الجمعة، 30 مايو، 2014

الجنوب يناديكم


 923183_602978686381328_866044210_nالجنوب يناديكم
     عندما علم وجودي بالعاصمة طرابلس ، اتصل بي هاتفيا ، وقلما يحدث تواصل ولقاء بيننا بحكم المسافات المتباعدة الفاصلة لحواضر الصحراء  ، والبراح الممتد ، الطرق المهتمة . دعاني لحضور مهرجان خطابي ، وحوارات ، تحت عنوان ” الجنوب يناديكم ” . تمنى عليّ ان اكون ضمن الحضور ، وابلغني انه سيكون هناك في الموعد ، بقاعة فندق كورونتيا . وانه من المتوقع حضور لفيف من المهتمين والشخصيات ذات النفوذ .
     رحبت بالفكرة ، هي ايضا فرصة لنلتقي ، طالما الامر يتعلق بالجنوب ” فزان ” ، ابوبكر صديق الصبا وايام الدراسة الاعدادية والثانوية بسبها ، من واحة القطرون بالوادي الشرقي ، وادي مرزق ، اقصى الجنوب ، اما انا ، من واحة الزيغن ، وادي البوانيس شمال مدينة سبها سرة وحاضرة الجنوب . تفصلنا مسافة تقارب 400 كم .
     حضرت في الموعد ، لكنه تأخر قليلا ، اتصلت به فابلغني انه على مقربة من الفندق ، الطريق مزدحم ، انتظرني امام الفندق لندخل سويا . انتظرته ، وانا احدق بالمارة والمحيط ، عند بوابة الدخول الخارجية ، اوقفني احد افراد فرقة من الثوار تحرس المكان ، طلب فتح الصندوق الخلفي للسيارة ، القى نظرة ، سألني عن المهمة والغرض ، ثم سمح لي بالعبور . مع توجيه .. ترك السيارة بباحة الموقف الخاص بصغار الضيوف .
       مبنى الفندق من الطراز الحديث ، تصميم اشبه بصدفة بحرية تطل على شاطئ البحر ، ارتفاع شاهق ، مدخل مميز ، مسطبة فسيحة بالواجهة مخصصة لاستقبال عربات كبار الزوار ، على طرفيها انتظار لسيارات فارهة محصنة ، يحوم حولها اشخاص من الامن الخاص ، منهم ذو ملامح اوروبية يحملون اجهزة اتصال بأيديهم ، وآخرون ليبيون ، لهجتهم في التخاطب تعريهم . الاجواء تبعث على التوجس ، شعرت بقلق .. نظراتهم المتوارية .. انقذني حضور ابوبكر .. ارتاح خاطرهم وهم يلحظون دخولي بصحبته ، وكذلك انا .. مررنا عبر بوابة كشف المعادن .. ابتسامة باهتة بعدما جردنا من جميع ادواتنا المعدنية والحادة وشبه الحادة ، وضعناها بجهاز الكشف ، الهاتف الجوال ، ولاعة سجائر ، مفاتيح السيارة .. ومن ثم أجاز لنا قوس المرور لرقابة الاجساد احقية الولوج ، تنفست الصعداء اذ لا وجود لجهاز كشف الافكار ، لنجد انفسنا في صالة شاسعة .. أرائك موزعة بأناقة هنا وهناك .. زبائن من مختلف الجنسيات .. وجوه من رجالات الدولة كثيرا ما تردد تسويقهم لنا عبر الفضائيات الخاصة بهم ، وما يقال انها ملك الدولة .
         ناحية اليمين لوحة اعلانية وملصق ارشادي للمهرجان ، على ناصية ممر طويل يقود الى رواق يطل على الفناء الخارجي ، حوائط زجاجية ، وبجوار السلالم تقف فتاتان رائعتا الطله ، خلف طاولة استقبال تحوي نوتات وقوائم المدعوين ، جلسنا برهة من الوقت على اريكة جانبية نستمتع بإطلاله المشهد الخارجي ، فتيات اخريات تقدمن للدخول ، راقبنا البروتوكول ، تقدمنا للولوج ، اسمك لو سمحت ، بالطبع اسمح بذلك ، ولما لا ، وعسى ..  ، انتظرت وكدت اغرز بصري بجيدها ، وباناملها الرقيقة الناعمة  تضع شارة بالقلم امام خانة الاسم  ، تأكدت من الاسم ، وضعت الشارة ، رفعت رأسها بعدما صفت شعرها المنسدل يمينا وشمالا ، قذفتني ببسمة منعشة ، لاذعة ، اهلا وسهلا بك ..  افسحت خطوة  ، انتظرت زميلي على مكث ، تسمرت بمكاني . سألتها بلا هدف ، لمجرد الاستفسار عن لا شيء ، اربكني حنو الكلمات ، نكزني ابوبكر وربت على كتفي ، همس بأذني : لنعبر  ، لا تنسى انك من هناك . وهي تدرك ذلك ، يا لحظك العاثر  .. استجمعنا قوانا وعبرنا ، شكرا .. شكرا .. اهلا بكم دائما .. قبل ان نتجاوز العتبة الثالثة نكزني مرة اخرى .. اسمعت ما قالت ؟.. قالت دائما .. يا ليت ‼.. ليتها تدري اننا لم نلج لهكذا اماكن من قبل .. بل ولم نعهد اشياء جمة ، البحر ، النسمات الرطبة ..الوجه الصبوح ، طراوة العبارة ، جرس الحرف ، نغمة الكلمة ، موسيقى دغدغت الوجدان .. قهقه ابوبكر بصوت حاد كاد يلفت انظار العابرين ، لولا قلة العابرين .
      في الجانب الايسر بمسافة امتار عن السلالم ، مدخل كتب عليه ( خاص .. كبار الزوار ) . لاحظت ولوج مسئول يبدو مهما جدا ..  تتقدمه وعائلته فتاة غاية في الاناقة والمظهر ، سامقة القوام كنخلة فارعة الطول ، تسمر ابوبكر مكانه ، هذه المرة انا الذي نكزته ، تبعثر في مشيته قليلا ثم عاد الى توازنه  . كانت مجرد ملاحظة عابرة ، الامر لا يعنينا لولا انها عرقلت سيرنا وان لم تعترض طريقنا  .. واصلنا .. مررنا عبر ردهة اخرى تقود الى قاعة الاجتماع  ذات الطراز الاندلسي ،  قاعة ممتدة فسيحة ، في الواجهة مسرح تتصدره منضدة مستطيلة مزينة بأبهى الحلل ، وعلى الجانب الايسر منصة للمتحدث الفرد ، شاشات وأجهزة للصوت والصورة ، وفي باحة القاعة طاولات دائرية محفوفة بكراسي منجدة وثيرة ، خمسة الى ستة كراسي تحوط الطاولة ، جلسنا نتأمل الحضور ، قلة هم من اهل الجنوب على ما يبدو .. لا .. بل لا يوجد احد منهم .. قال ابوبكر .. . اجبته نعم . القاعة تعج بأعداد كبيرة .. والمهرجان لأجل الجنوب ، ولا احد من الجنوب ‼ هل يعقل اننا نحن الاثنان فقط في وسط هذا الكل الذي يتجاوز مائتا مدعو .. وعائلات ايضا . لنرى .
486877_602980329714497_1243687065_n
     ابوبكر يستعد لتوثيق اللقاء بالصورة ، اخرج عدسته ووضعها امامه في حالة التهيؤ ، مراسم المهرجان لم تبدأ بعد والترتيبات جارية ، فتيات وشباب يتناوبون الادوار ، اعدادات الصوت ، ترحيب بالضيوف وارشادهم ، ونحن منهمكون في حواديث الذكريات ، وفزان ، واخبار الجنوب . سألته عن موعد وصوله الى طرابلس ، وهل جاء خصيصا لحضور المهرجان .
-         لا .. مجرد مصادفة .. اتصل بي احد الزملاء ممن يقطنون هنا بصفة دائمة منذ زمن ، وابلغني بأن مؤسسة مدنية ترعى مهرجان ينبه الى واقع الجنوب المنسي ، وحاجة ملحة لإيصال الدعم للمناطق النائية والفقيرة ، ورفع الشطط عن الساكنة .  وتبحث عن اشخاص من الجنوب للمشاركة . قلت لا بأس ، استغل فرصة وجودي هنا لأرى كيف نحن في عيون الاخرين ، وما يمكن ان نساهم به لنقل الصورة ، وخطر ببالي ان تكون انت ضمن المشاركين .
    اسفل المنصة شخص عريض المنكبين ، يرتدي سترة سوداء مع رباط العنق ، يعطي توجيهات للمعدين .. قال ابوبكر .. انه رئيس الجمعية الخيرية .. ويبدو انه لحظ همزنا ولمزنا ، دنا نحونا وقدم نفسه الينا ، شكر لنا تلبية الدعوة بلطف وطيب سريرة ، وعن رغبة في فعل الخير ، عبر عن الاسى في نفسه لما يحدث بالجنوب ، وحالة الاهمال والتردي، وغياب الدولة ، وشرح هدف المهرجان : ايصال صوت اهل الصحراء والتذكير بمحنتهم ، وهي مبادرة وحملة تتأمل تكافل الجميع ، مؤسسات المجتمع المدني جنبا الى جنب مع الدولة ، والنشطاء السياسيين ، والمدونين ، والمتنفذين بأوصال الدولة .
    بدورنا عبرنا عن امتناننا له ، ولجهود الجمعية في هذا الوقت بالذات ، قبل ان يغادرنا الى طاولة في الجوار ، الظاهر ان علاقة ود وصداقة  تربطه  بالمتحلقين حولها .
    هممنا بالاطلاع على اغراض الحملة كما وردت في مطويات واظرف سلمت لنا اوآن الدخول .. وفي المقدمة ” نظرا لما يمر به جنوبنا الغالي من نزاعات قبلية وعرقية ، واخرى من اجل الولاء لأفكار وايدلوجيات زرعها النظام السابق ، جعلت من جنوبنا مقرا للنزاعات والخلافات ، مما اثر بشكل كبير في بسط الامن وحماية الحدود . ولكن للأسف ، بعد تزايد النزاعات المسلحة في منطقة الجنوب ، اصبح الوضع المعيشي في المنطقة في تردي متزايد ، ليصل عدد الاسر المحتاجة وتحت خط الفقر الى حوالي 2000 عائلة ليبية تقريبا . بالإضافة الى ذلك ، تفتقر منطقة الجنوب الى الخدمات الصحية الفاعلة ، فلا توجد مستشفيات تستوعب جميع الحالات المرضية في المنطقة ، واغلب المستشفيات الصغيرة تفتقر الى الادوية والمعدات . وفي ظل هذه المعاناة ، اصبحت منطقة توتر ، يشتكي اهلها من عدم استتباب الامن ، وتردي الوضع المعيشي ، مما دفعنا نحن  للتنادي واطلاق هذا المشروع ، من اجل مساعدة اهلنا في الجنوب ، وتخفيف عنهم وطأة المعاناة التي يمرون بها .. المشروع يستهدف توزيع مساعدات انسانية .. وتوفير الادوية .. والضغط على الحكومة لتقديم الدعم الكامل للملف الامني بالجنوب وتفعيل باقي الوزارات ومؤسسات الدولة .. اما عن خطة العمل فتستهدف ” جمع المساعدات والتبرعات ، وذلك بتوزيع المطويات ونشر الاعلانات في الاسواق العامة ، وعبر القنوات الاعلامية ، ومخاطبة التجار ورجال الاعمال ، وكذلك المنظمات المحلية والدولية ، وجميع مؤسسات الدولة .. ومخاطبة وزراء الصحة والشركات المحلية والمنظمات المحلية والدولية لتوفير احتياجات ونواقص المستشفيات ، وإطلاق حملة في حفل خيري لجمع التبرعات ، وتوعية الرأي العام بمشاكل الجنوب  .      
      ايضا حملت المطوية خاتمة  : ” للتواصل مع فريق الحملة وتقديم المساعدات والتبرعات . نحن نحتاج الى أي نوع من التبرعات والمساعدات ، المالية ، الغدائية ، الملابس ، المستلزمات المنزلية بجميع انواعها ( مستعملة او جيدة ) . توجد لدينا مخازن ووسائل نقل . فقط اتصل بنا ، ونحن نأتي اليك ، او قم بزيارتنا او الاتصال بنا على العنوان المدرج ادناه .  
     ابتسم ابوبكر حال انتهائه من قراءة المطوية ، وقال بزفرة وتنهد : ” كل هذا الخير قادم الى الجنوب !! .. اخيرا بعد طول انتظار .!!
-         اجبته .. ( بعض الشيء ولا كله ) كما يقولون .. جميل انهم بدلوا شيئا يستحق الثناء ، واجبنا ان نقدر لهم المشاعر الاخوية والوطنية .. لا ادري ما الذي يبعث على التندر .. ألا اوضحت .
-         لا ابد ، ولكن ( الفار يلعب بعبء ) .. تراودني شكوك دائما كلما تعلق الامر  بمؤسسة مجتمع مدني ، رغم كل ما في المطوية من وعود متمناة ، وما تنبض به من سجايا طيبة ، وروح  نبيلة .. واكثر من ذلك ، الجمعية ذاتها تبحث عن دعم ، وهذا لا يهمني . فقط تعجبت انهم قدموا احصائية رقمية لعدد العائلات القابعة تحت خط الفقر .. 2000 عائلة .. هذه الدقة الصارمة في الاحصاء لا تروق لي ، بل اعتقد انها لا تتحلى بالمصداقية .. شيء اخر .. انهم يتسولون لنا ملابس مستعملة وخرق بالية ، نحن القاطنين على حوض الماء ، وحقل الفيل النفطي .‼!
        بدأ الحفل الخطابي .. استهل رئيس الجمعية الحديث في عجالة كما هو مدرج بالبرنامج العام الذي يشترط ان لا تزيد مدة المشاركة عن خمس دقائق . اعتذر عن التأخير كما العادة في كل مناسباتنا المحلية .. ذكر بنوع من التأسي اوضاع الجنوب ، شكر الحضور تلبية الدعوة .
    مرت بجوارنا فتاة ضمن كوكبة رعاية الحفل ، ترتدي تايير قرمزي اللون ، حدجتني بنظرة لاهبة ، بادرت بسؤالها : هل بالإمكان ان تلتقطين لنا صورة ؟ .. على الرحب والسعة ، اجابت .. قمعتني بوجنتاها الورية .. ووجه اسطواني كصحفة الماس ..  لواحظ سطت على الخدين .. رموش اهداب تفي بوقفة طير .. شفتها السفلى المتهدلة ..تناولت العدسة على الفور ، نبهتها الى ما يلزم الاحتياط به اثناء التصوير ، طريقة عمل الكاميرا ، تصادمت الانامل .. أسهبت في الشرح كسبا للوقت . وما ان غادرت .. ابتسم ابوبكر وقال ( فاتك القطار ) .

 MSTA296_Mali-Trafficking-Map-2-673x275
   عرض شريط فيديو لمدة دقيقتين .. تجميع لصور . كلمة لوكيل وزارة دعا الى الوفاق والمصالحة كسبيل لحل اشكاليات الجنوب ، وأهاب بالجهود السابقة في هذا الاتجاه . يتسأل اذا ما كنا نرغب في معرفة اسباب معاناة الجنوب .. الاجابة واضحة .. بسبب اختلال التركيبة السكانية والجنسيات الدخيلة التي غيرت المكونات الديمغرافية للمكان ، وان راس النظام المنهار هو من اوعز بذلك ومهد له .  وان نهجه بالامس بات يشكل خطر على الامن القومي الليبي وعلى الهوية الليبية . ولابد من رصف الصفوف لمواجهة الخطر . بما يستوجب صناعة مؤسسات ، ووضوح الرؤية . وقد يضيع الجنوب من خارطة الوطن .. تزوير الهويات .. الاتجار بالممنوعات .. الفساد الاداري .. نحتاج الى برنامج امني واقتصادي .. فهناك اجندات كبيرة تمثلها شخصيات تعمل باسم الجنوب .. نحتاج الى مناطق حرة .. وخط سكة حديد يربط الجنوب بالساحل .. ومشروعات للطاقة البديلة .. الشمس .. الرياح .. الاستثمار السياحي .. رياضات التدريب على الطيران والقفز بالمظلات .. الطيران الشراعي .. احياء طرق القوافل .. انشاء الدوائر الزراعية للغلال .. كي تتوقف الهجرة نحو الشمال .
             عقب زميلي ابوبكر في همس .. هل هي مجرد احلام ، ام اضغات احلام ؟.. عن أي دوائر زراعية يتحدث الرجل .. ألا يعلم   بأن عدد الدوائر الزراعية في مسافة لا تزيد عن 60 كم – المنطقة الواقعة بين سبها وواحة غدوة – تجاوز عددها 1240 دائرة ، قطاع خاص ، ناهيك  عن مشروعات القطاع العام . مكنوسة ، برجوج ، الاريل ، الديسة ، ايراون ، الدبوات ، الويغ ، تهالا .. وكم هو حجم الهدر والاستنزاف للمياه الجوفية العذبة .. ثروة الجميع والاجيال القادمة .. وان تحول جل مشروعات القطاع العام الى اطلال منذ عهد بعيد . ثم عن أي سياحة .. الجدب السياحي قبسه الامان .. فكيف والمواطن نفسه فاقد للأمن والأمان ؟.. دعنا نأمل .. طالما المتحدث مسئول مهم .
    تحدث آخر حول تغييب الجنوب من قبل الحكومات المتوالية . متهما اياها بالسبب وراء كل الاختراقات والمعاناة .
     تلاه اخر .. هذه المرة وجه من الجنوب ، ما يعني اننا لسنا وحدنا جنوبيين .. قال زميلي اعرفه .. احد كتاب صحيفة الوطن سابقا ، وليبيا الغد .. صعد المنصة .. اسمه غير مدرج بالبرنامج العام .. وفي كلمته طالب اعادة النظر لتتبع اسباب الازمة ، وحاجة الى التركيز على ما هو اهم ، وعي الحكومة ، ووعي الشعب ، ووعي النخب الحزبية التي تتصارع على المناصب . الطرابلسي لا يعلم ما يدور بالمثلث الحدودي ( ليبيا ، الجزائر ، مالي ) ولا بالمثلث الحدودي ( ليبيا ، تشاد ، السودان ) .. الجنوب نفايات نووية وأسلحة بيولوجية .. آن الاوان للجنوبيين ان ينزعوا اشواكهم بأيديهم ، ومن حقهم الاتصال مباشرة بالأمم المتحدة والمنظمات الدولية لممارسة الضغط ، والخروج من حالة التهميش الاجتماعي .. ابناء الجنوب لا مكان لهم برئاسة الاركان ولا بالإدارات التابعة لها .. وأهل الجنوب ليسوا في حاجة الى بطاطين ولا مواد غذائية  .
       نفايات نووية ، اسلحة بيولوجية ، , والمثلث الحدودي ( مالي  ليبيا ) .. قربت المسافات .. ما هذا الكلام المقفى ؟ وايضا .. لا نحتاج بطاطين ؟ ألا يحتاج النائم في سبات عميق الى بطانية ؟ سألني ابوبكر .. لنؤجل النقاش فيما بعد انتهاء الجلسة . الآن حان وقت استراحة قصيرة لتناول بعض المرطبات والمشروبات ، حواديث كلمة ونصف شملت وقفة مع عضو سابق بالمجلس الانتقالي .. يؤكد انه كثيرا ما تحدث عن معاناة الجنوب ومنذ اللحظة الاولى ، وقبل انبلاج الثورة ضمن احاديث وجهها عبر فيديوهات على شبكة المعلومات .. وأثناء مغادرته اردف ” اقول قولي هذا ولا اريد اصواتكم ” .
        وقفة اخرى جمعتنا مع نائب من الجنوب ، هذا يعني ان العدد اصبح اربعة .. القى اللوم على من تبقى من نواب الجنوب ، وغياب صوتهم وقد التهمتهم اجندات حزبية فاختاروا الصمت ، ولم يعد لهم علاقة بالجنوب وهمومه .. كان على عجل .. حال مغادرته اعلمني ابوبكر انه احد نواب الجنوب .. تقوقعنا في زاوية من ردهة بوفيه الاطعمة والمشروبات المنوعة .. وسط  ضجيج ولفيف يتحدث ويأكل في آن واحد .. وصالة تعج بالكثير من الوجوه والشخصيات من هنا وهناك .. من اجل الجنوب   .. وفي غياب اهل الجنوب .
      عدنا بعد استراحة .. ولم يبقى سوى القليل .. فرقة موسيقية تعزف وتستمع لوحدها .. ونفر قليل .. وكان لزاما المغادرة .. قبل اعلان انتهاء الحفل ..غادرنا المكان ، وعيوننا تحلق ، بفخامة البنيان .. ولباقة فتيات الزمان .. تتثنى كغصن البان .. وكلنا امل وامتنان .. وتبقى صرخة ” الجنوب يناديكم ” مبادرة تستحق الثناء والعرفان  .. تواعدنا على اللقاء غدا ، بمكان اخر ..
عابد

القطروني .. مرشد الصحراء


mor6si6     
         محمد القطروني ، دليل الصحراء ، ومرشد العابرين ، من اهل الصحراء ، ورائد خبراء دروبها و مسالكها ، خلال النصف الال من القرن التاسع عشر ، كرم من قبل الحكومة الالمانية اواخر حياته ، ومنح نوعا من التقاعد لقاء خدماته ، ونشرت أحدى الجرائد الألمانية نبأ وفاته  . عرفانا بامانته ، ووفائه ، وحرصه ونزاهته . فقد كان خير رفيق للعديد من الرحالة الاوربيين المستكشفين . وأحرزت الرحلات التي عمل مرشدا لروادها النجاح في اجتياز مخاطر الصحراء وأدغال افريقيا  .
        ” محمد القطروني ، مفتاح الصحراء ” ، عنوان مقالة للصديق شكري الميدي ، وقد اجزل في ذكر مآثره ، وطيب سيرته ، مما ورد على لسان من رافقوه عبر رحلاتهم بالصحراء الكبرى . بدءا من رفيقه الاول الرحالة ” بارت ” ، والذي ندم كثيرا عندما عاد الى بلاده في انه لم يغدق عليه المال الكافي الذي يليق بحجم المهمة والمخاطرة . وقد زكاه لدى الجمعية الجغرافية الاوربية كي يستعين به بقية الرحاله من بعده ، وذلك ما حدث . فقد رافق من بعده دوفيريه ، وبريرمان ، ورولفس ، وناختيغال .
         الانسان كما الفكر ..  وليد البيئة التي ترعرع فيها دائما ، والبحث في طباع القطروني ، وخصاله الحميدة التي تحلى بها  ، يقود الى تحري البيئة التي صقلت معدنه ، والمكان حيث عاش وتشرب اخلاقه وأعرافه ، صحراء فزان ، والقيم التي تحكم علاقات الناس فيما بينهم ، في تلك الحقبة التاريخية . يصف لنا المشهد ، الرحالة غيرهارد رولفس الذي زار فزان عام 1865م ، واختار القطروني رفيقا له . يقول : ”  في طباع اهل فزان تتبين انهم شعب طيب ومستقيم وداخل منطقة فزان يشعر المرء بالامان من قطاع الطرق واللصوص ، وفي وسع المرء ان يدع في وسط منطقة اهلة اغراضه دون حراسة ودون ان يكترث انها قد تسرق .. وفي يناير 1870 يكتب الدكتور ناختيغال وهو اخر اوربى زار فزان الى الدكتور باستبيان في مجلة الجمعية الجغرافية تعتبر السرقة في فزان امرا مشينا .. وإنني اؤيد رتشارد سون في رأيه عندما يقول : ما من بيت له قفل او درباس فأبناء فزان لا يسرقون مطلقا ” .
       هنا استمرار لما كتبه الصديق الميدي في التعريف بهذه الشخصية التاريخية ، مما اورده الرحالة الالماني رولفس  1965 م . فما ان سمع القطروني بقدوم احد اقارب رفيقه القديم لسنوات ” بارت ” وقد وصل الى مرزق ، سار اليه يتحرى انباء صديقه . يقول  : ” لقد زاد عدد مرافقي بانضمام رفيق بارت السابق اليهم . ان محمد القطروني الكبير السن ، عاش ف بلدة صغيرة في اطراف فزان بعد ان انتهت رحلة بارت ، وما ان سمع بأن اوربيا ابن عم عبدالكريم ( هكذا كان يدعى بارت ) قد وصل الى مرزق حتى توجه اليها يسأل عن صحة صديقه السابق ، وعلى الرغم من انه اقسم لزوجته انه لن يذهب في رحلات بعيدة قبل عرضي ان يدخل في خدمتي ويرافقني الى كوكه دون تودد ، وانه يود ان يبقى اطول مدة مع اسرته . وقد اذنت له ان يحضر الى مرزق زوجته من التبو وابنه ومملوكه وجمله وعنزته وان يسكنوا بيتي ” . ص 164
    في مطلع العام وقبل التوجه الى كوكه ، قام رولفس برحلات قصيرة للمناطق المجاورة لمرزق ، احداها الى تراغن رفقة القطروني ، وكانت تجربته الاولى معه بما تحمل من وفاء وتسامح ديني . قال  : ” وخلال هذه الرحلة القصيرة تعرفت على مزايا  محمد القطروني التي لا تقدر بثمن ، فلم يشارك مزاح وهرج الاخرين ، وكان يسير بجدية وتؤدة ، ولم يشبهه احد في معاملة الجمال في مهارته وسرعته عند تحميل الاغراض وتنزيلها ، وفي التنظيم العملي للسير ، وفي اختيار مضارب جيدة . ان امانته وإخلاصه واستقامته كانت تسمو فوق كل شك ، قال لي عند بدء عمله لدي ، انتم في دينكم ونحن في ديننا  ، ولكن عندما تريد ان اذهب معك على اسم الله مثلما خاطرت بحياتي في سبيل ابن عمك ، فأنني ايضا مستعد للموت في سبيلك . ولم تكن هذه مجرد كلمات فارغة ، وفي كثير من المناسبات اثبت تضحيته في سبيلي ، وان حسن ظن بارت فيه كان مبررا على الدوام ” . ص 165
     يحدثنا ايضا عن لحظة استقباله لنبأ وفاة رفيقه . يقول : ” وفي خيمتي امام تراغن بلغني  يوم الاول من فبراير النبأ بوفاة بارت ، وقبل عدة اسابيع تسلمت منه رسائل بالإضافة الى جهازين لقياس ضغط الهواء ، وبعض موازين الحرارة ، وكنا نتراسل باستمرار وعلى وجه الخصوص حول لغات دواخل افريقيا ، .. وان احدو حدوه في دراسة هذه اللغات . وفجأة وصلت رسالة من اخي يبلغني فيها وفاة هذا الرجل الجليل ( انه في الجنة ، رحمه الله ، قال القطروني  عندما ابلغته النبأ المحزن ) .
       بعد العودة من تراغن ، وأثناء الاستعداد للتوغل نحو وداي عبر بركو . ” الساعة المحددة حضر جميع الاعيان .. القائمقام ، القول اقاسي ، الخزندار ، القاضي .. شيخ البلد ، رئيس المجلس .. وجرى الوداع بصورة احتفائية وتبادلت الكلمات الودية .. وان زوجة محمد القطروني الظريفة التي وضعت قطعة مرجان كبيرة في الفتحة اليمنى من انفها اخذت تبكي ألما على فراق زوجها دون ان يظهر اية ليونة ، فإذا ما اظهر ، فان هذا يتنافى مع وقاره ” .
        في القطرون حظي باستقبالا خاصا ايضا . ” لقد وجدت لدى مرابطي القطرون ولدى رئيسهم الحاج جعفر ويشغل منصب مدير وادي القطرون ، استقبالا وديا وضيافة واستمتع طباخي بالاستراحة التامة . لقد سرهم ان يجدوا محمد القطروني بين رفاقي ، فهم يعتبرونه من ذويهم ولو انه لم يولد في القطرون ” .
         اخطار جمة تتربص المسافر عبر الصحراء ..فبالإضافة الى المخاوف من اعتراض قطاع الطرق  ، العطش ، وحاجة الى الارتواء بمقدار سد رمق يسمح بمواصلة الرحلة ، كميات المياه المحملة محدودة ، وما لم توزع بانتظام في مواقيتها ، قد تتعرض القافلة للهلاك ، وتضطر لبقر الابل والارتواء بمخزون المياه ببطونها . ويبدو ان محمد القطروني لطول ما واكب الترحال مرشدا للقوافل ، يأخذه الحذر من عضة العطش ، ولا تغيب عنه الحنكة في تفادي الكارثة . سأله رولفس : ” لماذا تربط القرب على ظهر الجمل بحيث تكون الفوهة نحو الامام ؟ اجاب : لقد اخذت هذا عن قوافل الرقيق ، فقد كانت افواه القرب الى الامام كي لا يشرب الرقيق سرا ، وعندما يقترب المرء من القربة ، عندئذ يقف الجمل هادئا ويصدر صوتا يشير الى ان احدا يفتح القربة ” . ص 194
             خصال من كنوز الدهر .. طبعت خلق القطروني وصاغت محتده .. الوفاء ، الصدق ، الفروسية ، الصبر ، الجلد ، الانفة ، الحرص ، الحذر ، الصرامة ، دماثة الخلق .. معاني قيم تشربها .. واوفى بها .. في ارض خصبة ..  صحراء فزان . 

