الخميس، 26 ديسمبر 2013

فزان وتأبين الاستقلال

 44248_436735393207_564358207_5198898_6655801_n
      قبل 62 عاما مضت ، وفي مثل هذا اليوم 24 ديسمبر/ كانون الأول سنة 1951م ، على تمام الساعة العاشرة والنصف صباحا ، بقصر المنار بمدينة بنغازي ، اعلن الملك ادريس السنوسي عن استقلال ليبيا بحضور اعضاء الجمعية الوطنية ، وامام حشود غفيرة من الجماهير ، وجمع من الوفود العربية والاجنبية والهيئات الدبلوماسية ، ومندوب الأمين العام للأمم المتحدة السيد “أدريان بلت”. وقد عبر الاعلان عن بداية لصفحة جديدة في تاريخ البلاد ، عادت بموجبه السيادة الوطنية لاهله بعد حقب طويلة من المعاناة ومقارعة توالي المستعمرين ، من الاتراك الى الايطاليين الى دول الحلفاء .
    تلك الخطوة كانت تتويجا لجهود مريرة ومراس مضني ، توج بقرارالجمعية العامة للأمم المتحدة رقم (289) بتاريخ 21 نوفمبر/ تشرين ثاني سنة 1949م ومن بين ابرز متضمناته :  
*- تكون ليبيا دولة مستقلة ذات سيادة و تشمل برقة و طرابلس و فزان.
*- أن يقر ممثلو السكان في برقة و طرابلس و فزان دستوراً يتضمن شكل الحكم.
    خلال مراحل التصويت على القرار حدث ان تساوت اصوات الرفض والموافقة ، فالعبارة الاولى من التقرير المقدم تفيد بأن ” ليبيا افقر اقليم في العالم ” وقد برزت رغبة بريطانيا وفرنسا في استصدار قرار ينص على أن تنال ليبيا استقلالها بعد 10 سنوات ، تخضع طرابلس خلالها للوصاية الايطالية ، وبرقة للوصاية البريطانية ، وفزان للوصاية فرنسية . فيما سمي بمشروع ” بيفن سيفورزا ” ، وامام شد وجدب وفي اللحظات الاخيرة ، رجح صوت السيد إيميل سان لو مندوب دولة هاييتي كفة الرفض ، رغم الضغوطات التي مورست عليه من قبل الدول العظمى ، ومن قبل دولته ما افقده منصبه فيما بعد . ولقد تم تكريمه فيما بعد من طرف الملك السنوسي ، بمنحه وسام الشجاعة ومرتب طيلة حياته ، واقيم له استقبال حاشد بمدينة بنغازي عرفانا وتقديرا  لموقفه .. ومع انقلاب سبتمر1969 اوقف مرتبه .
     الطبيعة الصحراوية القاسية للبلاد ، والمساحة المترامية الاطراف ، وانياب الفقر والجهل الجاثمة لعهود طويلة ، ومدن بائسة وواحات مبعثرة في براري رملية وقفار قاحلة ، وتفشي الامراض المزمنة بين الساكنة ، ولأنها كانت أول دولة تنال استقلالها بقرار من الهيئة الأممية . سميت حينها طفل الأمم المتحدة المعلول ، وقد لمعت في سمائها لاول مرة راية وطنية موحدة تحت اسم المملكة الليبية المتحدة ، وادارة مشتركة ، وهو ما لم يتوفر لهذه الولايات باستثناء السنوات الأخيرة من الحكم الإيطالي ( من عام 1935 وحتى الحرب العالمية الثانية ). بالتزامن مع اعادة احتلال فزان .

sanad_10

       -  فزان والاستقلال 
    فزان المكون الثالث ، والاقليم الصحراوي المقفر والواقع تحت براثن الفقر المدقع يقطنه حوالي 300 الف نسمة  في ذلك الوقت . ظلت قابعة تحت الاحتلال الفرنسي بعد طرد الاحتلال الايطالي منذ عام 1944 م . ” فما عادت القوات الفرنسية قوات تحرير بقدر ما أصبحت قوات احتلال عسكري مباشر؛ تدير البلاد بالأوامر العسكرية والتنفيذ الجبري، وفرضت على الإقليم عُزلة كاملة ؛ واستقطعته عن بقية مناطق وأقاليم ليبيا، وأخضعت الأهالي لإجراءات عسكرية صارمة في حالات الخروج من الإقليم أو الدخول إليه ” . ( 1 )
     ومع تصاعد مطالب الساكنة بالاستقلال ، ونزقهم من سوء المعاملة ، وقيامهم ببعض العمليات المناهضة للاحتلال كما في حادثة الهجوم على قلعة قاهرة بسبها ، مركز الحاكم الفرنسي لفزان ، والنهاية المأسوية للمهاجمين . شددت فرنسا من قبضتها الامنية بانتهاج اسلوب الاغلاق والترهيب والملاحقات التي طالت زعامات تحدثت امام اللجنة الرباعية للامم المتحدة التي زارت الاقليم عام 1948م . من سجون وتعذيب واعمال شاقة ، كان ابرز ضحاياها الوزير محمد عثمان الصيد ، احد النشطاء ، واول وزير ينظم لتشكيلة الحكومة الاتحادية بعد الاستقلال . يقول في ثنايا كتابه ” محطات ” : ” في ماي 1948 كتب لي السيد عبدالقادر بن مسعود رسالة يقول فيها ان ضغوط الفرنسيين ضد السكان قد بلغت حدا لا يطاق ، ولم يبق لنا سوى الانتحار . واقترح تقسيم المناطق التي بها معسكرات فرنسية ، وتجنيد مجموعات انتحارية للهجوم على هذه المناطق .. بعد ان تلقيت هذه الرسالة .. كتبت له ردا طلبت منه فيه التأني ، الى حين نتصل باخوتنا في الشمال ، حتى اذا حدثت مشاكل سارعوا الى نجدتنا ، او على اقل تقدير تحدثوا عنا في الصحف التي تصدر في طرابلس وبنغازي .. في اواسط شهر يوليو 1948 هجموا على مركز قيادة القوات الفرنسية مستعملين السيوف ، وبعض البنادق ، واستطاعوا قتل حراس المعسكر عند مدخل القلعة واقتحموها ورفعوا فوقها علم اسود تتوسطه نجمة وهلال .. للوهلة الاولى اعتقد قادة القوات الفرنسية ان القلعة تعرضت لهجوم كبير ، فتسلقوا نوافدها وخرجوا الى المعسكر المجاور لها ، وتجمعوا بعد ذلك ، وطوقوا القلعة حتى طلع النهار ، واغلقوا الطرق المؤدية الى سبها ، وهاجموا السيد بن مسعود ومن معه وكانوا في حدود خمسين رجلا ، وابادوهم عن آخرهم ثم سكبوا على جثثهم البنزين واحرقوها ” .. لقد وجدت تلك الرسالة ضمن مقتنياته عند القبض عليه ، وعوقب بالسجن لسنوات مع الاشغال الشاقة .
      خاب الطموح الفرنسي لالحاق فزان بمستعمرات في دول الجوار ( الجزائر – تشاد ) باعلان الاستقلال ، وفي محاولة للابقاء على تواجدها وارتباطها بالمكان ، وحاجة البلاد الى معونة ، قدمت ما قيمته نصف مليون دولار دعم لولاية فزان الفدرالية الناشئة ، وبعض الخبراء لتقديم المشورة والاسترشاد . غير ان تلك المناورات لم تأتي ثمرتها ، ولم تفت من عضد الحس الوطني ، وتصاعد مشاعر الكراهية تجاه فرنسا ، ولم تمحو من الذاكرة ممارساتها القمعية ، وذهبت ادراج الرياح كما سابقتها بالأمس من وعود بمشاريع اصلاحية وتخفيف وطأة الحكم العسكري ، بالتزامن مع زيارة لجنة تقصي الحقائق التابعة للامم المتحدة عام 1948 م.
      في مقالة بعنوان ” مولد امة “  نشرت بصحيفة التايم الامريكية بتاريخ الأثنين  31 ديسمبر 1951م ، أي بعد سبعة ايام من اعلان الاستقلال . يقول الكاتب : ” ان المواطن العادي .. الذي يعيش في وسط تلال الرمال في فزان لا يبدو واثقا من معرفة ماذا يحدث ولكنه كما يملك دائما كلمة تطالب بالإستقلال فإنه يملك كلمة يعبر بها عن الأشياء غير المفهومه وهي ( إن شاء الله ) ” .
     ( ان شاء الله ) لربما هي العبارة المناسبة ، وكل ما يمكن للساكنة ترديده وتذكره بمناسبة مرور الذكرى الثانية والستين لاعلان الاستقلال .. لقد ظلت فزان ولا  تزال نسيا منسيا ، وذهبت وعود النظام المنهار كما وعود فرنسا ، وبعد مرور ثلاث سنوات من الثورة واعلان التحرير ، يبدو مستقبل الاقليم اكثر غموضا . . فثمة حالة من الامتعاض وشعور ينمو ويخالج انفس الساكنة ، بأن التحرير الذي يتوقع منه احياء لحظة الاستقلال . اوغل في اقصائهم وتهميش الاقليم اعتماد على تصنيف جائر يضعه في خانة مؤيدي النظام المنهار ، حتى شكل اشبه بالفيثو امام أي مشاركة فاعلة للساكنة في العملية السياسية الجارية في ليبيا الثورة . وكما كان انقلاب سبتمبر 1969م بمثابة تأبين للاستقلال ، بالغائه لدستور عام 1951م ، المجمع عليه بمعرفة خبراء دوليون وباقرار السلف . لا يبدو في اقتران الذكرى بالتمديد للمؤتمر الوطني الفاقد لممثلين عن الاقليم ، ورغم كل الاخفاقات المتكررة . سوى تأبين آخر للاستقلال .. ودائما فزان هي القربان .
———–
(1) ابراهيم عميش ، انهيار الحلم الفرنسي .
عابد 24 ديسمبر 2013

ليست هناك تعليقات: