السبت، 17 أغسطس 2013

- خديجة ثابت .. الباقي خارج

 agbatinf2
      اقيم حفل ختام للتخرج .. احيته فنانة موريتانية جميلة ، قوامها ، طلتها ، صوتها البدوي الذي يناغي شيء من نفس اهل الصحراء .. وهام الجميع بالساحة على شدى الحان الربابة والرقصة الموريتانية .. اسمها خديجة ..  تعالت الانغام ،  وازداد وهج الشطح بالميدان ، وفي ليل فزان تزهو الالحان .. ويتأجج بركان الوجد والوله والافتتان ، .. تحسر الجميع باعلان نهاية السهرة الجميلة .. والى غياب خديجة عن المحيط .. .. في طريق العودة ، اعتدنا نؤلف نكاتنا ..  نقلد بعض المعلمين ، ضباط صف ، ضباط ، احد الضباط الكبار والمشرف على الحفل في عادته عندما يقف امام الفصيل .. يتحدث بأنفة متعالية ، عندما يقول : ” الرقم كذا ، والرقم كذا ، ثابت .. الباقي خارج ” .. خارج ، اى تفرق ، اما من طلب منهم الثبات ، فتم امر جلل ينتظرهم ، قد ينتهي الى انزال العقوبة الجاهزة  ” ساعة تعليم اضافي ” كما يصفونها .. اى تعذيب وتدنيب.. قال احدهم .. اتخيل ان ضابط الحفل .. الذي لا يعرف سوى ” ثابت .. والباقي خارج ” .. ان يكون شطح به الوجد الليلة .. فقال .. خديجة ثابت .. الباقي خارج .. وثم تفريقنا .. وظل المثل نتقادفه  بمناسبة وغير مناسبة ” خديجة ثابت .. الباقي خارج ” .
من ايام في الجندية .. الصورة للمكان قلعة سبها والساحة حيث جرى الحفل .. وحينها لا زالت على ذات الهيئة .. سوى الملعب يسار الصورة .. محي رسمه  واضيف للساحة ..

الخميس، 15 أغسطس 2013

ايام في الجندية



   خلال عطلة صيف العام الدراسي 1975- 1976 .. اعلن عن طلب الدفعة الاولى لتدريب الطلبة الاساليب العسكرية و فنون القتال  ( دفعة 1/أ ) وتشمل طلبة المرحلة الثانوية ، وخلال شهرين يقضيهما الطالب بمعسكر التدريب .. استقبلنا الجنود ، ضباط صف  ، وفرقة للمجندين المستجدين قوامها 28 فردا ، كان ذلك بمقر اساس تدريب سبها المجاور لقلعة سبها ، لاحظنا نوعا من الارتباك على الجنود الذين كلفوا بالقاء محاضرات حول الضبط والربط ، ” يقولك اسود قول اسود ، يقولك ابيض قول ابيض ” .. حصة الرياضة تبدأ الساعة الرابعة والنصف فجرا ، يلزمنا التأهب للجمع بالملابس الرياضية قبل الموعد ، نائب عريف ” كاري ” من فرقة الصاعقة ، في بعض الاحيان يكتفي بجولات هرولة حول ساحة المعسكر ، لينتقل الى ممارسة تمارين ” سويدي ” .. تمرين شد البطن والعضلات ، واحيانا ولاغراض تأديبية تمتد الهرولة الى حيث مقر القلعة .. وفي ساحة القلعة تمرينات وعودة لمقر اساس التدريب .. مسافة تقدر بحوالي 5 كم نقطعها صباحا ، ونعود منهكين يومها بالذات . تنقضي الساعة ونتفرق ،  نصف ساعة لتغيير هندام الرياضة بالبدلة الكاكي الخضراء ، ومنها الافطار ، كانت الفترة قصيرة وترى الجميع مسرع لاقتناص لحظة ، التأخير عن الجمع الصباحي يهدد بعقوبة ” تعليم اضافي ” والتي هي تدنيب وسحل على الاسفلت الحارق في صيف فزان ، ولكم كان زملائي من على اليمين والشمال يتأوهون ، ولكم كانت تأوهاتهم موجعة كل صباح ، وهم يهمون بتخليص سراويلهم من جلد الركبة ، وقد تشبت بها الجرح ، .. 

 

   كانت الحراسة مشددة ، التدريب عنيف ، ويبدو ان التعليمات صدرت بذلك ، فقد عمت موجة التدريب المعنف للطلبة بكل معسكرات البلاد .. وسقط قتلى اثناء التدريب  في بعض منها .. كان لزاما لمن يفكر في الهرب ان يعمل الف حساب .. هناك التمام الصباحي .. والتمام نهاية الدوام ، واحيانا تمام فجائي في الفترة المسائية ، والتمام الليلي كالعادة . في طرف السور ناحية القلعة تهتم بالجدار ، ومن المخاطرة الهروب من هناك ، اذ لا مفر من المرور من امام حرس البوابة وانت متجه نحو المدينة سبها .. وسيشك بامرك وتعاد وتعاقب ويدرج اسمك ضمن المستهدفين بالتذنيب بسبب او بلا سبب .. وكم كنا نبتسم عن بعد عندما مر زميلنا عبدالرحمن من امام حرس البوابة يرتدى زي عامل مصري .. واجاد التسلل .

 
  عن قصة الهرب ، كان هناك ايضا فرصة من خلال القفز من على السور خلف الجامع ، لكنها محفوفة بالمخاطر ، الوقت الآمن للهروب الساعة الرابعة ظهرا ، والعودة قبل التمام الليلي .. وفي الحالتين تحتاج الى رفيق يمهد لك الطريق ، يراقب الحارس خلف الجامع لحظة تواريه نحو الزاوية الاخرى ، وعندها تصدر الاشارة .. والثانية عند العودة وما اذا كان الرفيق الممهد للتسلل في انتظارك .. ذات مرة جرى جمع وتمام استثنائي في الفترة المسائية ، وتبين ان بعض الطلبة غير موجودين داخل المعسكر .. وقامت قيامه النقيب شرف ” الله يذكره بالخير وزمرة الضباط الشرف .. الى ضباط الكليات “.. والحدر في مثل هذه الموضوعات ان تصل الى مقر الحامية .. ظللنا تلك الليلة وقوفا في الساحة ، وانتظار للفارين .. بعدها جيء بمن نحس حظه واختار ذلك اليوم عن غيره .. حالما يقترب يصفعه الامر على وجهه .. من اين هربتم ؟.. ” من جنب الجامع سيدي ” .
  نستيقظ الساعة الرابعة فجرا، يدخل الناده ، ” انهض .. انهض انته واياه .. انهض يا تحفه انهض ” ، الكل يلملم اطرافه على وجه السرعة ، يرتدي لباس الرياضة ، ويتوجه فورا الى الساحة ، الجمع الصباحي الساعة السادسة ، تفتيش العريف اولا ، عن الهندام ، الحداء ومدى لمعانه ، الاربطة ، وفي العادة لا تخلو من ادراج البعض ضمن قائمة التعليم الاضافي لتقصير ما ، اما ان سرة النطاق لا تلمع ، وانك لم تطلي سطحها جيدا بمحلول ” السيدروا ” ..  كانت ساعة التعليم الاضافي جحيم لا يطاق ، الكل يتفاداها ، بما  في ذلك الطلبة الدائمين عليها ، تبدأ من الساعة الثالثة الى الساعة الرابعة ظهرا ، ارض الميدان .. هرولة .. وضع البروك خد .. انهض .. وثانية ، وعاشرة .. وضع القرفصاء .. ازحف على الركبتين .. ارضية اسفلتية وفي صيف فزان ، يكاد وهجها يغني عن لدعة جمرة الاسفلت .. وحال شعور جندي الانضباط  المراقب اى تقهقر ، يأتي ليكدم قدمك من الخلف ، لتطعن الركبة وتدمي .
    في طرف ساحة الميدان ناحية القلعة ، بئر صرف صحي سطحية ” بيارة ” ، ووعندما ترقب احد زملائك وهو يعاقب هناك ، تتألم لواقعه ، وترتبك لواقعك انت الذي يتهددك هذا النوع من العقاب في أي لحظة .. ذات مرة واثناء التمام الليلي الذي يعقبه احيانا وقوف استعداد لزمن مفتوح ، .. وتدنيب .. تجمهر الطلبة ولم ينفدا اوامر الملازم ثاني القادم مؤخرا … هو من خريجي الكلية العسكرية وخلافه هنا جلهم ضباط شرف بغض النظر عن رتبهم .. نقباء .. رواد .. في تلك الليلة كان هو ايضا الضابط المناوب بالحامية .. استدعى الانظباط وحرس الحامية ، واجبرنا على الهرولة ليلا الى ساحة القلعة .. وهناك انظم اخرون .. وبدأت ردت الفعل .. تمارين رياضية .. تمرين 6 .. تمرين 9 .. انتهاء بالزحف على الركبتين .. في تمرين 6 .. لم اقوى على المواصلة .. تلكأت .. فضربني الحارس المراقب على ظهري بقطعة خشب طويلة بيده .. انشطرت نصفين .
     بقاء الركبة متقيحة ولايام متوالية ..  وما ان يقارب جرحها ليندمل ، تلفحه ساعة تعليم اضافي مفاجئة ، او عامة ، ليذهب ذلك الحدر رماد ..  ويعاد وقع الجروح والتقيحات من جديد ..