رحلة من طرابلس الى فزان


      10300865_10201735356936528_5838545301830752606_n

       سجال الشمال والجنوب ، طرابلس ومرزق ظل مستعرا طوال فترة حكم دولة اولاد امحمد لفزان ، والذي امتد قرابة ثلاثة قرون ( 1550 – 1813 م) ، وكان الخراج والدية موضوع خلاف دائم مرتبط بتبعية فزان لباشا طرابلس ، وخيار الاستقلالية . ومع كل حالة تمرد وإعلان انفصال لا يدوم طويلا في العادة ، يتأهب حاكم طرابلس على ايفاد حملة عسكرية لكسب تبعية الاقليم وإذعانه لسلطانه . في محاولة تنشد  فك الحصار على طرق تجارة الشمال مع بلاد السودان عبر فزان ، والتي استأثر بها حاكم فزان لنفسه في غالب الاحيان ، وكلما تهيأت الفرصة امامه .
      يورد لنا القنصل الفرنسي في طرابلس ( شارل فيرو ) في كتابه ” الحوليات الليبية ”  جانب من ذاك السجال ، يقول : ” في سنة 1690م -1101 هـ . امتنع الناصر ، صاحب فزان – واخو حاكمها السابق النجيب – عن دفع الخراج . وعندئذ وجه اليه الداى جيشا تحت قيادة يوسف بك ، حيث فعل هذا القائد نفس ما فعله قبله مراد المالطي ، إذ اخفى حقيقة الوجهة التي ازمع الخروج إليها بجيشه : فذهب اولا الى تاورغا ومنها الى مرزق . وخرج اليه الناصر ، فتقاتلا قتالا شديدا ، ثم انهزم الناصر . وفي اليوم التالي استأنفا القتال من جديد ، فانهزم يوسف ، ثم تقاتلا يوما ثالثا فتكافآ . بيد ان مكر يوسف وغدره كان عونا له على عدوه . فقد كان ضمن جيشه شخصان يتمتعان بنفوذ كبير ، وهما اللذان أغريا محمد الامام بتوجيه هذه الحملة . وهذان الشخصان هما اولاد المكني ، علي ومحمد الغزيل . وقد خشي الرجلان فشل هذه الحملة التي شاركا فيها بكل همة ، فراسلا في الخفاء إخوة الناصر وابناء إخوته وأكابر جنودهم وطلبوا منهم الحضور الى المعسكر ، واعدين كل واحد منهم بالملك ، مع مراعاة ألا يعلم أى منهم بما روسل به الآخر . واضطرت هذه الخيانة الناصر الى الخضوع ، فطلب من القائد يوسف الأمان له ولوزيره المسعودي ولمن صحبه من حاشيته من بدو وحضر . وبعد أن منح الناصر عهد الأمان ، فإنه حضر إلى معسكر الأتراك . غير أن يوسف خان عهد الأمان الذي قطعه على نفسه وأوثقهم بالسلاسل ، ثم دخل إلى مرزق واستولى على خزانتها وجعلها فريسة للنهب والسلب .
     وبلغ جشع قائد الجيش التركي حد صار يعذب كل من يتوسم أن بحوزته مالا . وكان من جملة هؤلاء تاجر من بورنو . فلما رأى ذلك التاجر ما حل بالناس من العذاب سأل أحد المكبلين بالقيود بجانبه قائلا : ” هؤلاء الخلق نراهم يفعلون هذا ، أهم من أهل الدنيا أم من أهل الآخرة ؟ ” ، فزجره هذا عن ذلك خشية ان يسمعه أحد الاتراك الذين يثقنون العربية ، فيزيدون في تعذيبهم . وبالفعل فقد سمعهم المكلّف بتعذيبهم ، فسأل الشخص الذي حادثه التاجر ، فأبى هذا أن يخبره ، فتوعده إن لم يفض اليه بذلك ، فأخبره أن التاجر سأله عن يوم القيامة قائلا : ” إني لم اسمع بهذا العذاب إلا من زبانية جهنم ، اهؤلاء هم الزبانية ونحن متنا ونشرنا ؟ أم ان الزبانية تأتي الخلق قبل موتهم ؟ ” . ( ص 295 )
      وعندما دخل محمد المكني مرزق عام 1813م ، لم يتواني في قطع رؤوس 200 شخص من اسرة السلاطين ، ايدانا بانتهاء حكم دولة اولاد امحمد للإقليم ، وذلك ما حدث .
     نجد الكثير من المواقف التي تتحدث عن شيوع ثقافة الانتقام بقطع الرؤوس وعرضها على ابواب القلعة طوال تلك الحقبة الطويلة من العهدين ، التركي ، والقرمانلي  ، ثقافة تتمتع بجذور تاريخية متأصلة وممتدة .. ومع ان الاسلام دين الدولة ولواءها . فان ما يقال عن معاملة الاسير وتكريمة .. لم يكن سوى مأثور تراثي لم يغادر صفحات الكتب ، على الاقل في العهود القريبة . كما انواع التعذيب المختلفة ووحشيتها . والاختطاف والنهب والتدمير المتعمد ، السمة المعتمدة والغالبة ، واسلوب الحكم .
      اثناء اطلاعي على مذكرات شاهد عيان في رحلة من طرابلس الى فزان عام 1818 م ، صاحب فيها قافلة حاكم فزان ( المكني ) .  سرد الرحالة الانجليزي جون فرنسيس ليون في تلك المذكرات قصص تحكي ومضات من ذلك التاريخ الدموي المظلم ، بما حمل من سادية متوحشة تشتهي التلذذ بالآم الاخرين ، تغذيها نزعة الانتقام والجرأة على اقتراف الجرائم البشعة .. لا تقتصر على الحكام وجنودهم فقط ، كما في العادة .. لكنها في معظم الاحيان تتم بأمرهم ، او تحت رعايتهم ، وبمباركتهم . يلخص الرحالة  وصفا للطابع العام . يقول : ( فقراء كرماء ، نزعوا الى الانتقام ، لا يصفحون ) . من بين تلك القصص ، بما تحمله من مواقف وحشية تفتقد الشفقة وتشتهي للانتقام . نستعرض  بعض منها  :
      (  في 9 فبراير 1818 .. عاودنا السير في السابعة صباحا .. وفي العاشرة بلغنا سفح جبل غريان . المنطقة محاطة من نواح بجبال عالية وخالية من ناحية شمال الشرق ، بالمكان بضع اشجار نخيل مبعثرة ، يتخللها غدير . ومرت بنا قافلة صغيرة تضم ما بين عشرة واثنى عشر جملا ، من بينها واحد ، او اثنان من جمال المهاري . والجمال محملة بالاطرون وقادمة من فزان . وكان رجال القافلة سمر البشرة تبدو على ملامحهم الغلظة ويختلفون تماما عن عرب طرابلس .  ومنذ عشر سنوات قتل رسول الباشا الخزندار الذي ارسله لجمع الخراج .. من سكان الجبل .. لتعلن الحرب على الفور .. واستغرق جنود الباشا في تسلق الجبال اسابيع عديدة ، وفقدوا كثير من رجالهم ، نجح الجنود في النهاية في احتلال الموقع ومارسوا كل انواع القتل والتنكيل في رجال الجبل المساكين ، بل خنقوا الكثير منهم ، وقذفوا بهم في القبور وهالوا عليهم الحطب والخشب واضرموا فيهم النار . وحمل اثنا عشر جملا رؤوس القتلى التي بلغ عددها الفين ، وسارت الجمال في شوارع طرابلس تستعرض الرؤوس ) .
     قصة اخرى تحكي مروق الحاكم وفرسانه وعبثهم . ففي : 27 مارس واصلنا السير في الصباح الباكر ، واكتشفنا ان هودجا آخر لحق بنا يضم سيدة سمينة جميلة وعرفنا انها زوجة الشيخ بارود قائد قافلتنا ومدير شؤون المكني وكان طريقنا يطل على بقعة خضراء انتشرت في ارضها هنا وهناك عيدان الذرة وكثير من القطعان وبضع خيام . وبعد الظهر بلغنا حقل ذرة ، بعد ان مررنا بعدة تلال رملية واطئة ، وكم كان مؤلما ان يسير فرسان ( المكني ) بجيادهم وسط عيدان الذرة يدوسونها دون ادنى شفقة او رحمة بأولئك البؤساء الذين يملكونها ) ” ص 49
        ايضا .. قصة زوجة طلقت من زوجها قسرا نزولا عند رغبة الباشا . في : ( 31 مارس .  حضر طفل صغير كان يصحبنا من طرابلس وقال ان فاطمة زوجة الشيخ بارود تدعوني لزيارتها .. واطالت فاطمة النظر الى السيد ريتشي ، ووجدت ، لدهشتنا ، وجه شبه بينه وبين زوجها الراحل .. الذي اضطرت لتركه نزولا على رغبة الباشا  ) .
    العقاب بالضرب المبرح ، والسحل . ( في  2 ابريل .. عسكرنا بالمكان .. وتركنا الجياد ترعى في حقل شعير كبير تملكه قبيلة ورفله .. سوف الجين .. وفي المساء استطاع احدهم ان يسرق بندقية واحد من رجال السلطات واكتشف امره وجلد على قدميه باسلوب مفرط في الوجشية .. وبعد ان انتهى الجلد امتطى احدهم جوادا وراح بأقصى سرعة واللص المسكين مربوط الى سرج الحصان ويداه معقودتان خلف ظهره . ص 52
            عن انتفاء سمة الانسانية ، وغياب الشعور بآدمية البشر . ” في 16 ابريل .. راقبت عبدا مسكينا في الخمسين من عمره يملكه احد اصحاب الجمال وقد نال منه التعب والإجهاد كل مأخذ حتى لم يعد بقادر على ملاحقتنا . ومضى بجسده النحيل يجرجر قدميه المتورمتين . اما صاحبه القاسي فكان يبعث به دوما ليعنى بالجمال غير عابئ بما حل به . وحينما بلغنا سوكنه ارسله صاحبه برفقة الدواب وعاد المسكين وقد داهمته الحمى وساءت حالته . ولم يسع صاحبه الا ان يوسعه ضربا وحشيا بعصاه . وربما ضايقه عدم قدرة العبد على البكاء فراح يشاركه احد رفاقه بضربه على رأسه بالحجارة .” 62
        عن معاملة السجناء ، يصف مشهدا واقعهم المؤلم : ”  قدر لي ان اشهد كيف يصفد السجناء بالسلاسل . رأيت خمسة من الرجال يتميزون قوة ورشاقة وغلظة ، لا يتجاوز الواحد منهم 25 عام وقد ربط كل منهم الى الاخر . وتوثق اليد اليمنى الى العنق حيث تلتف حلقة حديدية وتتدلى منها عند الظهر حلقتان تربط اليها السلاسل الثقيلة التي تجمع السجناء التعساء جميعا “. ص 195 .
  وفي زيارة لسوق النخاسة .. قدر لي ان ازور سوق العبيد مرارا .. ويوم وصول قافلة .. جلس العبيد يرقبون الغرباء وهم عرايا تلفحهم اشعة الشمس ، وقد دهنت اجسادهم بالزيت ليبدوا في حال افضل .. وقد بدوا كهياكل عظمية مثيرة للشفقة .. وبيع العبيد في ذلك اليوم كأرخص ما يكون . فقد غص السوق بالكثير ، وبيعت فتاة جميلة لا تتجاوز الثالثة عشر من عمرها بخمسة وثلاثين دولارا . . وربما ارتفع اسعار الفتيات خصوصا اذا كن جميلات . ص 63
        قصة الانتقام السري للحاكم من مناوئيه . وسلطاته المطلقة في فرض الاتاوة والغرامة على الساكنة : ( في 11 ابريل .. انتهز المكني فرصة وجوده بالمدينة .. سوكنه .. وقام بجباية الضرائب ، .. ويراود شيخ سوكنه خوف دائم من القتل ، فقد قتل سلفه منذ عام ووجد مذبوحا ، ولم يسمح لأحد ان يقتفي أثر القاتل ، ودفع الاهالي غرامة تساوي 2000 دولار للسلطان ، على الرغم من انه المتهم الوحيد . ص 59
     قصة شراسة الحاكم وقسوة قلبه ، وكذب التحافه لجلباب الاسلام : ( امضينا في الطريق ما بين طرابلس ومرزق تسعا وثلاثين يوما .. كان المكني يتكلم بعض الايطالية ، وطوال الطريق كان يتسلى بتوجيه الاسئلة  لي حول بلادي وثراءها وعظمتها ، وطالما اضفى من خياله الكثير فيما يتعلق بالمصارف وما تعطي من فوائد ، بل انه ابدى رغبة كبيرة في ان يودع بعض ماله في بنوك انجلترا طمعا في الفائدة ، . واشار الى انه لا يستطيع ان يتقاضى فائدة على امواله هنا ، فإن ذلك يتنافى مع التعاليم الاسلامية .
  .. وحين اخبرته عن النساء الانجليزيات .. لم يصدق ودهش .. فهو متزوج بامرأة واحدة بينما يحتفظ بخمسين جارية .. وسألني كثيرا : كيف يتخلصون من الاطفال غير الشرعيين .. وسمعت فيما بعد من كثير من الناس انه كان يأمر بخنق وقتل الاطفال الذين ترزق بهم جواريه من رجال اخرين .. امام ابائهم .
     قصة اخرى تشير الى ازدهار تجارة الرقيق التي لا تستثني المسلمين ايضا . قصة زوجة اختطفت ، تتأسى لفراق زوجها محمد ، وبنها المسمى محمد ايضا : ( واستطعت ان استقي بعض المعلومات من شابة كانت قد وصلت لتوها من ساكاتو ، وذكرت هذه الشابة انها كانت ترعى ابقارها حين هاجمها بعض اهالي كوبير وامسكوا بها ، وباعوها .. كانت ذكية لها بشرة بيضاء ولكنها نحيفة القوام ، وحين جاء ذكر زوجها دمعت عيناها وقالت : ان محمد وحده الآن ، وأضافت ان لها ابنا يسمى محمد ايضا ، وحين سرقها الرجال لم تكن اسنانه قد نبتت بعد ، ولا تدري من ستتولى ارضاعه من بعده .ص 104              
         قتل واسر .. قطع رؤوس .. سحل وتشفي .. اختطاف النساء .. طلاق قسري او اغتصاب ..  تعذيب وحشي .. عناوين يحفل بها تاريخ هذه الارض .. من بلاد الاسلام .. (  وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ . ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ) ..( وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِين ) .. (ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو) . 
عابد
الصورة من الانترنت ..صور قديمة

اوآن الرحيل


4
     لمع القمر حنونا ، وطفحت السماء بالعذوبة . وامتلأ المحيط  بكلمات الوداع الحزينة .. ورغبة بالرحيل .. لا مجال للبقاء هنا .. لنرحل .. نضب الكلأ ، وحان موعد الرحلة الى الشمال .. صحراء شاسعة مقفرة ، وسهوب عطشى تنتظرنا .. لنشد امتعتنا قبل ان يباغتنا حر النهار . 
   الزوجة مهتمة بلملمة بيت الشعر ، وفك اطنابها . والزوج يراود البعير ، حزم الحوية على ظهره .. شد اللجام .. اطلق العقال .. ناوله  الماء العلف .. ثم هم بتحميل المتاع .. وأي متاع .. اسمال بالية ، حلل فخار .. قدر .. داقره .. حلة .. اوتاد .. مؤونة  الطريق .. اكتمل الحمل .. همز البعير .. ( زع .. زع ) .. كررها مرارا .. لم يقوى البعير على النهوض .. الحمل اكبر من طاقة البعير الضامر المنهك .. وبينما الزوج منهمك في مساندته وتحفيزه على النهوض .. يكتنفه السأم والقلق وقد قطب حاجبيه ، ونال منه السأم واليأس من الرحيل .. هرعت الزوجه قادمة من طرف النجع بعدما ودعت الاهل  . تصرخ ..لا .. لا .. ليس بعد .. تهرول وتتوعك من بعيد ، مثقلة بحمل اخر .. وآي حمل .. رحى الطحين ، كثلة حجرية من دفتين ، وزنها يكاد يوازي اكثر من نصف المتاع على ظهر البعير .
       التفت الزوج نحوها في نزق وهلع .. وحال اقترابها منه وقد يئس من نهوض البعير .. وتبين حملها .. اجابها : ( حطيها ماو نايض ماو نايض ) .. اضيفيها لحمله  .. طالما لا امل بنهوضه  .  لن يضيف الامر شيء جديد . المقعدة المثقلة بأحمال تثنيها عن الوقوف ، لا يضيرها اضافة حمل اخر .
      مضت ثلاث سنوات من عمر الثورة ، ولم نحقق الاستقرار ، وحالة ترهل ونكوص ومراوحة تكتنف المشهد ، الى متى نستمر هكذا ؟ أتنهد بحسرة .. وأضمد الجراح بتأفف .. عزائي بالمثل الشعبي .. (  البعير ماو نايض ماو نايض ) . فلا تحزن ، ولا تقلق .. بلد مقعد لأربع عقود ونيف ، لا يضيرها صبر ثلاث سنوات من الترهل والإعياء .. ولا حتى اربع عقود اخرى  .
عابد