة بالسكان يوما ، نبع ما ، معطن لا اكثر . وما كتبتم  يؤخذ منه فقط ( ان المجاهدين كانوا فرقة صغيرة ) ، فقد كان عددهم لا يتجاوز العشرون ، وكل ما هناك ، ان وزع نداء الى اهل فزان لمقابلة العدو النصراني " الكفار " المتجه نحو فزان ، وان نقطة التجمع ولقاء المحلات عند عين الشب ، وكان ان وصل ثلة هؤلاء المجاهدين من واحة الزيغن  الاقرب للمكان ، بينما تأخر وصول ركب بقية المحلات القادمة من وادي الشاطي وبقية مناطق فزان ، وبينما هم في الانتظار برز في الافق  شبح القادمون ، ودون التحقق من هويتهم ، وتوقع انهم من ينتظرون قدومهم ، اطلق احد المجاهدين رصاصة في الهواء لإرشادهم وإعلام القادمين بوجودهم ، ظنا منهم انهم احدى المحلات ، لكنهم فوجئوا بوابل من الرصاص تصبه رشاشات ألية بعيدة المدى . فاضطروا الى الانسحاب الى قرية الزيغن ، بعدما استشهد سبعة منهم . وما كان بحوزتهم سلاح يقارع ترسانة ألية " دقره ، وبومشط  ، وتعبئة الطلقة الواحدة تحتاج وقت ، صب البارود بالفوشيكه ، اعلف صدر البندقه ، وانتظر خروج الطلقة ان حدث واصابت ، ولابد للهدف ان يكون قريبا ." . وبالعامية . الحكاية   ( طلق حياة عمك عبدالسلام الله يرحمة طلقه في الهواء ، يحسابوهم جماعتهم اللي يراجوا فيهم ، جاهم الرصاص صب سيل ، قال حياة عمك  امحمد الله يرحمه . اتخدنا يا جماعه . الطليان خداكم ، ماتوا منهم سبعة ، ومنها .. شلاكه وهيم في خليل الله . واللي وصل للزيغن وصل في حال .  عمتك امسعد الله يرحمها تراجي على نار ، ووين وصلوا لاقتهم تنشد في واحد من اللي وصلوا على ولدها عبدالجليل ، وهو واحد من اللي استشهدوا بالملطم ، ما ريت جلوله ؟ . رد عليها وهو في هداك الحال " انا اليوم حتى سيدي ربي ما ريته " . واحكوا باللي يروى على شفاه الناس لوله ، ويا ريت المركز يهتم بجمع الرويات الشفهية اكثر . . وبارك الله بيهم كان في نيتهم مواجهة الغازي . والله يرحمهم اليوم ويرحم شهداء الملطم .)
عابد

الجمعة، 30 يناير 2015

كتاب العلاقات الليبية الفرنسية في فزان 1943 - 1956



       

    صدر مؤخرا العام 2012 كتاب باللغتين العربية والفرنسية ، بعنوان : (  التاريخ المجهول .. العلاقات الليبية الفرنسية في فزان 1943 – 1956 )  . حوى مجموعة ابحاث لثلة من المؤرخين والمختصين ، عرضت ضمن " ندوة فزان " .  باشرف المعهد الفرنسي للبحوث المغاربية المعاصرة ( تونس ) ، بالتعاون مع المركز الوطني للمحفوظات والدراسات التاريخية ( ليبيا ) . اقيمت بالعاصمة التونسية ، ديسمبر 2009 م .
       في التوطئة ، المنسق العام الدكتور المنصف وناس ،  مديرالمركز الفرنسي ، يلفت الانتباه الى " ان مبحث علاقات فرنسا باقليم فزان لم يدرس علميا بما فيه الكفاية " . وفي كلمة موجزة ينبه الدكتور الطاهر الجراري مدير المركز الوطني الليبي ، الى اهمية الندوة في سعيها لتوضيح دوافع وظروف الاندفاع الفرنسي نحو جنوب ليبيا .
    في المقدمة . تولى الاستاذ بيار نوال دوينيي ، تقديم قراءة  موجزة لمجمل المشاركات ، بعنوان : " فرنسا في فزان .. الرهانات والاستراتيجيات الاجتماعية والقبلية " ، يستعرض خلالها بعض التقاطعات في افكار الباحثين .

  - اضاءات حول مشاركات الاساتذة :
  
    ( 1 ) انري مارتال . ( فزان في المخيال الامبراطوري الفرنسي .1835 – 1956 )   قراءة معمقة تركز على طموحات التوسع الفرنسي في فزان ، " والتي هي طموحات استراتيجية وجغراسياسية – تشاد والجزائر وتونس – اكثر من ان تكون تنموية او حضارية . وتقف عند مسعى فرنسا الى عزل السكان ، وخلق تحالفات محلية .
      " فزان القاعدة الخلفية المحتملة لإعادة غزو الاقاليم المغاربية ، والعتبة الغربية لدار الاسلام " ، وقد اضحت محل رهان دولي ، ومنطقة صراع امتيازات الدول الاوروبية ، فرنسا ، بريطانيا ، الدولة العثمانية . فبينما سعى الفرنسيين الى اقامة منطقة نفوذ تمتد من الجزائر الى القاهرة ، كان الانجليز متحفزون لمنع ذلك ، مطمحهم تدشين خط تجاري يمتد من خليج سرت الى بحيرة تشاد .
   يعرج الباحث على نشاط بعثات المستكشفين اوائل القرن التاسع عشر ، ودور " جمعية استكشاف الداخل الافريقي " الانجليزية ، رحلات هنرمان الانجليزي 1798 – 1801 ، ريتشي وليون 1818 – 1819 . ايضا صراع القناصل إبان السيادة العثمانية ، " لقد سمحت تسوية الشرق سنة 1840 للباشا الحاكم بكسر تحالف التجمعات البدوية الكبرى الثلاث التي كانت جموحة لرجوع نفوذ السلطة المركزية ، وكان اقواها تجمع اولاد سليمان الذي كان يسيطر على فضاء شاسع يشمل فزان ، ويمتد من خليج سرت الى تخوم تشاد . ولكن وفاة زعيمه عبدالجليل سنة 1842 ، وضع حدا لمشاريع تاجر من مرسيليا يدعى " سوبتيل " عقد معه عبدالجليل صفقة لتسليم اسلحة مقابل التزامات في الكبريت ، الامر الذي جعل القنصل البريطاني في طرابلس يبدو وكأنه احرز انتصارا على الممثل الفرنسي "  .
     يصنف الفترة 1881 – 1911 ، بمرحلة الحرب الفرنسية العثمانية الغير مباشرة ، وهي  نتاج معاهدات اقتسام فرنسية بريطانية للمناطق الخلفية الافريقية . وفق مبادئ برلين 1885 .
     يستعرض فصول الحرب السنوسية الفرنسية ، ومعاهدة اكرومه 1917 مع الانجليز . ونتائج مرحلة الحرب الكبرى ، ومطالب ايطاليا كأحد اطراف معسكر المنتصرين ، و" الخيبة التي تولد الفاشية " . لينتهي الى مرحلة الحرب العالمية الثانية 1940 – 1943 ، وانقلاب الوضع . بدخول ايطاليا الحرب ضد فرنسا وانجلترا ، وانحياز افريقيا الاستوائية لقوات فرنسا الحرة . والزحف الفرنسي على الجنوب الليبي 1943 ، إتمام المشروع الصحراوي الفرنسي .. " فزان حصة فرنسا ضمن انتصار الحلفاء " .؟ لتحميل ابرز الابحاث الواردة بالكتاب اضغط الرابط ادناه .. ويمكنك تتبع البقية تحت عناوينها بالمدونة .

- كنير



      


    " كنير " .. صخرة مخروطية تحيط بها صخور اخرى تسمى " اميمة السعد " .. تقع على مسافة 30 كم شمال واحة الزيغن ، بوابة الطريق نحو الجنوب .. فزان .. ونقطة عبور القوافل العابرة للصحراء والمتجهة من الشمال الى الجنوب .. " اميمه " ،  الام الحنون ، وقد تلقفت ابنها وضمته الى حضنها ، وتلك لحظة السعد ، وفيض السعادة الغامرة بالأنس لذاك المسافر عبر الدروب الطويلة ، وقد امضى اكثر من عشرون يوما في السفر ، قطع البراري المقفرة .. من هجير بونجيم .. وكدمات الهاروج ، الى سريرة القاف ، بغية بلوغ ارض فزان ، وهنا .. عندما تلوح صخرة كنير في الافق ، تتفتح اسارير النفس ، لقد آن الاوان للاسترخاء بعد طول العناء .. اقدام القافلة تلامس ثرى فزان ، وقد اضحت على مقربة من قراها وواحاتها .. زالت اخطار الوحشة والعطش .. وحان موعد اللقاء .