  معسكر اساس التدريب لا يزال على هيئته التي كان عليها ابآن العهد الملكي .. المدخل .. ساحة العلم في الواجهة .. خلفها مبنى المقهى .. وعلى اليسار قاطع الادارة .. مجموعة من المكاتب مصطفة بشكل افقي .. وهناك في الخلف ” الميز ” او المطعم .. ويساره دورات المياه .. وخلف قاطع الادارة .. ميدان التدريب .. باحة شاسعة هي الاخرى .. وفي واجهة الادارة مخزن السلاح .. وخلف المقهى قواطع السكن .. خيم مصطفة الى جوار بعضها البعض .. وبين ستين الى مائة طالب في كل خيمة ..
  في صباح اليوم التالي ، فوجئ الجميع باستقدام فصيل من قوات الصاعقة ليتولى مهمة الاشراف على التعليم الاضافي ، وحصة الرياضة المسائية .. 30 عنصر من قوات الصاعقة ، عضلات اجسادهم تتحدث قبل الاوامر .. وتحولت حصة الرياضة المسائية هي الاخرى الى اشبه بالتعليم الاضافي .. تمرينات .. واجهاد .. وكثيرا ما وقع احد الطلاب .. واى التفاتة له .. يصرخ المدرب .. خليه .. .. حالات القي .. والدحرجة على الارض .
     في ذات الايام ، اتفقنا انا وصديقي حمادي من ام الارانب ، قلت له ، طقس اليوم حار جدا ، وانا لا اقوى على تأدية حصة التعليم الاضافي ، قال لي وانا كذلك ، وبلغنا ان افراد الصاعقة يتحفزون لايداءنا ، اتفقنا ان نضع الى جوارنا ادوية ونتظاهر بأننا مرضى .. نائب العريف حتى هذه لم تشفع عنده ،(  تعليمات عندي .. الخيم ما يقعد فيهن حد .. ما يقعد فيهن حد .. اطلع انت واياه .. قدامي .. اجمع في الساحة ) .. وبعد 
     خرجنا من الخيمة ، توارينا عنه بين الخيم بينما يهم بغيرنا ، انحرفنا يسارا  والتحقنا بفرقة الطلبية المكلفة بتنظيف الحمامات .. الضابط وقف امام المبنى وبدأ ينادي على الاسماء ، تسللنا من خلف دورة المياه .. الى الممر الخلفي الضيق بين الخيم والسور .. المطعم ” الميز ”  به  فرقة طلبية اخرى  لتنظيف اواني الطبخ والمطبخ .. الباب الخارجي مقفل  .. يهمون بتنظيف الطاولات في الصالة ، واخرون بادوات الطهي .. في الصالة الاخرى .. طرقنا النافدة .. وبلا تردد فتح زميلنا النافدة ، لمحنا عن بعد ريس عرفاء السرية ، صاح علينا ” انت واياه .. اجمع عندي ” كنا قد قفزنا داخل الصالة حينها ، حيلتنا الملابس الكاكي الخضراء موحدة ، انهمكنا معهم قليلا ..  لكن ريس العرفاء ظل يتابع ، وقف على النافدة من الخارج وسأل الطلبة : ” اثنان قبل قليل قفزوا من النافدة اين هم ؟ اجاب الطلبة جميعهم بالنفي وان لا علم لهم باحد ، وهم كما هم لم يأتي لهم وجه جديد .. ولجنا الى الصالة الثانية ، ادوات الطبخ ، حلة ضخمة ” كازان .. قدر” يتقاسم تدليكها باليد وتنظيفها اثنان من زملاءنا .. اخدنا عنهم الدور وهم في امس الحاجة الى معين ، وانهمكنا في تنظيف الحلة ، نخبئ رؤسنا بداخلها .. ثم خرجنا لنختبئ ونتسلل بين الخيم .. وتحقق اننا تخلصنا من ساعة ذلك اليوم .. ولم يكن ما انتظرناه بعدها اسوأ منها .. حرارة الاسفلت في تمرين 6 يومها ، نشرت طبقات من بشرة اصابع وايدي الكثير من زملاءنا . 

      تبدأ التدريبات صباحا ، الحصة الاولى والثانية في العادة ” مشاة ” .. تعويد الرجل على البقاء مرفوعة اكثر فترة ممكنة لاتقان وضعها على الارض مرة اخرى ، ” خلي رجلك مرفوعة فوق نبي اندير عليها طاسة شاهي ” .. كنا نهمس .. الراجل يمكن يقصد شاي كيس .. اتقان حركة الطربزة على القدم اثناء المسير ، توحيد الصدمة تلبية لايعاز ” رجل ابدل ” .. يجب ان ينفد الجميع وقع الضربة على الارض وكأنها ضربة شخص واحد .. وكانت هذه اللمسات من اتقان المسير تبعث السرور في نفس نائب العريف .. كان بدوي الطباع .. يستمتع حد الهيام وهو يلقي الاوامر على فصيل عسكري ، او سرية .. وتكون الاستجابة وبالذات في الطربزة ، اى صدم الارض بحافة القدم وبقوة وفي توقيت موحد .. كنا نتفق على ان نقدم عرض للمسير .. الطربزة .. درزة رجل ابدل .. لاجل ذلك الرجل البدوي الطيب .. ” وعند ما تزهوا الربابه عنده “.. نراه يترنح ويحجل ويهوش … ها .. ها .. ها .. حت حت حت .. شوفي التطربيز يا رقيه “


   الحصة الثالثة وما بعدها الى حين انتهاء الدوام ، خصصت للتعليم على الاسلحة ، بندقية ” الف ان ” البلجيكية في الصدارة .. ” الهاون 51 ” .. ” الهاون 52 ” .. ثم ” المسدس ” و ” الغدارة بريتا الايطالية ” .. الكلاشنكوف .. ويتدرج التدريب الى التخصص على سلاح ثقيل .. مجموعات .. م. ط الرشاش المضاد للطائرات .. مدفع 106 .. الرشاشة المتوسطة .. وفي ذات الوقت يجب ان يكون كل طالب مجند على معرفة تامة وكافية عن طريقة استخدام اى من الاسلحة الثلاث .

 

     بعد مرور 45 يوما من التدريب والاغلاق .. سمح للبعض بالخروج مساء ولمدة ساعتين فقط لمن تستدعي ظروف عائلية .. وصار التزاحم على اذن الخروج .. واحيانا ضابط صف في الادارة بحكم العلاقة التي تبادلنا والعشرة .. يمرر اسمك .. كلمة من ضابط بتوصية .. ضوء اخضر .. كان بودنا انا وصديقي احمد ان يوافق على طلبنا يومها .. لاننا مللنا وسئمنا وقررنا الخروج ولو لساعة خارج اسوار المعسكر .. منح اذونات الخروج خفف من وهج الهروب خفية .. تسللت انا واحمد من خلف الجامع وكنا خارج السور .. الصيف وفترة القيلولة .. اواحال رمال ما وراء مزارع كامب الطيوري في التفافة طويلة ارهقت كاهلنا حتى تمنينا اننا لم نختار .. تجولنا بسبها وعدنا على عجل .. المسافة تتجاوز 5 كم .. تعبنا .. تعبنا .. احمد كان صديق وادع وطيب ، ادعو له الشفاء اليوم .. لقد زرته قبل سنوات ووجدته صار يتوكأ على عكازين .. تقلصت حركته .. تألمت لحاله .. حدثني يوم اصابته رصاصات مزقت نسيج الاهل هناك .. خرج من منزله .. ووقف في الوسط يهتف للطرفين توقفوا .. فوقع جريحا .. لتكون سبب في رحلة طويلة من التنقل بعدها .. رحلة جابت مستشفيات الداخل والخارج بحثا عن عودة الى ما قبل .. ولم يحدث ذلك .. لقد قاسى الكثير .. وعلى رأي المثل : ” يديرها الابثر وياحل فيها طويل الذيل ” .

     فصيلنا الفصيل الثالث بالسرية الثانية .. يرأس السرية رئيس عرفاء سرية ( ع.ع ) ، لكل فصيل عريف ومجموعة من نواب العرفاء والجنود المستجدين .. في مجموع من 6 الى 8 عساكر رفقة الفصيل .. يوم انتهاء فترة التدريب والاجادة لاستخدام سلاح ما ، يتولى احد الضباط القاء المحاضرة الاولى التي تعرف بالسلاح ، نوعه ، مميزاته ، طرق استخدامه وافضلها ، ثم يترك للسرايا تتفرق .. وتتجمع كل فصيل على حده ، يقف العريف في المقدمة ، ونكون قد اصطففنا امامه بانتظام قبل اخد وضع الجلوس .. استعدادا لمحاضرة اخرى في البراح المفتوح .. وتحت شمس فزان الحارقة .. العرق ينزف منا انهار .. ” البريه ” او الكاب بات رقعة مبللة .. ننصت اليه على مضض .. لم يكن العريف كما معظم نواب العرفاء قادين على الوقوف والقاء محاضرة او تكرار ما قاله الضابط .. ومعرفتهم بالاسلحة هي الاخرى قديمة ومحدودة .. ويوم درس الرشاشة الخفيفة .. حضر العريف في اول لقاء بعد محاضرة الضابط .. وتفاديا للشروحات .. طلب منا ان نلخص ما فهمنا من المحاضرة .. وقفنا الاول تلو الاخر .. يصف السلاح ويكرر مزاياه عن ظهر قلب .. احد الزملاء اضاف اثناء وصفه لها وقال   ” كما يمكننا ان نضيف لها خزنة تحمل 50 طلقة .. يمكننا ايضا ان نضيف لها تلفزيون صغير ..” هنا انتفض العريف .. اى تلفزيون هذا ؟ رشاشة وتلفزيون ؟ اجاب الطالب : هكذا سمعت .. وهذا ما قاله لنا الضابط في المحاضرة  ؟ وصدح الجميع ، طلبة الفصيل بالكامل .. نعم .. نعم .. هكذا قال الضابط في المحاضرة .. يمكننا ان نزودها بتلفزيون صغير في حالة السلم .. احتار العريف .. وما عساه ان يكذب ما قاله الضابط .. اختار مخرجا وقال : ” لنترك الامر الى حين رد المشورة على الضابط .. وكل طالب ملزم بالوقوف والشرح على الرشاش دون ذكر اضافة تلفزيون .. لكن جميع الطلبة ما ان يأتي على اضافة خزنة ، ينطق وتلفزيون .. وهنا يشتد نزق العريف .. وهو الانسان الطيب المحدود المعرفة .. وقد بلغ من الكبر عتيا . 
     في المطعم تحضر معك ” الكاويطه ” الخاصة بك ، صحن من الالومونيوم مربع الشكل وبه مقبض قابل للتني ، مع الملعقة ، وتستلم غرفة من الارز او المكرونه ، وتكون محظوظا لو ان الغرفة اتت بشيء من نتف اللحم .. السوس الاسود يغطي سطح مرقة الارز الجاري ..( امبكبك ) .. نتعامل معها بالحدف ، والتغاضي احيانا مضطرين لكثرة السوس الممزوج بخلطة الارز .. يبدو انها شحنة مخزنة لوقت طويل على عادته في اكتناز ما يكفي لحروبة المتوقعة والمزمع اشعالها .. تجلس على الطاولة المستطيلة .. تنتظر الايعاز .. كنا نستهوي – على سبيل الدعابة – ترديد ايعاز احد رؤساء العرفاء وهو يتلكأ في النطق ” داوم في ليكال ” .. اى ابدأ بالاكل .
   قبل انقضاء فترة الشهرين بقليل ، درجت اداعة المعسكر على بث نداء للطلبة يدعوهم الى الانخراط في سلك الخدمة العسكرية ، والمبادرة  للالتحاق بالكلية العسكرية ” كلية الضباط ” .. وعلى من يرغب يمكنه تقديم طلب للادارة .. الكلية تقبل الجميع ولا تشترط الحصول على الاجازة الثانوية .. وتقبل ايضا الطلاب الناجحين من الصف الاول الثانوي امثالنا .. صديقي بشير تردد كثيرا وهو يفكر في كتابة طلب الالتحاق ، وفي كل مرة يلح ان نلتحق سويا ، ولم اوافقه ، وكنت دائما اقول له ، هذا العذاب الذي رأيته هنا ، لا اريد له ان يتكرر في حياتي ، وبرغبتي ، كما انني لا اقوى على مضارعة قانون واحد يشد قيدي .. اسمه قانون مدني .. فهل تريد مني ان اكبل نفسي ايضا بقانون عسكري صارم ، لا يعترف بالمبررات ولا الضرورات .. .. حدث بعدها .. مع بداية العام الدراسي ان حضر ضباط الى المدرسة الثانوية ، قبل فترة الاستراحة  ، واخدوا عدد كبير من الطلبة ، مع مرعاة الانتماء القبلي .. ذهب صديقي من بينهم ، فوجئت فترة ما بعد الاستراحة بعدم وجوده ، لم يترك لي اي توصية ، وفي اليوم التالي بلغني انه تم نقلهم من المدرسة مباشرة الى المطار .. وهم الان في طرابلس .. التحقوا بكلية الضباط .. عدد من منتسبي تلك الدفعة اصبح فيما بعد من المقربين لدوائر القذافي .


عمي سعد .. رئيس عرفاء وحده عتيق ، كان من بين متدربي عسكر سوسة نواة تأسيس الجيش الليبي ، امر اساس التدريب طوال الوقت ، طالما لا وجود لاحد من الضباط .. يحلو له الاقامة بالمعسكر منذ آمد طويل ، قلما يذهب الى منزله .. يقدم التمام للضباط بعد الجمع االصباحي ، وينفرد بنا مع نهاية الدوام .. الوقوف للاستماع الى نشرة الاوامر اليومية ضرورة قبل الانصراف .. احيانا يتأخر اعدادها .. الساعة الثانية والنصف ، الشمس عمودية حارقة ، الارض اسفلت ينفث صهدا .. يقف ريس عرفاء الوحده بتأني .. مستمتعا بتململنا .. وبالتمهل في قراءة الاوامر واعطاء اذن الانصراف .. وكنا نستشعر الوقت يمر بالثواني ، وحال ما نسمع كلمة ” تفرق ” يهرع الجميع الى اقرب ظل ، وان كان ظل خيمة في هجير فزان .. التقيت  عمي سعد فيما بعد ، وقد ترك الخدمة العسكرية ، ولا يزال على طبعه العسكري الذي ندر حياته له .. صارم .. وطيب القلب .
  الايام الاخيرة .. لم يبقى امامنا سوى ، مشروع تعبوي بالميدان ، الرماية بالدخيرة الحية ، والمسير الليلي باستخدام  ” الحك ” .. الجهاز الدال على الاتجاه .. ولمسافة 12 كم .. تتغير اتجاهات السير من الغرب الى الشرق الى الجنوب .. يوم مرهق لا كما الايام .. المسافة طويلة ، وتضاريس الارض مربكة للسير .. وفي مشروع الرماية الحية اخدنا يوما كاملا .. 75 اطلاقة ، 30 بندقية اف ان ، مسدس ، غداره بريتا .. عدنا آخر النهار ، اوآن الغروب بعد ان قضينا يوما قائظ ببراح الصحراء .
  يوم التدريب التعبوي بالميدان ، نقلنا سيرا على الاقدام لمسافة تزيد عن 5 كم متر .. خلف ارض المطار .. وحضر الضباط الذين سيشرفون ، ارتدينا كافة التجهيزات ، ” الفشلك بالكامل ” .. جعب حفظ وتبديل مخازن العتاد ،  منحنا عتاد من نوع ” خلب ” .. صوتي فقط .. ومثلنا للهجوم والالتفاف على العدو القابع اسفل العليقة ، وعلى يسار التبة الحمراء .. هرج ومرج وغبار يتعالى ، صرخات الطلاب .. تقدم .. تقدم .. وكأنهم وجدوا في الامر تسلية تخفف الوجع والارق .. بل ان زميلنا حسن اراد ان يضيف للامر نكهة ، فوضع قطعة من الحصبى ، حجرية صماء ، اعلى فوهة السيبطانة ، فوهة البندقية .. وهو الجزء المفقود للرصاصة الخلب .. رأس الرصاصة .. وعندما ضغط الزناد ، وتخلص الظفر من تنية المدك .. تقدمت الاقسام للامام ، والتقطت اول اطلاقة باعلى المخزن ، لتضعها في الحجرة ، ولتأتي الابرة تطرق مؤخرة الكبسولة ، واشتعل البارود ، وتدفق الغاز عينه الى السيبطانة .. تحولت قطعة الحصبى الى رصاصة قاتلة .. واصابت احد زملائنا بفخده .. اصابة بالغة غير متوقعة  .. تعافى منها .
    احد الزملاء كان مترددا في تقديم طلب التحاق بالكلية العسكرية للضباط ، وفي ذلك اليوم الذي حضر فيه ضباط دوي انتماء قبلي الى المدرسة الثانوية ، لم يكن امامه خيار ، فقد وقع عليه الاختيار ، ومن ادارة المدرسة وجد نفسه في طرابلس ، وبعد سعات يرتدي الزي العسكري المنضبط ، ويقف بساحة معسكر طريق بن غشير .
   بعد مرور فترة الاساس الاولى ” شهرين ” وجد فرصة للهروب من الكلية ، فلم يتركها .. وظل مختبئا لزمن ، ولا احد يدري مكانه سوى احد زملائنا .. تحدث بحرقة عن انواع التذنيب او التعذيب والعقاب هناك ، وقوف استعداد بالساحة الى الصباح .. اعداد من يتساقطون اثناء التدريب المرهق ، حالات الاعياء والوهن ، وعن التربية التي تريد لك ان تتقبل الاهانة تلو الاهانة بصدر رحب .. انت التحفه .. وووو ..كي تتعود ان تكون حقيرا امام مرؤسيك ..  بعدها آثر ان يعود للدراسة من جديد .. كان يضايقه ان اسمه ضمن المطلوب القبض عليهم .. وفي لحظة ما .. قرر ان لا يبقى هكذا مهددا حيثما ذهب .. عاد برجله وملء ارادته الى ثكنة الكلية العسكرية .. كان زملاء الدفعة قد اصبحوا ضباط .

 

الاثنين، 12 أغسطس 2013

- ليبيا...كابوس الهجرة السرية وغياب الأمن



 


     تعرض مقال للكاتب جون ثورن بتاريخ 7 أغسطس 2013 إلى مشكلة الهجرة السرية وغياب الأمن ، اللذان تعاني منهما ليبيا، سيما في مناطق الجنوب الحدودية مع البلدان الإفريقية والتي تفاقمت وتيرتها بعد الثورة بسبب ضعف الدولة وغياب الرقابة.

وقال الكاتب إن الدخول السهل عبر جنوب ليبيا يكشف عن الصعوبات التي يواجهها فرض الأمن في المنطقة وهو مشكل يقلق الحكام، وأشار إلى أن ضعف الدولة مع وجود المنافذ الحدودية المفتوحة يجعل من جنوب ليبيا أرضا ملائمة للمهربين والمجموعات المسلحة ودوامة من عدم الاستقرار في منطقة غير مستقرة أصلا.

ولاحظ ثورن أنه بعد الإطاحة بنظام القذافي فقدت الدولة كل سيطرتها على جنوب البلاد، وأغرقت الأسلحة التي تم نهبها من المخازن كل الصحراء، وخلال ديسمبر الماضي أعلنت الحكومة جنوب ليبيا منطقة عسكرية ووعدت بإغلاق الحدود الجنوبية، غير أن الأمر لم يكن كذلك حيث يقول مهاجر من النيجر يدعى سالم وهو من الطوارق أنه وصل إلى سبها جنوب ليبيا في شهر فبراير الماضي.

مشكلة الحدود
----------------
وأبرز أن قبائل التبو الذين ينتشرون على مساحات واسعة على الحدود الليبية يجلبون المهاجرين في شاحنات إلى ليبيا من النيجر ويبتعدون عن الطريق الرئيسية ويستعملون الهواتف للتنسيق في ما بينهم.
وقال سالم "إذا كان هناك دوريات أمنية يمكن أن ننتظر يوما أو يومين وإذا لم يكن هناك دوريات نبقى يوما واحدا فقط".

ويبين الكاتب أنه يوجد حوالي 6000 جندي ليبي موزعين في الصحراء التي تبلغ مساحتها ما يعادل ولايتي تكساس أو كلا هوما معا ، وفق ما صرح به رمضان البرعصي الحاكم العسكري السابق في الجنوب، الذي قال خلال يونيو الماضي قبل أن يتنحى من منصبه إن "فرض الأمن في الجنوب يحتاج إلى ما بين 10000 و15000 رجل".

والآن الجنوب الليبي مفتوح دون حماية أمام المهربين والمقاتلين، من بينهم المنتمين إلى تنظيم "القاعدة"، ويسيطرون على الصحراء ومنطقة الساحل أيضا، حسب البرعصي.

هجمات دورية
---------------
وقال الكاتب إن الحياة تسير بشكل عادي لكن هناك إحساس دائم بأن شيء ما سيحدث، إذ أن القبائل تقوم بهجومات دورية ، وقد وقع تفجير سيارة مفخخة في 26 يونيو الماضي في سبها، بالإضافة إلى اللصوص الذين يسطون على عدة بنوك، وفق ما قاله أحمد زوام الذي يشرف على فروع البنك التجاري الوطني في الجنوب.

وقال زوام "لم يقع السطو علينا ، لكنه أمر ممكن الحدوث في أية وقت، ونظرا إلى كون الطرقات غير آمنة، فإن البنك التجاري الوطني يحول الأموال مباشرة من طرابلس إلى الجنوب".

وذكر أيوب زروق الذي يرأس المجلس المحلي في سبها، أن أغلب الشركات الأجنبية التي غادرت ليبيا خلال 2011 ، لم تعد إليها، وأشار إلى أنه لا أحد يمكنه أن ينكر أن الكتائب تحمي المدينة الآن، وأوضح أن رجال الكتائب يحتاجون إلى المال ولا يتلقون دعما من الدولة، وبين في هذا الصدد "عندما تملك سلاحا مع غياب الأمن يمكنك أن تتوقع المتاعب".
نقلا عن عدة صفحات

