الأربعاء، 31 ديسمبر 2014

كريستينا وذكريات بالصحراء الليبية 2007





  " كريستينا "  سائحة من بلاد الشطآن الباردة ، عام 2007  قررت استطلاع الصحراء الليبية في رحلة سياحية ، وعادت الان لتدون بشوق ذكرى انطباعات ارتسمت بخاطرها ، مشفوعة بالصور :




     لم اكن اعرف ان الصحراء مذهلة الى هذا الحد ، السفر والرحلة الى هناك كانت بالنسبة لي مجرد استطلاع لعالم مجهول ، لقد فوجئت حقا بروعة المشهد ، تنوع تجلياته  ، مناظر غنية تبعث الدهشة ، وتشحذ الدهن لإعادة التأمل والتفكير في الكون والحياة ، كثبان رملية شاهقة وممتدة ، وسؤال كيف يمكن عبورها ، براح صحراوي شاسع ، ولوحات زاخرة بمختلف الوان الطيف ، وما هذا اللون الاصفر الذهبي الذي يوشح تلك الكثبان اوآن الغروب ، يا للعجب ، لم اكن اتصور هذا من قبل .
 


   ما اجمل اكتشاف المجهول ، وبطبيعة الحال، انا لست متخصصة بمعرفة الصحراء، مرشدنا السياحي جدب انتباهنا الى ليبيا، ومع سائقين من ذوي الخبرة يعرفون ما كانوا يفعلون . يتمتعون بمهارة القيادة عبر الصحراء وسط تلال وكثبان عملاقة شديدة الانحدار ، سهوب مسطحة يكسوها الحصى ، ومع ذلك اتضح لي كم هي أكثر صعوبة مما كنت أتوقع هذا . خالجني شعور بالموت يحوط بنا ، وانتابني القلق والملل لولا متعة المغامرة . لكأننا نجوب بحر من الكثبان الرملية .


   بعد ساعات طويلة من السفر ، بدأ المشهد يأخذ في التغير ببطء . صحراء مقفرة بلون السواد تتكشف امامنا ، حجارة باحجام اكبر تغطي وجهها .  ازعجت عبورنا وجعلت القيادة مرهقة ، لا توجد طرق ومعابر محددة سلفا ، مسارات متعددة غامضة . لم نجد تفسيرا لكيفية تطون بطحاء حجرية سوداء ، دليلنا يقدم تفسير منطقي يشير الى عوامل الاكسدة الناجمة عن حرارة الشمس ، وحركة الرياح  ،  وكان من الطريف أنه عندما رفع واحد من تلك الحجارة، تبين انها تتوسد قاع رملي . بعد بضع ساعات من السفر ، توقفنا مرة أخرى ببطحاء الهضبة الداكنة السواد ، كان كل شيء من حولنا مروع ورائع حقا . التفت من حولى بزاوية 360 درجة ، وبدأ كل ما يمكن أن نرى اشبه بسطح القمر، انتداد الافق الى ما لانهاية من كل الانحاء ، السماء الزرقاء الصافية ، صورة تستدعي التقاط الأنفاس.





   وجدت نفسي في هذا المشهد المثير لأول مرة في حياتي ، شعورا باللانهاية والوحدة ، لا احد يعبر المكان سوانا . وبطريقة أو أخرى اختلطت المشاعر بالرهبة والخوف ، وارتفع مستوى الأدرينالين يحمل التساؤلات . ماذا لو حدث شيء لواحد منا ؟ من سيأتي لإنقاذنا في اللامكان المهجور . نظرت إلى الوراء .. شعرت وكأنني امام معجزة يصعب وصفها .. ثم فجأة تأتي اطلت علينا نقوش صخرية تظهر لوحات البشر والحيوانات ، الفيلة الزرافات. من الصعب تصور أن هذا المكان كان ذات يوم ارضي تغطيها السافانا الخصبة .




  
    وصلنا أخيرا ، ويا لسذاجتي ، كم كنت اعتقد أن ان الصحراء ليست سوى ارض يباب ، ويا للمتعة والدهشة التي لا تنتهي .  انها بحر من الكثبان الرملية .. عبورها اشبه بامتطاء مركبة مسلية ،  او ابحار بسفينة صغيرة وسط بحر متلاطم الامواج .





   يسرني أن مسعود ، سائق وخبير من اهل المكان ، ومن الواضح انه يعرف جيدا ما يقوم به ، وما ينبغي عليه فعلة في الاوقات العصيبة ، لهذا لم نتعرض لحادث خطير طوال الرحلة ، وتلك فيما اعتقد هي الاخرى معجزة . كان يتحدى بصعوبة انزلاق السيارة في الاتجاه الذي لا يريده اعالي الكثيبان الشاهقة ، أحيانا لتوجيه السيارة تصل هذه الكثبان الشاهقة ، وغالبا، تميل السيارة بشكل خطير نحو جانب واحد لدرجة الجنوح وفقدان السيطرة ، لكنه كان جديرا بمعرفة طرق الخلاص من ذلك التهديد  .