“الخبر” في جبهات القتال الملتهبة . هذا ما جناه الغرب على ليبيا

“الخبر” في جبهات القتال الملتهبة

هذا ما جناه الغرب على ليبيا

Enlarge font Decrease font
تونسي قال لي: أنت محظوظ لأنك عدت حيا من هناك
السلطات الليبية تقرر إلغاء التأشيرة على الجزائريين
الوصول إلى طرابلس جوا لم يعد سهلا، فبعد تدمير المطار الدولي في صائفة 2014، بسبب تحالف كتائب قبائل ومدن غرب ليبيا لطرد كتائب الزنتان من الميناء الجوي، أصبحت قاعدة معيتيقة الجوية، التي بناها الأمريكيون بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، بمثابة مطار مدني بديل رغم صغر حجمها، غير أن الكثير من الخطوط الجوية العربية والعالمية أوقفت خدماتها نحو طرابلس، من بينها الخطوط الجوية الجزائرية وحتى التونسية، بل إن الاتحاد الأوروبي منع الطائرات الليبية من التحليق في أجوائه، وأصبحت الخطوط الجوية التركية الوحيدة من بين شركات الطيران التي تنقل المسافرين من الجزائر إلى مطار طرابلس أو مطار مصراتة (200 كلم شرقي العاصمة) عبر إسطنبول، مقابل مبلغ كبير يصل إلى نحو ألفي دولار، أي ما يعادل نحو 20 مليون سنتيم، ومع ذلك كان الأمر معقدا بسبب استهداف طيران الجنرال المتقاعد خليفة حفتر لمطاري معيتيقة في طرابلس ومصراتة، فضلا عن منع قبرص الطيران الليبي المتوجه إلى إسطنبول من عبور أجوائها استجابة لقرار الاتحاد الأوروبي الذي تعد قبرص اليونانية جزءا منه.
كان الدخول إلى طرابلس برا عبر معبر راس جدير مع تونس، الأضمن والأقل تكلفة وإن كان شاقا، أخذت الخريطة ووجدت أن مطار جزيرة جربة التونسية هو أقرب مطار دولي إلى الحدود التونسية الليبية، وكنت أتتبع بالتفصيل الأخبار المتعلقة بالقتال والاشتباكات والقصف الجوي في منطقة راس جدير وبوكماش وزوارة، والتي من المفترض أن أمر عليها عبر الطريق الساحلي إلى العاصمة طرابلس.
ولحسن الحظ، توقفت المعارك والقصف الجوي بعد سيطرة قوات “فجر ليبيا” والجيش الموالي لحكومة الإنقاذ في طرابلس على كامل الطريق الساحلي.
بن قردان: منصة تصدير تونسية نحو ليبيا
في الطريق إلى بن قردان التي تعد أقرب مدينة تونسية إلى الحدود الليبية، تذكرت قصة القبض على البطل الجزائري مصطفى بن بولعيد، في 1955 عندما كان متجها برا إلى ليبيا لجلب السلاح لصالح الثورة، وفي مدينة بن قردان تم توقيفه ومطاردته ليلا حيث تاه في الصحراء قبل أن يكتشفه “المصابحية” (فرسان تونسيون موالون للجيش الفرنسي) في صباح ذلك اليوم وألقوا عليه القبض مع أحد رفاقه، بعد أن شجوا أنفه.
والتهريب بين بن قردان وليبيا نشط بشكل كثيف ليلا ونهارا، وأعداد محلات بيع الجملة لا تكاد تحصى، كل شيء جاهز للتصدير أو بالأحرى للتهريب إلى غرب ليبيا، الذي يعاني من شبه حصار دولي غير معلن، وعلى طول الطريق من بن قردان إلى معبر راس جدير تجد محلات تجارية مكتوب عليها صراف، وهنا يتم صرف الدينار التونسي بالدينار الليبي وكأنهما عملة صعبة. وتعيش آلاف العائلات في بن قردان من التجارة والتهريب مع الليبيين الذين يزورون تونس للعلاج خاصة، وبأعداد كبيرة، أحد التجار التونسيين قال لنا: “نحن لا نحب الرئيس الذي يريد غلق الحدود مع ليبيا، وإذا فعل قائد السبسي ذلك فلن نسكت”.
وقريبا من معبر راس جدير اكتشفت لأول مرة أن هناك أقواما من “البدون” يعيشون في تونس، على غرار ما هو موجود في الكويت، وأخبرني السائق أن هؤلاء اللاجئين الأفارقة بدون هوية، وكانوا يعيشون في ليبيا، وبعد الثورة على القذافي نزحوا إلى تونس، حيث يعيشون في أكواخ بمناطق تفتقد للكثير من الخدمات التي تحفظ آدميتهم.
الفساد في معبر راس جدير
الإجراءات في معبر راس جدير من الطرف التونسي مشددة، والتأشيرة ضرورية لدخول ليبيا، لكن الأمور تتم بسلاسة ويسر وفي أقل وقت ممكن في البوابة التونسية، لكن ما إن اقتربت من البوابة الليبية حتى ناداني شاب صغير السن وبلباس مدني، وطلب مني استظهار جواز سفري، طلبت منه التعريف بنفسه، فقال لي إنه موظف أمني في البوابة الليبية، ولما علم أنني صحفي جزائري، أبدى فرحه وكأنه يعرفني، وعرفني باسمه وعرض علي المساعدة.
غير أن ما فاجأني هو الطابور الطويل للتونسيين الذين يرغبون في دخول ليبيا، الكل منزعج وساخط من بطء الإجراءات، والبعض يقول إنه منذ ثلاث ساعات وهو ينتظر دوره، وما أدهشني أكثر هو اقتراب مجموعة من السائقين غير الشرعيين إلى منطقة حساسة في البوابة، يفترض ألا يتواجد فيها إلا الموظفون أو رجال الأمن والجمارك، ورغم أن أحد الموظفين ترجاهم أن يغادروا، إلا أنهم لم يستجيبوا، بل أكثر من ذلك كانوا يعرضون على المسافرين الذين ضاقوا ذرعا من الانتظار أن يسهلوا لهم دخول ليبيا مقابل 30 دينارا ليبيا، ونقلهم إلى العاصمة طرابلس أو إلى مدينة زوارة القريبة.
سخط كبير لاحظناه لدى المسافرون التونسيين الذين غالبيتهم من التجار أو العاملين في ليبيا، وبعضهم اضطر لدفع 30 دينارا رغم أن هناك سيارات تنتظرهم في الجانب الليبي، كان هؤلاء السائقون غير الشرعيين متواطئين بشكل مباشر مع بعض الموظفين الفاسدين في المعبر.
وبعدما طال بي الانتظار، أخبرني أحد الشباب التونسي أنه بما أنني جزائري فيمكنني الدخول مباشرة دون انتظار دوري في الطابور الذي بدا وكأنه لا يتقدم سنتيمترا واحدا، إلا لمن يدفع للموظفين الفاسدين وشركائهم. وفعلا تقدمت من مكتب الأختام، فاستوقفني أحد الشباب الليبيين، وحاول إقناعي بأن تأشيرتي منتهية الصلاحية وأنها لا تتضمن الدخول والخروج، وبذلت مجهودا ليس بالبسيط لإقناعه بأن تأشيرتي حديثة وأن التاريخ المدون عليها هو تاريخ الإصدار وليس تاريخ انتهاء الصلاحية.
أخذ الشاب الليبي، الذي لا أدري ما وظيفته، جواز سفري إلى أحد الموظفين ووضع عليه ختم الدخول، ثم عاد إلي وسلمني الجواز، وطلب مني أن أحصل على تأشيرة خروج قبل مغادرة ليبيا، وهو ما لم أسمع به في أي بلد زرته، ولكني فضلت عدم مجادلته هذه المرة، المهم أنني ختمت جواز سفري دون أن أنتظر مدة طويلة في الطابور.
وعندما هممت بمغادرة المعبر طلب مني ذلك الشاب ما أسماه “حقوق الختم”، وهو مبلغ أكبر حتى من الذي يطلبونه من التونسيين، فرفضت في البداية وتجادلت معهم دون جدوى، ثم أرسل لي شخصا آخر لابتزازي من أجل دفع “رسم وهمي”، مقابل السماح لي بالدخول، واضطررت في النهاية إلى دفع المبلغ، دون أن يمنحوني وصل استلام.
لكني عرضت بعد ذلك هذه القضية على مسؤولين كبار في الحكومة الليبية وفي الجيش الليبي، وأكد لي رئيس المجلس الأعلى للداخلية، الوزير محمد رمضان البرغثي، أنه يجهز قوة أمنية للسيطرة بالكامل على المعبر، كما أنه سيستبدل الموظفين الذين طال عملهم في المعبر، أما قيادة الأركان فقامت بتعويضي عن المبلغ الذي أخذ مني بشكل غير قانوني، على أساس أن المعبر يقع أيضا تحت مسؤوليتها.
الطريق الساحلي إلى طرابلس آمن
كنت أتوقع أن أجد اشتباكات أو قصفا جويا في المناطق الساخنة على الطريق الساحلي، لكن معبر راس جدير الذي وقعت فيه اشتباكات عنيفة وكاد جيش القبائل الموالي لحفتر أن يستولي عليه، أصبح آمنا بالكامل، ولا شيء يوحي بأن هذا الطريق شهد قبل أيام أو أسابيع معارك دامية، اضطرت السلطات التونسية إلى إغلاقه لفترة قصيرة.
الشيء الوحيد الذي كان لافتا للانتباه هو كثرة الحواجز الأمنية لمجموعات عسكرية تابعة لثوار زوارة الأمازيغ الموالين لعملية “فجر ليبيا” وحكومة عمر الحاسي في طرابلس، والأعلام الأمازيغية المرفوعة على الأعمدة والبنايات إلى جانب العلم الليبي، من بوابة راس جدير إلى غاية مدينة زلطن، على طول نحو 30 كلم، كلها أعلام أمازيغية، وكأنك في منطقة تعيش حكما ذاتيا، على غرار كردستان العراق، فالأمازيغ في ليبيا يقدرون بنحو 2 بالمائة من عدد السكان البالغ عددهم 6 ملايين نسمة، ولكنهم ينتشرون في منطقة زوارة بالقرب من الحدود التونسية، وفي جبل نفوسة في الوسط الغربي، حيث تقع عدة بلدات أمازيغية جبلية مثل جادو، ونالوت، بالإضافة إلى التوارڤ في الجنوب الغربي.
ومباشرة بعد دخولنا إلى مدينة صبراتة، وهي أكبر المدن بغرب طرابلس، تقلصت المظاهر المسلحة والحواجز العسكرية، بل تجد المدينة تعج بالسيارات والمارة والمحلات مفتوحة، وبعضها يحمل اسم مدينة “وهران” عاصمة الغرب الجزائري، ما يوحي بأن الجزائريين مروا من هنا، لكن ما يشد الانتباه هو زحمة المرور، ورغم أن الطريق الساحلي إستراتيجي بالنسبة لهذا البلد البترولي، إلا أنه ضيق وغير مزدوج، كما لاحظت قلة عدد شرطة المرور، وحتى الإشارات المرورية والضوئية قليلة بل نادرة، وأحد التجاوزات الخطيرة كاد يودي بحياتنا، فرغم أن عدد سكان ليبيا قليل إلا أن حوادث المرور تفتك بـ2000 إلى 2500 شخص سنويا، مقارنة بالجزائر التي يفوق عدد سكانها سكان ليبيا بنحو ست مرات ونصف، إلا أن عدد قتلى حوادث المرور في الجزائر ضعف ضحايا المرور في ليبيا.
وتقع في جنوب مدينة صبراتة قاعدة الوطية الجوية التي يتحصن بها جيش القبائل وكتائب الزنتان، وتحاصرها قوات “فجر ليبيا” منذ أشهر دون أن تتمكن من السيطرة عليها، غير أن الملاحظ أن مدن غرب طرابلس إجمالا ليس بها عمران كثيف أو عمارات شاهقة كما هو حال المدن الحديثة.
ومع وصولنا إلى مدينة الزاوية التي كانت من أول المدن في غرب طرابلس التي ثارت على القذافي قبل أن تقتحمها قواته مخلفة عددا كبيرا من القتلى والجرحى والسجناء، لم يبق لنا الكثير للوصول إلى مدينة جنزور التي تمثل الضاحية الغربية لطرابلس الكبرى، والمشهورة بكتيبة فرسان جنزور، إحدى أشهر الكتائب الموالية ـ”فجر ليبيا” والتي تعرضت هي الأخرى لقصف شديد خلال معركة مطار طرابلس.
الهدوء الحذر
عروس البحر، هو اللقب الذي حملته طرابلس لعقود، وروى لي أكثر من ليبي قصة أمير دولة الإمارات العربية المتحدة، الشيخ زايد، رحمه الله، الذي زار طرابلس في الستينات، وقال للملك السنوسي الذي كان يحكم ليبيا قبل انقلاب العقيد معمر القذافي: “أتمنى أن تكون دبي مثل عروس البحر (طرابلس)”، ويتحسر الليبيون على ما آلت إليه عروس البحر مقارنة بدبي التي فاقت جمالا حتى المدن الأوروبية. وروى لي أحد الشباب الليبيين عن كاتب مصري لم أتذكره، زار معظم مدن البحر المتوسط، وأكد أن طرابلس أنظف مدينة في المتوسط.
قبل أن تدخل طرابلس، يخيل لك أنك داخل إلى ميدان حرب ودمار، لكن سرعان ما تصدمك الحقيقة التي لا تخطر على بال، فطرابلس رغم كل الجراح لازالت تحتفظ بقدر ليس بالقليل من الجمال، ففيها عمران وطرق سيارة، ومراكز أعمال ومراكز تجارية، وفنادق فخمة وراقية، وأحياء تراثية تكشف أسرار حضارات شرقية وغربية مرت من هنا، وشرطة المرور بلباس رسمي في العديد من مفترقات الطرق، ولولا تلك البنايات المدمرة أو التي عليها آثار القصف أو رشقات الرصاص، لما شعرت بأنك في مدينة شهدت قصفا عنيفا بطائرات الناتو زمن القذافي، واشتباكات بالدبابات والصواريخ خلال معركة المطار في صائفة 2014.
ولكن شعورا بالحذر كان يراودني في كل لحظة، فالكثير من التونسيين الذين التقيتهم خارج ليبيا وداخلها، حذروني من دخولها، وحاولوا إقناعي بالعدول عن فكرة زيارتها، بل فيهم من ألح عليّ بالخروج منها في أسرع وقت ممكن، فبالنسبة لهم ليبيا ليست بلد أمان، قطاع الطرق يعيثون فيها فسادا خاصة ليلا، وحتى هم لا يجرؤون على السير ليلا على الطريق الساحلي بين راس جدير وطرابلس، حيث تعرض العديد منهم لاعتداءات، بل فيهم من اختطف، على غرار الصحافيين التونسيين اللذين اختطفا بأجدابيا في شرق ليبيا، وشقيقين آخرين اختطفا واضطر والدهما لدفع فدية بـ20 مليون سنتيم (بالدينار التونسي).
قصص كثيرة تروى عن انتشار السلاح في ليبيا، وعن استعمال بعض الليبيين للدبابات والمدافع في الخلافات البسيطة بين الجيران، ولكن للأمانة، لم أر طيلة مكوثي في طرابلس لنحو أسبوع مدنيين يحملون السلاح، أو دبابات منتشرة في الشوارع، باستثناء قوات الجيش والأمن المتمركزة خاصة في البنايات الرسمية الحساسة مثل وزارة الداخلية ومقر المؤتمر الوطني العام، وهي عبارة عن سيارات “لاند كروزر” مجهزة بمدافع رشاشة.
تكاد لا تصدق أنك في طرابلس، مدينة الحرب التي ليس فيها لا اشتباكات، لا مظاهر مسلحة بشكل كبير، لا قصف جوي، يوميات الناس تبدو عادية، كثافة مرورية، والناس تسهر في الليل، والأطفال في ميدان الشهداء يلعبون ويمرحون، والأسواق عامرة بالنساء والرجال، والمدارس والجامعات فاتحة أبوابها للتلاميذ والطلبة، ولولا بعض الاختراقات الأمنية من حين لآخر، وقصص تسمعها ولا تراها عن قطاع الطرق ليلا، لقلت إن طرابلس مدينة آمنة.
وقد تجولت ليلا عدة مرات برفقة ليبيين أو منفردا، راجلا أو في سيارة، وحتى بعد منتصف الليل كانت هناك حركة سيارات، وتفاجأ عندما تشاهد ألعابا نارية في بلد لا تكاد تفرق بينها وبين طلقات الرصاص.
الحياة لم تتوقف في طرابلس رغم رسل الموت التي تزور المدينة في غفلة من أهلها لتخطف براءتهم، طرابلس اليوم تذكرني بالجزائر قبل 15 سنة، الناس تعيش حياتها بشكل طبيعي رغم التفجيرات التي تحدث من حين لآخر وانتشار الجريمة في أحياء المدن الكبرى، دون أن توقف عجلة الحياة، إلا أن الوضع في ليبيا هش، ولا يمكن استبعاد طائرات حفتر من حسابات الأمن والسلام في المدينة، لذلك تحاول القوات الموالية لحكومة الحاسي في طرابلس محاصرة المطارات والقواعد العسكرية التي يتخذها حلفاء حفتر مركزا لانطلاق هجماتهم الجوية على العاصمة ومصراتة.
لكن أكبر مشكل يواجهه سكان طرابلس هو انقطاع الكهرباء يوميا ولمدة ست ساعات على الأقل، الكل يضبط مواعيده وأوقاته على ساعة انقطاع الكهرباء، والتي ازدادت حدة بسبب قصف طائرات حفتر لمحطة توليد الكهرباء في مدينة سرت، حتى أنني كنت أسمع في الفندق الذي أقيم فيه صفارات إنذار يوميا، وسألت عن سبب ذلك فقالوا إنه يتعلق بانقطاع الكهرباء لذلك يلجأون إلى المولدات الكهربائية.
كما أن ارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة بسبب الأزمة الأمنية والسياسية زاد من معاناة الليبيين، خاصة في الغرب.
وإن كان الليبيون يشبهون الجزائريين في حدة الطباع إلا أنهم أقرب إلينا في الطيبة والأنفة والشجاعة، والتقيت الكثير من الشخصيات المثقفة والمحترمة في طرابلس وبعضهم درس في أوروبا، ويتميزون بقدر عال من الأدب والأخلاق، كما أن الشعور بالغربة لا يراودك وأنت في ليبيا، وليس سرا أن الكثير من العائلات الليبية من أصول جزائرية أو مختلطة بسبب الزواج، ناهيك أن أول عائلة مالكة في ليبيا بعد الاستقلال أصولها من مستغانم بالغرب الجزائري، ومجاهدو الثورة التحريرية لا زالوا يذكرون الدعم الكبير للشعب الليبي للثورة الجزائرية، ومكانة الجزائريين كبيرة في الوجدان الليبي بسبب الثورة التحريرية، رغم أن هذه الصورة تأثرت قليلا بسبب ما اعتبره البعض دعم الجزائر للقذافي إبان ثورة 17 فبراير، إلا أن موقف الجزائر الأخير في الجامعة العربية الرافض للحل العسكري في ليبيا، جعل أسهمها تصعد عاليا في قلوب سكان الغرب الليبي، لكنها تلقت سيلا من الانتقادات من أنصار حفتر.
إلى جبهة الهلال النفطي
طلبت من قائد أركان الجيش الليبي، الجنرال عبد السلام جاد الله، الموافقة على زيارة جبهة السدرة في الهلال النفطي، فوافق دون تردد، وفي الصباح جاءني ضابط بلباس مدني وانطلقنا في سيارة مدنية على الطريق الساحلي إلى أن وصلنا إلى مدينة مصراتة 200 كلم شرقي طرابلس، مررنا خلالها بمنطقة تاجوراء والخمس وزليتن ومنطقة لبدة التاريخية التي تعود للحقبة الرومانية. وفي المخرج الغربي لمصراتة كانت في انتظارنا قوة مسلحة قامت بتأمين طريقنا إلى غاية جبهة السدرة مرورا بمدينة سرت، ومن سرت إلى السدرة تنتشر الحواجز الأمنية بكثافة والتي تضم الشرطة والشرطة العسكرية.
وخلال هذه المسافة مررنا بمنطقة تاورغاء القريبة من مصراتة، مبان ممتدة على مد البصر في أرض منبسطة مطلة على البحر، ليست بالمدينة نظرا لافتقادها حتى لشوارع وطرقات داخلية، كما أنها ليست بالبلدة أو القرية نظرا لكبر مساحتها وتقارب منازلها، لكن الأغرب من ذلك أن كل هذا العمران مهجور، لا أثر للبشر في هذا المكان.
فقبيلة تاورغاء كانت معروفة حسب بعض الروايات كمرفأ لتصدير العبيد في زمن العثمانيين الذين كانت مصراتة أحد أهم مراكزهم في ليبيا، أما في عهد القذافي فاستعان برجال تاورغاء السمر في قتال مصراتة، وعاث رجال تاورغاء فسادا في المناطق التي سيطروا عليها في المدينة، وتجاوزوا شرف القتال، وعندما انتصرت الثورة ومعها مصراتة وانهار نظام القذافي، فر سكان تاورغاء من منطقتهم وتفرقوا على مختلف أنحاء ليبيا خوفا من انتقام ثوار مصراتة.
بعد تجاوزنا تاورغاء، مررنا على مدينة سرت، أكبر مدينة في الخليج الليبي، وتقع في منطقة وسطى بين عاصمتي الغرب والشرق الليبيين (طرابلس وبنغازي)، وحاول القذافي أن يجعل منها عاصمة لليبيا، خاصة أن قبيلة القذاذفة منتشرة بها إلى جانب سبها، وهيأها بمطار دولي وعدة تجهيزات ومبان، لكن لا أولاده ولا كبار رجال دولته استأنسوا بالعيش بها.
وكانت فرصة لنا للمرور على محطة سرت الكهربائية التي تعتمد عليها الكثير من المدن الليبية ومنها طرابلس في التزود بالكهرباء، وتضم أربع محطات لم تكتمل الأشغال بها، وقد تضررت هذه المحطة بسبب قصف طائرات حفتر، كما شهدت المحطة مقتل 14 جنديا من حراسها من قبيلة الفرجان التي ينحدر منها حفتر، قبل أيام عن زيارتنا، واتهم خلالها أنصار القذافي بالقيام بهذه العملية، دون أن يتم إلقاء القبض على القتلة.
كانت الأجواء هادئة في جبهة السدرة، يومها، ولولا الكثافة الأمنية لسيارات “لاند كروزر” المجهزة بالسلاح لما شعرت بأنك في جبهة قتال. وأخبروني أن هذه النقطة التي أقف عليها لا يسمح لأي مدني بالوصول إليها، حيث كانت هناك سواتر ترابية تقطع الطريق، كما طلبوا مني عدم تصوير البنايات لكي لا يتم تحديد مكان تواجدهم.
وبعد فترة قصيرة، طلبوا منا التحرك إلى منطقة خلفية، حيث كان أحد القادة الميدانيين في انتظارنا. كانت منطقة عمرانية شبه مهجورة إلا من الثوار، وصوت التكبير يعلو من منارات أحد المساجد دون توقف، ودخلنا إلى بناية من طابقين ووجدنا عددا كبيرا من الجنود والثوار أشبه في استراحة محارب، وفي الطابق الثاني التقيت بأحد القادة الميدانيين للقوة الثالثة، وهي قوات احتياط تتكون أساسا من ثوار مصراتة، ويبلغ عدد مقاتليها 17 ألف مسلح ولديهم 5 آلاف عربة مسلحة، وتمثل هذه القوة نحو ثلثي قوات “فجر ليبيا”، أما الثلث المتبقي فيتشكل من درع الوسطى وفرسان جنزور والقوة المتحركة، حسب أحد قادة القوة الثالثة.
وكلفت هذه القوة بعدة مهام حساسة خاصة في الجنوب، مثل السيطرة على الطائرة الإماراتية وطاقمها الأوكراني في مطار غدامس على الحدود مع الجزائر، وكذلك التدخل لإنهاء الاقتتال بين التوارڤ والتبو في الجنوب، وهذه نفس القوة التي حاول أنصار القذافي منعها منذ أسابيع من نقل أسلحة وذخائر من مطار براك الشاطئ في الجنوب، الذي توجد به مخازن للسلاح والذخائر، ولكن لا توجد به حركة طيران، وأكد لنا أحد القادة الميدانيين لهذه القوة أنهم تعاملوا مع الأمر بشكل مرن حتى لا تسقط أي قطرة دم، مشيرا إلى أن نقل الذخائر يتم بشكل طبيعي الآن من مطار براك شاطئ في شمال سبها بالجنوب إلى جبهات القتال.
طائرات حفتر فوق رؤوسنا
وطلب مني هذا القائد الميداني للقوة الثالثة في عملية الشروق عدم الكشف عن اسمه أو نشر صورته لأسباب أمنية، مبديا استغرابه لعدم قيام طائرات حفتر بقصف قواتهم هذا اليوم، فباستثناء قيام طائرة بعملية استطلاعية، لم تقع أي اشتباكات أو قصف في الجبهة، وعلق مازحا: لعلهم سمعوا بقدومكم فأوقفوا القصف. مشيرا إلى أن طائرات حفتر تقصفهم يوميا من 6 إلى 9 مرات.
لكن بعد خروجنا من مركز قيادة جبهة الهلال النفطي، سمعنا صوت طائرة حربية تابعة لحفتر، كانت تحلق على ارتفاع شاهق، فوق رؤوسنا، قبل أن تختفي خلف السحاب. وقال لي أحد الضباط إن هذه الطائرات لا تصيب أهدافها بدقة بسبب ارتفاعها الشاهق وسرعتها الكبيرة، كما أن مضاداتهم الأرضية لا تصل إليها.
وبعد لحظات من انطلاقنا عائدين من الجبهة، استوقفنا حاجز عسكري، وبدا أحد الجنود غاضبا ولم يستوعب وجود صحفي جزائري في نقطة متقدمة من خط القتال، خاصة أن قوة الحماية ابتعدت عنا، ولم يسمح لنا بالعبور إلا بعد أن سمع أحد رفاقه وهو يصرخ ويقفز من فوق سيارة “لاند كروزر” المسلحة ويشير بإصبعه إلى الدخان المنبعث من مكان ليس بعيدا عنا قامت طائرة حفتر بقصفه.
ورغم أن ذلك الجندي الغاضب كان بصدد التحقيق معنا، إلا أن القصف المفاجئ لطائرة حفتر، عصر ذلك اليوم، جعله يطلب منا المغادرة بسرعة.
كانت الطريق طويلة والظلام حالكا والحواجز العسكرية منتشرة بكثافة من السدرة إلى غاية مصراتة، وقبل أن نصل إلى هذه الأخيرة، استوقفنا حاجز عسكري آخر، ورغم أن الضابط الذي كان يرافقني كان يحمل أمرا بمهمة، إلا أن ذلك لم يشفع لنا، حيث طلبوا منا وثائقنا، وبقينا لمدة ننتظر، وسألت مرافقي عن سبب تأخيرهم في السماح لنا بإكمال طريقنا، فأوضح أنهم يضعون أسماءنا في جهاز حاسوب للتأكد من أننا لسنا مطلوبين لديهم، وقوة الحماية العسكرية المرافقة لنا ابتعدت عنا هذه المرة أيضا، وحاول مرافقي الاتصال بهم هاتفيا دون جدوى.
لكن عادت بي الذاكرة إلى هذه الحادثة عندما التقيت برئيس المجلس الأعلى للدفاع (وزير الدفاع الليبي) بقصر الحكومة، وسألني إن كنت الصحفي الجزائري الذي كان في جبهة السدرة بالأمس، وأضاف: “كانوا سيعتقلونك”، وتابع مبتسما “قلت لهم أخونا جزائري فاتركوه”، وفهمت حينها لماذا تم توقيفنا في ذلك الحاجز تلك المدة.
وبعد وصولنا إلى مدينة مصراتة، ودعنا فرقة الحماية العسكرية وشكرناها على مرافقتها لنا وتأمينها الطريق، ومن مصراتة إلى غاية طرابلس كانت الطريق آمنة بالكامل، لا حواجز أمنية ولا عسكرية، ولا قصف جوي، ولا حتى قطاع طرق، ووصلنا إلى طرابلس مع منتصف الليل بعد أن قضينا 15 ساعة في الطريق، ذهابا وإيابا.
هكذا فُجرت استديوهات قناة “النبأ”
قبل يومين عن سفري إلى جبهة السدرة، أصر علي الزميل عمر الشيخ، المنسق الإخباري بقناة “النبأ”، على ضرورة مشاركتي في النشرة الرئيسية للقناة التي تعد الأكبر مشاهدة في ليبيا، ولم أكن متحمسا للظهور الإعلامي في هذه الظروف الحساسة، خاصة أنني كنت أنتظر موعدا صحفيا مع وزير النفط بعد صلاة المغرب، قبل سفره إلى الخارج صبيحة اليوم الموالي، إلا أن إلحاح الزميل الليبي واتصاله بوزير النفط لتأجيل موعدنا، لم يترك أمامي أي عذر.
وكان النقاش حول الموقف الجزائري القوي في الجامعة العربية الذي تحفظ على الاعتراف بشرعية مجلس النواب على حساب المؤتمر الوطني العام، والذي فاجأ الكثيرين وأثلج صدور حكومة عمر الحاسي في طرابلس وجميع أنصارها.
وفي هذا اللقاء الصحفي أكدت على أن الجزائر تحاول أن تكون على مسافة واحدة من جميع الأطراف، وأنها لا تنظر لـ”فجر ليبيا” على أنهم إرهابيون على الإطلاق، بل تعتبر الصراع في ليبيا قبليا وليس إيديولوجيا كما تحاول أن تسوقه بعض الدول العربية، وأن الحل في ليبيا لن يكون إلا سياسيا.
وبعد أقل من 48 ساعة عن هذا التصريح، قام مجهول بقصف استوديوهات القناة فجرا بقذيفة آربيجي، ولحسن الحظ لم يصب أحد بأذى، لأن مقر القناة كان خاليا، وكأن الهدف كان تخويف الصحافيين ليس إلا.
أحد المراسلين الصحافيين المصريين في طرابلس قال لي إن “حكومة عبد الله الثني في طبرق حذرت الإعلاميين من التعامل مع الحكومة المنافسة في طرابلس”، فقلت له “إذن أنت مستهدف”.
وانتشر وقتها خبر إعدام صحافيين تونسيين اختطفا في أجدابيا شرقي ليبيا على يد جماعة إبراهيم الجضران، رئيس حرس المنشآت النفطية على حد تأكيد عمر الحاسي، رئيس حكومة الإنقاذ الذي عبر لـ”الخبر” حينها عن وجود أمل بأنهما لازالا على قيد الحياة.
وقبل عودتنا إلى تونس، توجهنا إلى منطقة قريبة من مدينة زوارة التي تعد مركز قيادة الجبهة الغربية لعملية “فجر ليبيا”، القريبة من قاعدة الوطية الجوية التي يتحصن بها جيش القبائل وكتائب الزنتان، وهناك وقفنا على مشهد حي لاكتشاف سيارة محملة بكميات كبيرة من الهيروين قدرت بنحو 20 كلغ كانت مخبأة بإحكام في هيكل السيارة.
لا إرهابيون ولا إخوان
المشهد الإعلامي الذي يحاول ترويجه الجنرال المتقاعد خليفة حفتر ومن معه في حكومة الثني ومن خلفهما آلة إعلامية كبيرة لدول عربية، أن طرابلس تسيطر عليها ميليشيات إرهابية، وأن حكومة عمر الحاسي هي حكومة إخوان، والحقيقة التي وقفنا عليها عكس ذلك تماما.
فحكومة عمر الحاسي لا تضم في صفوفها أي وزير من الإخوان، أو حتى من حزب آخر، حيث تم الاتفاق على أن تكون حكومة تكنوقراط، وزرت مقر حزب العدالة والبناء الذي يعتبر الذراع السياسي لجماعة الإخوان، والتقيت بشباب مثقفين وغاية في الأدب والاحترام، إلى درجة أنك تتساءل إن كنت حقا في ليبيا، فالصورة عن هذا البلد قبل أن آتي إليه تغيرت 180 درجة.
والتقيت عسكريين ورجال أمن في قيادة الأركان وفي وزارة الداخلية وعلى جبهات القتال، سواء في المنطقة الشرقية أو في المنطقة الغربية، بعضهم ملتح وغالبيتهم من دون لحية، فيهم المدخن وفيهم المتدين، وفيهم من دون ذلك، ويضمون مختلف أطياف الفكر الليبي ويحدوهم جميعا الأمل في أن تكون طرابلس عروس البحر أجمل من دبي كما كانت في الستينات، فلديهم البترول وعدد السكان قليل، والقذافي الذي وقف عائقا أمام تطورهم رحل، لكنهم يواجهون اليوم تحديات أمنية صعبة.
في قاعدة معيتيقة الجوية
وقد زرت قاعدة معيتيقة العسكرية رفقة ضابط في الجيش الليبي، والتي سماها الأمريكيون عند تشييدها بعد الحرب العالمية الثانية “هويلس”، في حين كان يسميها الليبيون حينها “الملاّحة”، لأن المنطقة التي شيدت عليها كانوا يستخرجون منها الملح، وبعد مجيء القذافي إلى السلطة في 1969 سماها قاعدة عقبة بن نافع، وفي الثمانينات نقل الاسم إلى قاعدة الوطية الجوية جنوبي صبراتة، وأصبحت “هويلس” تسمى قاعدة “معيتيقة الجوية”، وزعم القذافي أن أول قنبلة في العالم أطلقت من طائرة كانت في ليبيا، وقتلت هذه الطائرة الإيطالية طفلة ليبية اسمها “معيتيقة”، ومن هنا جاء اسم قاعدة معيتيقة الجوية، التي غير اسمها بعد الثورة إلى قاعدة طرابلس الجوية، لكن مازال اسم قاعدة معيتيقة شائعا بين الناس.
وشاهدت في مدرج قاعدة معيتيقة طائرتي نقل عسكريتين تبدو وضعيتهما الخارجية جيدة، بالإضافة إلى طائرات مدنية تابعة للخطوط الجوية الإفريقية والخطوط الليبية. وقال لي هذا الضابط الذي رفض الكشف عن اسمه: “هؤلاء الجنود الذين يحرسون القاعدة الجوية ليسوا إرهابيين”. وأعرب عن تفاجئه بنشر الصحافة في كل من الجزائر والمغرب خبرا عن هجوم إرهابي بالطائرات من ليبيا على غرار أحداث 11 سبتمبر في أمريكا، معتبرا أن هناك جهات تحاول تشويه الوضع في طرابلس بشكل بعيد تماما عن الحقيقة، مشيرا إلى أن قاعدة معيتيقة سقطت في البداية على يد ثوار سوق الجمعة بطرابلس، باعتبار أن القاعدة موجودة في منطقتهم، ثم أصبحت تابعة لقيادة أركان الجيش الليبي.
وعندما تدخل إلى القاعدة الجوية التي أصبحت بمثابة مطار دولي بعد تدمير مطار طرابلس، تجد قلة من الخطوط الجوية التي يمكن زيارتها لا تتعدى خمس خطوط، منها دار البيضاء المغربية، وعمان الأردنية وإسطنبول التركية، وجزيرة مالطا الأوروبية.
الخلاف قبلي وليس إيديولوجيا
وحين تتابع الوضع عن قرب، تجد أن أصل المشكل ليس بين ليبراليين وإسلاميين، ولكنه مشكل قبلي، بين قبائل الشرق وقبائل الغرب، وإذا تعمقت أكثر في أصل الأزمة فإنك ستجد الخلاف بين البدو والحضر، وبشكل أدق بين مدن طرابلس ومصراتة وبنغازي والزاوية وصبراتة والقبائل البدوية كالقذاذفة والورفلة والمقارحة، والقبائل البدوية في الشرق والتي سعى معمر القذافي إلى تقويتها على حساب الحضر خلال فترة حكمه، على حسب بعض التحاليل.
ولكن القوة الضاربة والمهيمنة في الغرب الليبي ليسوا الإسلاميين ولا الإخوان بل هي مصراتة، التي ليست قبيلة كما هو متداول لدى العامة، بل تمثل أكبر تكتل متجانس في ليبيا، يضم نحو 500 ألف ساكن، وعدد مقاتليها يقدر بنحو 15 ألف مسلح أو ما يعادل ثلثي قوات “فجر ليبيا”، المشكل من تحالف عدة كتائب ومدن في الغرب الليبي مثل جنزور والزاوية والكتائب الأمازيغية مثل زوارة، فالكلمة الأولى والأخيرة في غرب ليبيا تعود إلى قادة مصراتة بالتوافق مع شركائهم في المدن الأخرى.
التقسيم.. الخطر الداهم
وأخطر ما تواجهه ليبيا ليس الإرهاب بقدر ما هو التقسيم، فعشر قبائل كبرى وعلى رأسها قبيلة العبيدات في الشرق كلها تدعم خليفة حفتر، وبعضها لديه رغبة كبيرة في الانفصال عن غرب ليبيا، على غرار قبيلة المغاربة التي ينحدر منها إبراهيم الجضران، رئيس المكتب السياسي لإقليم برقة، والمتحكم في الموانئ النفطية في الهلال النفطي.
لكن ما سيجهض مشروع التقسيم في ليبيا هو بنغازي التي تسمى “ليبيا الصغرى”، بالنظر إلى أنها تضم سكانا من مختلف أرجاء ليبيا خاصة من الغرب، بل إن أحياء مثل سوق الحوت والصابري تعود أصول عائلاتها إلى مصراتة، منذ زمن العثمانيين، لأسباب تاريخية يطول شرحها، وهذا ما يفسر عجز حفتر لعدة شهور عن السيطرة على هذين الحيين.
كما أن حفتر لا يملك مشروعا انفصاليا وكذلك رئيس حكومته عبد الله الثني الذي ينحدر من منطقة غدامس في الجنوب الغربي ذات الطابع الصوفي، أما عمر الحاسي رئيس حكومة الإنقاذ في طرابلس ينحدر من قبيلة الحاسة المدعمة لحفتر، وكذلك قائد الأركان عبد السلام جاد الله العبيدي الذي ينحدر من قبيلة العبيدات، أكبر قبيلة في ليبيا بتعداد لا يتجاوز 150 ألف نسمة حسب بعض التقديرات، فسعي كل طرف للاستعانة بأسماء وقيادات من الجهة الأخرى من شأنه إجهاض مشروع التقسيم.
كما أن قبيلة الزوي التي تتقاسم مع قبيلة المغاربة الانفصالية مدينة أجدابيا الواقعة غربي بنغازي، تعتبر القبيلة الوحيدة في الشرق الموالية لـ”فجر ليبيا”، وذلك لأن أصولها، حسب بعض الشهادات، تعود إلى الغرب الليبي، وأهمية هذه القبيلة أنها تسيطر على آبار النفط جنوبي الموانئ النفطية التي تسيطر عليها قبيلة المغاربة، كما يمتد انتشار قبيلة الزوي إلى غاية مدينة الكفرة في الجنوب الشرقي، ورغم الاختلاف الجوهري بين قبيلتي المغاربة والزوي إلا أنهما تحافظان على نوع من التعايش السلمي في أجدابيا.
الجزائر تسترجع شعبيتها
لقي تحفظ الجزائر في الجامعة العربية على اعتبار مجلس النواب المنعقد في طبرق الجسم الشرعي للدولة الليبية، فرحة عارمة ومفاجأة غير متوقعة في العاصمة طرابلس، والكل كان يتحدث عن الموقف الجزائري التاريخي والشجاع، والذي كان الوحيد الذي رفض الانحياز إلى مجلس النواب الذي قضت المحكمة الدستورية بحله.
“الخبر” كانت في قصر الحكومة بطرابلس عندما ناقشت حكومة الإنقاذ برئاسة عمر الحاسي الموقف الجزائري في الجامعة العربية، والتقت بعدد من الوزراء على هامش ذلك الاجتماع، وأعربوا جميعا عن إعجابهم بالموقف الجزائري، وهناك من تحدث لي عن إمكانية إرسال وفد وزاري إلى الجزائر لشكرها على موقفها، كما أكد لي النائب الرابع لرئيس الحكومة، مصطفى أبوتيتا، أنه اقترح في اجتماع مجلس الحكومة إلغاء التأشيرة على الجزائريين كرسالة شكر من الشعب الليبي على الموقف الجزائري في الجامعة العربية، وبعد عودتي من الجزائر اتصل بي مصدر مسؤول في السفارة الليبية وأخبرني بأن سلطات بلاده قررت رسميا إلغاء التأشيرة على الجزائريين، وشرعت في إجراءات ترسيم هذا القرار بالتنسيق مع السلطات الجزائرية.
كما أن القادة العسكريين والضباط في قيادة الأركان وقادة الثوار، ومن بينهم مصطفى الربع وأحمد بوشحمة وكتائب الاحتياط، سواء في مصراتة أو زوارة، الذين التقيتهم وناشطين سياسيين وإعلاميين أمثال جمال زوبية، مدير المجلس الإعلامي الخارجي، كانوا سعداء بهذا القرار وعبروا عن احترامهم الشديد وتقديرهم للجزائر حكومة وشعبا.
الحرب الثانية على عصابات المخدرات
في اليوم الذي وصلت إلى طرابلس، عجت صفحات التواصل الاجتماعية الليبية بأخبار عن اشتباكات بين الشرطة وعصابة لتجار المخدرات قتل فيها أحد بارونات المخدرات، لتقوم بعدها احتجاجات لعصابات المخدرات، كانت هذه إحدى مشاهد تغول عصابات المخدرات التي انتشرت بكثافة بعد الثورة على ما يبدو.
وقد كنت شاهدا على عملية القبض على أحد تجار المخدرات بالصدفة، خلال توجهي إلى مركز قيادة المنطقة الغربية بالقرب من مدينة زوارة، والتي تدار من خلالها المعارك في جبهة قاعدة الوطية ومنطقة بئر الغنم.
كنت حينها في الطابق الأول في بناية تعتبر مركز قيادة المنطقة الغربية، في انتظار إجراء حوار مع العقيد محمد مهرة، الناطق الرسمي باسم محور الوطية بالمنطقة الغربية، عندما دخل أحد ثوار زوارة بوجه متجهم حاملا مسدسه، تبعه آخر حاملا رشاشا، ولم تكن نظراتهما تبشر بخير، ليلحق بهما عدد أكبر من ثوار زوارة ويتعالى الصراخ، وتم إشهار الأسلحة بشكل اعتقدت أن جيش القبائل هجم على ثوار زوارة، قبل أن يتبين أن ثوار زوارة تمكنوا من الإمساك ببارون مخدرات ولم يكن سوى شاب في العشرينات من عمره، وكان رفقة والديه الطاعنين في السن، جاء بهما من أجل التمويه، قبل أن يكتشف الثوار الموالون لقيادة الأركان في طرابلس سيارة محشوة بالقنب الهندي المعالج، وقد قدرت الكمية التي تم سحبها من داخل هيكل السيارة بنحو 20 كلغ.
أكملنا طريقنا إلى معبر راس جدير عائدين إلى الأرض الوطن، وكنت أتساءل إن كنا سنجد نفس الإشكالات التي واجهتنا عند الدخول، ولكن لحسن الحظ تم ختم جواز سفري دون مطالبتي بتأشيرة خروج كما اشترطوا علي عند الدخول، كما لم يطلبوا مني أي حقوق أو مصاريف وهمية، ولم نتعرض لأي ضغوط، وتم الأمر بيسر لولا الاكتظاظ وبطء الإجراءات سواء من الجانب الليبي أو الجانب التونسي.
أحد رجال الشرطة التونسيين عندما علم بأنني صحفي جزائري، قال لي: “أنت محظوظ لأنك خرجت حيا، لقد خطفوا لنا صحافيين، ولا ندري مصيرهما”. والحقيقة أن طول وجودي في ليبيا لم أشعر بتهديد حقيقي على حياتي إلا في جبهتي السدرة وفي مليتة بالقرب من محور الوطية، وبشكل محدود، وهي مناطق اشتباك خطرة، ومن الطبيعي أن تكون درجة الخطر عالية، أما في العاصمة طرابلس وفي المنطقة الممتدة من مصراتة شرقا إلى صبراتة غربا، تشعر بأمان كبير باستثناء بعض المناطق في العاصمة ليلا التي تتطلب الحذر.
غير أن ليبيا تخفي مظهرا جميلا غير الحرب والاشتباكات، وأجمل ما فيها ساحة الجزائر، التي أصبحت مخصصة فقط للراجلين وبها بنايات قديمة وجميلة تعود ربما إلى العهد الإيطالي، وكذلك ميدان الشهداء الذي تطل منه قلعة السرايا الحمراء التي شيدها العثمانيون، والتي منها كان يخطب القذافي على أنصاره عند قيام الثورة، والآن أصبحت مكانا يتجمع فيه أنصار “فجر ليبيا” للتظاهر نصرة للثوار في الجبهات، وتطل السرايا الحمراء على كورنيش جميل مقابل ميناء المدينة، ويفصل بينهما طريق سريع، وهذا المكان كان جزءا من البحر، لكن القذافي وعن طريق شركة ألمانية قام بردم أجزاء من البحر وشيد عليها طريق الفتح أو طريق الشط، وفيه كانت تقام الاستعراضات العسكرية. وحسب بعض الليبيين، فإن جيش عقبة بن نافع مر من هذا الطريق عند فتح طرابلس. خرجنا من طرابلس بصورة مختلفة تماما عن تلك التي دخلنا بها، فلم نجد فيها لا إرهابيين ولا مظاهر مسلحة، والحياة فيها طبيعية، إلا في المناطق التي تشهد قتالا شرسا مثل السدرة وبن جواد، كما أن أهلها طيبون وفيها الكثير من المثقفين والشباب المتعلم والعديد من خريجي الجامعات الأوروبية والغربية، لكن الوضع الاستثنائي الذي تعيشه يجعلها تتعرض لاختراقات أمنية من حين لآخر، والحذر فيها واجب خاصة ليلا.
العقيد محمد مهرة الناطق الرسمي لمحور الوطية لـ”الخبر”
“نحن ليبيون وثوار حقيقيون”
ما هو الوضع العسكري على مستوى قاعدة الوطية التي يسيطر عليها موالون لحفتر؟
الوطية هي قاعدة جوية ليبية تتمركز فيها قوات لما يسمى بجيش القبائل المدعوم من قبل عملية الكرامة. هذه القوات هدفها هو العبور إلى طرابلس لتدمير العاصمة من جديد، وهذه القوات معظمها كان متمركزا في طرابلس على طريق المطار وفي منطقة ورشفانة، وهذه القوات تم دحرها وتراجعت في منطقة قريبة من مدينة الزاوية تسمى بئر الغنم في باطن الجبل، واتخذت من قاعدة الوطية الجوية لتكون قاعدة إمداد ومقر لانطلاقهم لتدمير المدن الليبية، بحجة بناء جيش وشرطة، وهذه القوات مدعومة من حفتر الذي حاول أن ينقلب على الشعب الليبي عدة مرات ليرد ليبيا إلى الحكم الدكتاتوري. فشبابنا العسكريون والمدنيون الذين انضموا إلى درع ليبيا، المنضوون تحت لواء رئاسة الأركان العامة، رفضوا هذا وانطلقوا بعملية “فجر ليبيا” لتصحيح مسار ثورة 17 فبراير وتحقيق أهدافها، لنحافظ على الحرية التي حققناها بعد سقوط القذافي، اليوم الأحد 11 جانفي 2014 نحن نسيطر بالكامل على المنطقة الغربية ولدينا قوات في عدة محاور، هدفها تحرير الوطية من هؤلاء المجرمين الذين تجمعوا ليكوّنوا ما يسمى جيش القبائل، وبالتالي بإذن الله في طريقنا لتحرير الوطية لتأمين المدن الليبية إن شاء الله.
كان هناك حديث عن دخولكم منطقة الوطية لفترة قصيرة عقب سقوط ككلة في يد جيش القبائل ثم انسحبتم، ماذا حدث حينها بالضبط ؟
لم يكن هناك دخول لقاعدة الوطية، ولكن كان وصولا لأقرب نقطة وهي بوابة منطقة الزرير، التي تبعد عن البوابة الرئيسية لقاعدة الوطية بحوالي 7 كلم، وهذه كانت بداية الهجوم على الوطية لتحريرها بقيادة الشهيد عمر المختار، وكان هناك رمي بالمدفعية ولم يتم تدمير طائرتين، حاولت طائرة أن تقصف مدينة زوارة استهدفها شبابنا فأحدثوا فيها خللا، وعند وصولها إلى القاعدة اشتعلت بها النيران، ولكنهم مازالوا يستعملون الوطية في طلعات جوية، وكانت هناك أمس طلعة جوية لطائرة عمودية خرجت من الزنتان وطائرة مقاتلة انطلقت من الوطية، لكن الطائرة العمودية حاولت قصف قواتنا، وكان الله هو الحافظ، فقصفوا قواتهم فأحدثوا دمارا في صفوفهم.
ما هو عدد الطائرات التي يملكها جيش القبائل؟
حسب معلوماتنا لديهم طائرتان مقاتلتان، وأخلوا أمس طائرة عمودية، فالحكومة المصرية تحاول أن تدعم هؤلاء باعتبار أن هناك علاقة قديمة بين حفتر والرئيس المصري السيسي، حيث كان حفتر قائد السيسي في حرب 1973 وبالتالي فهو يحاول أن يقدم له يد العون، وهذا مرفوض من الشعب الليبي، فكل الليبيين يسعون لبناء جيش وشرطة، ونحن في مدينة صبراتة وفي مدينة زوارة ومصراتة وككلة وغريان، الشرطة تشتغل بوضعها الطبيعي، شرطة المرور الجنائية، الجيش في مواقعه في البوابات الرئيسية خارج المدن، وهذا شيء أرادوا أن يستخفوا به الشعب الليبي، فنحن عسكريون نريد بناء جيش لتحرير ليبيا، وأنا شخصيا ساهمت في بناء جيش وتدريب قوات عسكرية تشتغل حاليا، هدفها حماية الشعب الليبي وليس قتله كما يفعل حفتر حاليا.
هل الوطية على مدى مدفعيتكم أم أنكم على بعد 50 كلم عنها كما يقول خصومكم؟
لدينا محاور قريبة جدا من الوطية ومدى المدفعية يصل إلى قلب القاعدة، ولدينا محاور أخرى تبتعد عن القاعدة لقطع الإمدادات في حالة محاولة أي جهة دعمهم، ولدينا خطة محكمة تسمح لنا بالسيطرة على القاعدة في القريب العاجل.
أتوجه بكلمة إلى إخوتنا وأحبائنا الجزائريين الذين لدينا معهم علاقات اجتماعية ومصاهرات وتاريخ يربط الليبيين بالجزائر، فنحن ليبيون صرف وثوار حقيقيون، هدفنا بناء جيش وشرطة وبناء المؤسسات المدنية، لا نريد الدكتاتورية ولا نريد العودة إلى القيود وقد تحررنا وحررنا الوطن.
طرابلس: حاوره مبعوث “الخبر” مصطفى دالع

- See more at:http://www.elkhabar.com

- عالم تسكنه الحيوانات



يوسف محمد علي:

قصتي مع كتاب في قرية اسكندنافية

قبل نحو 15 عاما كنت أقيم في بلدة اسكندنافية هادئة إلى حد الإزعاج. عدد العرب فيها صغير جدا، خاصة في ذلك الوقت عندما قدمت للعيش فيها. تعرفت على جيراني بصعوبة، وهذه هي طبيعة الاسكندينافيين بصفة عامة وأهل تلك البلدة بصفة خاصة، ولكن بعد أحاديث وأسئلة وأجوبة أصبحنا أكثر من جيران، وفتحت لهم باب بيتي وفتحوا لي أبواب بيوتهم.

تدور بيننا أحيانا أحاديث عن العرب والمسلمين ومرات عن ليبيا، وكنت طوال الوقت أنا المتحدث وهم يستمعون، أنا أجيب وهم يسألون. ورغم أنني كنت احمل تلك الفكرة المسبقة التي تقول أن سكان اسكندنافية وخاصة قاطني القرى يجهلون جهلا تاما مشاكل العالم وما يدور فيه، إلا إنني لاحظت أن أسئلتهم ذكية تنم عن معرفة، خاصة عندما يتعلق الأمر بنظام القذافي وطريقته في الاستيلاء على الحكم في ليبيا. أو أحاديثهم عن مشروع النهر الصناعي، أي والله يعرفون النهر ويعرفون كيف استغله القذافي للضحك على البسطاء، كانت لديهم ملاحظات يصعب أن تتوفر لشخص يجهل بما يدور في عالمنا. لم أجد في ذلك الوقت تفسيرا لهذه المعرفة الاسكندينافية التي جاءت عكس توقعاتي.

 ذات صباح رن جرس بيتي، فتحت الباب وإذ بالسيدة “لي هاتسون” تقول أنها كانت مع أفراد أسرتها في العاصمة، ودخلت إلى احد المكتبات العامة ، ووجدت كتابا باللغة العربية في هذه المكتبة، فقامت باستعارته، وأحضرته لي لقراءته.

أخذت منها الكتاب بعد أن شكرتها. ألقيت نظرة على هذا الكتاب . عنوانه “عالم تسكنه الحيوانات”، رميته على الطاولة بجانبي ، وقلت في نفسي ما أعجب هؤلاء الاسكندينافيين، لا هم لهم سواء البيئة والحيوانات وحقوقها وقضايا التلوث وهجرة العصافير. بالطبع قررت بيني وبين نفسي أن اكرر الشكر للسيدة “لي” ولن أصارحها بانطباعاتي عنها وعن بني جنسها.

بعد أيام تقابلت مع جاري ، الذي بادرني بالسؤال هل عجبك الكتاب ، الذي أحضرته لك زوجتي ، ورجاني أن أرجعه لهم فور قراءته ليقوموا هم بإعادته إلى المكتبة ، لأن وقت الإعارة أوشك على الانتهاء . وقال لي لو أردت أن تمدد فترة الإعارة ، في حالة ما إذا عجبك الكتاب ، فبالإمكان تمديدها بالهاتف . قلت له لا داعي إلى ذلك . وسوف ارجع لهم الكتاب غدا .

جاري قليل الكلام ، جمله قصيرة وعباراته مختصرة ، ولكن زوجته ثرثارة وكثيرة الأسئلة ، تسأل عن “البسباسي ومن زرعه” كما يقول المثل الليبي . وخوفا من أن تواجهني بأسئلتها عن الكتاب رأيت انه من باب الأدب أن اقرأ الكتاب وأحفظ لي منه بعض العبارات ، بعد ترجمتها بلغتها التي كنت أجيدها بصعوبة ، حتى أتمكن من شكرها والثناء على ذوقها في اختيار الكتب ، حتى الحيوانية منها .

ومما شجعني على قراءة الكتاب في ذلك الوقت وقت الفراغ الذي كنت أتمتع به ، حيث لم امتلك كومبيوتر أو انترنت ولا صحن فضائي وقنوات عربية متنوعة . فبعد وقت العمل لا شغل لي سواء محاولة قراءة بعض الكتب التي أستعيرها من مكتبة القرية ، التي كانت تحتوي على نحو 300 كتابا باللغة العربية توفرها البلدية خدمة لسكانها الناطقين بالعربية ، الذين لم يكن عددهم يتجاوز المائة شخصا، بما فيهم الأطفال، والأميين العرب!!

بين كتب مكتبة القرية وجدت كتابين للكاتب الليبي اللامع إبراهيم الكوني، الذي تعرفت على إنتاجه في اسكندنافية وليس في “الجماهيرية”، التي كعادتها لا تهتم بأي ابن من أبنائها المبدعين، إلا إذا كان الاهتمام بهم مسخرا لخدمة العقيد وتلميعه.. وهذا هو الحال منذ قدوم القذافي إلى سدة الحكم.

وضعت “براد” الشاهي على ” البوتغاز” ، وأخذت قليلا من “السامينسة”، ووضعت شريط ” زكرة ” في المسجل، كل هذا حتى أعين نفسي على قراءة كتاب الحيوانات.

أخذت الكتاب بين يدي بتكاسل، ولا هدف لي سواء الاضطلاع عليه كعرفان بالجميل لجارتي الثرثارة.

 قلبت عيني على غلافه لأتأكد مرة أخرى بأنه هو نفس الكتاب . نعم انه هو، عنوانه “عالم تسكنه الحيوانات” ، ومؤلفه “جورج اوريل” ، فقلت لنفسي يبدو أن الأجانب كلهم ” امتاعين حيوانات”.. وقد ترجم الكتاب الدكتور شامل أباظة وراجعه ثروت أباظة.. حكمت من أسماء المترجم والمراجع بأنهما مصريين، ويبدو أنهما من عائلة واحدة.. وخطر ببالي بأنهما مهتمين كما الاسكندينافيين بالحيوان، ألم يكن من الأفضل أن يترجما لنا كتابا يتحدث عن الإنسان لا عن الحيوان!!!

ما أن بدأت قراءة الكتاب حتى عرفت انه ليس كتابا حيوانيا كما هو عنوانه، وإنما رواية يدور الحديث فيها على السنة الحيوانات.. فرحت بذلك ، خاصة أنني من محبي قصص كليلة ودمنة وما ورد فيها من حكم على السنة الحيوانات..

رشفت رشفة من الشاهي الذي برد من طول انتظاره ، ولم اقلب شريط المسجل الذي انتهى.. أخذت فقط في قراءة القصة، ومن شغفي بها لم اقرأ حتى صفحة التعريف بمؤلفها . ولم أتوقف عن القراءة حتى وصلت إلى جلدة الغلاف الأخيرة .. إنها رواية نُشرت في عام 1945، وبيع منها أكثر من مليوني نسخة في ذلك الوقت..

ورغم ذلك ، فأنا كليبي اشعر بأنرام في قراءتها، وبعد الانتهاء منها لكل حادث حديث، ولنشترك معا عندئذ في ابدءا الانطباعات حوله

الكاتب جورج اورويل قد كتبها الآن، ربما في عام 2003 أو بعده ، أحداثها تدور عن ليبيا وما تشهده من تطورات!

 لا أريد أن “احرق” الرواية على من لم يقرأها بعد، ولهذا أتوقف عن تعليقاتي وانطباعاتي عنها ، وأتطوع بطباعتها ونشرها من خلال أخبار ليبيا، لأشرك القراء الك

********

2

شخصيات “عالم تسكنه الحيوانات”.. والفصل الأول

 الرجال:

 جونز صاحب مزرعة مانور

 بلكنجتون صاحب مزرعة فوكس وود

 فردريك صاحب مزرعة بنشفيلد

 ويمبر سمسار المزرعة

 الخنازير:

 ماجور صاحب المذهب الحيواني

 نابليون

 سنبول

 سكويلر

 الخيل:

 بوكسر حصان جر

 كلوفر فرس جر

 مولى مهرة

 الحمار بنيامين

 العنزة موريل

 الغراب موسى

الفصل الأول

أغلق مستر جونز، صاحب مزرعة مانور الباب الخارجي للحضائر كعادته عند المساء، إلا أنه كان ثملا للغاية، حتى انه قد نسى أن يغلق الحظائر المختلفة لجميع حيوانات المزرعة!

 وعلى ضوء مصباحه، الذي يتراقص من أثر الريح اجتاز الفناء، وقذف بحذائه عند الباب الخلفي لبيته، وسكب لنفسه آخر ما في البرميل من جعة، وشرب كأسه بالمطبخ ، ثم انسحب إلى حجرة نومه بالدور العلوي ، حيث كانت زوجته تغط في نومها .

 وما كاد نور حجرته ينطفئ، حتى اندفع صخب في أنحاء المزرعة، فقد وصل إلى علم الحيوانات في أثناء النهار أن الخنزير الهرم الحكيم “ماجور”، الحائز على جائزة معرض ولينجدون، قد واتاه في الليلة السابقة حلم غريب، رأى أن يذيعه على جميع حيوانات المزرعة، وكان من المتفق عليه أن يجتمعوا في الحظيرة الكبيرة عند الليل، بعد نوم مستر جونز.

 ولقد كان “ماجور” العجوز خنزيراً مرموقاً بالمزرعة، وكان الاسم الذي عُرض به حين حاز الجائزة هو فتى ولينجدون الجميل! وكان يسعد الحيوانات جميعها أن تستمع إليه، وإن ضحت في سبيل ذلك بساعة من نومها ؛ وفي نهاية الحظيرة الكبيرة اعتلى “ماجور” كومة من القش، وقد كست وجهه سمات الطيبة و مظاهر المهابة والوقار و الحكمة! وقد زاد هذه السمات تبلورا، أنيابه البارزة الطويلة، بعد أن ناهز من عمره الاثنى عشر عاما.

 وتوالى حضور الحيوانات، واختيار الأماكن المناسبة تأهباً للاستماع. وقد بادرت بالحضور الكلاب الثلاثة : بلوبل وجيسي وبنشر، وخنازير الحظيرة التي تربعت عند مجيئها على القش، الذي يلي منصة “ماجور” مباشرة ؛ كما تجمع الدجاج على أفاريز الشبابيك، وحط الحمام على العروق الخشبية لسقف الحظيرة، ورقدت الأغنام والبقر خلف الخنازير تتحرك أفواهها وهي تجتر غذاءها . ثم اقبل بوكسر وكلوفر، حصانا الجر بالمزرعة، وكانا على حذر حينما تربعا على القش، خشية أن يدهما كائنا من الحيوانات الصغيرة، التي ربما استخفت في غياهب القش!

 وكلوفر فرس تقترب من منتصف عمرها، تبدو عليها طيبة الأم، ممتلئة لم تستطع أن تعيد رشاقتها الأولى، بعد أن وضعت مولودها الرابع.

 أما بوكسر فهو حصان ضخم مرتفع القامة، يبلغ من القوة ما لا تتاح لحصانين مجتمعين معا، وتحت أنفه شامة بيضاء تضفي عليه سمات الغباء! ولقد كان في الواقع سطحي التفكير ، وإن استطاع أن يكتسب لنفسه احترام زملائه من الحيوانات الأخرى، نظراً لطاقته الضخمة في العمل، وما يتمتع به من أخلاق عريقة.

 ثم أقبلت بعد ذلك موريل العنزة البيضاء، وبنيامين حمار المزرعة. وكان بنيامين هذا أطول حيوانات المزرعة عمراً و أسوأهم طبعاً، نادر الكلام؛ فإن تكلم فليبدي تهكمه، فهو ربما يقول: إنه يدرك أن الله قد منّ عليه بالذيل، لكي يهش به الذباب عن نفسه، ولكن أما كان الأحرى به أن يخلقه بلا ذيل، ويرحمه الله من جور الذباب جميعاً.

 فإذا عاتبته الحيوانات على عبوسه المستمر، دافع عن نفسه بقوله: إنه لا يرى في الدنيا ما يضحك!

 وكان بنيامين يخلص وده لبوكسر، دون أن يصرح بهذا. وكان يقضي بجانبه دائماً عطلة يوم الأحد يرعى معه الحشيش في صمت خلف حديقة الفاكهة.

 وما كادت الخيل تتوسد القش، حتى وفد على القاعة بط صغير فقد أمه، و أخذ في الصياح فضمته كلوفر بين قدميها، و استقر في الدفء، ثم استسلم للسبات!

 وأقبلت بعد ذلك مولى المهرة الغرّة البيضاء، وهي تتبختر في مشيتها، وقد ربطت إلى معرفتها شريطاً أحمر، ظفره لها مستر جونز، وراحت تجرش قطع السكر محدثة صوتاً، حاولت به اجتذاب انتباه الآخرين، متباهية بجمالها والشريط الذي يزينها!

 و أخيراً أقبلت القطة، وحشرت نفسها بين بوكسر وكلوفر، حيث الدفء اللذيذ، واستسلمت للنوم، دون أن تكلف نفسها عناء الاستماع لكلمة واحدة من محاضرة الخنزير “مأجور”!

 وبذلك اكتمل عقد اجتماع المزرعة، ما عدا موسى – غراب مستر جونز الملل، الذي اعتاد النوم في عش وراء الباب الخلفي لمنزل المزرعة.

 وعندئذ أخذ “ماجور” في سعال يجلو به صوته في بداية الاجتماع، وقد أرهف الحاضرون السمع، واستهل “ماجور” محاضرته قائلاً:

 “أيها الرفاق، لقد سمعتم بالطبع بالحلم الغريب، الذي أتيح لي في الليلة الماضية، والذي سأقص عليكم فحواه فيما بعد؛ إذ أن عندي الخطير من الأمور، التي رأيت أن أقدمها لكم.

 أولاً: إنني كما تعلمون قد بلغت من العمر أرذله، وربما لا تمتد حياتي شهورا طويلة قادمة، وقد رأيت لزاماً علي أن أحدثكم بخلاصة حكمتي وتجاربي ومازال في العمر بقية! فقد أتاح لي عمري المديد، الذي قضيت شوطاً طويلاً منه وحيداً بحظيرتي في تفكير متصل – أن أصل إلي أسرار الحياة فوق هذا الكون، وذلك هو محور حديثي، الذي أزمع أن أقدمه إليكم”.

 ثم أستطرد “ماجور” قائلا: والآن أيها الرفاق، ما طبيعة الحياة التي نعيشها معشر الحيوانات؟

 دعونا نواجه أمورنا بصراحة: حياتنا جد قصيرة، نقضيها في كد وعناء! نحن نولد فلا يسمح لنا، إلا بالكفاف الذي لا يكاد يمسك علينا رمقنا. والحيوانات يستغلها الآدميون في أعمالهم فتشقى بها حتى أنفاسها الأخيرة! فإذا ما انتهت الحاجة إليها، قادوها للذبح في قسوة بالغة! وقد وئدت الحرية بإنجلترا، حتى أصبحت الحيوانات لا تعرف معنى السعادة أو الراحة، منذ بداية حياتها إلى نهايتها!

 إن حياتنا في حقيقتها هي الشقاء مجسداً، والعبودية في أبشع صورها!

 أما من جانبنا معشر الحيوانات، فهل كُتب علينا الاستسلام لهذه الأوضاع على أنها من طبائع الأشياء؟

 وهل الأرض التي نعيش عليها من الشح و القحط، بحيث لا يمكنها أن تجود علينا بعيش مناسب كريم؟

 كلا وألف كلا؛ فإن أرض إنجلترا خصبة، ومناخها طيب تستطيع معه أن تجود بالخيرات لأضعاف الأعداد، التي بها الآن من الحيوانات. فالمزرعة التي نعيش عليها مثلا تستطيع أن تأوي عشرة خيول وعشرين بقرة ومئات من الغنم في أكرم حياة، تستطيع أن تهفو إليها آمالنا. فعلام إذن نواصل تلك الحياة التعسة؟

 ما من سبب يدعو لذلك، إلا جشع الإنسان، الذي يستحوذ على فائض الإنتاج، وهي الحقيقة المرة التي تفسر لنا أسباب تعسنا، وإن دارت كلها حول محور واحد هو الإنسان! إن الإنسان هو عدونا الأوحد والأزلي، فإذا ما استبعدناه من طريقنا، فإننا نكون بذلك قد محونا جذور الجوع والعبودية إلى الأبد!

 فالإنسان أيها الرفاق- هو المخلوق الوحيد، الذي يستهلك و لا ينتج، فهو لا يدر اللبن و لايبيض، وهو أَوْهَى من أن يحرث الأرض بنفسه، وهو أبطأ من أن يلحق بالأرانب ليصيدها بيديه، ومع ذلك فإنه السيد على جميع الحيوانات، يسخرها في العمل، ولا يجود عليها، إلا بالكفاف مستأثرا بكل الطيبات!

 أما نحن الذين نحرث الأرض ونسمّدها، فليس لنا ما نتملكه حتى جلودنا!

 أيتها الأبقار التي أمامي: أين ألوف من لترات اللبن حلبت العام الماضي، وكان من حقك أن تربي عليها أبناءك من العجول الصغيرة؟ إن كل قطرة منها تسربت إلى بطون أعدائنا!

 وأنت أيها الدجاج، كم من البيض أنتجت في عامنا هذا ؟ وماذا بقى منه لأغراض الفقس ؟ إن هذا البيض ذهب إلى السوق ؛ ليجلب مزيدا من المال لجونز وعصابته!

 وأنت يا كلوفر، أين مهراتك الأربع التي ولدت ؟ لم تبق فيها بالمزرعة واحدة لتكون سنداً لك في شيخوختك! لقد باعها جونز جميعاً وليس لك من أمل في رؤيتهم مرة أخرى، برغم عملك المتصل بالحقل ووجباتك الهزيلة!

 ومع تلك الحياة التعسة التي نعيشها فإن البشر لا يسمحون لنا أن نستمر فيها إلى نهايتها الطبيعية!

 أما فيما يتعلق بنفسي فليس لي أن أشكو هذا؛ لأنني أعد نفسي من المحظوظين، وقد بلغت الثانية عشرة من عمري، ولي من الذرية ما يربو على أربعمائة خنزير! وهذه هي الحياة الطبيعية المقدرة للخنازير، إلا أنه فيما يتعلق بكم فما من حيوان سيفلت من حد السكين في نهاية المطاف!

 أيتها الخنازير الصغيرة التي تجلس أمامي، إنك ستعدمين حياتك القصيرة ، التي ستصل بعد عام إلى نهايتها البشعة؛ هذا هو المصير المرعب الذي يتهددكم جميعاً، من أبقار وخنازير وغنم وغيرها؛ حتى الخيل والكلاب فهي ليست أسعد منا حظاً: فأنت يا بوكسر حينما تذوى عضلاتك القوية، فإن جونز سيبيعك للجزار ويرمي بلحمك لكلاب الصيد! أما الكلاب إذا ما شاخت وسقطت أنيابها فإن جونز سوف يعلق في رقبتها حجراً، ويرمي بها في أقرب بركة!

 ألم يتضح لكم بعد أيها الرفاق أن الإنسان وحده هو مصدر مصائبنا؟

 عليكم إذن أن تتخلصوا منه، وعندئذ تعود إلينا ثمرات عملنا! إنني لا أشك لحظة أن حلمنا هذا في الحرية والثراء لابد أن يتحقق، ولكن علينا واجباً شاقاً يجب أن نؤديه، إن علينا أن نعمل ليلاً ونهاراً بأرواحنا وأجسادنا لقلب نظام الجنس البشري!

 إن الثورة رسالتي إليكم أيها الرفاق، وإن كنت لا أستطيع أن أتنبأ لكم بموعدها؛ فقد تتحقق بعد أسبوع، أو بعد مائة عام، ولكنني واثق تماماً من حتمية مسيرتها ثقـتي من وجود هذا القش، الذي أدوسه بأقدامي، فإن العدل لابد أن يسود!

 ركزوا أنظاركم على هذا الهدف المنشود أيها الرفاق ، حتى النفس الأخير من حياتكم القصيرة؛ وعليكم أن تنقلوا رسالتي هذه للأجيال القادمة، حتى نصل بأهدافنا إلى النصر، وواصلوا الجهاد بعزيمة لا تلين، وعليكم ألا تتفرقوا في سراديب الخلافات المذهبية!

 و لا تسمعوا لمروجي الدعايات المضللة ، التي يرددها الإنسان و أعوانه من أن لهم ولنا معشر الحيوان أهدافاً مشتركة ، وأن لنا نصيبنا مما يسكب عليهم من خيرات؛ إنها محض افتراءات.

 إن الإنسان لا يتحرى، إلا مصلحته الذاتية، أما نحن معشر الحيوانات فلابد لنا من أن نتحد في طريق الثورة. شعارنا “البشر جميعاً أعداؤنا! والحيوانات كلها رفاقنا”.

 وإذ ذاك خرجت أربعة فئران من جحورها مستطلعة، واندست في الصفوف الأخيرة فدهمتها الكلاب، وكادت تغرس فيها أنيابها، لولا أنها لاذت بالفرار، وعادت لجحورها في الوقت المناسب.

 وأثارت هذه المعركة ضجة شديدة، فرفع ماجور رجليه الأماميتين مشيراً بالتزام الهدوء، واستأنف حديثه قائلاً: أيها الرفاق ، علينا أن نحدد منذ البداية بجلاء: هل ستُعتبر الحيوانات البرية، كالأرانب والفئران من زمرة أصدقائنا أو نتخذهم أعداء؟

 وطرح هذا السؤال للتصويت، وتمت الموافقة بأغلبية ساحقة من الأصوات على اعتبار الحيوانات البرية صديقة، ولم يخرج على هذا الإجماع، إلا أربعة من الحضور، القط والكلاب الثلاثة التي تبين أن الأمر قد التبس عليهم، فأدلت بأصواتها مع الجانبين!

 واستأذن ماجور قائلا: إن لدي القليل لأقوله بشأن ضرورة استمرار الكفاح في سبيل معاداة الإنسان وفضح أساليبه! وإن شعارنا هو أن كل من يدب على قدمين اثنتين عدو لنا، وكل ما يمشي على أربع أو ما يطير صديق لنا!

 ومادمنا قد انتهجنا سبيل الحرب ضد الإنسان فإن علينا أن نتجنب التشبه به و بأساليبه؛ فإذا كتب لنا النصر فعلينا أن نتجنب كل العادات والتقاليد البشرية مثل اتخاذ المساكن أو النوم على الأسرة أو لبس الأزياء أو شرب الخمر أو التدخين أو التعامل بالنقد أو الاشتغال بالتجارة؛ فإن هذه العادات البشرية جميعاً إنما هي من اختراعاته الشيطانية! وعلينا أن نضع في اعتبارنا أنه من الأمور الجوهرية، ألا يحاول حيوان ما أن يستبعد أبناء جلدته من الحيوانات الأخرى، مستغلا ضعفها أو غباءها؛ فإن الحيوانات كلها سواسية!

 والآن فقد حان الوقت، لأحدثكم عن حلم ليلتي الماضية؛ فإن أمره لغريب حتى لا أستطيع أن أصفه لكم؛ فقد كنت أحلم بالأرض وهي تخلو من البشر! وقد أعاد لي حلمي هذا ذكرى من طفولتي عن أغنية كانت أمي ترددها لي، وكنت قد نسيتها إلا أصداء نغم وبقايا من كلمات، وقد بعثت فجأة إلى خاطري حية تنبض بالقوة كاملة لا نقص فيها، منذ أن غناها الرعيل الأول من البهائم، ثم علاها بعد ذلك صدأ النسيان!

 إنني رأيت أن أنشدها لكم، أيها الرفاق برغم كبر سني وخشونة صوتي! فإذا ما حفظتموها استطعتم بعد ذلك ترديدها و أداءها خيراً مني، وعنوانها: “يا وحوش إنجلترا”.

 وجلا ماجور صوته، وابتدأ في الإنشاد بصوت خشن وأداء ممتاز، وكانت أنغامها مثيرة وكلماتها عجيبة تقول:

 يـا وحـوش إنـجـلـتـرا.. و قـطـيـع أيرلندا الـعـتـيـد

 مـن صـغـيـر و كـبـيـر.. وقـريـب وبـعـيـد

 أنها بشرى المنى.. إنه الفجر الجديد

 عن غد يحطم فيه الوحوش.. م أغلال القيود

***

في غد ينقلب الظلم .. وتنهد المعاقل

 دولة الإنسان دالت.. وهو في الأعقاب زائل

 ليست الأرض لإنسي.. من الأشرار قاتل!

 إنما الأرض لمن كد .. على الأرض وناضل

***

لا كانت أسباب الحيف .. أو حلقات الأنف

 لا كان السرج بأظهرنا .. أو كانت ألوان الخوف

 أو كانت فرقعة السوط .. لذوات الحافر والظلف

 إن الإنسان لجبار .. إن كانت يقابل بالضعف

***

الفول لنا والقمح لنا.. والقرطم لنا والبرسيم لنا

 نمحو الإنسان من الدنيا.. لنقيم دعائم دولتنا

 ونرد مظالم إخوتنا.. ونعز مبادئ ثورتنا

 الفول لنا والقمح لنا.. والحقل لنا بما يحويه لنا!

***

الثورة بوتقة الغضب.. ثوروا لليوم المرتقب

 مرحى بالكد وبالتعب!.. لن ننجح إلا بالنصب

 من حقق حلماً قبلكمو.. إلا بالسعي وبالدأب؟

 سنثور كألسنة اللهب.. سعياً للحق المغتصب!

***

وقد أثار ترديد هذا النشيد حماساً عنيفاً بين الحيوانات، و ما كاد ماجور يصل إلى نهايته حتى أخذت تردده من جديد لأنفسها.

 وكان مما أثار العجب أنه حتى الحيوانات، التي لا تتميز بالذكاء استطاعت أن تلتقط بعض أنغام النشيد ونتفاً من عباراته! أما الحيوانات ذات الذكاء كالخنازير والكلاب فقد حفظته عن ظهر قلب في دقائق معدودات! وبعد محاولات قليلة اتسقت أصوات الحيوانات على اختلافها في ترديد نشيد “يا وحوش إنجلترا” في نسق واحد، دون أن يبدو منها نشاز يذكر!

 البقر بخواره والكلاب بنباحها والغنم بثغائها والخيل بصهيلها والطيور بهديلها- غمرها النشيد بنشوة عارمة، حتى إنها أعادته خمس مرات متتاليات!

 ولو تركت لشأنها لما سكتت عن الترديد، إلا أن الضجة أيقظت مستر جونز، فظن أن ثعلباً تسلل للمزرعة، وقفز من فراشه وامتدت يده إلى بندقيته، التي يحتفظ بها قريباً من سريره؛ ومزقت سكون الليل عدة رصاصات استقرت في حائط حظيرة الاجتماع، وبذلك أسدل الستار المفاجئ على الاجتماع، وهرعت الحيوانات إلى مضاجعها؛ والطيور إلى أعشاشها، وفي لحظات كان الجميع في سبات عميق!

الفصل الثاني

قضى ماجور نحبه في سلام في شهر مارس، وبعد ليال ثلاث من وصيته الأخيرة، وقد ووري جسده التراب تحت شجرة تفاح بالمزرعة.

 وكان لمحاضرة ماجور صداها البعيد على الحيوانات التي تمتاز بالذكاء. فابتدأت في تنظيم حركات سرية في الأشهر الثلاثة التي تلت وفاته، وقد اختلفت نظرتها القديمة للحياة، ومع أنها كانت لا تدرك متى تتحقق نبوءة ماجور، ومع أنها كانت لا تتصور أنها قابلة للتحقيق وهي على قيد الحياة – فإنها مع ذلك قد اقتنعت أن واجبا لا مناص منه يقع على كاهلها في الإعداد لها!

 ولما كانت الخنازير هي أذكى الحيوانات فقد تكفلت بمهام التنظيم ونشر الدعوى بين الحيوانات الأخرى، وقد برز في هذه المجالات خنزيران شابان هما سنوبول ونابليون، كان يعدهما مستر جونز للبيع.

 وكان نابليون ضخم الحجم ذا قسمات قاسية، ولد في مقاطعة بركشاير، وهو لا يمتاز بطلاقة اللسان، ولكنه مع ذلك كان دائما يصل إلى أغراضه بوسائله الخاصة، أما سنوبول فقد كان أكثر حيوية من نابليون وأكثر فصاحة معروفا بسعة الأفق، وإن كان يفتقر إلى قوة الشخصية التي يتحلى بها غريمه.

 أما بقية خنازير المزرعة فهي خصية معدة للتسمين، ليس فيها من ذوات الرأي، إلا خنزير سمين يدعى سكويلر، مستدير الخدود أثقل الشحم خطاه، وضغط على قسمات وجهه فضاقت عيناه، وأثر على صوته، فصارت نبراته كالصرير، متحدث لبق وله لازمة إذا ما استبد به الحماس: يترنح بعصبية ذات اليمين وذات اليسار، ويهز ذيله بهمة لا يملك معها السامعون، إلا الاقتناع حتى أشيع عنه انه من القادرين على قلب الحق باطلا والباطل حقا!!

 وأخذت هذه الخنازير الثلاثة في تقنين تعاليم ماجور، وإخراجها في مذهب فكري متكامل، عرف بالحيوانية Animalism، وأخذت على عاتقها مهمة شرحه ونشره على الحيوانات الأخرى في اجتماعات متعددة في إثناء الليل، حيث يأوي مستر جونز إلى فراشه.

 وقد لاقت الخنازير الثلاثة في بداية الأمر صعوبة بالغة في نشر دعوتها لما اعترضها من غباء الحيوانات الأخرى واستكانتها للأمر الواقع، حتى أن فيها من كان يرى ضرورة الإخلاص لجونز وأصرت على الإشارة إليه بلقب السيد! وكانت تحمد له صنيعه في إيوائها وإطعامها، وكانت تخشى عاقبة الخروج عن طاعته، وكانت الحيوانات المستكينة لا تخجل من أن تجادل بأن الموت مكتوب عليها بطريقة ما، وبأنها إذا ماتت لا تأبه بما بعد الموت!

 وإذا ما ذكرت لها الخنازير الثلاثة أن الثورة آتية لا ريب، و أنها من الأمور الحتمية تساءلت: فعلام إذن الجهاد والتعب فيما هو آت بالضرورة واقع بالحتمية؟

 وهكذا لاقت الخنازير الثلاثة عنتا أي عنت في إقناعها بنصوص المذهب الجديد وروحه، وبضرورة الالتزام به والعمل في سبيله.

 وربما كانت أكثر التساؤلات غباء وسطحية هو سؤال المهرة مولى: هل ستحظى بعد الثورة بقطع السكر؟ وهل ستتمكن من أن تزين معرفتها بالأشرطة الملونة ؟

 فقاطعها سنوبول وعنفها بحدة على ملاحظاتها السخيفة، وذكر لها أنه ليس لدى الثورة المقدرة على جلب السكر، كما أنها لا تعنى بذلك، ويكفي ما لديها من حنطة ودريس!!

 أما بخصوص الشرائط فقد وجه سنوبول حديثه لجميع الحيوانات محذرا منها، فهي في رأيه رمز العبودية والتبعية، وإن الحرية تستحق من الحيوانات التضحية بمثل هذه المظاهرة التافهة!!

 واضطرت مولى المسكينة أن تتظاهر بالموافقة عن غير اقتناع.

 كما وجدت الخنازير عنتا في مواجهة حملة الدعاية الخبيثة، التي كان يشيعها موسى، غراب مستر جونز المستأنس، والذي كان يدعي وجود بلد غريبة اسمها “جبل السكر نبات” تبعث فيها الحيوانات بعد موتها، وهي فيما وراء الغيوم مباشرة في السماء! وفي هذه المملكة السماوية ترتاح الحيوانات من عناء العمل الدنيوي، ولها ما شاءت من برسيم في كل الفصول، وعلى حدود حقول البرسيم تنمو أسوار من الفطائر اللذيذة والسكر نبات!

 ومع أن الحيوانات كانت تبغض موسى لكسله وخبثه، فإن بعضها كانت تؤمن بنبؤته عن مملكة “السكر نبات”، و إن نفت الخنازير احتمال وجودها.

 وكان من اخلص التلاميذ للمذهب الخنزيري الجديد بوكسر وكلوفر، اللذان استوعبا جميع التعاليم الجديدة، وعملا على التبشير بها بين شتى الحيوانات في عبارات بسيطة. لا يتكلمان إلا بوحي المذهب، و لا يفكران إلا في حدوده، ويواظبان على الاجتماعات في الحظيرة، ويتزعمان إنشاد “يا وحوش إنجلترا” في ختام الجلسات.

 وفي غفلة من الزمان – وبسهولة لا يمكن أيّ أحد تصورها – انبعثت الثورة، وتم لها النجاح. ففي السنوات الخالية البعيدة كان مستر جونز يحسن إدارة مزرعته، ويتسم بالقسوة وحب النظام، إلا انه قد اخذ في التراخي بعد أن فقد ثروته، واستسلم بعد ذلك للسكر والعربدة!

 وقد أصبح يقضي جل وقته في مطبخ منزله بالمزرعة على كرسيه المريح ، يقرأ الصحف ويسكر، ويطعم غرابه موسى من وقت لآخر بقطع من الخبز المغموس في الجعة، وتحول عمال المزرعة إلى شلة من الكسالى الخربي الذمة، فدبت الأعشاب في الحقول، وتشقق سقف المنزل، و أهملت أسوار المزرعة، و أسلمت الحيوانات لإهمال والجوع!

 وأقبل شهر يونيو، حينما كان الدريس معدا للحصاد. وفي يوم السبت الذي يوافق يوما، يحتفل فيه المزارعون يسمى بعيد منتصف الصيف، سافر جونز إلى ويلنجدون للاحتفال بهذه المناسبة في حانة “الأسد الأحمر”، واستسلم للشرب حتى ثمل في سكره، ولم يفق إلا عند منتصف يوم الأحد التالي، تاركا أمور المزرعة في أيدي عماله!

 وقد حلب العمال البقر في صباح يوم الأحد، ثم ذهبوا لرحلة يصيدون فيها الأرانب، دون أن يلتفتوا إلى إطعام الحيوانات الجائعة.

 وعاد مستر جونز من سفره واتجه إلى حجرة الجلوس بالمزرعة، مواصلا نومه على الأريكة، وقد خبأ وجهه بصحيفة “أخبار العالم”، واستمرت الحيوانات على جوعها حتى المساء، وهو الأمر الذي لم تستطع معه صبرا. وفجأة دفعت إحدى الأبقار باب المخزن بقرنيها، فاندفعت الحيوانات داخله تأكل ما به من غلال!

 واستيقظ مستر جونز واستدعى عماله الأربعة، الذين كانوا قد عادوا من رحلتهم، وانبروا جميعا وفي أيديهم سياط يضربون بها الحيوانات ويردونها عن المخزن، وكانت هذه القسوة أكثر مما تحتمله الحيوانات الجوعى.

 وبدون ترتيب سابق، وفي وحدة من القصد انقلبت الحيوانات على جلاديها تركلهم وتعضهم، حتى افلت الزمام عن الدفاع عن أنفسهم، وانتابهم رعب شديد، وهرعوا إلى خارج المزرعة، واتجهوا إلى الطريق العام، والحيوانات تتبعهم بعد أن تم لها الانتصار!

 وكانت السيدة جونز تتابع الموقعة من نافذتها، وحينما رأت ما حل بزوجها ورجالها جمعت حاجاتها في عجالة، واندفعت تجري في الاتجاه الآخر، والغراب موسى يطير وراءها وهو ينعي أيام السعادة والهناء!

 ولما أيقنت الحيوانات النصر، وتيقنت هروب أعدائها عادت، فأغلقت باب المزرعة الكبير ذا العوارض الخمس.

 وهكذا وقبل أن تدرس الحوادث أو تسلسل حلقاتها أيقنت الحيوانات أن الثورة قد نجحت ورسخت، وأن مزرعة جونز قد أصبحت ملكا خاصا لها!

 وفي الدقائق الأولى، وقبل أن تفيق الحيوانات من ذهولها المنتشي بهذه المفاجأة السعيدة، التي هيأت لها المستقبل الوردي، الذي ينتظرها راحت الحيوانات تهرول حول أسوار المزرعة، لتطمئن منها القلوب مرة أخرى أنها خالية من البشر. ثم اندفعت بعد ذلك إلى مباني المزرعة تمحو منها آخر معالم الحكم الإنساني البائد، واقتحمت مخزن المعدات، الذي كان يحفظ فيه مستر جونز الألجمة والسروج وحلقات الأنوف وسلاسل الكلاب، والأمواس المخصصة لخصي الخنازير والخرفان. وألقت بها جميعا في جوف البركة، كما جمعت السيور وأصفاد الأرجل والسياط وعصابات الأعين وأدوات خزم الأنوف وألقت بها في النار!

 وحينما كانت النار تلتهم أدوات الإرهاب هذه، ارتفعت صيحات الابتهاج والاستحسان!

 وقد تعمد سنوبول أن يلقي إلى النار أيضا بالأشرطة الملونة، التي كان يزين بها مستر جونز معارف الخيل وذيولها، حينما يذهب بها إلى الأسواق! و أعلن أنه يعتبر هذه الأشرطة من قبيل الأزياء البشرية، التي تتنافى هي والمذهب الحيواني ومبادئ العرى!

 وهنا نزع بوكسر قبعة من القش كان مستر جونز يثبتها على رأسه في الصيف، لتذود عنه الذباب، وألقى بها في السعير!

 وتقدم نابليون تتبعه الحيوانات إلى مخزن الغلال، وقدم لها وجبة مضاعفة منها. كما قدم للكلاب قطعتين من البسكويت. ثم أخذت الحيوانات بعد ذلك في ترديد نشيد الثورة سبع مرات متتالية من بدايته حتى النهاية، ثم هدأت بعد ذلك، واستسلمت لنوم لذيذ لم تسعد بمثله من قبل!

 وفي الفجر استيقظت الحيوانات وهي فخورة بحريتها الجديدة وبانتصار ثورتها، وتوجهت لمراعي المزرعة، واعتلت فيها ربوة عالية تشرف على المنظر الكامل للمزرعة كلها. وفي نشوة بالغة كانت تجري وتقفز وتلقي بأجسادها على الحشيش المبلل بقطرات الندى! وتشم رائحة التراب، سعيدة بشذاه المنبعث.

 ثم طفقت بعد ذلك تجول في أنحاء المزرعة، وهي تتأمل ببالغ الإعجاب الحقول المحروثة والدريس، وأشجار الفاكهة والبركة، وكأنها لم تسعد بجمال هذه المناظر من قبل، فهي اليوم فقط قد صارت ملكا خالصا لها!

 ثم توجهت الحيوانات بعد ذلك إلى المنزل، الذي كان يقطنه مستر جونز، وفي قلوبها رهبة تكاد تثنيها عن الدخول، ولكن سنوبول ونابليون فتحا الباب بكتفيهما واقتحما المنزل تتبعهما بقية الحيوانات، واجفة تمشي على أطراف أصابعها، وهي تنتقل من حجرة إلى أخرى وكأنها تخشى المجهول، الذي يتربص بها، وتتهامس بإعجاب مما تشاهده من مظاهر الأبهة والترف المتمثلة في الأسرة، والمراتب ذات الريش، والمرايا و الأرائك والابسطة البلجيكية ورف المدفأة الفاخر تعلوه صورة الملكة فيكتوريا!

 وحين همت الحيوانات بالخروج من المنزل بعد جولتها اكتشفت غياب المهرة مولي، فعادت لتجدها مختبئة بحجرة النوم الرئيسية، وكانت تتشح بشريط أزرق من مخلفات السيدة جونز، وتنظر لنفسها في المرآة رائحة غادية وهي في أشد حالات الإعجاب بنفسها مما أثار موجة من السخط عليها!

 ثم اتجهت الحيوانات بعد ذلك إلى مطبخ المنزل، وأخرجت لحم الخنزير المقدد لتواريه بالتراب في مشهد حزين. كما حطم بوكسر برميل الجعة!

 وفيما عدا هذا فقد اتفقت جميعا على الاحتفاظ بالمنزل كما تركه مستر جونز كمتحف لا يليق بالحيوانات سكناه!

 وبعد الفطور استدعى سنوبول ونابليون سائر الحيوانات، وخطب فيها سنوبول محذرا من المهام الملحة التي عليها إنجازها. وقد اقتربت الساعة من السادسة والنصف صباحا، وإن عليها البدء في حصاد الدريس! غير أنه استرعى أنظارها إلى أن له معها حديثا قبل أن تتوجه إلى الحقل. وقد أعلن عليها أن جميع خنازير المزرعة قد أصبحت تحسن القراءة والكتابة بعد أن تعلمت ذلك من كتب مستر جونز القديمة، وكذلك طلب منها التوجه إلى بوابة المزرعة، على حين كان نابليون يحمل علب طلاء من اللونين الأسود والأبيض، وأمام البوابة أمسك سنوبول بالفرشاة في شق ظلفه باعتباره أحسن من في المزرعة خطّاً وأعرفهم بالكتابة، ثم شطب عن اسم المزرعة القديم “مانور”، وكتب بدلا منه “مزرعة الحيوانات”. وهكذا أصبح للمزرعة اسمها الجديد!

 ثم اتجهت الحيوانات بعد ذلك إلى مباني المزرعة، وطلب سنوبول ونابليون إحضار السلم، وأسند السلم إلى الحائط الخلفي للحظيرة الكبيرة، ذلك الحائط الذي أكسبه الدخان المتصاعد لونا أسود، ثم أعلن الخنزيران سنوبول ونابليون أنهما قد توصلا في الأشهر الثلاثة الأخيرة إلى اختصار المذهب الحيواني الجديد، الذي بشر به ماجور في وصايا سبع جمعت جوهر التعاليم، وأنهما قد أزمعا كتابتها على الحائط لتصبح نبراسا للحيوانات، تتمثل به وقانونا تلتزم بنصوصه! وبشيء من الصعوبة اعتلى سنوبول السلم يساعده في ذلك سكويلر ويحمل له علب الطلاء، وابتدأ في الكتابة بحروف واضحة من الطلاء الأبيض، يمكن قراءتها من بعد 30 ياردة على الحائط الأسود، وكانت كالتالي:

 الوصايا السبع

 أولا: كل من يمشي على رجلين اثنتين إنما هو من الأعداء!

 ثانيا: كل من يدب على أربع أو له جناحان إنما هو من الأصدقاء!

 ثالثا: غير مسموح للحيوانات بارتداء الملابس!

 رابعا: غير مسموح للحيوانات بالنوم على الأسرة!

 خامسا: غير مسموح للحيوانات بشرب الخمر!

 سادسا: على الحيوان ألا يقتل حيوانا آخر!

 سابعا: كل الحيوانات سواسية!

 وبرغم أن هذه الوصايا قد دونت بخط أنيق، فإن كلمة صديق كتبت على سبيل الخطأ الهجائي “صدق”، كما كتب حرف السين مقلوبا. وما عدا هذا كانت كتابته صحيحة. وقد أعاد سنوبول قراءة الوصايا على الجميع بندا بندا، وقد حظيت الوصايا السبع بموافقة الحضور عليها بالإجماع، وقد حفظتها الحيوانات الذكية في التو عن ظهر قلب.

 ثم صاح سنوبول بعد أن ألقى بالفرشاة طالبا منها التوجه إلى العمل، مذكرا لها أن أمامها عملا ضخما يقع على عاتق الحيوانات أن تؤديه خيرا من جونز وعصابته من الآدميين!

 وفي هذه الأثناء سمعت الحيوانات خوارا شاكيا من البقر، التي كان يبدو عليها القلق، واتضح أنها لم تكن قد حُلبت منذ أربع وعشرين ساعة، وكانت تشكو أن ضروعها تكاد تتمزق، وبعد شيء من التفكير أحضرت الخنازير الدلاء، وقامت بحلب البقر بنجاح، فملأ اللبن الدسم خمسا منها، وتساءلت الحيوانات عن مصير هذا اللبن، الذي أثار فيهم شهوة الجوع، وألمحت الفراخ أن مستر جونز اعتاد أن يمزج العلف الخاص بها بشيء من اللبن!

 وعندئذ صاح فيها نابليون، الذي جمع دلاء اللبن قريبا منه أن على الحيوانات ألا ترهق نفسها في التفكير فيما لا يعنيها، وأن عليها أن تتجه مباشرة إلى الحقل لجمع المحصول، الذي أصبح يشكل مسؤوليتها الرئيسية، وصاح فيها: أيها الرفاق تقدموا، فسأتبعكم بعد قليل.

 وانتشرت الحيوانات في الحقل للعمل، وحينما عادت إلى المزرعة كان اللبن قد اختفى!الفصل الثالث

تعبت الحيوانات وكدحت كما لم تكدح من قبل في جمع المحصول، وقد كوفئت على هذا بمحصول وافر. ولم يكن العمل بالحقل سهلا، كما كانت تتصور. فقد كانت أدوات الزراعة والحصاد مصممة لاستعمال الإنسان وحده، وكان من العسير على الحيوانات الوقوف على أرجلها الخلفية، وإمساك الأدوات بالأرجل الأمامية، ولكن الخنازير ذللت مثل هذه الصعوبات بذكائها وحسن تصرفها.

 كما كانت الخيل على علم ممتاز بخبايا العمل في الحقل، وطرق الجرف والحش خيرا من جونز نفسه أو رجاله!

 وقد انعقد للخنازير لواء الزعامة، نظرا لما تتمتع به من ذكاء، وقد تخصصت في أعمال الإدارة والإشراف، وتركت العمل الحقلي للحيوانات الأخرى.

 وكان بوكسر وكلوفر يجران آلات الجرف والحرث والحصاد، على حين كانت الخنازير تطلق صيحات التشجيع للحيوانات الأخرى، حاثة لهم على العمل. وقد انخرطت جميعها في عمل دائب كل وفق طاقته، حتى البط والدجاج، فقد كان يحمل ما يستطيعه من الدريس بمناقيره!

 وبرغم ضخامة المحصول فقد انتهت الحيوانات من جمعه خلال يومين، وهي فترة بسيطة بالمقارنة بالوقت، الذي كان يستغرقه العمل في الماضي، وبدون فاقد أيضا. فقد عمد الدجاج والبط إلى جميع ما كان يتطاير من الدريس، ولم تسرق الحيوانات من المحصول قضمة واحدة!

 وانتظم العمل كالساعة طوال الصيف، وكانت الحيوانات في منتهى السعادة، هنيئة بالطعام الذي زرعته وحصدته بنفسها، وأصبح كله لها بعد أن كان يتفضل عليها سيدها الآدمي المترفع بالنزر القليل منه!

 وهكذا عم الخير بعد أن اختفى من بينها ذلك الإنسان الطفيلي العديم الجدوى! والأعجب أن أوقات راحتها وفراغها قد زادت، على رغم كل هذه الأعمال التي تقوم بها!

 غير أن حداثة عهد الحيوانات بالزراعة والإدارة أوقعتها في كثير من المشاكل: فمثلا في موسم الحصاد لم يكن لديها آلة لدرس القمح، وبذلك لم يكن أمامها إلا إتباع الأسلوب القديم، وهو مداومة المشي على القمح، حتى يفرك ثم ينفخ التبن بعيدا. وكان بوكسر بعضلاته الجبارة عونا لها في كل ما يطرأ من متاعب، وكان يبذل من الجهد أضعاف ما كان في عهد مستر جونز الغابر، وهو الجهد الذي ربما عجزت عنه ثلاث خيول مجتمعة!

 وفي واقع الأمر فإن أغلب العمل كان يقع على كاهله، يؤديه ببساطة بين إعجاب جميع رفاقه من الحيوانات. فكان يقضي جل وقته منذ بزوغ الشمس حتى غروبها بين جر ودفع، حيث يدعوه الواجب، وقد عقد بوكسر مع احد الديكة اتفاقا ليوقظه قبل موعد العمل المقرر للآخرين بنصف ساعة على سبيل التطوع، شعاره في ذلك “سأعمل أكثر” يردده كلما ألمت به أو بالمزرعة ضائقة أو صعوبة، أما الحيوانات الأخرى فقد كانت أيضا تؤدي واجبها كاملا، كل وفق طاقته بوازع من إخلاصها. فعلى سبيل المثال فإن الدجاج والبط أنقذ كثيرا من المحصول الضائع بجمع الأعواد المتطايرة، كما كفت جميع الحيوانات عن السرقة وامتنعت عن الشكوى من مقرراتها الغذائية، وكذلك كفت عن العراك والعض والغيرة، التي كانت تسود المزرعة في عهدها البائد! ولم تتقاعس احدها عن العمل، إلا مولى التي كانت تستيقظ بعد مواعيد العمل، وتنسحب قبل نهايتها منتحلة شتى الأعذار!

 وكذلك كانت تصرفات القط مثيرة للشك، فقد كان يختفي عند بداية العمل، ثم لا يظهر (ثانيا) إلا عند أوقات انتهائها وعند الأكل، وكأن شيئا لم يحدث! وكان يبدي أجمل الأعذار ويموء بإخلاص إذا ما عوتب عن مسلكه!

 أما بنيامين، الحمار العجوز فإنه لم يتغير بعد الثورة، يؤدي عمله كما اعتاد أداءه دائما بأسلوبه القديم نفسه في العناد والبطء، لا يتنصل مما يعهد إليه من عمل، كما لا يتطوع أبدا بالمزيد!

 أما بخصوص معتقداته المذهبية فإنه كان يبدي تحفظا شديدا، ونادرا ما يبدي رأيه صراحة. فإذا ما سئل عن رأيه في العهد الجديد في ظل الثورة فإنه يقول: إن حياة الحمير مديدة. من منكم شاهد حمارا نافقا ؟ وكانت رفيقاته من الحيوانات قد أنست لأسلوبه هذا في المراوغة!

 كانت أيام الآحاد هي العطلة الأسبوعية، يقدم فيها الفطور في ساعة متأخرة، فإذا ما فرغت الحيوانات ابتدأت بعد ذلك في أداء طقوس اعتادت أداءها في تلك العطلات، فهي ترفع علما أخــضــر في الصباح، كان مستر جونز يستخدمه مفرشا في الزمن الماضي، ثم زينه سنوبول بحافر وقرون. وقد شرح لها سنوبول دلالات اللون والرمز، فقال:

 إن اللون الأخضر يرمز لحقول إنجلترا، أما الحافر والقرن فهما رمز لجمهورية الحيوان، التي هي النواة للجمهورية الكبرى، إذا ما انقلب الحكم الإنساني كله في إنجلترا!

 وبعد رفع العلم وتحيته تتجه الحيوانات إلى الحظيرة الكبرى، ثم تنخرط في ندوة تناقش فيها أعمال الأسبوع القادم، ويتم الاتفاق عليها بعد أخذ الأصوات. وكانت الخنازير عادة صاحبة الرأي والاقتراحات، ثم تعرض هذه المقترحات بعد ذلك للاقتراح بين عامة الحيوانات الأخرى!

 وكان سنوبول ونابليون هما ألمع حيوانات المزرعة رأيا وأكثرهما نشاطا في هذا المجال، وإن لوحظ أن الاثنين قلما يتفقان. فإذا ما أبدى أحدهما رأيا وحظي بالموافقة، فان الآخر يثير خلافا على تفاصيله. فمثلا: حينما اتفق على تخصيص مرعى للمسنين من الحيوانات خلف حديقة الفواكه، دب الخلاف بينهما حول السن التي يتاح له أن يستفيد فيها بهذا المرعى!

 وفي ختام الاجتماعات ترتل الحيوانات نشيد “يا وحوش إنجلترا”، أما بعد الظهر فقد كان يخصص للتنزه!

 اتخذت الخنازير من مخزن معدات المزرعة مركزا لقيادتها، تدرب فيه على شتى أعمال المزرعة كالنجارة والحدادة وجميع ما يلزم المزرعة من حرف توصلت إلى مبادئها عن طريق الكتب، التي تركها مستر جونز!

 كما تفرغ سنوبول بلا كلل لتأليف لجان عمل: فلجنة من الدجاج لشئون البيض، ولجنة الذيول النظيفة من البقر، ولجنة الوحوش البرية بغرض استئناس الفئران والأرانب، وكذلك تكونت لجنة الصوف الأكثر بياضا من الغنم، كما كونت لجان أخرى لمحو الأمية!

 ولم تصادف هذه اللجان كثيرا من التوفيق: فقد استمرت الحيوانات البرية على سيرتها الأولى من التوحش، وكانت تتسم بالأنانية والاستغلال إذا ما أحسنت معاملتها! وقد ساهم القط في لجنة ترويض الوحوش البرية، وكان غاية في النشاط في هذا المجال، فطالما شوهد وهو يحث العصافير البعيدة عن متناوله على التآخي والإيمان بمبادئ الثورة! وإن ظلت جهوده في هذا الصدد لم تكلل بالنجاح!

 ومع ذلك فقد حققت لجان محو الأمية قدرا كبيرا من التقدم: فعندما أقبل الخريف كانت بعض الحيوانات قد أحرزت قدرا طيبا من التعليم، فالخنازير صارت على دراية تامة بالقراءة والكتابة، كما كانت الكلاب قادرة إلى حد ما على القراءة، وإن تركز اهتمامها بصفة خاصة على الوصايا السبع. وكانت العنزة موري أكثر منها إجادة لأصول القراءة، وعادة ما تقرأ في المساء لرفيقاته طرفا من أخبار الصحف القديمة، التي كانت بالمزرعة!

 كما كانت درجة إجادة بنيامين للقراءة تضارع مقدرة الخنازير، وإن كان عازفا عن إبراز موهبته في ذلك الشأن، وكان يردد دائما أنه على حد علمه لا يجد في الدنيا شيئا يستحق عناء البحث والقراءة.

 كما تعلمت كلوفر حروف الهجاء منفصلة التركيب، وإن عجزت على استيعابها في كلمات أو جمل مفيدة.

 أما بوكسر فقد توقفت قدرته الذهنية عند الحروف الأربع أ ب ج د، وكان يرسم هذه الحروف على التراب بحافره الكبير، ثم يحاول جاهدا أن يتذكر ما بعدها من حروف وهو يهز رأسه بعصبية، وتميل أذناه إلى الخلف دون أن يحالفه التوفيق، فإذا ما وفق مرة في تذكر قليل من الحروف، التي تليها فإن ذاكرته تكون قد لفظت الحروف الأولى التي طالما أنهك ذهنه في حفظها، ولذلك فقد قرر بلا رجعة التوقف عند الحروف الأربعة الأولى.

 أما المهرة مولى فلم تكن لتقبل على الدراسة، و لا تعرف من الحروف إلا تلك المكونة لاسمها، تظل تخطها على أوراق الشجر المتناثرة، ثم تنثر الزهور على مخطوطاتها، وتظل تخطل بينها بدلال جيئة وذهابا!

 أما الحيوانات الأخرى فلم تستطع أن تحفظ حرفا واحدا بعد حرف الألف. كما عجزت الغنم والحيوانات، التي على شاكلتها من الغباء كالدجاج والبط عن حفظ الوصايا السبع حفظا صحيحا، ومن أجل ذلك فقد عمد سنوبول إلى اختصار الوصايا في حكمة واحدة هي: “ذوات الأربع أخيار! ذوو القدمين أشرار”! وهي خلاصة المذهب الحيواني في رأيه، تعصم الحيوانات التي تعيها من الوقوع تحت التأثير الإنساني.

 وقد احتجت الطيور على هذا الاختصار، الذي لم يتضمنها – كالوصايا السبع – بنص صريح، فهي لا تدب على أربع أرجل، ولكن سنوبول جادلها في ذلك شارحا لها أن أجنحة الطيور إنما هي من قبيل أجهزة الحركة والانطلاق، وليست أيدي للامساك واقتراف الإثم كالإنسان، ولذلك فإنها تعتبر أرجلا!

 ولم تكن الطيور لتفهم فحوى هذا الجدل المنطقي، إلا أنها تقلبت هذه الفكرة في صورتها البسيطة، وعمدت إلى تعلم الوصية التي جمعت فأوعت، وظلت تردد لأنفسها لساعات طوال دون كلل أو ملل “ذوات الأربع أخيار! ذوو القدمين أشرار”!

 ظل نابليون غير مهتم بلجان سنوبول مدعيا انه لا جدوى في تعليم الحيوانات الكبيرة السن، وأن الاشتغال بذلك إضاعة للجهد والوقت، والرأي عنده أن الحيوانات الصغيرة السن أولى بالتدريب والتعليم!

 وبعد موسم الحصاد وضعت الكلبتان جيسي وبلوبل تسعة جراء، وحينما بلغت هذه الجراء سن الفطام أبعدها نابليون عن الكلبتين واستحوذ عليها ليتولى بنفسه مسؤولية تعليمها. وقد عزلها عن بقية حيوانات المزرعة في حجرة مهجورة تعلو مخزن الأدوات، لا يمكن الوصول إليه إلا بسلم. وسرعان ما نسيت الحيوانات أمر وجودها، وانشغلت الحيوانات في أمور جديدة: فقد فطنت أخيرا إلى سر اختفاء اللبن، وعرفت أن الخنازير تختص به في أكلها، وكذلك كان الأمر بالنسبة لبواكير محصول التفاح، فقد أصدرت الخنازير أمرها بجمع ما تقذفه الرياح منه وتقديمه لأكل الخنازير وحدها، وقد أثار هذه التمييز سخط الحيوانات، فقد كان المفهوم أنه سيوزع بالتساوي، إلا أن الخنازير كانت قد أجمعت رأيها على هذا القرار بدون استثناء، بما في ذلك سنوبول ونابليون معا، فلم تجد الحيوانات بدّا من الإذعان. وقد بعثت الخنازير سكويلر مندوبا عنها لإقناع الحيوانات بشرعية هذا الإجراء فأمر بجمعها، ثم خطب فيها قائلا:

 أيها الرفاق، حاشى لكم أن تظنوا أن مبعث هذا الإجراء من قبيل الأثرة. فإن كثير من الخنازير لا تطيق طعم اللبن أو التفاح، وإنني شخصيا من هذه الزمرة! إلا أننا مضطرون لذلك اضطرارا. فإن الغرض الحقيقي وراء هذا القرار هو حفظ صحتنا معشر الخنازير وفقا للأصول الطبية، التي تحتم تقديم مثل هذه الوجبات، إبقاء على طاقتنا الذهنية، حتى نتمكن من مواصلة أعمالنا في التنظيم و الإدارة والأعمال المناطة بنا، والتي تعتمد عليها المزرعة.

 فكما ترون أيها الرفاق: من أجلكم أنتم نشرب نحن اللبن ونأكل التفاح! أ لا تعلمون ما الذي يمكن أن يحدث لكم إذا ما فشلت الخنازير في مهامها ؟ إن جونز يعود ثانية، نعم جونز بنفسه أيها الرفاق!

 وكان يخطب وقد أخذه الحماس فهوى ذيله على حين ينتفض من جانب لآخر! واستطرد: من منكم أيها الرفاق يرغب في عودته؟

 وبالتأكيد لم تكن بين الحيوانات من تقبل هذا، ولذلك فقد أسرعت بالموافقة على قرار الخنازير في ضوء هذا الشرح، الذي أوضح ضرورة المحافظة على صحة الخنازير موفورة وتخصيص اللبن لها، وكذلك بواكير التفاح، بل محصول التفاح كله عند نضجه!الفصل الرابع

في أواخر الصيف ترامت الأنباء أحداث مزرعة الحيوانات، حتى غطت نصف مساحة إنجلترا، وفي كل يوم كان سنوبول ونابليون يرسلان حملات دعائية عن طريق الحمام إلى سائر الحيوانات، يحمل لها رسالة الثورة ويعلمها نشيد الثورة: “يا وحوش إنجلترا”.

 وفي ذلك الوقت كان مستر جونز قابعاً في حانة “الأسد الأحمر” في ويلنجدون، يبث شكواه لأي إنسان يقبل إضاعة وقته بالاستماع إليه يروى قصة حيوانات مزرعته الغبية، التي لا تصلح لشيء. وبرغم ذلك فقد استولت عليها!

 وعادة ما كان المزارعون يتعاطفون مع مستر جونز، وإن لم يبدوا أول الأمر اهتماماً جدياً بمساعدته، بل إن كثيراً منهم كان يحاول أن يصطاد في الماء العكر مستفيدا من مأساته، التي يظل يرددها!

 وكان من حسن حظ الحيوانات الثائرة أن جاريها صاحبي المزرعتين المحيطتين بها كانا دائما على علاقة سيئة بعضهما ببعض.

 وكان صاحب المزرعة الأولى، مستر بلنكنجتون، واسم مزرعته “فوكس وود”، وكانت متسعة الرقعة، إلا أنها مهملة وبدائية في إدارتها. كما كانت أشجارها معمرة، ومراعيها قد دب فيها التلف، وكذلك كانت أسوارها في أسوأ حال، وكان مالكها مستر بلنكنجتون من الأعيان المرفهين، الذين يقضون جل وقتهم في الصيد والرحلات!

 أما المزرعة الأخرى “بنشفيلد” فقد كانت أصغر حجما وأحسن إدارة، يملكها مستر فردريك، وهو رجل سيئ المعاملة، له الكثير من المنازعات القضائية، متشدد ذو دهاء.

 وكان الجاران خصمين لدودين، وعلى خلاف دائم، ولو تعرضت في سبيل ذلك مصالحهما لأبلغ الضرر!

 ولما دبت الثورة في مزرعة مستر جونز، التي تجاورهما فقد خشيا تمرد حيواناتهما، ولذلك فقد كانا شديدي الحرص على إخفاء ما يتعلق بهذه الثورة عنها، وكانا يتظاهران في أول الأمر بعدم الاهتمام بانقلاب الحيوانات، ويسخران من فكرتها، وكانا في قرارة نفسيهما متيقنين من فشل الثورة ، وأنها لن تدوم أكثر من أسبوعين، وأنها ستنتهي حتماً حينما تشرف هذه الحيوانات على الموت جوعاً. وكانا يصران على تسمية هذه المزرعة باسمها القديم “مانور” و لا يطيقان ذكر اسمها الجديد “مزرعة الحيوانات”!

 ولما تم نجاح مزرعة الحيوانات، ولم تتحقق نبوءة الجارين في فشلها السريع ابتدأ الجاران في التودد بعضهما إلى بعض، وأخذا يشيعان أبشع الإشاعات عن مزرعة الحيوانات، وكيف أن الحيوانات بها قد رجعت إلى سيرتها الأولى في التوحش، فأصبحت تأكل بعضها بعضاً، كما أصبحت الإناث فيها مشاعا لجميع الذكور!

 وأن مثل هذه الأحداث، إنما هي في رأيهما النتيجة المنطقية للخروج على ناموس الطبيعة!

 غير أن مثل هذه الشائعات لم تجد صداها بين الحيوانات في جميع المزارع الأخرى، التي كانت تفخر بالثورة وتتيه إعجاباً، حتى إنها كانت تنسب إليها أمجادا خيالية.

 ودبت حالة من التذمر والعصيان بين الحيوانات في عموم البلاد كلها، فقد توحشت الثيران، التي كانت طيعة. وحطمت الأغنام أسوار حظائرها والتهمت البرسيم عنوة. كما رفضت الأبقار الاستسلام للحلابين، وقذفت بالدلاء بعيدا. وأصبحت خيل الصيد عنيدة تمتنع عن القفز على الحواجز، فهي تتوقف أمامها فجأة، ملقية براكبيها على الأرض في الجانب الآخر من الأسوار!

 وذاع نشيد الثورة “يا وحوش إنجلترا” بسرعة مذهلة. ولم يستطع الآدميون كبح جماح غيظهم عند سماعه، وإن تظاهروا باستخفافهم بمحتواه! وزعموا أنه غاية في التفاهة بحيث يدهشون لتعلق الحيوانات به. وكانوا يجلدونها في الحال إذا ما ضبطوها متلبسة بالغناء!

 وبرغم هذه الإجراءات الصارمة فإن سرعة انتشار النشيد لم تتوقف، فالعصافير كانت لا تني عن ترديده من فوق الأشجار المحيطة بالمنازل والمزارع. والحمام يشدو به فوق أشجار الدردار. وفي أبراج الكنائس كانت الطيور تتغنى به، حتى أصبح النشيد ينغص على البشر حياتهم، وينذرهم بمصيرهم المحتوم!

 وفي أوائل أكتوبر، حينما فرغت الحيوانات بمزرعة الحيوانات من حصاد الحنطة وتأهبت لدرسها، إذ بها في ذات يوم تبصر بالحمام، وهو يطير إليها بسرعة ويحط بفناء المزرعة وينذرها – وهو في حالة فزع شديد- بأن جونز ورجاله وستة آخرين من مزرعتي فوكس وود و بنشفيلد قد دخلوا عبر البوابة الكبيرة، ذات العوارض الخمس، وهم يتجهون في طريقهم إلى مباني المزرعة، يقودهم جونز وهو مدجج بالسلاح، ومن الواضح أنهم يحاولون استعادة المزرعة!

 ولما كان مثل هذا الهجوم متوقعا، فان جميع الحيوانات كانت معدة لصده. وكان سنوبول قد قرأ كتابا قديما بالمزرعة عن الخطط الدفاعية في معارك يوليوس قيصر، ووزع في ضوئه خطة الدفاع وأدوار المدافعين. وعندما أصدر سنوبول أمره بالتنفيذ، كان كل في موقعه.

 وحين اقترب الرجال من مباني المزرعة شن سنوبول هجومه الأول: فقد حومت خمس وثلاثون حمامة فوق رؤوس المهاجمين، وعلى ارتفاع منخفض وهي تلقي بقاذوراتها عليهم. وبينما الرجال يتعجبون لهذا الهجوم المفاجئ، خرج عليهم الإوز من مكمنه خلف السور، وهو يعضهم بوحشية في عضلات أرجلهم.

 ولم يكن مثل هذا الهجوم الخفيف، إلا من قبيل المناوشات التي تسبق المعركة، بغرض إيقاع الارتباك في صفوف المهاجمين!

 وقد صد الرجال هجوم الإوز والحمام بعصيهم الغليظة بسرعة وسهولة. عندئذ شرع سنوبول في تطبيق خطة الهجوم الثانية، فقد خرج بنيامين وموريل وجميع الغنم يتصدرهم سنوبول، وقابلت الرجال بالنطح والنخس والرفس من كل صوب وفي كل مكان، ولكن الرجال قد تمكنوا أيضا من صدهم بعصيهم وأحذيتهم.

 وبصرخة من سنوبول متفق عليها كإشارة انسحاب فرت الحيوانات إلى فناء المزرعة!

 وهلل الرجال بالنصر السهل السريع، فقد غرهم فرار الحيوانات أمامهم، وانطلقوا يتعقبونها بغير نظام، وكان ذلك ما يرمي إليه سنوبول تماما، وما كاد الرجال يدخلون إلى الفناء، حتى خرجت عليهم فجأة الخيول الثلاث والبقرات الثلاث وبقية الخنازير، التي كانت مختبئة بمكمنها في حظيرة البقر، وقطعت عليهم خط الرجعة.

 وأعطى سنوبول إشارة الهجوم، وانطلق بنفسه هاجما على مستر جونز، الذي لمحه فبادره برصاص بندقيته، وأصابه بإصابة سطحية في ظهره. كما أصابت رصاصته الطائشة نعجة فاردتها قتيلا.

 وبدون تردد وبرغم إصابته قذف سنوبول بكل ثقله على قدمي مستر جونز، الذي انكفأ على وجهه في الروث، على حين طارت بندقيته بعيدا عن يديه!

 أما المنظر الذي كان رهيبا حقا فهو بوكسر، الذي أقعى على رجليه الخلفيتين ضاربا أعداءه برجليه الأماميتين دواتي الحدوات الحديدية. وقد أصابت ضربته الأولى جمجمة عامل إسطبل من مزرعة فوكس وود، فانطرح على وجهه أرضا في الوحل لا أثر فيه للحياة!

 وكان لهذا المنظر أثره على بعض الرجال، الذين انتابهم الذعر، فألقوا بعصيهم وهم يحاولون الفرار. وما لبث الحيوانات أن انطلقت تعدو في إثرهم في فناء المزرعة، وهي تعضهم وترفسهم وتنطحهم وتدوس من يقع منهم على الأرض!

 وكان كل حيوان منها يمارس طريقته الخاصة في الانتقام! وكذلك فقد قفز القط من فوق السور على كتفي رجل من رعاة البقر وأنشب أظفاره في عنقه مما جعله يصرخ بشدة!

 وعند اللحظة الأولى، التي استبان الرجال مخرجا لهم من فناء المزرعة، انطلقوا نحو البوابة يبغون النجاة إلى طريق!

 وهكذا انجلت المعركة بعد خمس دقائق عن فرار الرجال من حيث أتوا، يشيعهم الإوز بالعض في أرجلهم! وبقى عامل الإسطبل الذي طرحه بوكسر في الوحل منكفئا على وجهه، على حين كان يحاول بوكسر أن يقلبه، والرجل لا يبدي حراكا.

 وبدأ على بوكسر التأثر الشديد، وصاح بصوت متهدج: لقد مات و لم أكن أتعمد قتله! فقد نسيت أن في رجلي حدوة حديدية! من سيصدق أنني لم أكن اتعمد قتله؟

 وطيب سنوبول خاطره قائلا: لا عليك من العواطف أيها الرفيق! فان الحرب هي الحرب، ولن تجد في البشر إنسانا صالحا، إلا الموتى منهم!

 فأجابه بوكسر وعيناه مبللتان بالدموع: إنني لا أطيق القتل حتى لو كان آدميا!

 ثم صاحت فجأة إحدى الحيوانات: أين مولى؟

 وكانت مولى بالفعل متغيبة طوال المعركة وبعدها، وانشغلت الحيوانات بأمرها، فربما أصابها أو اختطفها أحد من الرجال. وأخيرا عثرت عليها الحيوانات وهي مختبئة في مخزن الدريس، وقد دفنت فيه رأسها من الذعر، منذ أن سمعت دوى الرصاص!

 وحينما أطمأنت الحيوانات لوجودها سليمة رجعت (ثانيا) إلى الفناء، وكان العامل المطروح قد اختفى، وقد انتهز فرصة غيابها، ففر بجلده بعد أن أفاق!

 واجتمعت الحيوانات بعد ذلك وقد استبد بها الحماس، تحكي كل منها عن دورها في المعركة، وبدون إعداد سابق احتفلت احتفالا حماسيا مرتجلا بالانتصار، ورفعت العلم، واستمرت في ترديد نشيد “يا وحوش انجلترا” مرات متتاليات! كما أقامت جنازة مهيبة للنعجة القتيل، وقامت بدفنها، ثم زرعت على قبرها نبات الصبار! وألقى سنوبول على قبرها كلمة مقتضبة عن وجوب الفداء والتضحية في سبيل الحق والعدالة!

 واتفقت بالإجماع على توزيع النياشين الحربية للأبطال من مرتبة “بطل البهائم” من الطبقة الأولى تخليدا للانتصار، واتفق على منحه لسنوبول وبوكسر. وكانت الاوسمة عبارة عن حليات نحاسية كان مستر جونز يزين بها خيوله عند خروجه أيام الآحاد. كما اتفق على منح النعجة النافقة وسام “بطل البهائم” من الدرجة الثانية!

 وبعد نقاش طويل اتفق على تسمية المعركة، التي انتهت بالنصر بـ”معركة زريبة البقر” تيمنا بالزريبة التي اختبأت فيها، وباغتت منها عدوه!

 وقد وجدت الحيوانات بندقية مستر جونز في الوحل، فقررت الحيوانات استعمالها كمدفع يطلق في المناسبات، كما كان لديها ذخيرة من الخرطوش في مخزن مستر جونز.

 وقررت الحيوانات تثبيت البندقية تحت سارية العلم، و أن يحتفل بإطلاقها مرتين في العام، الأولى في ذكرى معركة “زريبة البقر” في اليوم الثاني من أكتوبر، والأخرى في يوم عيد ثورتها ضد جونز.الفصل الخامس

أقبل الشتاء وأصبحت مولى مصدرا للمتاعب أكثر باطراد، فهي تتأخر عن مواعيد العمل كل صباح، وتنتحل الأعذار المختلفة: أحيانا بدعوى تأخرها في الاستيقاظ ، وأحيانا أخرى بدعوى أنها تعاني آلاما شديدة برغم ما تتمتع به من شهية ممتازة عند الأكل!

 وكانت تختلق شتى المعاذير لتترك العمل، ثم تجري إلى البركة تتطلع طويلا في صفحة المياه إلى صورتها! ثم سرت بين الحيوانات إشاعات خطيرة عن صلاتها المريبة!

 وبينما كانت مولى تتطلع إلى جمال ذيلها وهي تمضغ الدريس، أقبلت عليها كلوفر وانتحت بها جانبا، وهي تنبئها أن لديها الخطير من الأمور: فقد شاهدتها من بعيد عند الصباح وهي تنظر نحو السور، الذي يفصل مزرعة الحيوانات عن مزرعة فوكس وود، كما شاهدت أحد رجال بلكنجتون يتحدث إليها عبر السور!

 وتسألت كلوفر: ما معنى ذلك يا مولى.

 وهنا تلجلجت مولى قائلة: لم يكلمني أحد! لم أكن هناك، هذا زور وبهتان! قالت هذا وهي تشب برأسها ثم تحفر الأرض بحافرها.

 وقاطعتها كلوفر: انظري في عيني! هل تقسمين أن هذا الرجل لم يكن يداعب أنفك؟

 فردت مولى وهي تشيح بوجهها: إن هذا ليس صحيحا. ثم انطلقت تعدو هاربة في الحقل!

 ولاح خاطر بذهن كلوفر، فانطلقت في صمت إلى مربط مولى، وقلبت القش بحافرها، فوجدت تحته قطعا من السكر ولفات من الشرائط المختلفة الألوان!

 وبعد ثلاثة أيام من هذا الحادث اختفت مولى من المزرعة، ثم علمت الحيوانات بعد ثلاثة أسابيع من هروبها بنبأ وجودها في الجانب الأخر من بلدة ولنجدون. فقد رآها الحمام وهي مسرجة إلى عربة صغيرة حمراء خارج مبنى بلدية المدينة، على حين كان رجل سمين أحمر الوجه يشبه عمال البلدية يداعب أنفها، ويطعمها بقطع السكر، كما كان عليها سرج أنيق ويزين معرفتها شريط أرجواني، وكانت تبدو عليها معالم السعادة الغامرة!

 هكذا قال الحمام، وبعد ذلك لم يعد أحد بالمزرعة يتحدث بشيء عن مولى!

 وفي يناير كان الطقس قاسيا، وكانت الأرض مغطاة بطبقة صلبة من الجليد، ولم يعد بالحقل عمل يؤدي، مما أتاح للحيوانات فرص الالتقاء في اجتماعات طويلة بالحظيرة الكبرى.

 وكانت تدور المناقشات حول برامج عمل الموسم المقبل، وكان من المسلم به بين الحيوانات أن تترك رسم سياسة إدارة المزرعة إلى الخنازير، لما تتمتع به من ذكاء!

 وكانت هذه السياسات تطرح بعد ذلك للتصويت، وتقرر بأغلبية الآراء، وربما قدر لهذا الأسلوب النجاح، لولا النزاع القائم والمستمر بين سنوبول ونابليون، إذ يتربص كل منهما بالآخر: فإذا ما اقترح احدهما زراعة الشعير، احتج الآخر بتفضيل زراعة القرطم! وإذا ما قال أحدهما أن أرضاً معينة تصلح لزراعة الكرنب، احتج الآخر بأنها لا تصلح إلا للبطاطس!

 وكان لكل منهما أتباعه، الذين يناصرونه بحماس عند التصويت. وكانت لسنوبول دائما الغلبة عند الاقتراع نظرا لبراعته الجدلية، برغم ما يتمتع به نابليون من براعة في التخطيط وحشد الأنصار.

 وكانت الأغنام تدين له بالزعامة، ولهذا فقد كان يوعز أليها بمقاطعة سنوبول في اللحظات الحاسمة بهتاف غريب “ذوات الأربع أخيار.. وذوو الرجلين أشرار”!

 وفي حقيقة الأمر فان سنوبول كان باحثا مجتهدا، وقد درس باستفاضة أعدادا من المجلات المتخصصة في أصول الزراعة والتربية الحيوانية، سبق أن وجدها في مخلفات مستر جونز، وكانت لديه مشروعات عدة لتحسين الصرف وأصول التخزين، وتسميد الأراضي.

 وقد قام بوضع خطة معقدة تقوم بتنفيذها جميع الحيوانات بقضاء حاجتها من الروث مباشرة في الأوقات والأماكن الإستراتيجية من الحقل، اختصارا للجهد في عمليات النقل. ولم يكن لنابليون خطط مثيلة، إلا انه اتهم سنوبول بالتعويق وحب الجدل وإضاعة الوقت!

 وكان من اعصف الخلافات بين الخنزيرين ما دار بينهما من مناقشة بخصوص مشروع طاحونة هوائية. ففي المرعى الممتد أشار سنوبول إلى بقعة معينة من الأرض قريبة من الربوة بعد أن اختبر تربتها، وزعم أنها المكان الأمثل لتشييد الطاحونة، التي يمكن منها توليد الكهرباء لإنارة الحظائر ولتدفئتها في الشتاء، كما يمكن بها تركيب منشار كهربي لنشر الأخشاب، وكذلك مطحنة، وآلة لدرس الغلال، وكذلك إدخال آلات الحلب الكهربائي، وهي أمور لم تكن الحيوانات قد سمعت بها من قبل.

 فهي تعيش بمزرعة عتيقة، كل ما بها من أدوات وآلات بدائي للغاية، ولذلك فقد استبدت بها الدهشة وهي تسمع لشرح سنوبول عن آلاته العجيبة، التي ستقوم بالأعمال الشاقة بدلا منها على حين ترعى هي في سلام وتستغل أوقات فراغها في الثقافة والتفكير!

 وفي غضون أسابيع قليلة كان سنوبول قد انتهى من رسمه لتصميم الطاحونة، مستعينا في التفاصيل الآلية (الميكانيكية) بثلاثة مراجع قديمة بالمزرعة، هي: “ألف شيء يمكنك القيام به في منزلك”، و “كل رجل يستطيع أن يبني بنفسه”، و “علم الكهرباء للمبتدئين”.

 وقد اتخذ سنوبول مكتبا خاصا لتنفيذ رسومه في حجرة صغيرة كانت تستعمل قديما كحضانة للبيض ذات أرضية خشبية. وكان سنوبول يخلو لنفسه لساعات طوال بين كتبه، وبين فتحة ظلفه إصبع من الطباشير يخطط به على الأرض، وهو في حالة انفعال شديد! وبمرور الأيام تحولت تلك الخطوط إلى رسوم معقدة ذات تروس وأعمدة تملأ نصف أرضية الحجرة!

 ولقد كانت الحيوانات وكذلك الطيور تحضر للمرسم كل يوم مرة على الأقل تمعن في الرسم، وكان من منغصات حياتها أنها لا تستطيع أن تقرأ رموزه!

 أما نابليون فقد أحجم عن الحضور أو مشاركة الحيوانات في اهتمامها، كما أعلن صراحة أنه يعارض فكرة إقامة الطاحونة.

 وذات يوم دخل إلى حجرة الرسم وتطلع متهكما برسوم التصميم، ودار حولها بتؤدة وتمعن، ثم توقف في ركن الحجرة ناظرا إليها (ثانية) بطرف عينه، ثم رفع فجأة إحدى رجليه و بال عليها، ثم خرج بعد ذلك دون أن ينبس بكلمة!

 وكعادة الحيوانات في الخلاف على الرأي، فقد انقسمت على أنفسها ما بين مؤيد للبناء ومعارض، وخصوصا أن سنوبول نفسه لم ينكر الصعوبات الجمة، التي تعترض تنفيذ مشروعه. حيث انه على الحيوانات أن تحمل الأحجار إلى الموقع ثم تبنيها وفقا للتصميم، كما أن هذه الطاحونة تحتاج إلى مراوح لكي تعمل، وكذلك ينبغي إيجاد الأسلاك الكهربائية والمولد الكهربائي.

 ولم يكن سنوبول قد ذكر الكيفية، التي يمكنها بها الحصول على الأدوات الكهربائية. وقد قطع سنوبول على نفسه العهد بالانتهاء من بناء الطاحونة في ظرف عام واحد.

 أما نابليون فقد أعرب عن رأي مخالف في ضرورة ترك الكماليات من الأمور إلى الضروريات: كمضاعفة العمل لزيادة إنتاج الحاصلات الغذائية. وقد أبدى تخوفه إذا ما وجهت الحيوانات جهودها في بناء الطاحونة أن ينخفض الإنتاج الغذائي، ومن ثم تتعرض للمجاعة، وانقسمت الحيوانات إلى فريقين لكل منهما شعاره:

 الفريق الأول يدعو لمشروع سنوبوبل، الذي يحقق خفض عدد أيام العمل بالأسبوع إلى ثلاثة فقط، ورفع المعارضون شعار نابليون في العمل على زيادة الإنتاج.

 وكان الوحيد الذي بقى على الحياد في هذه المهاترات هو الحمار بنيامين، الذي كان يشك في إمكانية تحقيق البرنامج الأول من تشييد الطاحونة وما يتبعها من تخفيض ساعات العمل، وكذلك البرنامج الآخر وإمكانية زيادة الإنتاج. وكان يقول: إن الحياة هي الحياة بكل ما فيها من شقاء، سواء شيدت الطاحونة أو لم تشيد!

 وبجانب المناقشات العنيفة عن الطاحونة، فقد دارت بالمزرعة مناقشات مثيرة حول ضرورة تحصين المزرعة استعدادا لجولات أخرى قد يقوم بها الآدميون لإعادة مستر جونز إلى مزرعته (ثانيا) للثأر من هزيمتهم في معركة حظيرة البقر!

 وكانت الحيوانات ترجح أن يقوم الآدميون بمثل هذه المحاولات بعد أن انتشرت أخبار المعركة، مما أوجد روحا من المقاومة السلبية بين عامة حيوانات المملكة.

 وكما هو الحال دائما فان خلافا قد نشب بين نابليون وسنوبول: فقد كان رأي الأول هو ضرورة جلب الأسلحة وتمرين الحيوانات على كيفية استعمالها، على حين كان رأي سنوبول إرسال بعثات دعائية من الحمام ونشر مبادئ الثورة بين الحيوانات الأخرى في جميع المزارع.

 واحتج نابليون بأن التسليح أمر حيوي، وإذا ما عجزت الحيوانات عن الدفاع عن أنفسها فإن مصيرها المحتوم آت لا ريب!

 وكانت الحيوانات تستمع للرأيين، وإن كانت لا تستطيع أن تستقر على رأي أي منهما. فقد كانت الحيوانات في حالة انسجام وقتي مع كلا المتكلمين حتى ينتهيا من حديثهما.

 وأخيرا حل اليوم الذي انتهى فيه سنوبول من إتمام تصميماته، وفي صباح يوم الأحد اجتمعت الحيوانات بمبنى الحظيرة للتصويت على فكرة ابتداء العمل بالطاحونة، وبينما كان سنوبول منهمكا في عرض أفكاره أخذت الأغنام تقاطعه من وقت لآخر. ثم وقف نابليون معارضا وشارحا أن المشروع محض هراء! وأنه ينصح زملاءه بالتصويت ضده، ثم جلس (ثانيا) في مكانه بعد أن تكلم ثلاثين ثانية، غير مكترث بما تركته كلمته من اثر!

 وعندئذ قام سنوبول مدافعا عن فكرته، وحينما ابتدأت الأغنام في مقاطعة حديثه صرخ فيها طالبا الصمت، وقد قدم عرضا وافيا لما يمكن أن تؤديه الطاحونة لرفع مستوى معيشة الحيوانات، وتخفيف أعباء العمل في عبارات رشيقة، وأطلق العنان لخياله في المستقبل الذي يحلم به بعد اكتمال البناء، وقد استأثر بقلوب سامعيه حينما تكلم عن كيفية الاستعانة بالكهرباء في الدراس والطحين وإنارة الحظائر وتسخين المياه وتبريدها!

 وفي هذه اللحظة الحاسمة وقف نابليون ملقيا نظرة ذات مغزى على غريمه سنوبول، وأطلق من حنجرته نداءً مبحوحا بنغمة لم يألفها منه أحد من قبل!

 وفي الحال سمع الحضور أصوات نباح مخيف، أعقبه دخول تسعة كلاب شرسة إلى مبنى الحظيرة، وفي أعناقها أطواق مطعمة بالنحاس، واتجهت الكلاب إلى حيث يجلس سنوبول، الذي فر مذعورا، وما كاد يفلت من أسنانها بقفزة سريعة!

 وفي لحظة كان سنوبول يولي الأدبار والكلاب في أثره، على حين تجمعت الحيوانات عند الباب لمشاهدة مجريات الأحداث، وهي في حالة شديدة من الرعب. وكان سنوبول يوالي الفرار عبر المراعي متجها إلى الطريق العام في أقصى سرعة يستطيعها خـنـزيـر، والكلاب في أعقابه، وزلقت رجله فوقع، ثم نهض مواليا العدو، وقد كاد كلب منها يطبق فكيه على ذيله، ثم ضاعف سنوبول من جريه ودلف عبر حفرة قريبة من سور المزرعة إلى الخارج. وكان هذا المشهد هو آخر عهد الحيوانات به!

 وفي صمت ورعب زحفت الحيوانات عائدة إلى أماكنها بحظيرة الاجتماع. وبعد فترة وجيزة عادت الكلاب (ثانيا) ولم تدر بخلد الحيوانات من أين وردت هذه الكلاب؟

 ثم أسعفتها ذاكرتها بأن هذه الكلاب إنما هي بعينها الجراء، التي ولدتها جيسي وبلوبل، والتي عزلها نابليون وأخذ على عاتقه مسؤولية تربيتها!

 وبرغم أن هذه الكلاب لم تكن قد بلغت بعد تمام نموها، فإنها كانت في ضخامة الذئاب ووحشيتها. واقتربت الكلاب من نابليون وهي تهز ذيلها له، كما اعتادت أمـهـاتـهـا أن تفعل في حضور مستر جونز!

 ثم اعتلى نابليون كومة من القش في المكان المرتفع نفسه من القاعة، الذي اعتلاه ماجور من قبل تتبعه كلابه، وأعلن أنه منذ هذه اللحظة فإنه يأمر بتوقف اجتماعات يوم الأحد الصباحية، فهي في رأيه إضاعة للوقت من غير جدوى، وذكر أنه بخصوص المستقبل فإن شتى المشاكل المتعلقة بالعمل في الحقل ستكون من اختصاص لجنة من الخنازير تحت رئاسته لدراستها في اجتماعات مغلقة، على أن تُبلغها فيما بعد.

 وأصبح النظام الجديد هو أن تجتمع الحيوانات في صباح أيام الآحاد لتحية العلم وترديد نشيد “ياوحوش إنجلترا”، ثم تتلى عليها الأوامر الصادرة بخصوص عمل الأسبوع كله بلا مناقشات.

 وصاحب الرهبة والذهول التي تملكت الحيوانات بعد التخلص من سنوبول أشد الاستياء لهذه القرارات، وربما اعترض بعضها، وقد كانوا أجرياء أن يعترضوا على هذه القرارات لو تهيأ لهم صياغة الاعتراض، حتى بوكسر نفسه فقد أبدى اكتأبه وامتعاضه بأن أرجع أذنيه للخلف، وهز رأسه طويلا يمينا ويسارا، وحاول أن يفصح عن أفكاره، ولكنه لم يجد في النهاية ما يقوله، وبرغم ذلك فإن بعض الخنازير كانت أكثر إفصاحا عن غضبها، فقد صدرت عن أربعة منها صيحات الاستياء، وقد وقفت على أرجلها الخلفية، وحينما ابتدأت في عرض وجهة نظرها تحركت الكلاب، التي كانت تجلس حول نابليون وصدرت عنها زمجرة عميقة، فسكتت الخنازير في الحال، واستسلمت للصمت، ثم انطلقت الأغنام في ثغاء عال تردد شعارها المختار: “ذوات الأربع أخيار! ذوو الرجلين أشرار!” ربع ساعة، مما استحالت معه أية محاولة أخرى للاحتجاج!

 وبعد انفضاض الاجتماع توجه سكويلر إلى الحيوانات، ليشرح لها الوضع الجديد مبتدئا كلامه بأنه على ثقة أن رفيقاته من الحيوانات تفهم تماما مدى تضحية الرفيق نابليون بقبوله الأعباء الإضافية، التي لابد أن تقع على عاتقه، وقال لها: لا تتصوروا أيها الرفاق أن أعباء الزعامة سهلة أو هينة أو أنها من الأمور التي تبعث على السعادة! إن الرفيق نابليون هو أول من يؤمن بأن الحيوانات كلها سواسية، وكان بوده أن يترك لها حرية اتخاذ القرارات، إلا أنه يخشى عليها مغبة اتخاذ الحلول الخاطئة! وتسأل سكويلر: كيف تكون الحال لو أنكم اتبعتم سنوبول وأحلامه المضللة، وهو كما تعلمون لا يزيد عن كونه مجرما؟

 وقاطعته إحداها بأن سنوبول قد أبلى بلاءً حسنا في معركة “زريبة البقر”.

 فرد عليها: بأن الشجاعة وحدها لا تعني شيئا، فان صفات أخرى كالإخلاص والطاعة هي أكثر أهمية. واستمر في حديثه فقال: أما بخصوص المعركة فسيحين الوقت الذي فيه تعرفون أن كثيرا من المبالغات قد نسجها الخيال حول دور سنوبول! إن النظام أيها الرفاق، بل النظام الحديدي هو سندنا، فان أعدائنا يتربصون بنا، وعند الكبوة الأولى من جانبنا فإنهم سيطبقون علينا. أيها الرفاق، هل تقبلون عودة مستر جونز (ثانيا)؟

 ومن غير شك فلم تكن الحيوانات لترغب في ذلك، وقد أفحمتها حجج سكويلر، وانه لا بأس من التضحية بندوات يوم الأحد، إذا ما كان في الاجتماعات ما يهدد بعودة جونز وعصابته!

 وعندئذ تكلم بوكسر وقال: إذا ما كان الرفيق نابليون قد بعثك بهذه الحجة فلا شك أنه صادق. ومنذ ذلك التاريخ فان بوكسر اتخذ لنفسه شعار: “نابليون دائما على حق”، بجانب شعاره الخاص “سأعمل أكثر”!

 ثم اقبل الربيع، وابتدأت الحيوانات في حرث الأرض، على حين كان المرسم الذي سبق أن خصصه سنوبول لنفسه مازال مغلقا، وقد نسيت الحيوانات كل ما يتعلق بمشروع الطاحونة بعد أن ظنت أن تلك الرسوم قد محيت من الأرض.

 وفي صباح يوم أحد كانت الحيوانات تجتمع في الحظيرة الكبيرة، لتستمع إلى الأوامر الأسبوعية، وقد أصبح برنامج ذلك اليوم يبتدئ برفع العلم، ثم المرور في طابور تنحني فيه الحيوانات أمام جمجمة ماجور العجوز، التي كانت قد أخرجتها من قبره، وثبتت على قاعدة، ثم وضعت تحت العلم بجوار البندقية، ثم تدخل بعد ذلك إلى الحظيرة الكبرى، ولم تعد الحيوانات تخلو بعضها إلى بعض في اجتماعات تتبادل فيها الرأي، كما كان يحدث سابقا، فقد كان نابليون يتصدر المجلس وبجواره سكويلر في جانب ومينيمس وهو خنزير ضخم في الجانب الآخر، كانت له موهبة ممتازة في تأليف الأغاني والأشعار وتحيط بالثلاثة الكلاب التسعة على هيئة نصف دائرة، على حين تجلس بقية الخنازير خلفها، أما بقية الحيوانات الأخرى فقد كانت تجلس في مواجهة نابليون، الذي كان يتلو عليها الأوامر الأسبوعية في أسلوب بلاغات عسكرية! ثم ينفض الاجتماع بعد ترديد نشيد “ياوحوش انجلترا”.

 وبعد ثلاثة أسابيع من طرد سنوبول فوجئت الحيوانات ببلاغ من نابليون في صباح يوم الأحد ينبئها فيه بوجوب الابتداء في بناء الطاحونة بدون إبداء الأسباب. وقد حذرها من ضخامة العمل، الذي ستقدم عليه ومن وجوب التضحية في سبيله بما في ذلك احتمال تخفيض وجباتها الغذائية! وذكر أن لجنة خاصة من الخنازير قد قبعت في الأسابيع الثلاثة الأخيرة لإعداد المشروع الجديد بعد إدخال كثير من التعديلات والتحسينات عليه، مما يحتمل معه امتداد فترة التنفيذ إلى عامين.

 وفي المساء جمع سكويلر الحيوانات، وذكر لها انه في حقيقة الأمر لم يكن الرفيق نابليون معارضا بتاتا للمشروع، بل أن العكس هو الصحيح، وان فكرة إنشاء الطاحونة كانت من وحيه هو، كما أذاع أن الرسوم الخاصة بها كانت قد سرقت من بين أوراقه، وان المشروع من بدايته إلى منتهاه إنما هو في الحقيقة من ابتكاره!

 وهنا قاطعته إحداها بقولها: إذا كان الأمر كذلك ففيم إذن كانت كل معارضة نابليون للمشروع ؟

 فحدج سكويلر بخبث وقال: إنكم لا تعلمون بعد أيها الرفاق مدى دهاء الزعيم بكل بساطة! لقد كان نابليون يتصنع مثل هذه المعارضة، ليتخلص بها من سنوبول ومن تأثيره السيئ وأخلاقه الذميمة! إن ما قام به نابليون هو ما يسمى بالمناورات! تكتيك.

 ثم قال سكويلر: و الآن فقد حان وقت العمل بدون إبطاء، وكان سكويلر منفعلا ويميل بجسمه من جانب إلى آخر، ويهز ذيله بعصبية، ويطلق ضحكات صاخبة!

 ومع أن الحيوانات لم تفهم ماذا كان يعني سكويلر بلفظ مناورات.. تكتيك، فان طريقته في الإلقاء وما حوله من الكلاب الثلاثة التي تصحبه لم تدع أمامها من سبيل إلا الاقتناع.الفصل السادس

كانت الحيوانات تعمل كالرقيق طوال العام، ولكنها كانت سعيدة، برغم ذلك لا تحجم عن التضحية وبذل المزيد من جهودها، فهي موقنة أن هذه التضحيات كانت من اجلها ومن اجل ذريتها، وليست نهبا للآدميين الكسالى المستغلين!

 وخلال فصلي الربيع والصيف كانت تعمل ستين ساعة في الأسبوع، وفي أغسطس أعلن نابليون عن وجوب العمل بعد ظهر أيام الآحاد أيضا على سبيل التطوع وبمحض الاختيار الحر!

 غير أن الحيوانات، التي لا تريد أن تتطوع لن يقدم لها إلا نصف وجباتها المعتادة من الطعام! ومع كل هذا العمل المستمر فإن الحيوانات قد عجزت عن الانتهاء من أداء جميع المهام الملقاة على عاتقها، والتي ينبغي الانتهاء منها قبل حلول الشتاء، ومنها حقلان حان شغلهما بالخضروات في مطلع الصيف، إلا أنها كانت قد تأخرت عن ذلك نظراً لعدم حرثهما في الوقت المناسب، ولما كان محصول العام الماضي أيضاً أقل من سابقه فإنه لم يكن من العسير التنبؤ بشتاء شديد قسوة، كما اعترضت الحيوانات صعوبات لم تكن منتظرة في بناء الطاحونة برغم توافر المواد الأولية اللازمة للبناء في المزرعة كالأحجار والرمل والجير، إلا أنه كان يتعين عليها تحطيم الأحجار إلى أحجام مناسبة للبناء ثم نقلها إلى موقع العمل، ولم يكن أمامها إلا استعمال المعاول والعتل، وهو ما لا يمكنها استخدامه نظرا لما يقتضيه ذلك من ضرورة الوقوف على أرجلها الخلفية والإمساك بالآلات بالأرجل الأمامية كما يفعل البشر.

 وأخيرا اهتدت الحيوانات إلى فكرة صائبة لتحطيم الأحجار باستخدام خاصية الجاذبية الأرضية: وذلك برفع الأحجار الضخمة من المحجر، الذي في أسفل التل بالحبال. تتعاون في ذلك الحيوانات من بقر وخيل وغنم، وربما ساعدتها الخنازير في أوقات الأزمات.

 وكانت تربط الكتل الضخمة من الأحجار بحبال، ثم تجرها إلى أعلى التل ببطء، حتى إذا ما بلغت القمة عادت، فتركت الحبال لتسقط الأحجار وهي تتهشم في سقوطها إلى السفح، ثم تقوم بجمع هذه الأحجار الصغيرة ونقلها كلُّ وفق طاقته: فالخيل كانت تجر العربة بعد تحميلها، على حين كانت الغنم تحمل ما تطيقه منها، كما كان بنيامين وموريل يستخدمان عربة الأطفال في ذلك الغرض، وينقلان الحجار إلى موقع البناء.

 وفي أواخر الصيف كان قد تجمع من الأحجار ما يكفي بناء الطاحونة، وقد شرعت في ذلك تحت إشراف الخنازير! ولم يكن من الممكن إتمام هذا العمل الشاق لولا معونة بوكسر، الذي كانت قوته منفردا تقابل قوة بقية حيوانات المزرعة مجتمعة! وكان بوكسر يساهم بالنصيب الأكبر في رفع الكتل الضخمة إلى أعلى بالحبال يشدها وهو يصعد، وتتلاحق أنفاسه بين إعجاب رفاقه، وطالما نصحته كلوفر بأن يحفظ على نفسه عافيته، و ألا يسرف في العمل المضني العنيف، ولكن بوكسر كان يصم أذنيه مرددا شعاريه المختارين “سأعمل أكثر” و “الحق دائما في جانب نابليون”، وكأنما كانت تلك الشعارات هي كل ما يملكه من إجابة.

 ولقد اتفق مع ديك بالمزرعة أن يوقظه قبل بداية ساعات العمل المقررة بثلاثة أرباع الساعة، وكان يعمل في فترات الراحة القصيرة، التي كانت تتخلل ساعات العمل ويجر الأحجار وحده، ويحملها إلى الطاحونة.

 وبرغم هذا الإجهاد الشديد فإن حال الحيوانات لم تكن أسوأ منها في عهد جونز، كما أن وجباتها بعد إنقاصها لم تكن أيضا أقل من المقررات القديمة! وكانت سعيدة بعملها الذي سيعود عليها بالخير وليس لإطعام حفنة من الآدميين المتكبرين، الذين لا يعملون!

 ولقد كان إحساسها بالكرامة يخفف عنها العناء وما تلاقيه من الشتاء القارس. كما كان شعورها بتملك المزرعة وما عليها يمنعها من سرقة المحصول، وقد وفر ذلك عليها كثيرا من الوقت، الذي كان يضيع في بناء أسيجة حول الحقول لحفظها. وكذلك فإن الحيوانات كانت أكثر قدرة من الآدميين في تنقية الحشيش الضار من الأرض!

 وعند نهاية الصيف تبين للحيوانات أن أمامها الكثير من الصعاب بخلاف احتمال نقص المحصول، ونتيجة لذلك فقد باتت وهي تتوقع قضاء فصل شتاء غاية في القسوة. وقد تبين أيضا أن كثيرا من متطلبات الزراعة لم يكن متوفرا لها كالبذور والمخصبات الكيماوية، كما كان العمل بالمزرعة يحتاج للبترول والمسامير والحبال، وكذلك بسكويت الكلاب وبعض الأدوات الأخرى. وكذلك كان عليها الحصول على مولد كهربائي للطاحونة، ولم تكن الحيوانات قد وجدت حلا لإيجاد هذه المتطلبات الملحة.

 وفي صباح يوم أحد اجتمعت الحيوانات بالحظيرة الكبرى كعادتها لتلقى الأوامر الأسبوعية، وإذا بنابليون يعلن عليها قراره في رسم سياسة جديدة من شأنها إقامة علاقات تبادل بينها وبين المزارع المجاورة، يمكنها بموجبها الحصول على ما ينقصها!

 وقد أوضح نابليون لها أن علاقة التبادل هذه بعيدة في مضمونها وأغراضها عن نطاق التجارة، كما أكد لها أيضا أن كل ما تحتاج إليه الطاحونة له صفة الأولوية لابد أن يقدم على أي شيء آخر! ولذلك فقد أعلن أنه في سبيله إلى عقد صفقات بيع دريس وجزء من محصول القمح، وكذلك إذا ما استدعى الأمر فإنه قد يضطر لبيع كمية من البيض في سوق ويلنجدون.

 وأعلن نابليون أن الدجاج سيرحب بمثل هذا القرار على ما فيه من تضحية من جانبه مساهمة منه في إكمال تشييد الطاحونة.

 ومرة أخرى اجتاح الحيوانات شعور بعدم الارتياح. أ لم تتفق من قبل فيما بينها على حظر التعامل مع البشر أو الشراء بالنقود ؟ أ لم تقرر الحيوانات بالإجماع مثل هذه الأسس عقب الانقلاب وطرد مستر جونز ؟

 إن مثل هذه القرارات ما زالت عالقة بالذاكرة، أو ربما خيل إليها أن شيئا من هذا القبيل مازال عالقا بالذاكرة!

 وحينما وقفت الخنازير الأربعة، التي تمثل المعارضة على استحياء فسرعان ما عادت (ثانيا) إلى أماكنها بعد أن وصل إلى سمعها نباح به نبرة التهديد!

 وابتدأت الغنم في الثغاء بجلبة عالية” “ذوات الأربع أخيار.. وذوو القدمين أشرار”! وبذلك فقد هدأت الجلسة إلى حين، وخفت حدة التوتر التي تميز بها الاجتماع، ورفع نابليون رجله الأمامية طالبا الالتزام بالسكون، وأعلن أنه بالفعل قد اتخذ جميع الترتيبات اللازمة لإدخال قراراته المعلنة إلى حيز التنفيذ! وأنه سيأخذ على عاتقه مهمة الاتصال مع البشر، وبذلك فإنه لا يجد داعيا لقيام أي اتصالات بين الحيوانات وبين الآدميين.

 كما قرر أنه عقد اتفاقا بالفعل مع أحد وسطاء ويلنجدون ويدعى مستر ويمبر، وأن هذا الوكيل سيحضر لمزرعة الحيوانات في صباح كل يوم اثنين لتنفيذ التعليمات. وعندئذ أنهى نابليون حديثه بهتافه المعهود “فلتحي مزرعة الحيوانات”. وبعد أن رددت الحيوانات نشيد “يا وحوش إنجلترا” انقض الاجتماع.

 وبعدئذ قام سكويلر بجولة في المزرعة بين الحيوانات يهدئ من نفوسها، وهو يؤكد لها أنه لم يتخذ من قبل أي قرار سابق أو حتى مشروع قرار يقضي بعدم التعامل مع الآدميين، أو يحظر التبادل النقدي. وأن الزعم بغير هذا محض خيال، أو ربما كان من الافتراءات التي روجها سنوبول!

 ثم وجه سكويلر حديثه للمشككين، وسألهم: هل يتذكرون بالفعل شيئا عن هذا القرار أو أنها كانت أضغاث أحلام ؟ وسألهم كذلك: هل لديهم محضر مكتوب، دونت فيه مثل هذه القرارات ؟

 ولما لم يكن لدى الحيوانات بالفعل أي قرارات مكتوبة بهذا المعنى، فإن حديث سكويلر لابد أن يكون صحيحا!

 وطبقا للاتفاق المعلن فإن مستر ويمبر كان يزور المزرعة في صباح الاثنين، وهو رجل قصير القامة، ذو سوالف طويلة، يمثل المظهر التقليدي للسماسرة بكل ما فيهم من خبث وبعد نظر. وقد أدرك مستر ويمبر بدهائه أن المزرعة التي تمتلكها الحيوانات لابد أن تحتاج بشدة إلى سمسار، وأن أرباحه منها لابد أن تكون مجزية للغاية.

 وكانت الحيوانات ترقبه عند مجيئه وذهابه بشيء من التخوف، وكانت تتجنبه كلما أمكن ذلك، إلا أن منظر نابليون حينما كان يلقي أوامره بعظمة على مستر ويمبر، الذي كان يقف وهو يستمع إليه باحترام.. كان من العوامل التي خففت من شعور الحيوانات بالاستياء من التعامل مع البشر، كما كانت تشعر بالفخر إزاء هذه المواقف.

 ولم تعد العلاقات بين البشر ومزرعة الحيوانات متوترة كعهدها السابق، وخفت حدة العداوة الشديدة بينهما، وخصوصا أن الآدميين كانوا موقنين أن مصير المزرعة لابد أن ينتهي إلى الإفلاس بدون أي تدخل من جانبهم، وأن مشروع الطاحونة سينتهي بالفشل الأكيد: إما بانهيار بنائها أو بالعجز عن إدارتها واستغلالها!

 وبرغم ذلك فقد كان الرجال يعجبون من كيفية إدارة الحيوانات لمزرعتها، وكان من مظاهر هذا التقدير أن أصبح الناس يطلقون على المزرعة اسم “مزرعة الحيوانات” بدلا من اسمها القديم “مانور”.

 وكذلك فقد كفوا عن تأييدهم لمستر جونز، الذي استسلم للأمر الواقع، وهاجر يائسا إلى مكان آخر.

 وفيما عدا زيارات مستر ويمبر فلم يكن بين مزرعة الحيوانات والعالم الخارجي أي اتصال آخر، إلا أن بعض الإشاعات كانت تروج احتمال قيام صفقات بين نابليون وبين جاريه مستر بلكنجتون صاحب مزرعة فوكس وود، وفردريك صاحب مزرعة بنشفيلد.

 وفي ذلك الوقت انتقلت الخنازير فجأة لتسكن منزل مستر جونز، وتذكرت الحيوانات عندئذ قرارا سابقا كان قد اتخذ يتعارض هو وهذا الإجراء. وتصدى لها سكويلر كعادته لإقناعها، ذاكرا لها أن الخنازير تمثل العقل المدبر بالمزرعة، فلابد إذن من أن يُـهيأ لها مقر هادئ للعمل!

 وكذلك فان كرامة الزعامة تقتضي أن يسكن نابليون منزلا لائقا به بدلا من الـزريـبـة. وكان لقب نابليون في ذلك الحين هو الزعيم!

 وبرغم وجاهة هذا التفسير، فإن بعض الحيوانات قد أزعجها ما تردد من أن الخنازير أصبحت تأكل في المطبخ، وتجلس في حجرة الاستقبال، بل الأدهى من ذلك أنها تنام على الأسرة!

 ومع أن بوكسر قد قابل هذه التخرصات بشعاره المألوف “نابليون دائما على حق”، فإن كلوفر كانت تظن أنها مازالت تتذكر أن في نصوص الوصايا السبع المتفق عليها، ما يتعارض هو ونوم الخنازير على السرير! ولذلك فقد ذهبت إلى الفناء محاولة أن تقرأ ما دون على حائط الحظيرة الكبرى من وصايا. ولما أعجزتها المقدرة على القراءة استعانت بموريل، وطلبت منها قراءة الوصية الرابعة، التي تحظر النوم على الأسرة. وبصعوبة استطاعت موريل قراءة ما يأتي: غير مسموح للحيوانات بالنوم على الأسرة بالملاءات!

 ولدهشة كلوفر فإنها لم تكن لتتذكر أن الوصية الرابعة كانت تحتوي على لفظ الملاءات، ومع ذلك فما دامت هذه الكلمة مدونة على الحائط تدوينا، فلابد أن تكون صحيحة. وكان سكويلر يمر في هذه اللحظة يتبعه كلبان أو ثلاثة، فاستطاع أن يوضح لها الأمور بجلاء قائلا: ربما سمعتم أيها الرفاق أن الخنازير تنام على الأسرة بالمنزل! وماذا يعيبهم في هذا ؟ ربما تتخيلون أن الوصايا السبع تنص على عدم النوم بالسرير! ثم تساءل عن معنى كلمة السرير، واستطرد أن السرير بكل بساطة مكان معد للنوم، وكذلك فإن كومة القش التي تنامون عليها بالمثل مكان معد للنوم و لا إثم في ذلك! ولكن المنع جاء قبل استعمال الملاءات التي يغطى بها السرير، وهو إثم جاءت به العقلية الإنسانية الشريرة! ولذلك فقد نزعت الخنازير الملاءات عن الأسرة قبل أن تنام عليها، وأبقت البطاطين فقط. وإقرارا للحق فإن النوم على السرير مريح جدأ، وهو ما تحتاج إليه الخنازير للراحة والتفكير وتدبير أمور المزرعة! ثم تساءل سكويلر: و ما أظن أحدا منكم أيها الرفاق يبخل بالراحة علينا! من منكم يفضل عودة مستر جونز ؟

 وقد اقتنعت الحيوانات بوجهات نظر سكويلر وسلامتها، ولم تعد بعد ذلك إلى الحديث عن نوم الخنازير بالأسرة. ثم أعلن بعد ذلك على الحيوانات أن الخنازير ستستيقظ بعد مواعيد عمل المزرعة بساعة في الصباح، ولم يعترض على ذلك القرار أحد!

 وبحلول الخريف فإن الحيوانات كانت سعيدة برغم ما حل بها من عناء العمل ونقص الغذاء بعد أن بيع جزء من الدريس والقمح، مما ينذر بشتاء صعب وقاس! على أنه في سبيل تشييد الطاحونة فإنها كانت على استعداد لاحتمال كل المصاعب، وكانت قد فرغت من بناء نصفها تقريبا، وقد كانت تداوم على العمل بها منتهزة فرصة اعتدال الطقس وجفاف الجو وفراغها بعد أن انتهت من جمع المحصول.

 وكان بوكسر ينتهز فرصة طلوع القمر ليتطوع بالعمل ساعة أو اثنتين في ضوئه. ومع تقدم البناء فإن الحيوانات كانت تطوف به في أثناء فترات راحتها وهي معجبة بضخامته واستوائه، وهي لا تكاد تصدق عينها وكان الوحيد الذي لم يشاركها في هذا الحماس هو بنيامين، الذي كان يردد دون ما سبب: “إن الحمير تعيش طويلا”!

 ثم أقبل نوفمبر برياحه الجنوبية الغربية الهوجاء، وسقطت الأمطار، فتوقف العمل بالطاحونة. وفي ليلة عاصفة هزت الرياح فيها منزل المزرعة هزاً، وأسقطت بعض قطع القراميد عن سقفه. وعند منتصف الليل استيقظ الدجاج على صوت فرقعة شديدة تدوي من بعيد. وفي الصباح حينما استيقظت الحيوانات تبين لها أن سارية العلم قد تحطمت، وأن شجرة الدردار قد اجتثت من فوق الأرض. وبينما هي تشاهد هذه المناظر، إذ بها تسمع صيحات يائسة تنطلق من بعض الحيوانات، وقد اكتشفت أن مبنى الطاحونة قد تحول إلى أنقاض! وهرعت إلى الطاحونة يسبقها نابليون مهرولا، وهو الخنزير المبجل الذي اعتاد أن يمشي الهوينى.

 ووقفت الحيوانات واجمة أمام ثمرة جهدها الضائع وآمالها، التي تبددت كالحجارة المتناثرة أمامها، والتي تعبت في نقلها وبنائها أي تعب!

 وكان نابليون يغدو و يروح أمام الأطلال، وهو يخفض أنفه إلى الأرض ويشم ثم يعود ليشم (ثانيا) باهتمام بالغ، وذيله يتحرك من جانب لآخر وهو منتصب إلى أعلى. وكانت هذه الحركات من اللوازم التي تصاحبه عند التفكير العميق!

 وفجأة كف عن هذه التحركات العصبية السريعة، وبدأ على وجهه ما يوحي باكتشافه السر الرهيب! ثم تكلم فقال بهدؤ: أيها الرفاق، هل تعلمون من وراء هذا الحادث ؟ وهل تعلمون عدوكم الذي تسربل بالليل ليهدم الطاحونة؟

 ثم صرخ بصوت كالرعد: إنه سنوبولّ إنه هو الخائن الأثيم الذي قام بهذه الجريمة الشنعاء، لينتقم لنفسه من المهانة، التي لحقته عند طرده من المزرعة! ثم استطرد نابليون قائلا: أيها الرفاق، إنه منذ الساعة فإنني قد أصدرت عقوبة الإعدام على سنوبول، فلمن يأتي به ميتا أيها الأبطال وسام البهائم من الدرجة الثانية ونصف بوشل من القمح! بل بوشل كامل لمن يأتي به حيا!

 وقد صعقت الحيوانات وهي تعجب كيف أن سنوبول قد استطاع أن يجلل يديه بمثل هذه الخيانة؟ وقد علت منها صيحات الاستهجان، وتركت لخيالها العنان: ماذا ستفعل لو أنها استطاعت أن تمسك به؟!

 وبعد قليل من البحث وجدت آثار أقدام خنزير عند الربوة تتجه إلى سور المزرعة، ثم تختفي عند الفجوة التي سبق أن سقط فيها سنوبول يوم هربه! ولقد شم نابليون هذه الآثار وعاد ليؤكد أنها لسنوبول الذي يرجح اختباؤه بمزرعة فوكس وود! وأعلن نابليون ضرورة الابتداء في إعادة تشييد الطاحونة في الحال. وصاح في الحيوانات قائلا: أيها الرفاق، ليس لدينا وقت نضيعه، فإن العمل ينتظرنا، وسنعمل وسنبني تحت كل الظروف والأوقات وفي كل الأجواء: سطعت الشمس أو أمطرت السماء! إننا سنلقي درسا على عدونا، فإلى الأمام أيها الرفاق. ثم ختم نداْه بهتاف: فلتحي الطاحونة! ولتحيى مزرعة الحيوانات!الفصل السابع

كان شتاء قارسا ذا جو عاصف، وقد سقط الثلج، واستمرت هذه الحال حتى شهر فبراير، وكانت الحيوانات تبذل كل طاقتها لبناء الطاحونة في موعدها المعلن، وهي تدرك أن العالم الخارجي يتابع أنباءها، وأن فشلها سيكون مدعاة لشماتة أعدائها! ولم يكن الآدميون ليصدقوا المؤامرة المزعومة، بل يعزون أسباب تهدم البناء إلى رقة غلظ الجدران!وبرغم أن الحيوانات كانت تؤمن بما لُقنته عن مؤامرة سنوبول، فإنها عند إعادة البناء قد أمرت بتعريض غلظ المباني بحيث يصل الى ثلاث أقدام بدلا من الغلظ القديم، الذي سبق أن بنيت به، وكان ثمانية عشر بوصة فقط، وكان ذلك يعني المزيد من الحجارة والجهد.

  وقد اضطرت في بعض الأوقات الى التوقف عن العمل حينما غطى الثلج أرض المحجر، وقد استأنفت عملها حينما توقف هبوط الثلج، وأصبح الجو جافا.

  وفي ظل هذه الظروف القاسية والروح المعنوية المنخفضة، فقد كان لبوكسر ومعه كلوفر أكبر الأثر في رفع الروح المعنوية بضرب المثل الطيب للآخرين في العمل والتضحية، كما كان سكويلر يلقي على الحيوانات الخطب الرنانة عن وجوب التضحية في سبيل الواجب، إلا أن هذه الخطب الكثيرة لم تكن في قوة تأثير بوكسر حينما كان يعمل بنفسه، ويضرب أحسن المثل في التضحية مرددا شعاره المختار: “سأعمل أكثر”!

  وفي يناير عانت المزرعة من نقص الغذاء، ولذلك فقد خفضت وجبات الحنطة، واستعيض عنها بزيادة مقررات البطاطس، إلا أن الحيوانات اكتشفت أن الجزء الأكبر من محصول البطاطس قد أصابه الصقيع بالتلف في مخزنه لتركه بدون الغطاء اللازم من القش! وقد تميعت البطاطس وفقدت لونها وأصبحت إلا القليل منها غير قابلة للأكل، وبذلك فلم يكن أمام الحيوانات الجائعة إلا التبن والبنجر تأكله لأيام طويلة، حتى أصبح شبح المجاعة يتهددها!

  وحتى لا يشمت أعداؤها في الخارج ويشيعوا عنها شتى الأكاذيب بعد سقوط الطاحونة، فقد عمدت الحيوانات الى إخفاء حقيقة أمرها بشتى وسائل التعمية!

  وكان الناس في ذلك الوقت يرددون أن الحيوانات قد أشرفت على الموت جوعا، ودب فيها المرض، وعادت الى سيرتها الأولى من التوحش، وأكل بعضها بعضا أحياءً، وقتل الصغار منها!

  وأدرك نابليون خطورة مثل هذه الشائعات، ولذلك فقد سخر مستر ويمبر في إطلاق الإشاعات المضادة.

  وبعد أن كانت اتصالات الحيوانات محدودة، فقد وضع نابليون في طريق مستر ويمبر بعض الحيوانات التي تتمتع بكامل صحتها، وأغلبها من الغنم، حتى تلقي على مسامع الرجل مدى سعادتها وما تحظي به من عناية ومن وجبات كافية.

  وكذلك فقد عمد نابليون إلى ملء البراميل الفارغة المخصصة لتخزين الغلال بالرمال، ثم أمر بتغطية سطحها القريب بالغلال. كما عهد الى اختلاق سبب لإدخال مستر ويمبر بنفسه الى المخازن. ورأى ما ظنه ذخيرة كافية فيها، وردد بعد ذلك مشاهداته الى الناس.

  غير أنه في نهاية شهر يناير أصبح من المحتم على الحيوانات البحث على غلال تشتريها من الخارج.

  وفي هذه الأثناء كان نابليون نادرا ما يختلط بالحيوانات الأخرى، فهو كان يقضي كل وقته داخل المزرعة، تحرس كلابه التسعة مدخل بيته، فإذا ما خرج من المنزل أحاطت به ستة من الكلاب في موكب مشهود! و إذا ما جرؤ حيوان على الاقتراب منه نبحته الكلاب. كما أصبح لا يحفل بالمثول في اجتماعات أيام الآحاد، و أصبح ينيب عنه أحد الخنازير، وخصوصا سكويلر في إلقاءه أوامره الخاصة بعمل الأسبوع في الحظيرة.

  وفي صباح يوم من أيام الآحاد أذاع سكويلر أمرا الى الدجاج أن يسلم البيض للإدارة، لان نابليون عقد صفقة مع مستر ويمبر يتم بمقتضاها بيع أربعمائة بيضة أسبوعيا، وذلك في مقابل شراء مواد غذائية لسد العجز فيها حتى موسم الصيف.

  وبرغم أن نابليون كان قد صرح في اجتماع سابق أنه ربما اضطر الى إتباع ذلك الإجراء فإن الدجاج لم يكن ليصدق أن بيضه سيسلم ليباع في السوق! وقد صرخ الدجاج محتجا عند سماعه الخبر، وكان الدجاج في ذلك الوقت يستعد لتفريخ الكتاكيت عندما يقبل الربيع.

  وللمرة الأولى بعد طرد مسترجونز كانت المزرعة على شفا القيام بانقلاب آخر. و أزمع الدجاج العصيان تقوده ثلاث دجاجات سوداء، وقد عقد العزم على عرقلة الأمر الصادر إليه من الزعيم، وكانت وسيلته في ذلك الطيران الى العوارض الخشبية العالية حيث يبيض، فيسقط البيض مهشما على الأرض!

  وكان رد فعل نابليون سريعا وحاسما، فقد أمر بوقف صرف المقررات الغذائية للدجاج، كما أمر بفرض عقوبات صارمة تصل الى حد الإعدام لأي حيوان يضبط بتهمة مساعدة الدجاج تحت أية صورة من الصور!

  كانت الكلاب هي وسيلة نابليون في فرض الأوامر ومراقبة تنفيذها. واستمر عصيان الدجاج خمسة أيام، ثم استسلم في نهاية الأمر، وعادت الدجاجات الى أعشاشها بعد أن ماتت منها تسع، دفنت تحت أشجار التفاح، و أذيع أن سبب وفاتها مرض من أمراض الدواجن إسمه “الكوكوديوسس”!

  ولم يعلم مستر ويمبر شيئا عن هذا العصيان، فقد تم تسليم البيض بالتمام في الموعد المتفق عليه، تنقله عربة بقالة من المزرعة أسبوعيا.

  وفي هذه الأثناء كانت أخبار سنوبول منقطعة، و إن تردد أنه ما يزال مختبئا في إحدى المزرعتين المجاورتين. وكانت علاقة نابليون بالعالم الخارجي لا بأس بها. وكانت لديه بالمزرعة كمية من خشب الزان، الذي قطع منذ عشرة أعوام يتنافس في شرائها جاراه مستر بلكنجتون و مستر فردريك، وقد نصحه مستر ويمبر بالبيع، إلا انه كان إذا ما أزمع بيعه إلى أحد من جاريه اللدودين خرجت الإشاعات عن وجود سنوبول لديه، و تتوقف الصفقة!

  وفجأة في بداية الربيع حدث أمر مزعج، فقد أشيع أن سنوبل اعتاد أن يرتاد مزرعة الحيوانات بالليل. وقد ذعرت الحيوانات لهذا، حتى إنها أصبحت لا تكاد تنعم بسباتها. وأصبحت غزوات سنوبول الليلية شيئا متكررا، فهو يسرق الغلال تارة أو يسكب اللبن تارة أخرى، وربما كسر البيض المجموع والمعد للبيع، أو قذف بالتقاوي المعدة للزراعة أو نخر أشجار الفاكهة!

  وكلما حدثت حادثة نسبت الى سنوبول . فإذا ما كسر الزجاج أو سدت مواسير المياه فإنها كانت ترجع السبب إليه . ولما ضاع مفتاح المخزن زعمت أن سنوبول سرقه، ثم قذف به في أعماق البئر . و استمرت الحيوانات على زعمها حتى بعد أن وجدت المفتاح.

  وقد أعلن البقر أن سنوبول كان يداهمه ليلا ثم يحلبه. وحينما أثارت الفئران بعض المتاعب زعمت الحيوانات أنها تأتمر بوحي سنوبول!

  أصدر نابليون أوامره بالقيام بتحقيق كامل عن نشاطات سنوبول، كما خرج في جولة تفتيشية لتفقد جميع منشآت المزرعة تحوط به كلابه، ثم تتبعه عن بعد بقية الحيوانات على استحياء!

  وكان نابليون يتوقف بين الفينة والاخرى، ثم يشم الأرض بأنفه، و يأخذ نفسا عميقا ثم يردد في صوت رهيب: نعم، نعم! إنه سنوبول، إنني أكاد أبصره في كل مكان! وفي كل مرة ينطق باسم سنوبول كانت كلابه تزمجر بوحشية وهي تكشر عن أنيابها!

  وكان هذا المنظر كافيا لإدخال الرعب على قلوب جميع الحيوانات، وقد دخل في روعها أن شبح سنوبول يتهددها بالويل والثبور.

  وعند حلول الليل جمع سكويلر الحيوانات، وقد بدأت على وجهه مظاهر التجهم والصرامة، وأعلن وهو ينتفض بعصبية نبأً خطيراً بأن سنوبول قد باع نفسه لفردريك صاحب مزرعة بنشفيلد! وهما الآن يتآمران تمهيدا للهجوم على المزرعة واحتلالها. وأفضى سكويلر بأن سنوبول هو الدليل، الذي سيقود هذه الحملة. وقال: و الخطير في الأمر أيها الرفاق أنني أصبحت أدرك تماما المشاعر المنحطة، التي أصبحت تحرك سنوبول وهي الخيانة، وليست كما كنت واهما من قبل الطموح أو الحسد. فقد انكشف الستار عن خيانة سنوبول لأبناء جلدته، و أنه قد باع نفسه لمستر جونز، و أنه كان جاسوسه منذ البداية.

  ثم استطرد قائلا: إن هذا التفسير يلقي الضوء على مجريات الحوادث السابقة . ثم تساءل: أ لم يحاول بدون جدوى أن يوقع الحيوانات في الهزيمة، بل الإبادة في معركة زريبة البقر؟

  وبهتت الحيوانات. فان ما نسب لسنوبول من خيانة قد فاق جريمته في تدمير الطاحونة، و ظلت في حالة ذهول لدقائق وهي لاتكاد تصدق . فهي تتذكر أو ربما خيل إليها أنها تتذكر كيف حمل سنوبول على خصومه في موقعة زريبة البقر، وكيف كان يحارب ويقود المعركة ؟ وكيف أنه لم يتقاعس في أية لحظة، حتى بعد أن أصابته قذيفة مستر جونز ؟ فكيف يمكنها إذن تصديق مثل هذه الأقوال عن خيانته ؟

  حتى بوكسر الذي لم يكن ليتشكك هو نفسه في البلاغات، التي تذاع قد أدركته الحيرة، وأغلق عينيه جاهدا في صياغة ما يجول في فكره ، ثم قال بعد لأي : إنني لا استطيع تصديق مثل هذا، فقد أبلى سنوبول بلاء حسنا في معركة الزريبة، فاستحق وسام البهائم من الدرجة الأولى بعد المعركة!

  فرد سكويلر بأن سنوبول كان قد أحكم خديعته ، حتى اكتشفت وثائق سرية تدينه، وتوضح دوره في الخيانة . فاعترض يوكسر بقوله: ولكن سنوبول قد جرح اثناء المعركة!

  فرد عليه سكويلر موضحا: إن هذه الجروح السطحية افتعلت افتعالا تنفيذا للتمثيلية، التي كان قد رسمها مستر جونز ، و إن لدى سكويلر الوثائق المكتوبة التي سجلها سنوبول على نفسه، وهو على أتم الاستعداد لتقديمها لبوكسر، إذا ما كان قادرا على قراءتها، وقد دون فيها أنه كان يتعين على سنوبول طبقا لخطة المؤامرة أن يعطي إشارة الانسحاب قبل الوقت المناسب ، وقد كادت خطته تنجح لولا الزعيم البطل القائد الرفيق نابليون!

  وقال سكويلر مستطردا : أ لا تتذكرون أيها الرفاق كيف أنه في اللحظة الحرجة، التي ساد فيها الاضطراب ولاحت بوادر الهزيمة، قفز الرفيق البطل نابليون صارخا الموت للآدميين، وقد أعمل أنيابه في ساق جونز ؟

  وظل سكويلر يحاورهم وهو يرتعش حماسا وينتفض حتى خيل للحيوانات أن شريطا من الصور ، التي رسمها لها سكويلر يبدو أمامها واضحا وفقا لترتيب الحوادث في إطارها الجديد . وقد عاد الى ذاكرتها بالفعل منظر سنوبول وهو يستدير ليهرب في اللحظة الحرجة اثناء المعركة.

  ولكن بوكسر ظل مشتت الفكر، وقال: إنني لا اعتقد أن سنوبول كان خائنا منذ البداية، بل إنه ظل رفيقا صالحا حتى معركة زريبة البقر. أما عن خيانته بعد ذلك فهو أمر واضح!

  وقاطعه سكويلر وهو يضغط على مخارج الألفاظ وبصوت منخفض و إن كان قاطعا : إن الزعيم الرفيق نابليون في ترتيبه التاريخي للحوادث قد قرر خيانة سنوبول منذ البداية ، و إنه كان عميلا باع نفسه قبل الانقلاب.

  فأذعن بوكسر قائلا : إذا ما كان الرفيق نابليون قرر هذا ، فإن نابليون دائما على حق!

  هذه هي الروح الثورية، بهذا صاح سكويلر، وهو يلقي على بوكسر نظرات تقدح بالشر من عينيه الضيقتين ، واستأنف قبل أن يغادر مكانه وبصوت فيه نبرات التحذير : إنني احذر جميع حيوانات المزرعة من جواسيس سنوبول المنتشرين بيننا، إن عليكم أن تفتحوا عيونكم جيدا!

  وبعد مرور أربعة أيام من هذا الحديث أمر نابليون أن تجتمع الحيوانات في فناء المزرعة، ثم خرج عليهم من منزله مرتديا أوسمته كافة، بعد أن أنعم على نفسه بعد وسام بطل البهائم من الدرجة الأولى بوسام آخر منه من الدرجة الثانية، تتبعه كلابه الضخمة التسعة، وهي تنبح بطريقة تبعث القشعريرة في القلوب. وقد أيقنت الحيوانات أن الخطير من الأمور لابد أنه على وشك الحدوث!

  وفي وقفة عسكرية انتصب نابليون وهو يتفحص الوجوه، ثم صاح بصوت مبحوح، تقدمت بعده الكلاب و أمسكت بآذان أربعة من الخنازير، وهي تصرخ من الألم والرعب، ثم جرتها وألقت بها تحت أقدامه. وكانت آذانها تنزف، وقد تذوقت الكلاب طعم دمائها، وأصيبت بحالة شديدة من الهياج. ولدهشة الجميع فقد هجمت ثلاثة كلاب في اتجاه بوكسر. وحينما اقترب منه الكلب الأول دهمه بوكسر بساقه القوية وألصقه بالارض إلصاقا، فصرخ الكلب مسترحما، وساق بوكسر تضغط عليه وهو ينظر الى نابليون مستطلعا، كأنما يستأذنه في سحق الكلب تحت قدميه! فأمره نابليون بإخلاء سبيله في الحال، وهو يتميز من الغيظ.

  وما كاد بوكسر يرفع قدمه عن الكلب، حتى انسحب وهو يئن من الألم وذيله بين رجليه. ثم هدأت موجة الصخب، التي صاحبت المشهد. واتجهت الأنظار الى الخنازير الأربعة، التي كانت ترتعد هلعا، ومظاهر الإثم والندم ترتسم على وجوهها!

  ألتفت إليها نابليون يأمرها بالاعتراف، وكانت هذه الخنازير هي بعينها، التي سبق أن اعترضت على قرار نابليون في إنهاء اجتماعات يوم الأحد. وفي الحال توالت اعترافات هذه الخنازير بأنها كانت دائما على اتصال مباشر بسنوبول منذ أن طرد من المزرعة، وأنها ساعدته في تحطيم الطاحونة، وأنها كانت تخطط معه لتسليم المزرعة لمتر فردريك. كما أضافت هذه الخنازير أن سنوبول سبق أن حدثها بأنه كان عميلا سريّا لمستر جونز منذ أعوام ماضية وقبل الانقلاب.

  وحينما انتهت الخنازير من اعترافاتها الصريحة انقضت عليها الكلاب في الحال ومزقت أعناقها!

  وصاح نابليون بصوته الرهيب: هل لدى الحيوانات أي اعترافات أخرى؟

  فتقدمت ثلاث دجاجات سوداء وهي التي سبق لها أن تزعمت حركة العصيان عند تسليم البيض، وقررت أن سنوبول قد زارها في الاحلام وحرضها على عصيان أوامر الزعيم نابليون!

  وفي الحال تم فيها تنفيذ حكم الاعدام. ثم تقدمت إوزة وأقرت بأنها سبق لها أن أخفت ست سنابل من القمح من محصول الموسم السابق وأكلتها ليلا. وكذلك اعترفت نعجة على نفسها بأنها بالت في مياه البركة، التي يُشرب منها، يدفعها الى ذلك تحريض سنوبول لها. وكذلك اعترفت نعجتان بأنهما نفذتا جريمة قتل في كبش عجوز، كان شديد الولاء لنابليون، بأن طاردتاه وحاوتاه حول موقد نار في فناء المزرعة، وهو مريض بالسعال، فأزداد مرضه سوءاً ومات!

  وقد نفذت في الخونة جميعا أحكام الاعدام في الحال!

  وتوالت الاعترافات وتوالت أحكام الاعدام، حتى تكومت جثت الضحايا تحت أقدام نابليون. وفاحت رائحة الدماء، التي كانت الحيوانات قد نسيتها منذ نهاية عهد جونز!

  وحينما أنتهي الأمر زحفت الحيوانات بعيداً، وهي بائسة ترتعد، لا تعلم أي الأمرين اشد هولاً ؟

  أ خيانة الحيوانات، التي تآمرت هي وسنوبول أم منظر أحكام الإعدام الرهيبة؟

  نعم أنها كانت تشاهد مجازر دموية في عهد جونز البائد، ولكن هذه المذبحة، التي شاهدتها اليوم كانت أشد هولاً على نفوسها، لأن جلاديها الجدد – إنما هم من أبناء جلدتها، فمنذ رحيل جونز لم يفتك حيوان من المزرعة بآخر وإن كان فأرا.

  وقفلت الخنازير والكلاب الى منزلها، وزحفت الحيوانات الى الربوة القريبة من الطاحونة، ودون أن تفكر هجعت جميعا على جنوبها قريبة بعضها من بعض، وكأنها تلتمس دفئا افتقدته نفوسها!

  تجمعت كلوفر وموريل وبنيامين والبقر والغنم وقطيع الإوز والدجاج على الربوة، ما عدا القط ، الذي كان قد أختفي عندما استدعاه نابليون للاجتماع. ولقد ظلت الحيوانات كلها واجمة لفترة طويلة من الوقت.

  وظل بوكسر واقفا على الربوة، وهو في حالة شديدة من الاكتئاب، يهز ذيله يمينا ويسارا وهو يحمحم: أنا لا أفهم شيئا، و لا استطيع أن أتصور أن مثل هذه الأمور كانت لتحدث في مزرعتنا! و إننا لا نلوم إلا أنفسنا على ما اقترفناه، و لست أرى لهذه الكارثة من كاشف إلا بالعمل! لقد آليت على نفسي أن استيقظ لأعمل قبل ساعات العمل المقررة بساعة كاملة!

  ثم ركض هابطا إلى المحجر يجمع الأحجار، ويصعد بها الى حيث موقع البناء، حتى أقبل الليل.

  وظلت الحيوانات قابعة على الربوة ، وبينها كلوفر لا تتكلم، وهي جميعا تنظر من فوق الربوة الى الأفق الواسع، الذي يترامى حتى المدينة والمراعي الخضراء تلوح تحت أقدامها، ومنظر كومات الدريس والشجيرات والبركة وحقول القمح الخضراء، وسطح منزل المزرعة الأحمر – تلوح في الأفق والدخان يتصاعد من مدخنته.

  لقد كانت أمسية صافية من أمسيات الربيع، وكانت الشمس الغاربة تلقى بأشعتها الذهبية على الحشيش وأسوار المزرعة. ولقد كانت الحيوانات تحلم بأن هذه المزرعة، بكل ما تحتويه من جمال، ملك لها، وكأنها لم تتبين بعد مدى جمالها وسحرها، إلا في هذه اللحظات، وللمرة الأولى!

  ونظرت كلوفر من أعلى الربوة، وعيناها مبللتان بالدموع. ولو استطاعت أن تعبر عما يجيش بخاطرها لأفصحت أن الثورة، التي عملت الحيوانات من أجلها قد ضلت عن غاياتها!

  و أن المجازر، التي مرت بها ما كانت لتخطر لها على بال، حينما كان يخطب مأجور العجوز بليل يدعو فيه الى التمرد، راسما للحيوانات صورة باسمة عن مستقبل مشرق لمجتمع سعيد!، وقد تحررت فيه من اسارها وخوفها وجوعها، كلها سواسية، لا تكلف الا العمل الذي تطيقه، يحمي قويها ضعيفها تماما كما كانت هي (كلوفر) تحنو على البط الصغير اليتيم، الذي كان يلتمس الدفء بين أرجلها، على حين كان مأجور يلقي خطابه.

  ثم توالت الأيام، وها هي ذي ثورتها المنتصرة والحيوانات لا تجرؤ فيها أن تعبر عما يدور بعقولها، والكلاب المفترسة تجول بينها، ثم مشاهد أجساد رفاقها الممزقة، بعد اعتراف أي اعتراف!

  دار هذا الشريط برأس كلوفر على سبيل الذكرى. إنها لم تكن تفكر لحظة في التمرد أو العصيان. فبرغم كل ما مر بالحيوانات من أحداث، فقد كانت تؤمن بأن حالها أفضل مما كان عليه في عهد جونز، وأن عليها أن تعمل دائما من أجل ألا تعود (ثانية) نهبا للإنسان!

  وفي سبيل هذا الهدف فإنه ينبغي عليها الإخلاص والتفاني في العمل وتنفيذ ما يصدر إليها من أوامر وقبول زعامة نابليون!

  لقد أنتهت أحلامها السعيدة، التي من أجلها جاهدت وضحت وشيدت الطاحونة، وواجهت رصاص جونز!

  كل هذا كان يدور بخلد كلوفر، ولو أنها ظلت على صمتها إلى حين. ثم بددت صمتها هذا بالغناء، وكأنها تهرب به من واقعها المر، وما فيه من الأسى البالغ العميق، وحولها الحيوانات الأخرى، وقد تبعنها في ترديد نشيد الثورة بنغمة بطيئة حزينة جميلة، وكأنها تنعي أيامها الهنيئة، تؤدي نشيدها بلحن ساعفها بإتقان لم يتيسر لها من قبل، حتى إذا ما فرغت من إنشاده أعادته من جديد.

  وعند نهاية أدائه للمرة الثالثة اقتحم عليها سكويلر خلوتها، يتبعه كلبان، وهو على وشك أن يفضي إليها بحديث هام، وقد أعلن أن الرفيق نابليون قد أصدر مرسوما خاصا يمنع ترديد نشيد “يا وحوش انجلترا”، وأنه منذ هذه اللحظة قد أصبح التغني به من المحظورات!

  وقد ذهلت الحيوانات، وتساءلت موريل عن أسباب المنع. فأجابها سكويلر: إن النشيد لم يعد مجاريا للعصر. فإن نشيد “وحوش انجلترا” كان نشيد الثوار، حينما لم تكن هنالك ثورة. والآن فقد تمت الثورة، وانتهت الى غاياتها. وكان في إعدام الخونة بعد ظهر اليوم نهاية الشوط . وتحقق للثورة النصر على أعدائها في الداخل والخارج!!إن النشيد كان عبارة عن التطلع الى المستقبل الزاهر السعيد!

  ثم أعلن سكويلر أن المستقبل الزاهر قد تحقق بالفعل، فأصبح النشيد بذلك غير ذي موضوع!

  وبرغم ما كانت عليه الحيوانات من ذهول ورعب فقد كان من المحتمل أن يعترض بعضها على مثل هذا القرار، لو لم تبدأ الغنم في ثغائها مرددة شعارها المعهود: ذوات الاربع أخيار! وذوو الرجلين أشرار! لدقائق معدودات، انسحب في أثنائها سكويلر من حيث أتى!

  وبعد هذا اليوم لم يسمع النشيد مرة أخرى، وقد ألف الشاعر مينيمس نشيدا آخر، هو:

  مزرعة الحيوان الكبرى

  مزرعة الحيوان الكبرى

  دمت لنا دهرا دهرا

  وبقيت لنا ذخرا ذخرا

  وكان هذا النشيد يغنى صباح كل يوم أحد، بعد رفع العلم، وإن كان في نظر الحيوانات لا يضاهي نشيد “يا وحوش انجلترا” من حيث النغم والكلمات!

الفصل الثامن

بعد أيام قلائل من المذبحة، وحينما خفت حدة الرعب من نفوس الحيوانات تذكر بعضها أو خيل إليها أن الوصية السادسة من الوصايا السبعة القديمة جاءت بنص ينهي الحيوان ألا يقتل حيوانا آخر، على أن أحدا منها لم يكن ليجرؤ على ترديد هذا الحديث على مسمع من الخنازير أو الكلاب، برغم اعتقادها أن المذبحة قد خالفت النصوص الموضوعة، والتي تعاهدت الحيوانات على احترامها!

 وطلبت كلوفر من بنيامين أن يقرأ لها نص الوصية السادسة، فاعتذر لها كعهده دائما بأنه لا يحب أن يورط نفسه فيما لايعنيه!

 وبحثت عن موريل التي استجابت وقرأت عليها بصعوبة الوصية المطلوبة، وكانت كما يأتي: “على الحيوان ألا يقتل حيوانا آخر.. بدون سبب”.

 ولسبب ما كانت الكلمتان الأخيرتان غائبتين عن ذاكرة الحيوانات، ولكنها الآن قد أيقنت أن نصوص الوصية لا تتعارض هي والأحداث التي جرت. فقد كان من الواضح أن تنفيذ أحكام الاعدام في الحيوانات، التي تعاونت هي وسنوبول كان له ما يبرره.

 وفي ذلك العام عملت الحيوانات بدرجة أكبر مما عملت في العام السابق، فقد كان يتعين عليها الانتهاء من تشييد الطاحونة في موعدها المحدد بحوائطها، التي يزيد غلظ حيطانها عن سابقتها التي تهدمت، ودون أن يخل ذلك بأعمال المزرعة الأخرى على ما في ذلك من جهد شديد.

 ففي بعض الأحيان كان يخيل للحيوانات أن عدد ساعات عملها قد صارت أطول مما كانت عليه في عهد جونز، وأن وجباتها التي تقدم لها لا تزيد عما كانت تأكله قديما.

 وفي صباح أيام الآحاد كان سكويلر يقرأ عليها بيانات إحصائية مدونة على أشرطة ورقية طويلة يمسكها بين أظلافه يستفاد منها أن الإنتاج قد زاد بواقع 200% أو 300% في هذا القطاع أو ذاك، أو 500% على حسب الأحوال.

 ولم يكن لدى الحيوانات أسباب تحملها على الشك في بياناته، بعد أن طال بها العهد في ظل الثورة، حتى أصبحت غير قادرة على تذكر شيء قبلها، وإن خيل إليها أنها قد مرت بأيام كانت يتوافر لها فيها غذاء أفضل، لولا ما يتلى عليها من إحصائيات. وكانت جميع الأوامر تصدر إليها عن طريق سكويلر أو خنزير آخر، أما نابليون فلم يكن ليظهر بينها إلا مرة كل أسبوعين. وإذا ما خرج إليها تبعته ثلة من الكلاب. وقد زاد على هذا الموكب ديك أسود اللون في المقدمة، وهو يؤذن بلحن يشبه النفير! فإذا ما أزمع نابليون الخطابة أذن الديك إشارة لبدء الحديث!

 وقد أشيع أيضا أن نابليون قد أتخذ له مسكنا مستقلا داخل منزل المزرعة، وأنه أصبح لا يجالس أحدا أثناء غذائه، وأن كلبين يقفان على خدمته أثناء الأكل. كما أنه يستخدم أطقم مستر جونز الفخمة، التي كان يستعملها في المناسبات، وقد أخرجها من الصوان، الذي بحجرة الجلوس!

 وقد أعلن بعد ذلك وجوب الاحتفال بذكرى مولده بإطلاق رصاصة من البندقية، تماما كما تحتفل المزرعة بالعيدين الآخرين: ذكرى الثورة، وذكرى معركة زريبة البقر.

 وأصبح من المفروض على الحيوانات ألا توجه الحديث إلى نابليون، إلا بعد ذكر ألقابه كاملة، مثل الزعيم الرفيق. كما أن الخنازير كانت تضيف إلى ذلك لقب (أبي الحيوانات، هازم الإنسانية، حامي الغنم، صديق البط ) وما إلى ذلك من ألقاب. وكان سكويلر حينما يخطب تنهمر دموعه إذا ما ذكر اسم نابليون أو حكمه الغالية وقلبه الرؤوف وصدره، الذي يتسع لجميع حيوانات الأرض، وخصوصا الحيوانات التعسة الطالع، التي تعيش في ظل عبودية الآدميين!

 واعتادت الحيوانات ، إرجاع كل أسباب النجاح والحظ السعيد إلى نابليون . فكانت الدجاجة إذا ما وجهت حديثها الى دجاجة أخرى ابتدرتها قائلة: في ظل إرشادات زعيمنا الرفيق نابليون فقد بضت خمسة بيضات في ستة أيام! وربما قالت البقرة لأختها وهي تشرب من مياه البركة:

حمدا لزعيمنا الرفيق نابليون: ما ألذ وأصفى هذا الماء!

 وقد استلهم الشاعر الخنزير مينيمس وحيه من واقع هذه الحال في هذه القصيدة:

 يا أبا الأيتام يا نبع السرور

 مطعم الجوعان أقداح الشعير

 هادىء كالصخر عات كالشعير

 إيه نابليون يا بدر البدوريا ملاذ الوحش من ظلم الزمن

  تهب القش طريا للوسن

  كل خنزير لديك مطمئن

  عشت نابليون ذخرا للوطن

كلما طار فراش كلما غنت طيور

  عندما يولد عند الفجر خنزير غرير

  صيحة المولود كانت وهو في المهد صغير

  أنت نابليون مجد وذكاء وحبور

وقد أعلن نابليون رضاءه عن هذه الأبيات، وأمر بتعليقها على حائط الحظيرة الكبرى في مواجهة الوصايا السبع. وقد زين سكويلر الجدار بصورة مكبرة للزعيم، قام بتنفيذها باللون الأبيض.

وفي هذه الإثناء كان نابليون منشغلا بمباحثات حساسة يجريها مع جاريه فردريك وبلنجتون، بمعاونة مستر ويمبر بخصوص صفقة الأخشاب، التي لم تكن قد بيعت بعد. وكان الجاران اللدودان ينافسان في شرائها، وإن كانت الأنباء مازالت تتوالى عن أن فردريك مازال على غيه القديم، يحوك هو ورجاله المؤامرات لمحاولة إعادة تحطيم الطاحونة، التي كانت تثير في قلوب البشر أشد الغيرة، كما كان يشاع أن سنوبول مازال قابعا في مزرعة بنشفيلد.

  بل إن ثلاث دجاجات من المزرعة قد اعترفت ذات يوم أنها قد تورطت في مؤامرة حاكها سنوبول لقتل نابليون، وقد أعدمت في الحال، واتخذت تدابير أمن مشددة لحماية الزعيم.

  وكانت تتوالى حراسة سريره أربعة كلاب، كل منها في ركن. وعيّن خنزير شاب اسمه بنكاي ليتذوق كل أطعمة نابليون قبل تقديمها إليه، خوفا من محاولة دس السم!

  وفي ذلك اليوم أشيع أن نابليون كان على وشك بيع الأخشاب الى مستر بلكنجتون والدخول معه في اتفاقية لتبادل السلع بين مزرعة الحيوانات ومزرعة فوكس وود بمعاونة مستر ويمبر، كما أصبحت العلاقات بين طرفي العقد تتسم في الواقع بالود والمجاملة!

  وبرغم أن الحيوانات كانت لا تثق بأحد من البشر وتمقته في الوقت نفسه!

  وحينما آذن الصيف بالانتهاء وكاد بناء الطاحونة يكتمل سرت أنباء عن هجوم وشيك يزمع فردريك القيام به، وقد أشيع أنه قد جيش في سبيل ذلك عشرين رجلا مدججين بالبنادق، وأنه قد رشا بوليس المنطقة، حتى لا يتحرك إذا ما سقطت مزرعة الحيوانات في يده. كما تسربت أنباء عن مدى قسوة فردريك في معاملة حيواناته في مزرعته بنشفيلد: فقد جلد حصانه الهرم حتى الموت، كما أنه ترك بقرة تموت جوعا، وأحرق كلبه في الفرن، وكانت تسليته المفضلة في المساء معارك يديرها ديوكه، وقد رُكبت في أظفارها قطع من أمواس الحلاقة!

  وكان الدم يغلي في عروق الحيوانات حينما تتوالى عليها أنباء هذه القسوة، التي يتعرض لها رفاقها، حتى أنها فكرت في الاستئذان في الهجوم على مزرعة بنشفيلد، وتخليص ما بها من حيوانات مسكينة من براثن مستر فردريك، إلا أن سكويلر نصحها بالتريث وترك مثل هذه الأمور لحكمة الرفيق نابليون ودهائه! وارتفعت موجة الكره ضد فردريك.

  وفي صباح يوم أحد قدم نابليون إلى حظيرة الاجتماعات، وأعلن على الحيوانات أنه لم يفكر في يوم من الأيام في بيع صفقة الخشب الى فردريك، وأنه شخصيا يعتبر أن التعامل مع أمثال مستر فردريك لا يتفق مع كرامته!

  وفي يوم من الأيام صدر الأمر للحمام بعدم التحليق فوق مزرعة فوكس وود، وعدم التعرض لها، والاقتصار على الدعوة إلى الثورة في مزرعة بنشفيلد. كما صدرت إليه التعليمات بتعديل الشعار القديم “الموت للإنسانية” الى “الموت لفردريك”.

  وفي أواخر الصيف اكتشفت مؤامرة جديدة دبرها سنوبول، الذي تبين أنه داهم المزرعة بليل وخلط تقاوى القمح ببذور الحشيش، وقد اعترف بهذا ذكر من الإوز، كان قد شاركه في المؤامرة، ثم انتحر في الحال ببلع حبات من نبات سام.

  وقد تبين الآن للحيوانات كافة أن سنوبول لم يحصل إطلاقا على وسام “بطل البهائم” من الدرجة الأولى عن دوره في معركة زريبة البقر، كما كان يشاع في الماضي. وقد اتضح لها أن سنوبول نفسه هو مصدر هذه الإشاعات المغرضة، وأن حقيقة الأمر هو أن سنوبول كان قد عزل بعد المعركة، لما أبداه فيها من جبن.

  ومرة أخرى قد ساور بعض الحيوانات الشك فيما أذيع عليها أخيرا من معلومات، إلا أن سكويلر استطاع أن يضع الأمور في نصابها وأن يبين لها مدى ضعف ذاكرتها.

  وفي الخريف كانت الحيوانات قد بذلت مجهودا ضخما في حصاد المحصول في موعده تقريبا. وكذلك فقد تمكنت في الوقت نفسه من الانتهاء من بناء الطاحونة في الوقت المحدد، وأصبح لزاما عليها أن تحصل على الأدوات اللازمة لتشغيلها عن طريق مستر ويمبر.

  نعم لقد انتهت من بناء الطاحونة في موعدها المحدد باليوم برغم جميع المصاعب وعدم خبرتها بالبناء ونقص المعدات اللازمة وسوء الطالع وخيانة سنوبول، وأنها إذ تشعر بالتعب فإنها مع ذلك كانت فخورة تطوف حول تحفتها الفنية، التي بدت لها أجمل مما كانت عليه في المرة الأولى، وقد أصبحت حوائطها أكثر غلظا من سابقتها بحيث لا يمكن هدمها إلا باستعمال المفرقعات.

  لقد كان يطوف بذهنها ما لاقته في سبيل بنائها من جهد بالغ ومصاعب جمة، وقد تغلبت عليها بإيمانها، وآن لها أن تهنأ بمستقبل سعيد باسم بعد أن تم لها ما أرادت. وما هي إلا فترة قصيرة حتى يتم تركيب المراوح، لتشغيل المولد الكهربائي.

  كانت هذه الأماني العذبة تدور بخلدها، فتنسى ما مر بها من تعب، وتهرول حول الطاحونة، وهي تصيح بصيحات النصر.

  وأقبل نابليون بشخصه تتبعه كلابه، ويتقدمه ديكه الأسود لتفقد الطاحونة. وقد هنأ بنفسه الحيوانات على انجازها الضخم، وأعلن أنه منذ الآن فإن الطاحونة ستحمل اسمه لتصبح “طاحونة نابليون”.

  بعد يومين من الانتهاء من تشييد الطاحونة دعيت جميع الحيوانات للقاء خاص في الحظيرة. وبين ذهولها الشديد أعلن نابليون عليها نبأ بيع صفقة الخشب لفردريك، وأن عربات فردريك ستحضر في صباح اليوم التالي لتحويل الأخشاب. كما أعلن أنه طوال فترة صداقته بمستر بلكنجتون كان على وفاق سري كامل مع مستر فردريك، وأنه منذ الآن قد قطع علاقاته بمزرعة فوكس وود، وأن حملاته الإعلامية قد تم توجيهها ضد بلكنجتون، وأن شعار الحمام المعدل “الموت لفردريك” قد عدل من جديد ليصبح “الموت لبلنجتون”!

  كما أصدر نابليون تعليماته بتجنب الإساءة الى مزرعة بنشفيلد، وكذلك أنبأها نابليون أن أخبار المعارك المزعومة، التي يديرها فردريك لا أساس لها من الصحة، وأن أخبار قسوته على حيواناته مبالغ فيها للغاية، وأن مثل هذه الشائعات قد أطلقها سنوبول وعملاؤه، وأنه لا صحة لما تردد من وجود سنوبول بمزرعة بنشفيلد، بل أنه يتقلب في أسباب الأبهة والترف بمزرعة فوكس وود.

  وكانت الحيوانات في حالة انتشاء وهي تسمع سكويلر يلقي عليها أخبار دهاء نابليون وخديعته لبلكنجتون. فقد استطاع بإظهار الصداقة له أن يجبر مستر فردريك على رفع سعر الخشب اثني عشر جنيها. واستطرد سكويلر أن مدى حكمة الزعيم تتضح من خلال حذره الشديد من الآخرين، بما في ذلك فردريك نفسه. فإن فردريك أراد أن يسدد ثمن الخشب بما يسمى “الشيك”، وهو عبارة عن قطعة من الورق دوّن عليها أمر بالسداد، ولكن نابليون بزه في لعبة الدهاء حينما اشترط أن يكون الدفع بورق حقيقي من البنكنوت، من فئة خمسة جنيهات، تدفع قبل تسلم الخشب. وقد أذعن فردريك للشروط وقام بالدفع.

  وقرر سكويلر أن ما تجمع لديهم من عملات أصبح كافيا لشراء جميع المعدات اللازمة للطاحونة.

  وفي هذه الأثناء تم تسليم الخشب، الذي نقل على عجل. ثم عقد نابليون اجتماعا خاصا بقاعة الحظيرة، لكي يطلع الحيوانات على ورق البنكنوت. وبدأ نابليون وهو يعتلي سريرا من القش، ويرتدي وساميه، ويفتر ثغره عن ابتسامة عريضة. كما بدت بجانبه كومة من النقود الورقية في طبق صيني.

  وزحفت الحيوانات في بطء، وهي تحملق بكل نظراتها، بل إن بوكسر زاج على ذلك بأن وضع أنفه في الصحن، وهو يشم النقود عميقا، حتى تناثرت من أنفه بعض الرغاوى البيضاء.

  وبعد ثلاثة أيام من هذا المشهد حضر مستر ويمبر على دراجته، وهو ممتقع الوجه، واقتحم بسرعة منزل المزرعة، وسمع بعد ذلك صوت نابليون مدويا، وانتشر خبر الزيارة مثل النار في الهشيم. فقد تبين أن أوراق البنكنوت، التي قدمها مستر فردريك مزورة! وأنه بذلك يكون قد اشترى الخشب بدون مقابل!

  وفي الحال استدعى نابليون جميع الحيوانات، وفي صوت رهيب أصدر حكما بالإعدام على فردريك. فإذا تم القبض عليه فإن الحكم يتم بسلقه في الماء المغلي حيّا!

  كما أنذرها أنه يتوقع المبادرة بالعدوان في أية لحظة من جانب فردريك، بعد أن انكشف غشه. وأن فردريك ورجاله قد يقومون بهجومهم المنتظر في أي وقت، ولذلك فإن نابليون قد أمر بإقامة حراسة كاملة على جميع مداخل المزرعة. كما أنه قد بعث بأربع حمامات إلى فوكس وود، وهي تحمل منه رسائل ودية لإعادة ما انقطع من علاقات بينه وبين بلكنجتون!

  وفي صبيحة اليوم التالي لاحت بوادر المعركة، حينما هرعت طلائع الحيوانات المكلفة بالحراسة إلى مباني المزرعة، على حين كانت الحيوانات تتناول الفطور.

  وقد أنذرت هذه الطلائع بأن فردريك ورجاله قد اقتحموا بالفعل بوابة المزرعة، ذات العوارض الخمس. وتحركت الحيوانات بشجاعة لمقابلة الزحف، ولكنها هذه المرة لم تحظ بالنصر السريع، الذي سبق لها أن أحرزته في معركتها السابقة “زريبة البقر”.

  فقد كان المهاجمون خمسة عشر رجلا، منهم ستة مسلحون بالبنادق. وقد بادروا الحيوانات بسيل من الرصاص، وهم على بعد خمسين ياردة منها. ولم تستطع الحيوانات مقابلة الرصاص المنهمر، برغم ما بذله نابليون وبوكسر من جهد في تجميع صفوفها، وانسحبت الى الخلف، وقد أصيب عدد منها بجروح. ثم تحصنت بمباني المزرعة، وأطلت بحذر من خلال النوافذ الضيقة، وثقوب الأبواب. وقد وقعت مراعي المزرعة والطاحونة في أيدي أعدائها.

  وخيل للجميع، بما في ذلك نابليون أن المعركة قد أنتهت بالفعل، وقد تمت هزيمتها. وكان نابليون يغدو ويروح بصبر نافذ، وذيله المتقلص يتحرك في عصبية. ومن حين لآخر فإنه كان يتطلع الى الناحية، التي بها مزرعة فوكس وود، وعيناه تنظران في ضراعة، فلو أن مددا جاءه منها، فربما يستطيع أن يقلب الوضع لمصلحته.

  وفي هذه الأثناء عادت الحمامات الأربع، وهي تحمل لنابليون رسالة، ردا على خطابه إلى بلكنجتون، وقد ضمنها العبارة الآتية: “لقد نلت جزاءك”!

  وتابع نابليون تحركات الأعداء، فإذا بهم يتوقفون حول الطاحونة. ونظرت الحيوانات واجفة إلى رجلين من بينهم يحاولان تدمير الطاحونة، وقد حملا في أيديهما عتلة ومطرقة.

  وطمأن نابليون الحيوانات بألا تخشى شيئا، وأن بناء الطاحونة أقوى من أن يحطمه رجلان قبل أسبوع كامل. وطلب إليها أن تحتفظ برباطة جأشها!

  وكان بنيامين يتابع تحركات الرجلين باهتمام بالغ، وهما يحفران حفرة تحت الطاحونة، يستعملان فيها المطرقة والعتلة. وبتؤدة هز بنيامين رأسه، وكأنه قد أدرك ما يحاولان أن يفعلاه، وقد بدأت على وجهه علامات الرضا عن النفس، وقال: إنني أتوقع منهما ذلك، إنهما يحفران حفرة تحت الطاحونة وسملآنها بمواد ناسفة.

  ولم تكن الحيوانات لتجرؤ على الخروج من مكامنها بالمباني، وقد قبعت تراقب مجريات الأحداث وهي واجفة. وبعد دقائق معدودات شاهدت الرجال تجري بعيدا عن الطاحونة في كل اتجاه. ثم سمعت صوت أنفجار مدو، طار عند سماعه الحمام مذعورا، وألقت الحيوانات بنفسها على بطونها، وقد أخفت في الأرض وجوهها، ماعدا نابليون.

  وحينما عادت الحيوانات لمراقبة مجريات الأمور شاهدت دخانا أسود يتصاعد إلى السماء. ولما انقشعت تلك السحابة السوداء، كانت الطاحونة قد اختفت عن الأنظار، وقد تناثرت على الأرض حطامها!

  وعند هذا المنظر الرهيب نسيت الحيوانات يأسها وخوفها، ودبت في صدورها نار الغضب والثورة، وانطلقت صيحة مدوية تدعو للانتقام. انطلقت في إثرها الحيوانات صفا واحدا متماسكا، دون انتظار للأوامر، وأطبقت على أعدائها غير عابئة برصاصهم المنهمر.

  ثم تلاحمت في معركة رهيبة، وانطلق الرجال يضربونها بعصيهم وأحذيتهم الثقيلة. وقد قتلت في المعمعة بقرة وثلاث نعاج وإوزتان، كما أصيب كل المتحاربين بجروح وإصابات مختلفة: فنابليون الذي كان يقود العمليات الحربية عن كثب أصيب طرف ذيله برش الرصاص فبتره. وكذلك أصيب الرجال جميعا، فقد أصاب بوكسر بضربات حافره الحديدي جماجم ثلاثة منهم، كما أحدثت بقرة بقرونها جرحا غائرا ببطن أحدهم، ومزقت جيسي وبلويل سراويلهم.

  وكان نابليون قد سبق أن أصدر أمرا إلى كلابه التسعة بمراقبة سور المزرعة، وقد عادت الكلاب فجأة وهي لا تكاد ترى السور، وقد علا نباحها إلى جانب الرجال المهاجمين.

  وقد كان لظهورهم المباغت أثره على الرجال، الذين خافوا أن تطوقهم الحيوانات، وأمرهم فردريك في الحال بالانسحاب في الوقت المناسب. وهرع الرجال الجبناء إلى خارج المزرعة ينشدون السلامة!

  وانطلقت الحيوانات في إثرهم تركلهم حتى اضطر الرجال الى الهروب عبر أسوار المزرعة الشوكية، إبقاءً على حياتهم.

  لقد تم للحيوانات النصر، ولكنها كانت مرهقة تنزف، وفي بطء عادت (ثانيا) إلى مباني المزرعة، وهي تعرج، وقد حركت مشاعرها مناظر رفيقاتها وهي صرعى على الحشيش، وانطلقت بعضها تبكي.

  ثم توقفت قليلا أمام أطلال الطاحونة، والأسى يغمر نفوسها. فقد كانت رمزا حيا لإرادتها، وهاهي ذي قد تهدمت من أساسها، بل إن أحجارها كانت قد تناثرت بعيدا بفعل الانفجار، وحتى أصبح من العسير إعادة استخدامها في البناء من جديد. لقد أصبحت الطاحونة أثرا بعد عين!

  وحينما اقتربت الحيوانات من مباني المزرعة خرج عليها سكويلر، وهو يهز ذيله ووجهه يطفح بالبشر. لقد كان قابعا في مكانه حينما كانت تحارب، وها هو ذا يعد لها استقبالا يليق بالمنتصرين، وسمعت رصاصة تدوي وتساءل معها بوكسر عن سبب إطلاق الرصاصة، فصاح سكويلر احتفالا بالنصر. وتساءل بوكسر (ثانيا) أي نصر؟

  وكانت ركبته تنزف دما، وقد فقد حدوة حديدية، كما أصيب أحد حوافره بكسر، واستقر رش البنادق في فخذيه الخلفيتين، وعندئذ صاح سكويلر ببوكسر: تتساءل عن النصر! ألم نطرد نحن أعداءنا من أرضنا، أرض الحيوانات المقدسة؟

  فقال بوكسر: ولكنهم حطموا الطاحونة، التي اجتهدنا في بنائها عامين.

  وصاح سكويلر: سنبني إذا ما شئنا ست طواحين!

  ألا تتصورون أيها الرفاق مدى الانجاز الضخم، الذي حققناه ؟ ألم يكن أعداؤنا قد احتلوا أرضنا، التي نقف عليها الآن، ثم استعدناها نحن قطعة قطعة، بفضل زعامة الرفيق نابليون الرشيدة ؟

  وهنا قاطعه بوكسر متسائلا من جديد: أي نصر هذا ؟ كل ما في الأمر أننا استعدنا (ثانيا) ما كان لنا من قبل!

  فأجابه سكويلر: إن ذلك هو النصر المبين!

  وواصلت الحيوانات المسيرة، وبوكسر يعرج وقد أحدثت به كرات الرش، التي استقرت تحت جلده ألما شديدا. وكان في ذلك الوقت يفكر في العبء الجسيم، الذي ألقت به المعركة على أكتافهم، فإن الطاحونة التي نسفت لابد أن يعاد بناؤها من جديد.

  ولقد عقد بوكسر العزم على تهيئة نفسه لهذا الغرض العظيم. وللمرة الاولى من حياته، التي امتدت أحد عشر عاما شعر بوكسر بوطأة السنين وثقلها، كما أحس بالوهن يدب في عضلاته القوية!

  وعندما شاهدت الحيوانات العلم الأخضر، وهو يرفرف على ساريته، وسمعت دوى الرصاص للمرة السابعة، ونابليون يقوم فيها خطيبا يهنئها على بسالتها – خيل إليها في نهاية المطاف أنها قد أحرزت بالفعل نصرا عظيما، وقامت بدفن ضحايا المعركة في موكب مهيب! وكان بوكسر وكلوفر يجران العربة، التي وسدت فيها الجثث، ويتقدمها نابليون شخصيا.

  وظلت لعدة أيام بعد ذلك تحتفل بانتصارها بإلقاء الخطب وترديد الأناشيد وإطلاق الرصاص، ووزعت عليها وأهدى لكل حيوان تفاحة، وكل طائر أوقيتان من القمح، وكل كلب ثلاث قطع من البسكويت. وأطلق نابليون على الحرب الأخيرة اسم “معركة الطاحونة”.

  وقد أمر نابليون بتخصيص وسام تخليدا لذكرى المعركة من مرتبة وشاح العلم الأخضر، الذي أنعم به على نفسه.

  وفي غمرة الابتهاج بالنصر نسين الحيوانات قصة البنكنوت المزيف.

  وبعد أيام قلائل من هذه الاحتفالات أخرجت الخنازير من مخزن المنزل صندوقا من الويسكي، كانت قد تركته بعد استيلائها على المزرعة.

  وفي هذا المساء سمعت الحيوانات صخبا شديدا ينبعث من منزل المزرعة، كما سمعت الخنازير تغني بصوت عال، وتخلط الأنغام بعضها ببعض، وقد أدهشها أن تسمع بين هذا النشاز بعض فقرات من النشيد الممنوع “ياوحوش انجلترا”.

  وفي الساعة التاسعة والنصف مساءً لمحت الحيوانات لدهشتها الشديدة نابليون وهو يرتدي قبعة مستر جونز، وقد خرج من الباب الخلفي للمنزل مهرولا، ودار حول ساحة الفناء ثم عاد ثانيا من حيث جاء دون ما سبب واضح.

  وفي صباح اليوم التالي كان الصمت مخيما على المنزل حتى الساعة التاسعة صباحا، ثم خرج سكويلر وهو يمشي الهوينى، وتبدو عليه علامات المرض والاكتئاب، وقد انتفخت عيناه، وهو يجر ذيله جرا، وقد تهدل خلفه وجمع حوله الحيوانات ليتلو عليها الخبر المقتضب الآتي: “إن زعيمنا نابليون في النزع الأخير”.

  وعندئذ أخذت الحيوانات في الولولة، ثم قامت بفرش القش في الفناء لكيلا تحدث صوتا يقلق راحة المحتضر، وكانت تمشي على أطراف أصابعها، وإذا ما تحدثت فبالهمس، وكانت تسائل بعضها بعضا والدموع في مآقيها عن مصيرها إذا ما مات الزعيم!

  وقد سرت إشاعة أن سنوبول هو الذي دس السم في طعام نابليون. وفي الساعة الحادية عشرة خرج عليها سكويلر (ثانيا) بالخبر التالي: “أيها الرفاق، إن زعيمنا قبل أن يوافيه الأجل المحتوم قد أصدر مرسوما باتّا بعقوبة الموت بالإعدام على كل من تسول له نفسه شرب الخمر!

  وعند المساء سرت أنباء سعيدة بتحسن صحة الزعيم. وفي اليوم التالي أعلن سكويلر أن صحة الزعيم في تقدم مطرد. وفي مساء اليوم التالي عاد نابليون إلى مهام منصبه. وفي اليوم التالي أصدر نابليون أوامره إلى مستر ويمبر بشراء المراجع الخاصة بطرق التخمير والتقطير.

  وبعد أسبوع أصدر نابليون أوامره بحرث المرعى الصغير، الواقع خلف حديقة الفاكهة، وهو كان قد اتفق على تخصيصه لكبار السن من الحيوانات، التي تحال الى التقاعد.

  وقد علل إجراءه هذا بأن الحشيش الضار قد داهم هذا المرعى، فلزم الأمر بحرث الأرض وتجهيزها تمهيدا لإعادة زراعتها من جديد.

  ثم تبين للحيوانات فيما بعد أن نابليون قد أمر بزراعة هذا المرعى شعيرا.

  وفي الليلة ذاتها وقع بالمزرعة حادث مريب، وإن لم تكن الحيوانات لتعرف ما وراءه. فعند منتصف الليل سمعت جميعا صوتا مكتوما ينبعث من الفناء وكأنه جسم يرتطم هوى الأرض من عل!

  وقد هرعت الحيوانات من حظائرها، لتستطلع الخبر في ضوء القمر، وعند الحائط الخلفي لمبنى الحظيرة الكبرى، حيث قد دونت الوصايا السبع وجدت الحيوانات سلما مهشما على الأرض، وسكويلر ملقى بجانيه، وهو في حالة ذهول مؤقت، وقد سقط بجانبه مصباح وفرشاة، وعلى الأرض بقايا طلاء أبيض يسيل من علبة مقلوبة.

  وكانت الكلاب تحيط بسكويلر وكأنها تحرسه. ثم ما لبث أن أفاق من غشيته، وحينما استطاع النهوض انسحب قافلا للمنزل بين دهشة الحيوانات، التي استبد بها الفضول إلا بنيامين، فقد ظل صامتا يهز رأسه وتبدو عليه سمات العارفين!

  وبعد ذلك الحادث بأيام، بينما كانت موريل تعيد لنفسها قراءة الوصايا السبع لاحظت أن وصية من بينها قد سبق للحيوانات حفظها على غير وجهها الصحيح، فإن نص الوصية الخامسة، التي درجت الحيوانات على حفظها عن ظهر قلب كانت كما يأتي: “غير مسموح للحيوانات بشرب الخمور”، إلا أن موريل في قراءتها الأخيرة اكتشفت أنها كانت قد نسيت كلمتين عثرت عليهما من بعد لتصبح الوصية مكتملة كالآتي: “غير مسموح للحيوانات بشرب الخمر.. لحد الإفراط”!

الفصل التاسع

كان حافر بوكسر بطيئا في التئامه، وقد ابتدأت الحيوانات في إعادة بناء الطاحونة بعد أن انتهت مهرجانات الاحتفال بالنصر مباشرة، ولم يكن بوكسر ليقبل أن يتوقف العمل يوما واحدا، بالرغم ما يعانيه من بالغ الألم.

 وكان اعتزازه بكرامته يأبى عليه أن يطلع رفاقه على مدى إحساسه بالألم، فإذا ما أقبل المساء وانتهت نوبات العمل – قفل راجعا إلى كلوفر يبث لها ما يعانيه.

 وكانت كلوفر تعد له لدائن من الحشيش الممضوغ تداوي بها حافره المصاب. وكانت هي وبنيامين يلحان عليه إلحاحا شديدا ألا يرهق نفسه هذا الإرهاق الشديد في عمله الدائب، وطالما رددت كلوفر على مسامعه ما تعلمه من أن رئة الخيل هي نقطة الضعف فيها يؤثر عليها الإجهاد الشديد تأثيرا سيئا.

 ولم يكن بوكسر ليستمع إليها، وآماله كلها تتركز في ضرورة الانتهاء من تشييد الطاحونة، وأن يوفر لها كل الإمكانات الضرورية قبل أن يبلغ سن التقاعد المقررة، والتي لم يبق له على بلوغها إلا القليل.

 ففي بداية حركة الانقلاب قننت الثورة نظاما تحال بموجبه شتى الحيوانات الى التقاعد عند سن محددة، وكانت هذه السن اثني عشر عاما للخنازير والخيل وأربعة عشر عاما للبقر وتسعة أعوام للكلاب وسبعة للأغنام وخمسة أعوام للدجاج والإوز والبط، وقد طرحت هذه اللائحة للتصويت وحظيت بالإقرار بالإجماع.

 ولم يكن أحد من حيوانات المزرعة قد بلغ بعد سن التقاعد، ومع ذلك فقد أعيد طرح موضوع التحديد لسن المعاش لمختلف الأصناف المرة تلو المرة.

 وقد قيل أخيرا بعد أن خلص المرعى الصغير وزرع شعيرا: إن جزءا من المرعى الكبير سيسور ويخصص للمحالين إلى المعاش. كما قيل أيضا: إنه قد اتفق على المخصصات المقررة للمتقاعدين، وهي خمسة أرطال من الغلال يوميا، يزاد عليها في الشتاء خمسة عشر رطلا من الدريس، كما يضاف إلى هذه الوجبة جزر أو تفاح في المناسبات.

 وكان بوكسر سيصل إلى تمام سن الاثنى عشر عاما في نهاية الصيف في العام التالي . وفي هذه الأثناء كانت الحيوانات تعمل عملا متواصلا في شتاء قارص كسابقة، وكان الغذاء المتاح لها أقل مما اعتادته.

 ومرة أخرى تقرر تخفيض وجبات جميع حيوانات المزرعة ما عدا الخنازير والكلاب ، وبرر سكويلر ذلك التفاوت في المعاملة بقوله إن المساواة الكاملة في الوجبات تتنافى في جوهرها ومبدأ الحيوانية !

 وقد قرأ عليهم البيانات الإحصائية ، التي يتضح منها بجلاء أن وجباتهم المعدلة كافية ، برغم المظاهر التي تتعارض هي وهذه الحقيقة.

 وكان سكويلر يصر على استعمال كلمة التعديل في المقررات الغذائية، بدلا من لفظ الإنقاص . وقد اتضح من المقارنات الإحصائية، التي ساقها لها أنها بالفعل تحظى بغذاء وافر يفوق بكثير ما كان جونز يقدمه لها.

 ويتضح منها مدى الرغد ، الذي تنعم به . وفي صوت سريع يفيض بالانفعال بين لها الزيادة ، التي تحظي بها في كل المواد الغذائية من القرطم والدريس واللفت، كما بين لها انخفاض ساعات عملها الفعلية في ظل الثورة وتحسن نوعية ونقاء مياه الشرب وارتفاع متوسط الأعمار وانخفاض نسبة وفيات الأطفال، كما أنها أصبحت تنعم بالمزيد من القش اللازم للتدفئة، كما هبطت نسبة وجود البراغيث كثيرا عما كانت عليه قبل الانقلاب.

 ولقد صدقت الحيوانات كل ما أذاعه عليها سكويلر، وخصوصا أنها أصبحت لا تتذكر عهد جونز بوضوح .

 إنها و لاشك تعاني من وطأة عمل قاس في ظل ظروف صعبة، فهي تعمل طوال يومها برغم البرد والجوع ، ولكنها برغم ذلك لابد أن تكون بالفعل أسعد حالا مما كانت عليه في العهد الماضي!

 إن مثل هذه الحقائق التي أبرزها سكويلر ، والتي أضحت تقتنع بصحتها تضفي عليها بعض الراحة والسعادة . كما ألمح سكويلر بنعمة الحرية، التي تحظي بها . وقد أسعدت الحيوانات فكرة العمل بوحي من نفسها.

 وعند قدوم الخريف جد على المزرعة أعضاء جدد ، فقد وضعت أربع خنزيرات واحدا وثلاثين مولودا فيما بينها يقع على المزرعة عبء إطعانها، ولما كانت جميع الخنازير الوليدة رقطاء اللون، ولما كان نابليون هو الذكر الوحيد بين الخنازير، الذي لم تجر عليه عملية الخصى – فقد كان يظن بالمزرعة أنه الأب الأوحد المحتمل، وذلك ما قد تم بالفعل إعلانه رسميا بعد ذلك وقد تقرر بناء مدرسة خاصة بها حالما يوجد الطوب والخشب اللازمان.

 وقد كان نابليون يشرف بنفسه على توجيه هذه الخنازير الصغيرة في مطبخ المنزل، وكانت تتدرب على الرياضة بحديقة المنزل، كما صدرت إليها التعليمات بتجنب اللعب مع صغار الحيوانات الأخرى . وفي ذلك الوقت أيضا صدرت التعليمات لحيوانات المزرعة بأنه إذا ما تقابل خنزير وحيوان آخر في ممر ضيق فإنه ينبغي على هذا الحيوان الآخر أن يتنحى جانبا ريثما يمر الخنزير!

 وكذلك أعطى الإذن لجميع الخنازير على اختلاف رتبها بتزيين ذيولها بالأشرطة الخضراء في أيام الآحاد!

 ومع أن محصول الموسم كان جيدا فإن المزرعة كانت تعاني من نقص العملات النقدية لشراء الطوب والرمل والجير لبناء المدرسة، وكذلك لتوفير شتى متطلبات الطاحونة من الأجهزة، وكان عليها أيضا شراء البترول اللازم للإضاءة والشموع للمنزل، والسكر لنابليون وحده، فقد أصدر أمره بحظر أكله على بقية الخنازير بدعوى حرصه على عدم ترهلها، وكذلك ينبغي شراء الأدوات المختلفة كالمسامير والحبال والفحم والأسلاك والحديد وبسكويت الكلاب!

 ولذلك فقد بيعت كمية من الدريس ومحصول البطاطس، كما عدل عقد بيع البيض بحيث زيد الى ستمائة بيضة أسبوعيا، مما كان يهدد بنقص عدد الدجاج بالمزرعة بعد أن اتضح أن البيض المخصص للفقس في هذا العام لم يكن كافيا.

 وقد تقرر إنقاص الوجبات المقررة للحيوانات في شهر ديسمبر، وأعيد إنقاصها في فبراير. كما حظر عليها استعمال المصابيح في حظائرها اقتصادا للبترول، وبرغم ذلك فإن الخنازير كانت دائما في أحسن حال، بل أنها بدت أكثر وزنا!

 وبعد ظهر يوم من الأيام سرت رائحة زكية تنبئ بغذاء دافئ مطبوخ ، ولم تكن الحيوانات قد شمت من قبل مثل هذه الرائحة التي كانت تنبعث من معمل التخمير الذي خلف المطبخ، والذي كان قد أهمل منذ رحيل مستر جونز، وظلت الحيوانات تشم هذه الرائحة المنبعثة التي تشبه رائحة الشعير المطبوخ ، وهي تحلم بوجبة ساخنة عند العشاء تهدئ من شدة البرد، الذي تعانيه عند حلول المساء.

 ولكن حلمها هذا كان بعيدا عن التحقيق، بل على العكس من ذلك: ففي اجتماع يوم الأحد تلقت الحيوانات الأمر بتخصيص كل إنتاج الشعير لاستعمال الخنازير وحدها، وكان الحقل الذي خلف حديقة الفاكهة قد زرع شعيرا بالفعل.

 وقد تشربت الأنباء للحيوانات أنه قد قرر لكل خنزير قدح من الجعة يوميا على حين خصص لنابليون نصف جالون يقدم له في صحن عميق من الصيني الفاخر!

 نعم، إن الحياة أمام الحيوانات قد أصبحت قاسية وإن كان يخفف عليها بعض هذه القسوة شعورها بمزيد من الكرامة أكثر من ذي قبل، وكذلك فإنها كانت تنعم بمزيد من الأغاني والخطب والمواكب، كما أمر نابليون أن تقدم لها كل أسبوع حفلة مفآجات تدور في محورها حول انتصار مزرعة الحيوانات وحتمية النضال!

 وفي المواعيد المقررة لانتهاء العمل كانت الحيوانات تصطف وتسير في مشية عسكرية حول حدود المزرعة في حين تمشي الكلاب على جانبي الموكب باصدرها جميعا ديك نابليون الأسود.

 وكان بوكسر وكلوفر يحملان فيما بينهما علم المزرعة الأخضر يزينه حافر وقرن وقد كتب عليه: “يعيش الرفيق نابليون”.

 وبعد ذلك الموكب كانت تتلى عليها قصائد المديح لنابليون، ثم تبدأ خطبة سكويلر لبيان آخر تطورات المركز الإحصائي لزيادة الإنتاج الغذائي. وتيمنا بهذه المناسبة تطلق رصاصة من البندقية.

 وكانت الغنم أكثر الحيوانات ترحيبا ومساهمة في مثل هذه الحفلات المرتجلة، وإذا ما همس أحد الحيوانات بالشكوى (وهو ما كانت تفعله إذا لم يكن الخنازير أو الحمام بجوارها ) من طول الحفلات ، مما يضيع عليها الوقت، ويعرضها للوقوف الطويل في الصقيع – كانت الغنم تسرع الى إسكاته بهتافها المدوى: “ذوات الاربع اخيار.. ذوو الرجلين أشرار!”، ولكن الغالبية العظمى من الحيوانات كانت تسعد بهذه الحفلات وما فيها من خطب عن الحرية، كما كانت تسعد أيضا بالأغاني والمواكب وبيانات سكويلر الإحصائية وفرقعة البارود وأذان الديك ورفع العلم، فإن كل هذا كان ينسيها وطأة الجوع الذي كانت تعانيه ولو لبعض الوقت.

 وفي ابريل أعلنت مزرعة الحيوانات أنها قد اختارت النظام الجمهوري كنظام للحكم، وأنه يتعين انتخاب رئيس للجمهورية، ولما لم يكن أحد قد تقدم للترشيح لهذا المنصب، إلا نابليون وحده فقد انتخب بإجماع الآراء.

 كما أذيع في اليوم نفسه أنه قد تم العثور على وثائق جديدة يتضح منها بجلاء تآمر سنوبول مع جونز، وهي تفاصيل تؤكد دور سنوبول في الخيانة، فإنه لم يكتف كما كان يتصور بالعمل على طعن زملائه الحيوانات من الظهر عند معركة “زريبة البقر” وفقا لخطة مدبرة، بل إنه حارب جهارا في جانب جونز وفي وضح النهار، بل إنه كان في حقيقة الأمر يقود بنفسه حملة الآدميين، وإنه قد ابتدر المعركة وهو يصيح “فليحي بنو آدم”! أما الجروح التي كانت تدمي في ظهره، والتي كانت الحيوانات تظنها من أثر بندقية جونز، فلم تكن في حقيقة أمرها إلا بفعل أسنان نابليون!

 وفي منتصف الصيف ظهر في المزرعة فجأة الغراب موسى بعد غياب استمر لعدة أعوام، ولم تكن طبائعه قد تغيرت في شيء، فهو كسول لا يحب العمل، وحينما يتكلم فإنه كان يؤكد من جديد قصته القديمة عن جبل “السكر نبات”، ولقد كان يجثم على جذع شجرة قديمة ، ويفرد جناحيه الأسودين، ويتكلم في هذا الموضوع لساعات طويلة لمن يستمع إليه.

 وكان يشير بمنقاره الضخم الى السماء ثم يقول في وقار : هنالك في السماء أيها الرفاق ، هنالك في أعالي السماء وخلف هذه السحابة الداكنة، التي ترونها بأعينكم جبل “السكر نبات” موطن السعادة حيث تلجأ إليه الحيوانات التعسة الى الأبد تستريح من شقاء الدنيا!

 بل أن موسى وصل به الحد الى الادعاء بأنه صعد الى السماء بنفسه، وشاهد حقول البرسيم يحدها سور من الفطائر وكتل السكر!

 وقد آمن بنبؤته كثير من الحيوانات، التي استحالت حياتها الى تعس أي تعس والى جوع مرير وقد صورت لها أمانيها أن عالما آخر لابد أن ينتظرها حيث يسود العدل ويعم الحق!

 ولم تكن طبيعة العلاقات ما بين الخنازير والغراب مفهومة، فمع أنها كانت تسخر بنبؤته عن جبل “السكر نبات” فإنها مع ذلك قد سمحت له بالإقامة في المزرعة بلا عمل، بل إنها كانت تصرح له بقدح صغير من الجعة يوميا!

 التأم حافر بوكسر وهو مستمر في عمله بعزيمة لا تعرف الكلل، وحينما تم له الشفاء انكب على عمله بعزيمة أقوى من ذي قبل، كما كانت الحيوانات كلها تعمل كما يعمل العبيد الأرقاء طوال عامها. فبجانب العمل في إعادة بناء الطاحونة وفلاحة الحقل – كان عليها بناء مدرسة لصغار الخنازير، وابتدأت في بنائها في شهر مارس فعلا.

 وبرغم قسوة العمل مع نقص الوجبات الغذائية فإن بوكسر لم تفتر عزيمته ولم تبد عليه في أحاديثه أو عمله أية ظاهرة من ظواهر الشيخوخة، وإن يكن مظهره قد تغير بعض الشيء، فقد انطفأت لمعة شعره، ونقص حجم عجزه، وكان أصدقاؤه يأملون له أن يسترد وزنه إذا ما أقبل الربيع، إلا أن آمالهم لم تتحقق في هذا الشأن.

 بل إن مظاهر الضعف ابتدأت تلوح عليه حينما كان يصعد المرتقى الصعب من المحجر الى موقع الطاحونة، وكانت قوة إرادته وحدها هي التي تبقيه واقفا على أرجله، وكانت الحيوانات تراه وهو يجاهد ويتمتم “سأعمل أكثر” وصوته لا يكاد يخرج من فمه من الضعف، وكان كلوفر وبنيامين يحذرانه من مغبة تبديد ما بقى له عاما وقد كرس كل همه في أن يجمع للحيوانات القدر الكافي من الحجارة لإعادة بناء الطاحونة قبل أن يصل الى سن التقاعد!

 وفي ساعة متأخرة من مساء الصيف سرت في المزرعة إشاعة مفادها أن سوءا قد وقع لبوكسر حينما كان يجر بمفرده أحمالا من الحجارة الى موقع الطاحونة، ثم أقبلت حمامتان مذعورتان بالخبر اليقين، فقد انكفأ بوكسر على جانبه وإنه لا يستطيع حراكا!

 وهب أكثر من نصف حيوانات المزرعة مندفعا الى الربوة وإذا بها تجد بوكسر مطروحا بين عارضتي عريشة العربة ورقبته ممدودة الى الأمام وهو عاجز أن يقيم رأسه وقد غمر العرق الأبيض جانبيه! وكانت عيناه تلمعان كالزجاج ليس فيهما أثر للوعي أو الإدراك وكان شريط رفيع من الدماء يسيل من فمه.

 وقد ركعت كلوفر على ركبتيها الأماميتين بجواره وهي تناجيه: بوكسر، كيف حالك ؟ وبصوت واهن أجابها بوكسر: رئتاي! ثم تمتم لا شيء يهمني الآن وقد جمعت من الحجارة ما يكفي الطاحونة، وأظنكم قادرين على إكمالها بعدي!

 وأضافت أنني اقتربت من السن المقررة للتقاعد ولم يبق لي على بلوغها الا شهر واحد على أي حال، وإنني كنت أتطلع بأمل كبير الى بلوغ سن التقاعد لقد كنت أخفي عنكم أملي هذا. وقد أسعدني أن بنيامين كاد يناهز هو أيضا السن المقررة، وما أظن أحدا سيضن علينا بالراحة بعضنا الى جوار بعض!

 وقالت كلوفر له: يجب أن ننقلك في الحال الى مباني المزرعة، واهابت بإحدى الحيوانات أن تذهب، لتبلغ سكويلر ما حدث، وانفضت الحيوانات من حوله الا كلوفر وبنيامين، الذي ركع بجانبه دون أن يهمس بكلمة يذود عنه الذباب بذيله الطويل.

 وبعد ربع ساعة حضر سكويلر وحوله الحيوانات، وهو يبدي اهتمامه وتعاطفه. كما ابلغ بوكسر أن الرفيق نابليون قد أحيط علما بالأنباء، وأنه يبدي بالغ أسفه لما حل به، وخصوصا انه يعتبره أخلص العاملين بالمزرعة، وان ترتيبات قد اتخذت لنقله الى المستشفى البيطري في ويلنجدون.

 وقد شعرت الحيوانات بشيء من الجزع لنبأ إزماع نقل بوكسر الى المستشفى، فان أحدا منها لم يبارح قط حدود المزرعة بخلاف مولى وسنوبل، وان فكرة وضع بوكسر تحت رعاية الآدميين لم تكن لتسعدها، إلا أن سكويلر أفهمها أن علاج بوكسر يحتاج الى رعاية خاصة لا تتوافر بالمزرعة.

 وبعد ذلك بنصف ساعة حينما استرد بوكسر بعض عافيته وقف على أقدامه بصعوبة، وانسحب الى حظيرته في بطء على حين هيأت له كلوفر ومعها بنيامين كومة من القش، لينام عليها، وظل بوكسر طريح فراشه يومين كاملين وقد عثرت الخنازير على زجاجة من الدواء وجدتها في حمام المنزل بعثت بها الى بوكسر، وكانت كلوفر تزوده بجرعتين منها بعد الأكل.

 وفي المساء بعد انتهاء العمل كانت توافيه وتنام معه في حظيرته، وتتحدث إليه. كما كان بنيامين يزوره ويذود عنه الذباب بذيله.

 وكان بوكسر كعادته شجاعا في مرضه، ولم يكن يشعر بالأسى على نفسه، فإذا ما قدر له الشفاء فإنه كان يتوقع أن يعيش لثلاث سنوات أخرى في ركن من المرعى الكبير يقضيها في راحة وسلام.

 وقد كان يصبو الى هذه الفرصة التي ستتيح له الوقت الكافي للدراسة والمعرفة، وقد كان يأمل أن يحفظ بقية حروف الهجاء الباقية وعددها اثنان وعشرون حرفا. وظلت كلوفر وكذلك بنيامين يزورانه كل يوم بعد انتهاء ساعات العمل.

 وفي ظهر يوم من الأيام بينما كانت الحيوانات تقوم بزراعة اللفت تحت إشراف الخنازير حضرت الى المزرعة عربة ضخمة لنقل بوكسر، وقد دهشت الحيوانات حينما رأت بنيامين يهرع إليها من ناحية مباني المزرعة وهو ينهق بأعلى صوته.

 وكانت هي المرة الاولى التي تبصر فيها بنيامين وقد استبد به الانفعال.

 وكذلك فقد كانت المرة الاولى التي رأته فيها وهو يعدو ويصرخ بأعلى صوته: تعالوا حالا سريعا، إنهم يأخذون بوكسر بعيدا!

 ودون أن تستأذن الحيوانات الخنازير انفضت عن أعمالها هارعة الى مباني المزرعة، حيث أبصرت عربة نقل صندوقية يجرها حصانان، وعليها كتابة بالحروف الضخمة، ويسوقها حوذي يرتدي قبعة ذات شكل خاص. وانطلقت الحيوانات الى العربة تودع بوكسر وهي تدعو له بالسلامة.

 وصاح فيهم بنيامين: أيها المغفلون . أيها المغفلون – يقول هذا وهو يدور حولهم، ويدق الأرض بحافره – أيها المغفلون ألا تعلمون ما معنى الكتابة التي دونت على العربة؟

 وخيم الصمت على الحيوانات، وابتدأت موريل في فك الرموز، ولكن بنيامين دفعها جانبا ووسط ذهول الحيوانات انبرى يقرأ الكتابة، فكانت: “ألفريد سموندز – جزار خيول – وتاجر غراء – ويلنجدون متعهد جلود وعظام ومورد غذاء للكلاب!!”

 وصاح بنيامين فيهم: ” ألا تذكرون بعد ما يدور حولكم ؟ إنهم يقذفون بوكسر الى الجزار، وانبعثت من الحيوانات صيحات الذعر والاستنكار، وعند هذه اللحظة ألهب الحوذي ظهر خيله بالسوط، وتحركت العربة تجرها الخيل وهي تخب خببا أنيقا.

 وتبعت الحيوانات العربة وهي تعدو وتولول ولولة عالية، واندفعت كلوفر وهي تعدو بأسرع ما تستطيع أرجلها وهي تصيح بوكسر، بوكسر، بوكسر!

 وعند سماع صوتها أطل بوكسر برأسه ذي الوسمة البيضاء، فابتدرته كلوفر محذرة : أخرج من العربة ، بسرعة، إنهم يسوقونك الى حتفك! وصاحت الحيوانات : اهرب يا بوكسر! ولكن العربة كانت تسرع في جريها، وهي تيمم نحو باب المزرعة.

 ولم تكن كلوفر على يقين أن بوكسر قد فهم فحوى رسالتها، الا أن رأس بوكسر اختفى من فتحة العربة، ثم سمعت الحيوانات أصوات حوافر بوكسر وهي تحدث بجدران العربة الخشبية ضجيجا هائلا، محاولا أن يجد لنفسه منفذا الى الهرب.

 ولكن الزمن الذي كان فيه بوكسر قادرا على تحطيم صندوق العربة الى شظايا كعيدان الثقاب ولى، وأصبح عجوزا محطما، فما هي الا لحظات قليلة من المحاولة حتى خفتت أصوات حوافره، وخيم الصمت على العربة من جديد. وفي محاولة يائسة اندفعت الحيوانات تجري وراء العربة، وهي تناشد حصاني العربة ألا يأخذ أخاهما الى حتفه!

 وتحركت آذان الحصانين الى الخلف يستمعان هذه الجلبة، وإن كانا لا يفهمانها، واندفعا بسرعة الى الأمام، ثم شرعت الحيوانات في الاندفاع الى بوابة المزرعة ذات العوارض الخمس وسد طريق الخروج أمام العربة، الا أنها كانت قد اقتربت منها وشقت طريقها الى خارجها، وقد اختفى بوكسر معها الى الأبد!

 وبعد ثلاثة أيام أعلن نبأ وفاة بوكسر بمستشفى ولنجدون برغم ما لقيه فيها من عناية بالغة، وقد نعى سكويلر الى الحيوانات بوكسر، وقرر أمامها انه ظل بجانبه في المستشفى حتى لحظاته الأخيرة، وذكر لها وهو يمسح بظلفه دمعة لم يستطع أن يحبسها أن المنظر، الذي تعرض له حينما كان في صحبة بوكسر كان مؤثرا وعاطفيا، وأنه قد تعرض الى موقف لم يكن ليحتمله حينما كان بجانب سريره يستمع الى صوته الواهن وهمسه المنخفض في أذنه، ونقل لها ما قاله قبل أن يموت : ” إن الأسى ليعصر قلبه لأنه لم يقدر له أن يشهد الطاحونة وقد اكتملت حال حياته! “.

 ولقد لفظ أنفاسه الأخيرة وهو يهتف: “الى الأمام أيها الرفاق في ظل الثورة! تعيش مزرعة الحيوانات! يعيش الرفيق نابليون، نابليون دائما على حق!”

 وهنا توقف سكويلر فجأة عن الكلام، وقد احتقن وجهه من الغيظ وعيناه ترمقان الحيوانات، ويهما معاني الأسى والتحدي، وقد انتفض انتفاضة شديدة تدل على استيائه وتوتره، فقد نما الى علمه أن فرية حقيرة سخيفة قد سرت في المزرعة، حينما حضرت العربة لنقل بوكسر، وقد كتب عليها “جزار خيول” كما قرأت الحيوانات، فظنت الظنون، واستنتجت ما شاء لها الهوى من أن بوكسر قد بيع الى الجزار!

 وقال سكويلر: إنه لا يكاد يصدق أن يصل الغباء ببعض الحيوانات الى هذا الحد، ثم صاح وهو ينتفض ويميل من جانب الى آخر، وقد هز ذيله بعصبية: إنكم تعرفون تماما المبادىء، التي يقف من أجلها زعيمنا المحبوب الرفيق نابليون، وإن المسألة ذاتها لا تحتاج لكثير من الإيضاح، فإن المستشفى الذي بعث بعربته كان قد اشتراها من محل جزارة، ولم يتح للمستشفى الوقت الكافي لإزالة ما كان على العربة من كتابة قديمة.

 ومن هنا وقع الالتباس في الفهم، وقد استراحت شتى الحيوانات لهذا التفسير. وحينما أعاد سكويلر وصف الساعات الأخيرة، التي قضاها بجانب سرير بوكسر بشيء من الإسهاب ومدى الرعاية الطبية الكاملة، التي عومل بها والأدوية المرتفعة الثمن، التي قرر نابليون شراءها برغم تكاليفها الباهضة – فإن البقية الباقية من الشكوك، التي كانت تراود الحيوانات تبددت تماما، كما خففت من لوعتها على رفيقها الفقيد أنه على الأقل قد أسلم الروح وهو سعيد!

 وفي يوم الأحد التالي ظهر نابليون شخصيا وأبّنَ بوكسر بكلمة قصيرة وأبدى بالغ أسفه أنه لم يستطع استعادة جثمان الفقيد لدفنه في ثرى المزرعة، إلا انه قد أمر بعمل إكليل ضخم من زهور اللوريل وإرسالها لتوضع على قبره.

 كما ذكر أن الخنازير قد عقدت العزم كذلك على إقامة وليمة لذكرى الفقيد العزيز . وقد ختم نابليون خطبته ذاكرا أن الفقيد كان يتمثل بشعارين لازماه حتى ساعاته الأخيرة، وهما: “سأعمل أكثر و نابليون دائما على حق” وأن على الحيوانات أن تقتدي بهذين الشعارين الغاليين!

 وفي اليوم المحدد للحفلة التأبينية حضرت إلى المزرعة عربة بقالة وبلنجدون، وسلمت صندوقا خشبيا ضخما الى منزل المزرعة، وفي هذه الليلة سمعت الحيوانات غناء صاخبا ينبعث من المنزل، تلاه صوت مشادات حامية انتهت بأصوات تهشيم الزجاج، ثم خفتت هذه الضوضاء عند الساعة الحادية عشرة مساء.

 وفي اليوم التالي ظل السكون مخيما على منزل المزرعة حتى الظهر، وترددت إشاعة بالمزرعة مفادها أن الخنازير قد تمكنت في الليلة السابقة من شراء صندوق من الويسكي بطريقة ما!