السبت، 10 أغسطس 2013

- نسور الجماهيرية


    مجرد حفريات في الذاكرة حول علاقة ليبيا بالصقر والنسر والطيور الجارحة كشعار ورمز. ففي بداية السبعينات، وبعد انقلاب سبتمبر، اختير رسم طائر النسر شعاراً يتوسط راية البلاد، لكنه تغيّر فجأة ليتم اختيار رمز الصقر ليوشح راية أخرى استحدثت رمزاً لكيان سياسي مستجد جمع الدول الثلاث مصر، سوريا وليبيا تحت مسمى “اتحاد الجمهوريات العربية”. استمر الصقر في تمثيل “الجماهيرية” التي نشأت عن انحلال عرى الاتحاد، والمعنى دائماً في قلب الشاعر.. ومأرب اخرى.
libya 1970
النسر: شعار “الجمهورية العربية الليبية” 1969
    بالطبع فإن الخيار لا يخلو من دلالات. النسر طائر يعمر كثيراً، وفي الأمثال يقال “أعمر من نسر”، فلعل في الاسم دلالة على طول أمد الدولة . كما أنه الأكبر حجماً والأقوى جناحاً والأكثر شرهاً بين الطيور، وإذا وقع على جيفة تباعدت عنها الطيور هيبة له حتى يفرغ من الأكل.‏ وقد حرم العلماء أكل لحمه، قال الشابي في حقه:
سأعيش رغم الداء والأعداء‏      كالنسر فوق القمة الشماء‏
      إلا أن استبعاده كرمز هو الآخر لا يخلو من دلالات تتعلق بما يسيء  للرمز. فعلى الرغم من انتسابه للجوارح، إلا أنه يتصف بالجبن، ومن طبعه أنه لا يصطاد أبداً. وأكثر من هذا اعتماده في غذائه على أكل جيف الحيوانات الميتة فلا يقدم على فريسته حتى تخرج روحها حتى شبهه البعض بعامل نظافة البيئة، بينما تعتمد الجوارح الأخرى في غذائها على ما تصطاده بمخالبها طازجاً كالعقاب. وفي الأثر فإن النسر “صنم كان لذي الكلاع بأرض حمير.
Federation of Arab Republics
الصقر: شعار “اتحاد الجمهوريات العربية” 1972
جاء في موسوعة “ويكيبيديا” -ولا بد أنهم اطلعوا عليه حينها!- ما يفيد أن تمجيد العرب لطائر النسر وإعجابهم به في أوائل القرن العشرين، أتى عن خطأ مرجعه جهالة في الترجمة. الترجمة الخاطئة لـ”أنجل”، حيث تدور قصص كثيرة حوله، وتتحدث عنه بإعجاب. وقام المترجمون الأوائل بترجمة الطير eagle إلى النسر، في حين أن المقصود بالإعجاب طائر “العقاب”.‏ ففي التفكير الغربي والأمريكي على وجه الخصوص، نجد الطير المسمى eagle يتصدر كثيراً من الشعارات، فهو يوجد على كثير من شعارات الحكومة الأمريكية وإداراتها المختلفة، ويظهر في كثير من قصص الأطفال كالنسر الذهبي مثلاً، كما يستخدم في الأدب الأمريكي أيضاً كرمز للحرية والانطلاق والعلو. لكن لما احتك العرب بالأمريكان ترجموا اسم هذا الطير بالنسر وأخذوا معه استخدامه في الأدب والكتابة كرمز لصفات إيجابية. لكن خطأ فادحاً حدث هنا في الترجمة إلى العربية، إذ أن الطير المسمى eagle ليس هو النسر إطلاقاً وإنما هو العقاب كما هي الترجمة الصحيحة له، أما النسر فهو الذي يطلق عليه في الإنجليزية vulture وتصفه المعاجم بما ينطبق على وصفه في العربية.
     نلحظ شيئاً من أثر هذا الإدراك أيضاً في تدرج القذافي لإضفاء ألقاب الزعامة على نفسه وخياراته: فهو الزعيم القائد، المفكر، المعلم، المهندس، الملهم، المنظر، رسول الصحراء، الكشاف الأول، بل وحتى الرياضي الأول لم يتركها لغيره. ومع تقادم الأيام والسنين لم يرق له على ما يبدو الوقوف عند حد الألقاب المحلية فاختار أن يكون عميداً للحكام العرب، ضمير العالم، ملك الملوك و… الصقر الأوحد.
      ”الصقر الأوحد” وليس الوحيد، ففي الأخيرة معاني الانفراد والعزلة التي قد يفهم عنها أن لا وجود لجماهير وشعوب تلتف حوله وتحتضنه، تؤمن بفكره، تمجد شخصه، وتعشق ذكر اسمه، الأمر الذي لا يليق بجلال شأنه وعظمته سلطانه. لذا فقد اختار لقب  ”الصقر الاوحد”. يقال لغةً: ” فلان أَوْحَدُ زمانه: أي لا نظيرَ له”، بل وليس بالإمكان تصور وجود ند له قد يساوم أو يزاحم على مكانته عبر التاريخ، لا في الماضي ولا في الحاضر ولا في المستقبل. فهو لم يعد نسراً، كما في بدايات العهد بالسلطان، تفادياً للإشكال التاريخي، بل هو الصقر الجارح الذي من طبعه الاستيطان في البراري وقمم الجبال، يحلق في الأعالي حراً طليقاً لا ينافسه ند ولا نظير، ينقضّ على فريسته بسرعة مذهلة. كذلك فإن في تكوينه صفات كالنضج الجنسي وحب التزاوج واسخدام أعشاش الطيور الأخرى للعيش والاسترخاء، فلا يجهد نفسه ببناء عش له. ولعله من المفارقة في الاسم لغة كما في مختار القاموس: “صقر اسم جهنم، لغة في سقر، الصاقرة: الداهية النازلة”.
Kadhafi
© Ismail Zetouny / Reuters
    خلال فترة الحصار الجوي على ليبيا، تجرأ بعض الرؤساء الافارقة على كسر الحظر الدولي واختراق الأجواء وصولاً إلى طرابلس للقاء “الصقر الأوحد” والاجتماع به وعقداً للولاء والطاعة إليه والتعبير عن رفضهم لـ”الحظر الجائر”، حسب تعبيرهم. أَطلق عليهم القذافي حينها لقب “نسور إفريقيا”؛ ولكون الألقاب لا تأتي جزافاً، فلا بد أن للأمر علاقه بما نقله الصديق الدكتور طلحة جبريل قائلاً : “القادة الأفارقة كلهم الذين كانوا ضد الحصار الذي فرض على ليبيا، كلهم تم شراءهم. كان ينزل الرئيس الإفريقي في طرابلس وشنط من الدولارات تسلم إليه. هذا الكلام سمعته من جوزيف مومو رئيس سيراليون، لم أسمعه من القذافي. حينما أجريت معه مقابلة قال لي بصراحة: “ولم لا نأخد! شخص يوزع فلوس فلم لا نأخد!”، فهل قصد باللقب دلالة النسر وعلاقته بالجيف؟
    أذكر عام 1983 حين حضر عدد من الرؤساء الأفارقة إلى طرابلس في محاولة لعقد الدورة العادية لمنظمة الوحدة الإفريقية، ولم يصل حينها عدد الواصلين للنصاب القانوني المطلوب ففشلت الجهود لانعقاد الدورة. لم يكن في طرابلس خلال وجودهم أي مكان قابل للزيارة والنزهة سوى الأسواق المجمعة المحدودة العدد وخلاف ذلك كشارع 24 ديسمبر “أول سبتمبر” التجاري وقلب العاصمة ليس به سوى أربع أبواب مفتوحة لمنشآت عامة تبيع سلعاً أساسية راكدة. شاع بين الناس وقتها نبأ وجود بضائع متنوعة لا عهد للناس بها منذ زمن، تتوفر في الأسواق العامة “المجمعة” حال انتهاء زيارة أي رئيس إفريقي لها: السجائر المستوردة، الشكولاته والحلويات، المواد المنزلية، البدل الراقية.. الخ. وصار مشهد احتشاد الناس أمام الأسواق الأربعة على غير عادته وكلهم في تزاحم وترقب. كنت على علم بما يقال، وأثناء مروري بشارع الجماهيرية، وعلى مقربة من السوق المجمع، اجتازني موكب لأحد الرؤساء –اعتقد أنه كان رئيس الكاميرون–  فكانت مصادفة لاحظت فيها كيف فتحت البوابة وأسدلت السلاسل لدخول الموكب. انضممت لهم وتمكنت من الولوج، ولحسن الحظ كانت الأجهزة الأمنية المرافقة من مختلف التصنيفات، وفي المؤخرة بعض السيارات المدنية المظهر. دخلنا سوياً وكنت على مقربة من الجميع. تركت له ولمرافقيه فرصة اقتناء ما يشتهون فقد كان جلهم يلملم بنهم، خصوصاً في اقتناء البدل الراقية مجاناً. وسمح لنا نحن الليبيين “الامن المرافق كما يعتقد ” بشراء بعض الحاجيات حال انتهاء الركب من جولته بأدوار السوق الأربعة. كنت طالباً وليس في جعبتي ما يمكنني من شراء أي من تلك البضائع الفريدة التي ملأت الأرفف الفارغة في العادة. كان لي نصيب في علبة سجائر فاخرة لا أكثر… قدر ما كان في الجيب.
   كنت يومها أتمنى أن أعامل كنسر، لكن اللقب هو الآخر (رغم حالة التأفف المنبعثة عن طبع الطائر الرمز) كان حكراً على غير المواطنيين. وكان يا ما كان، في قديم الزمان… ودارت الأيام وتفجر الحنق الشعبي بعد 42 عاماً، وأشرقت أنوار فبراير 2011. انتفت الألقاب ودرست، ولم تعد حكراً على أحد. مضت الآن سنتان على ذالك العهد، ولا تزال الثورة في مهدها، وها أنا أترقب أي لقب يمكن للمواطن أن يقتني: صقر، نسر، أو أي من الألقاب المستحدثة والمتداولة بين الفرقاء… انتظر!

ONE THOUGHT ON “نسور الجماهيرية

الجمعة، 9 أغسطس 2013

- القوارض قادمون .. للواحات ايضا




   هذه القوارض الخبيثة التي لم تنقرض بعد .. ما سر تكاثرها المقيت .. ومن اين جاءت الى بلادنا ؟ .. لم نعهد في الزمن القريب نوعها ، وما ان غزت مدننا على وجه الخصوص ، واصبح عددها في فترة وجيزة يفوق عدد الساكنة .. تسأل الناس عن مصدرها .. كانت الاجابة حينها – على ما اذكر – قدمت من وراء البحار عبر السفن العابرة والموردة للسلع ، وقيل انها نزلت الى الشواطئ متسللة داخل انابيب وردت للصرف الصحي .. لا يهم كيف اتت ، بقدر السؤال عن كيف يمكننا التخلص منها ووقف تكاثرها وانتشارها المرعب .. البعض يقول ان استقدامها وانتشارها بالمدن الرئيسية كان بفعل فاعل مع سبق الاصرار والترصد .. لم نعهد اجابة كافية طوال العهد المنهار .. ولا زال السر الغامض يبحث عن اجابة .. خصوصا حول ..  سر وصولها الى الجنوب ، وكيف حدث ؟؟!! اما قدومها عبر السفن والبحار والشوطئ فلا غرابة في الامر ، وسبق تاريخيا انتقال مرض الطاعون من شرق اسيا الى اوربا خلال القرن الثامن عشر ، وكان الوسيط جردان اختبأت بدهاليز السفن ، وحدث ان قضى المرض على حياة الالآف من البشر بالقارة .
   في جنوبنا الغالي مدينة سبها حاضرة الاقليم تعد الحاضة ووكر التكاثر والانتشار ، ورغم كل حملات المكافحة التي بلغنا انها كلفت خزينة الدولة اموال طائلة عهد النظام المنهار ، وتولي شركات من مختلف دول العالم مهمة القضاء عليها ، إلا ان تلك الحملات وإن قدر لها التخفيف من اعدادها ، لم يكتب لها النجاح الكفيل بالقضاء النهائي عليها .
        


ورغم ان هذه الكائنات تنتهج في تنقلها التسلل عبر العمران .. المباني .. والمزارع .. إلا ان قرانا وواحاتنا المنعزلة لا تزال تحتفظ بعذريتها .. البراح الصحراوي المقفر والفاصل بين المدينة والواحات مثل حاجز امام تنقلها ولا زال ، لكن خطر انتشارها وغزوها لا يزال قائما .. فهل نتوقع خطط مقبلة وقريبة للتخلص من هذه الآفة العفنة ؟
    رفيقي الذي انصت للسؤال ، اجاب : لا تقلق .. الحكومة الرشيدة والمؤتمر الموقر مدركين لخطر الآفة وما قد تسببه من امراض او ان تكون وسيط لنقلها ، ومنهمكين ليس فقط بالقضاء على القوارض النتنة ، بل وعلى جميع مخلفات النظام المنهار وتركة ازماته المتلاحقة .. فلا تعجل .. انهم قادمون .
      انا ايضا .. اتوقع انهم قادمون .. لربما الان تشغلهم بعض الامور العالقة ببنغازي وطرابلس ، وانهم هناك في مهمة للقضاء على انواع مختلفة من القوارض الناهشة لجسد الوطن ، والاكثر شراسة ونهم.. وقريبا عندنا في فزان .. وسوف تنتهي بقدومهم جميع الالآم والأسقام .

     اما رفيقي الثاني فيقول : " ينقنك فاضي .. احنا وين والحكومة والمؤتمر وين ؟ .. هم ينسيك هموم .. بنغازي تحترق تفجيرا واغتيال .. وطرابلس تغتال ..  اشقوا بهمكم يا عرب فزان . القوارض قادمون للواحات ايضا " .

abed

الخميس، 8 أغسطس 2013

- د. جبريل يكشف حقائق القذافي .. وغياب دوره بانقلاب 69







    الدكتور ..  طلحة جبريل ... من جمهورية السودان .. استاذ الفلسفة والصحافي العريق بصحيفة بالشرق الاوسط.. ومحرر كتاب مذكرات المرحوم محمد عثمان الصيد " محطات من تاريخ ليبيا " .. ومؤلف كتاب " الملك والعقيد " .. خريج كلية الاداب جامعة محمد الخامس بالرباط .. ذو الثقافة والاقامة الدائمة والهوى المغربي .. زار ليبيا كثيرا وله صولات وجولات كمندوب لصحيفة الشرق الاوسط وقابل القذافي واجرى لقاءات معه .. ينبش الذاكرة بعد هذه السنين .. ليسجل حوصلة وخلاصة تجربة جمعته مع القذافي .. وكيف رأه ولا يوال .. يقول ..( انطباعي – عن القذافي - .. انه لا يتصرف عفوي .. اى شخص قابل للمساومة على موقفه .. رجل تستهويه السلطة ويحبها تلاحظها حتى في مشيته بخيلاء شديد .. شخصية مركبة .. من شخص بدوي نقي كما بدأ ثم زحف عليه بريق السلطة وكل الاشياء والامور التي يمكن ان تأتي بها السلطة .. هذا التركيب وهذا التناقض يظهر في شخصيته . انا لا اعتقد انه كان صادقا في دعوته لا للوحدة العربية ولا الوحدة الافريقية من خلال نقاشي معه .. هو كان يريد دور .. شخص يبحث عن دور .. اذا كان هذا الدور وجده في العالم العربي فهو مع الوحدة العربية .. واذا كان هذا الدور وجده في افريقيا فهو مع الوحدة الافريقية .. ايضا هناك مسألة .. كان القذافي يحيط نفسه بأفضل المثقفين من ليبيا والعالم العربي وبأسوأ المجرمين .. من كارلوس الى السندنيستا الى الفلبين الى كل .. شخصيته يجب ان تدرس دراسة دقيقة فيها الجانب النفسي .. انا اعتقد فيه جانب نفسي في القذافي غير مرئي .. على سبيل المثال القذافي لم يساهم اطلاقا في الانقلاب الذي وقع في الفاتح 69 وكان وضع لنفسه حق رجعة .. اذا فشل الانقلاب يكون هو ضد الانقلابيين ورغم ذلك اى حينما نجح الانقلاب .. الذين نفدو الانقلاب الضباط الاخرين .. امحمد المقريف .. عمر المحيشي واخرون .. رغم دلك لديه شخصية طاغية .. شخصيته الزعامية لها سطوة تستأثر على كل شيء .. ولا ننسى شيء اخر لا يوجد حاكم في العالم العربي توفرت له الاموال مثل القذافي .. الناس تظلم دول الخليج .. الدليل على ذلك انه ترك شعب فقير جدا جدا غير متعلم ولا توجد بنية تحتية .. ذات مرة زرت طرابلس وهي التي تقع على البحر المتوسط .. كانت هناك ازمة ملح لدرجة ان صديق طلب مني صديق ان احمل معي ملح .. ملح .. كل الاموال كانت تحت يده .. اهم منصب كان في ليبيا مدير البنك المركزي وبعدها تكون هناك حكومة او عدمها كلام لا معنى له وللاسف استعمل هذه الاموال ليس في تطوير ليبيا ..اما في شراء او تدمير .. القادة الافارقة كلهم الذين كانوا ضد الحصار الذي فرض على ليبيا كلهم تم شراءهم .. كان ينزل الرئيس الافريقي في طرابلس وشنط من الدولارات تسلم اليه .. هذا الكلام سمعته من جوزيف مومو رئيس سيراليون .. لم اسمعه من القذافي حينما اجريت معه مقابلة قال لي بصراحة ولما لا نأخد .. حسب كلامه انه اخد الاموال ووضعها في خزينة شعب سيراليون .. قال لي شخص يوزع فلوس ولما لا نأخد .. ولكن على الاقل هذا الرئيس الوحيد الذي استطاع ان يقول هذا الكلام لكن هناك اخرون لم يتحدثوا .. وهناك واقعة ذكرتها في كتاب " الملك والعقيد " قلت فيها انه سلم حقيبة مليئة بالاموال الى سي عبدالحق القادرية مدير االاتشت لان من قالها لي السيد عبدالهادي بوطارق وقال لي سلمها للملك الحسن الثاني وحظي الجنرال القادري بتنويه وتقة الحسن الثاني بسبب هذه الواقعة .. هذه الاموال كانت مشكلة القذافي .. تحت يده الاموال وكان لديه قناعة بأن اي شخص يمكن شراءه .. والان نسمع انه مول حملة ساركوزي .. انا شخصيا لا استبعد ذلك ) .
  
 في العموم ... الواقع الليبي اوليوم يتحدث بأكثر من هكذا تفاصيل .. تبديد الاموال .. وكتابات انقلاب بقيادة مخبر.. ورقيق افريقيا كيف ما اراد ان يطلق عليهم القذافي سرا .. ونسور افريقيا علنا .. ووو من البنية التحتية .. الى الانسان وبناء الانسان .. الى اخر من كتب مذكرت سجن داخل وطن .. ومن لا يزال في طور الانجاز .. صفحات من مسيرة مرهقة لشعب يستحق العون

         حديث الدكتور طلحة بما ادخرته الذاكرة بكل ما حمله من افصاح .. سبقه في الواقع مقالة له بتاريخ الأحد, 20 مارس 2011 .. نشرت بصحيفة الاخبار السودانية .. تحت عنوان " العقيد معمر القذافي كما عرفته " .. فماذا قال .. نص المقال :
     ( ثمة لغط كثيف حول "غرابة أطوار" العقيد معمر القذافي. اعتقادي الراسخ ومن خلال ثلاثة لقاءات مع هذا الحاكم المطلق، وما شاهدته عن قرب وسمعته عن كثب، ليس هناك "غرابة أطوار" أو "جنون"، لكن شخصية شديدة التعقيد، صعبة الفهم، رجل غامض متعب لخصومه وأصدقائه على السواء، خصومه لا يعرفون بالضبط ماذا يفعل، وأصدقاؤه لا يعرفون كيف يدافعون عنه. رجل صعب المراس ويصعب التعامل معه، متحفظ جداً، حذر ومنطوٍ على نفسه، قليل الانشراح، مزاجه متقلب، يفرض على مخاطبه جهداً لفك ألغاز كلامه.

      ظل شاغله هو الحفاظ على سلطة مطلقة، أطلق عليها في إطار أكبر عملية تمويه سياسي تعرفها المنطقة "الجماهيرية". إن عبارة ميكافيللي "الغاية تبرر الوسيلة" تبدو وكأن تمت صياغتها لتفسير مبادرات وقرارات وتصرفات "العقيد القذافي".
    ظل القذافي طوال سنوات حكمه، يمسك بمفاتيح ثلاثة أمور أساسية، وهي الجيش، الذي حوله إلى وحدات لحفظ أمن النظام،والمخابرات، وكان في كل مرة يطلق عليها اسم من"اللجان الثورية" إلى "قوى التحريض الثوري"، ثم عائدات النفط.
      ولأنه سيطر سيطرة تامة على هذه المجالات الثلاثة، كان يقول إنه "ليس حاكماً"، وبغض النظر عن ما يقصده بهذه العبارة شديدة الالتباس، فإنه لم يكن يحتاج في واقع الأمر إلى أن يصبح "حاكماً" طالما أن "السلطة والمال" تحت أمرته.
      بعض الناس يعتقدون أن هذا المنحى، أي وضع كل شيء تحت سلطته، تكرس في العقدين الأخيرين، لكن "العقيد الليبي" ومنذ بداية السبعينيات سلك هذا المنهج .
       كانت أول إطلالة للعقيد معمر القذافي على العالم الخارجي من خلال قمة الرباط العربية التي انعقدت في أواخر عام 1969 أي بعد أربعة أشهر من استيلاء "تنظيم الضباط الوحدويين الأحرار" على السلطة في ليبيا. أعلن قبل ذلك عن أسماء وأعضاء "مجلس قيادة الثورة" الذين ستتفرق بهم السبل لاحقاً. كان مجلس قيادة الثورة يتكون من 11 عضواً، ترأس العقيد معمر القذافي مجلس قيادة الثورة وأصبح بعد قيام "سلطة الشعب" وحل المجلس يحمل لقب "الأخ القائد ".
       كان معمر محمد عبد السلام أبو منيار القذافي، وهذا هو اسمه الكامل، عندما وقع الانقلاب عام 1969 يحمل رتبة ملازم على الرغم من أن معظم رفاقه في مجلس قيادة الثورة كانوا برتبة نقيب، والواقع أن القذافي نفسه كان سيكون برتبة نقيب لولا أن محكمة إدارية عسكرية أخرت قبل الانقلاب بثلاثة أشهر ترقيته، بعد أن ادانته بالإساءة إلى عسكري كان يعمل تحت إمرته في معسكر "قار يونس" في بنغازي. وتمت ترقيته من طرف مجلس قيادة الثورة إلى رتبة "عقيد" وهي الرتبة التي ظل يحملها حتى اليوم.
على الرغم من مظهره الذي يميل إلى الخشونة فإن العقيد معمر القذافي يبدو وسيماً، طويل القامة، أنيق المحيا، يعتني بهندامه سواء ارتدى زياً عسكرياً أو مدنياً، لا يلبس قط ربطة عنق ويعتبرها "بدعة استعمارية" يحبذ اللونين الأخضر والأبيض، عينان ضيقتان، حاد النظرات لا يبتسم إلا نادراً، ابتسامته صغيرة على شفتين رقيقتين، شعر كث متهدل، ظل يعتني به حتى عندما أطل على السبعينيات، يتكلم بصوت خفيض للغاية عندما يستقبل زواره، إلى حد لا يسمع أحياناً. حين يخطب أمام الجماهير يتحول الصوت الخفيض إلى زئير، لا يكترث كثيراً لأسئلة الصحافيين، يفكر دائماً في تفاصيل الإجابة التي يرغب فيها بغض النظر عن السؤال.
       على الرغم من تجهمه كثيراً، فإن القذافي يجد وقتاً للمزاح خارج إطار اللقاءات الرسمية، يمشي بقامة ممشوقة، يخطو بخيلاء واضح. من المؤكد أن سنوات الطفولة القاسية أثرت كثيراً على شخصيته وحالته المزاجية .
      ولد معمر القذافي عام 1943 بالقرب من مدينة سرت، تقول رواية رسمية،"إن جده قتل في عام 1911 على يد المستعمرين الإيطاليين، وسجن والده وعمه بسبب مناهضتهما للاستعمار الإيطالي".
      يتحدر من أسرة بدوية فقيرة من قبيلة "القذاذفة" التي تعيش في سرت. درس في أبها في وسط البلاد ثم التحق بعد ذلك بالجيش بعد أن تخرج في المدرسة العسكرية. لم يغادر ليبيا، إلا لفترة قصيرة (بضعة أشهر) في دورة تدريبية عسكرية في بريطانيا. أثر أسلوب شظف العيش البدوي الصارم بشكل عميق على حياته. كان عمره عندما نفذ الانقلاب على الملك إدريس السنوسي لا يتجاوز سبعاً وعشرين سنة، لذلك فإن تحولاته السياسية والفكرية حدثت والسلطة بين يديه.
       يقول دائماً إن نشأته في البادية ساعدته على اكتشاف قوانين الطبيعة والحياة في واقعها الحقيقي، لكنه في الواقع اكتسب صفتين من حياة البادية "الحذر الشديد وعدم الثقة في المحيطين به" إلى جانب دراسته العسكرية درس العقيد القذافي لفترة التاريخ في الجامعة الليبية. يستهويه التاريخ كثيراً، لكن له قراءات مضحكة أحياناً لأحداث تاريخية .
      ابتكر العقيد معمر القذافي نظاماً خاصاً به أطلق عليه اسم "الجماهيرية" تمييزاً له عن "النظام الجمهوري" مستنداً في ذلك إلى "الكتاب الأخضر"، مستبعداً إجراء انتخابات بحيث تؤول كل السلطة للشعب عبر مؤتمرات شعبية، وكل ذلك كان كلاماً في الهواء، لأن العقيد القذافي ظل هو صاحب القرار في ليبيا. للعقيد القذافي تصوره الخاص للديمقراطية، وجاء هذا التصور مفصلاً في الكتاب الأخضر الذي يعد بمثابة الدستور في ليبيا. بالنسبة للعقيد القذافي فإن نظام الحكم مبني على (اللجان الشعبية) لحماية (أمن المجتمع)، ومبني كذلك على (اللجان الثورية) لحماية (الأمن السياسي).
        ثمة معلومات متضاربة حول الدور الذي أنيط بالعقيد معمر القذافي في الانقلاب، إذ إن بعض رفاقه سيقولون في وقت لاحق إنه لم يشارك مشاركة فعلية في الانقلاب، لكن المؤكد أنه كان يلعب دوراً قيادياً وسطهم عندما تشكل "مجلس قيادة الثورة" لذلك اختير رئيساً للمجلس.
       عندما وقع الانقلاب، وتحت تأثير المد الناصري، حرص أن يربط القادة الجدد في البلاد أول علاقة مع مصر، لذلك كانت السفارة المصرية في طرابلس هي أول من علم بتفاصيل الانقلاب. في الخامسة صباحاً من يوم أول سبتمبر (أيلول) اتصل أحد الضباط الأحرار بالسفارة المصرية لإحاطتها علماً بالانقلاب.
      لم يعلن "تنظيم الضباط الأحرار" حين نجح الانقلاب عن أسماء قادته. شكل مجلس لقيادة الثورة يضم 11 عضواً من أعضاء تنظيم الضباط الأحرار، وأضيف إليه عضوان من خارج المجلس.
      لم تكن لأولئك الضباط الخبرة السياسية الكافية، وانطلقوا في البداية في قراراتهم يقتدون بنموذج التجربة الناصرية في كل شيء، مستفيدين من المد القومي الذي هيمن تلك الفترة على العالم العربي، وكانت ليبيا من الدول القريبة جداً من ذلك المد، لكن مع مرور الوقت سيبدأ العقيد معمر القذافي في اتخاذ إجراءاته الخاصة في إطار الحكم والإدارة وهو ما ترتب عنه اختلاف في وجهات النظر مع بعض أعضاء مجلس قيادة الثورة .
      وفي 16 أبريل 1973 سيكرس خطاب ألقاه العقيد القذافي وهو ما أصبح يعرف بخطاب "الزوارة" اتخاذ هذه التدابير. كان ذلك الخطاب هو الذي أعطى البداية الحقيقية لقيام حركات معارضة ليبية سيتصدى لها العقيد القذافي بالشدة والعنف وعمليات تصفيات جسدية واسعة. بعض الناس استهجنوا كيف استعمل العقيد القذافي عندما بدأت انتفاضة الشعب الليبي الحالية، في وصف المنتفضين بانهم "جرذان" لكنه في الواقع سبق وأن استعمل قبل ذلك بسنوات، تعبير "الكلاب الضالة" في وصف معارضيه.
على الرغم من أن بعض أعضاء مجلس قيادة الثورة كانوا يميلون إلى تسليم السلطة للمدنيين بعد "تطهير" الأحزاب قبل خطاب الزوارة، وكان أبرز هؤلاء الرائد محمد نجم، بيد أن خطاب "الزوارة" بدد إمكانية الانتقال نحو تعددية سياسية في البلاد. بعد ذلك ستبدأ فترة "الحكم الفردي المطلق" في ليبيا، والتي ستستمر أزيد من أربعة عقود.)

talha@talhamusa.com






الأحد، 4 أغسطس 2013

- اعادة بعث الجمعية الوطنية بفزان

 11

 جهد يستحق التقدير لما استلزم من تنقلات ورحلات ومقابلات جاب خلالها الاعضاء المؤسسون قرى وواحات فزان ، منصتين لشهادات حكماء وشيوخ عاصروا ، محاورين للشباب هنا وهناك ، بحثا عن نقطة وفاق ومحطة تلاق ..وقد اختاروا قبس من التاريخ ملهما لمسيرة عمل عنوانها  ” الجمعية الوطنية بفزان ” لتكون مظلة اجتماعية سياسية جامعة لكل اطياف اهل الصحراء دون استثناء .. في محاولة لاعادة بعثها من جديد  ، وبذات المنطلقات الوطنية الزخرة بالمودة ووحدة الصف ، وكمشروع  تاريخي ناهض قوى الاحتلال الفرنسي لفزان خلال الفترة التي اعقبت الحرب العالمية الثانية وسيطرة الجيش الفرنسي على فزان ( 1946 – 1951 ) .

     عن تبني الطرح  يقول الاستاذ الطاهر عريفة في تقديمه له : (  الجمعيـة الوطنية لفزان ، كأداة نضالية وأسلوب في العمل السياسي ..  ففي الواقع أن أغلب أهالي فزان على اختلاف مشاربهم وشرائحهم الاجتماعية ومهنهم الوظيفية كانوا أعضاء في هذه الجمعية . ولولا هذا الزخم الشعبي والمساندة الوطنية لم تستطع هذه الجمعية السياسية من القيام بما قامت به . أن واجبنا اليوم أن نتكاثف وأن نتحد في سبيل تحقيق نفس الأهداف التي ناضل من اجلها الآباء والأجداد ، وهي مبادئ الحرية والعدالة والمساواة ، وأن نرفض التهميش أو الإقصاء لأي مكون من مكونات المجتمع ، فالوطن للجميع وبالجميع.

        أن الهدف من إعادة أحياء (الجمعية الوطنية) بفزان هو إعادة اللحمة إلى أبناء هذه المنطقة بعد سنوات من الجفوة والتهميش والإحباط . فهذه الجمعية بحكم ما تطرحه أدبياتها من أهداف تتجاوز الخلافات القبلية والجهوية قادرة على صهر أفراد المجتمع في بوتـقة واحدة ، هي حب الوطن والدفاع عنه وحمايته . وقادرة اليوم بإرادة الغيورين من أبناء فزان أن تكون الصوت المعبر عن تطلعات سكان هذه المنطقة كما كانت في السابق  ، وأن تلتقي عندها كل التوجهات والبرامج ، وأن تساهم مساهمة فعلية في الحراك السياسي القائم حالياً في ليبيا ، وان تظهر الجنوب كتلة واحدة متراصة ذات ارادة فاعلة تصب في هدف واحد هو حرية ليبيا واستقلالها وسيادتها ووحدة أراضيها ، وإشاعة الأمن والأمان بين مواطنيها ، وتحقيق التنمية والحياة الديمقراطية السليمة ).

  يثني الاستاذ ابراهيم ابوعزوم احد الرواد المؤسسين على روح التعاون والقبول التي حظيت بها فكرة المشروع ، وكذا على الاساتذة الذين ساندوا الفريق ..  وهو ابن الفنان محمد ابو عزوم رحمه الله .. والذي عرف بدوره اللامع كاحد المبدعين وقد اتحفنا بلوحاته المعبرة وباستثماره لمقتنيات البيئة لتجسيد تحف تترجم اسقاطات لروح العصر .. ومساهماته في اثراء الحركة الفنية والمشهد الثقافي من خلال مشاركاته بالمعارض الفنية وتحفيز الناشئة على امتهان التعبير الفني كأسلوب للقفز الى ما فوق صروف القدر العمياء ، وتذوق متعة التعبير عن الواقع بطريقة آسرة تطهر الانفعالات  برحيق الفعل المباشر للاثر الفني بكل ما يحمله من قدرة على تخطي اللحظة التاريخية .. يقول (  أتوجه بالشكر إلى كل من ساهم وساند في إظهار هذه الطرح إلى حيز الوجود ، ونخص بالذكر كل من : الاستاذ / الطاهر عريفة . الدكتور / محمد سعيد محمد . الاستاذ / عمر نصر سالم . السيد / مختار بلقاسم مختار . السيد / عبدالقادر ابراهيم ياقة . السيد / عبدالكريم صالح الزوي .)

    يقدم الطرح التعريفي نبذة تاريخية عن الجمعية الوطنية مستلهما التنظيم الاداري الذي يسر لها النجاح في تحقيق اهدافها وواكب تأسيسها قبل من ستة عقود مضت .. لبناء صرح التنظيم الاداري واطر التواصل بين المنتسبين . كما في التصميمات المرفقة .

12
13
14
15

لمعرفة المزيد اضغط الملخص بالملف ادناه

 الجمعية الوطنية بفزان