   عند حلول الظلام ، نصبنا مخيمنا ، واوقد السائقين نار الحطب لاعداد الشاي . كانوا يتغنون الأغاني العربية ، واجدني رقصت على انغامهم لمرات . وعلى الرغم من يحظره القانون في ذلك الوقت في ليبيا ، في المساء لديهم بعض الأحيان رشفة من زجاجة المياه البلاستيكية ، وكنا على دراية ونحن ننوي السفر الى ليبيا ، وهي لا تزال تحت حكم القذافي ، ان مجموعتنا ستعبر برفقة رجال شرطة في ملابس مدنية . لم يكن من الصعب تخمين من هم من بين مجموعة المرافقين .  كان هناك ليبي واحد فقط لم يكن يقود السيارة  . ولم يتأقلم مع اجواء الرحلة  بشكل جيد . وقال دليلنا لي فيما بعد أن جميع رجال الشرطة من الشمال مضطرون لقضاء بعض الوقت في الصحراء .




   حتى الآن المكان الأكثر إثارة للإعجاب حيث أنشأنا المخيم في جبال أكاكوس . معسكرنا في واد رملي تحيط بنا أبراج غريبة من الحجر الرملي ، بقايا من الجبال التي تحولت إلى صخور كبيرة ، تطفو على الرمال وكأنها أسنان ضخمة .

   ومرة أخرى وجدت نفسي امام مشهد مثير ، وكأنني اعيش على كوكب اخر ، ومكان لم ارى مثيلا له من قبل . وكانت عدستي رفيقتي لتسجيل هذا العالم المثير .. وكم هو المشهد اكثر سحرا لحظة غروب وشروق الشمس . يا للروعة . . جلست على قمة صخرة ، زملائي  لا يزالوا نائمين ، السيارات متوقفة ، أدركت شيئا ذو وقع خاص ، الصمت المطبق على المكان .. انعدام الاصوات مطلقا .. لا سيارات ، ولا انس يتحدثون ، لا رياح تهز الأوراق ، لا طيور.. الصمت التام فقط . كان شيئا لم يسبق لي ان استمتعت بعذوبته  .

  انتقلنا فيما بعد لحضور مهرجان الصحراء في واحة غات ، وهي بلدة حدودية صغيرة ، بنيت منازلها بالكامل من الطين الأصفر. . مهرجان محلي يبعث مزاج جيد وانت تشاهد راكبي الجمال يتسابقون ، والساكنة يحتفلون . بل وطلب مني ان اشارك بمقابلة تلفزيونية عبر الفضائية الليبية .





  عدنا ادرجنا نحو الشمال حيث البحيرات المائية وسط كثبان رملية جارفة ، مشهد اخر يثير الغرابة والعجب ، وكانت فرصة شيقة للاستمتاع بالتزحلق على سفوح الكثبان ، والسباحة بالمياه التي تكتنزها الصحراء اليباب على سطحها منذ ملايين السنين . كان حمام منعش حقا ، وكم كان التزحلق على الرمال اكثر بهجة منه على سفوح جبال الالب الثلجية . الرمال لزجة ومرنة تؤمن وقوعك بلطف ، انها مرة واحدة في العمر ، مغامرة مثيرة عبر الصحراء ، وامر يستحق العناء .

 
العودة إلى طرابلس
  تجربة مجنونة ومثيرة ، وبعد فترة وجيزة ، عدنا إلى طرابلس ، الى الحضارة مرة أخرى.
أحيانا اجدني اليوم وبعد مرور سنوات على تلك الرحلة الشيقة ، أفكر في سائقنا مسعود وغيره من الليبيين الذين التقيت بهم هناك ، وأتساءل كيف هم الان ، وكيف مرت ايامهم خلال الربيع العربي . ومن منهم اغتالته الحرب الضروس ، حتى الآن ، وبعد سنوات ، لا تزال الفوضى تسود المكان ، آمل أن تصبح ليبيا آمنة ، وان يكونوا كل الذين عرفتهم لا يزالوا حياء ، وبخير  ، اتألم لاجلهم .  ولاجل ذلك المكان الذي نحث بذاكرتي لا كما أي مكان اخر زرته طوال حياتي ، الصحراء الليبية  الشاسعة المدهشة  ، هي بالتأكيد واحدة من أكثر المناطق الرائعة على ظهر الكوكب ، واستكشافها يبعث في النفس مشاعر وخلجات لم يسبق لها ان تولدت فيها من قبل . 
ترجمة : عين على فزان

ليست هناك تعليقات: