الخميس، 31 يناير 2013

- وادي عتبه .. المأساة تكرر نفسها


- وادي عتبه .. المأساة تكرر نفسها

 

    امتداد وادي عتبة ، مجموعة من القرى والواحات .. تتوسط المسافة بين وادي الاجال غربا ومرزق شرقا .. منها : تساوة ، آقار عتبه ، تقروطين ، المقطع ، مرحبا ، ام الحمام ، السبيطات ، دوجال .. تاريخا ذكرت ام الحمام كنقطة عبور القوافل المتجه من بلاد المغرب نحو مكة ، وارتبط اسمها بموطئ قدم مؤسس دولة اولاد امحمد في فزان التي امتد حكمها قرابة الثلاثة قرون ( 1550 – 1813 ) ..  المعلومات عن هذه الفترة ضئيلة ، والوثائق التي ثم جمعها تنبئ عن بوس الدولة وواقع الفقر والتخلف ، وانشغال السلطة الاسرية بالحروب وتوجس وقوعها باستمرار .. وخلاف ذلك ما اورده ” الخوجة ” في كاتب ” مختصر تاريخ فزان ” ، وكذا ” شارل فيرو ” القنصل الفرنسي في كتابه ” الحوليات الليبية ” . والوثيقة التي اوردها الرحالة الالماني  ” رولفس 1818″ والتي يقول انه حصل عليها من احد احفاد اسرة السلاطين المسمى ” البصيركي ” حفيد السلطان محمد الحاكم الملقب بالمترز ، اخر السلاطين . اذ من المعروف ان الدولة كانت دائما في صراع وحروب مع الاتراك في الشمال ، وكان رد الاتراك انتهاز فرصة والاغارة على العاصمة مرزق كلما توانى الحكام في العنت ، وعدم الايفاء بدفع الجزية .. الى ان جاء يوسف باشا القرمانلي  وكانت الحملة الاخيرة بقيادة ابناء المكني ” من تجار الشمال وكان لا يروق لهم احتكار تجارة افريقيا من قبل اولاد امحمد واستقلاليتهم ” .. وحدث ان فر من فر من اسر السلاطين كما العادة نحو الجنوب الى ” بركو ”  و ” اغاديس ” .. ودبح في يوم واحد 200 شخص من اسرة السلاطين بدخول محمد المكني مرزق وتدمير اسوارها  1813 م .

  ورغم ندرة المادة التاريخية المسعفة للتفاصيل .. يمكننا ان ندون مقاربات اولية حول المرحلة  على النحو الاتي :

اولاد امحمد في فزان : مقاربا ت اولية :

• 1550 ف :- الناصر بن امحمد الفاسي .

• 1577 ف:- السلطان المنتصر بن الناصر

• دخول الاترك فزان .

• 1582 ف :- مامي التركي حاكما لفزان

• ثورة اهالي فزان

• 1588 ف :- الناصر بن المنتصر .

• محمد المنصور بن السلطان الناصر

• 1611 ف :- سليمان داي وموقعة كنير

• هروب الامير الطاهر بالخزنة على اثر وفات المنصور .

• 1613ف :- حسين النعال حاكما للفزان .

• ثورة الاهالي وقتل حسين النعال.

• 1622ف :- السلطان الطاهر بن الناصر .

• 1626 – 1657 ف :- السلطان محمد بن جهيم

• معركة موقعة حميره

• الصلح ودور المرابطين

• اعتراف الاتراك بسلطة اولاد امحمد مقابل اثاوه

• خروج الاتراك من فزان .

• جهيم بن محمد بن جهيم.

• النجيب محمد بن جهيم .

• حملة مراد باي المالطي ومعركة دليم .

• دخول الاتراك مرزق ومقتل النجيب .

• 1087_1101هـ :- محمد الناصر بن محمد جهيم ” الابن الثالث لمحمد بن جهيم “

• عهد الباشا محمد الامام (شايب العين)

• امتناع الناصر عن دفع الخراج عام 1101 هـ

• حملة يوسف بك واولاد المكنى محمد الغزيل ، وعلي المكني

• اسر محمد الناصر واقتياده الى طرابلس بعد اعطائه الامان

• بعد خمس اشهر ثورة الاهالي والثار من المكني وقتله .

• فاطمة بنت محمد الجهيم

• مدة الحكم شهر واحد الى حين وصول خالها تمام .

1698 ف :- فرار محمدالناصر من الاسر ووصوله الي فزان ودخوله مرزق علي رأس جيش انظم اليه حال وصوله.

• حملة المكني الثاني وخليل بك بعد شهر من تولي محمد الناصر

• فرار محمد الناصر الي اغادس

• تقاسم حكم فزان _المقاطعات الغربية مع مرزق (خليل بك) المقاطعات الشرقية (علي المكني )الذي اختار تراغن عاصمة

• محمد القائد في جرمة وهزيمة المكني بعد حصار تراغن

• خروج المكني من تراغن

• نزول المكني ضيفا لدي القائد في تراغن

• تحالف المكني مع محمد القائد ضد اي هجوم يأتي من طرابلس والاتفاق علي تقاسم حكم فزان

• المقاطعات الشرقية (محمد القائد)والمقطاعات الغربية (المكني)

• ظهور محمد الناصر فجاة علي رأس جيش من الطوراق قادما من اغادس

• محمد الناصر يطلب من تامر بن حمزة كبير مرابطي تراغن التوسط بينه ومحمد القائد

• علي المكني يطلب الامان مقابل اعادة كل ماأخذ من خزنة الناصر

• اسر محمد القائد وابعاده الي السودان

• 1122 ه:- وفاة محمد الناصر

• 1710 ف :-احمد بن محمد الناصر :_

• حملة حامد باشا والانسحاب الي طرابلس بعد محاصرة مرزق ثمانية ايام

• حملة حسن الصغير بعد مضي تسعة اشهر من الحملة الاولي والانسحاب ايضا والعودة الي طرابلس بعد محاصرة مرزق لمدة ثمانية عشر يوما

• حملة محمد بك وقائد جيشه (بن درفو)

• حصار مرزق لمدة ستة اشهر

• قرار السطان احمد الدخول في مفاوضات أثر معاناة السكان للجوع

• عرض السطان احمد ذهابه الي طرابلس في حال التأمين علي حياته والقبول بفك الحصار علي مرزق

• قبول محمد بك العرض واستقبال السلطان احمد في طرابلس بعد ان ترك الحكم للأبنه الطاهر

• 1753 ف :-حملة حامد البيري لهدم اسوار مرزق بأمر من الباشا

• عودة السلطان أحمد بعد تسعة أشهر الي فزان والأعتراف العثماني له حاكما لفزان

• إعادة بناء أسوار مرزق

• 1767 ف :- وفاة السلطان أحمد في اوجله في طريق عودته من أداء فريضة الحج ودفنه هناك

• حكم الطاهر بن السطان أحمد لمدة سبعة سنوات

• حكم احمد بن محمد المنصور لمدة ستة عشر عاما

• وفاة السلطان أحمد وتولي محمد الحاكم لمدة 15 سنة

• تنازل محمد الحاكم عن الحكم طواعية لأخية(محمد المترز) بسبب المرض

• حملة يوسف باشا بقيادة محمد المكني (الثالت)

• قتل المترز وقتل ابن أخيه

• مطاردة المكني لفلول جيوش الاشراف في أطراف أدري

• محاصرة المكني لتمساو وهدم اسوارها وقتل سكانها .

    اما ( مكنوسة ) فقد ارتبط اسمها حديثا باحد أكبر مشاريع الاستصلاح الزراعي بفزان ، أنشئ حديثا خلال العهد المنهار ليضم 215 دائرة زراعية .  ولعل مما يبعث في النفوس اشياء هي من التداخل والتعقيد بحيث لا يستطيع احد ان يقدم لها تفسيرا  دقيقا ، تضاف الى بؤس الحياة ومعاناة الساكنة بتلك المناطق الصحراوية النائية ، ملاحظة انتشار اورام السرطان ، والتي يعتقد اهل المنطقة ان سببها يعود الى استخدام المشروع الزراعي للمبيدات الحشرية بغرض مكافحة الافات وتخصيب التربة ، دون أية محاذير .. وان حالة التسرب للمياة   وتناول الساكنة لبعض المنتجات ، وراء ذلك الانتشار المرعب حسب تعبيرهم وشكواهم ومناشداتهم للحكومة  التي لا تلقى أذن صاغية .

     في كل الاحوال ، الملاحظ انتشار اورام السرطان بعموم فزان بنسبة اعلى مما سواها ، البعض يردد انها امتداد صحراوي يتعرض لحركة رياح محملة بالاشعاع الذي تحتفظ به ذرة الرمل الواحدة لاكثر من 24 الف عام ، وان الاقليم واقع بين مصدرين ينفثان وباء مستعر لا يتوقف ومن غير المنتظر ايقافه ، مخلفات التجارب النووية الفرنسية بصحراء الجزائر ، وعبث شركة ( اريفا الفرنسية ) بمناجم اليورانيوم شمال النيجر .. ناهيك عن الاستخدامات السيئة والغير مدروسة للمبيدات والأسمدة في مشروع حكومي  جل توريداته مجرد صفقات تجارية يؤطرها النهب والاستفادة الشخصية لافراد ، دون مراعاة لنوعية المواد الموردة او المستخدمة .


    ثمة اشياء تكونت بفعل الزمن ، وبفعل الطبيعة القاسية ، والمناخ القاري المتطرف .. وثمة اشياء اخرى اكثر شراسة وقسوة .. عبث الانسان بقوانين الصحراء .. جزء من ملامح اضحت تسم المكان والمحيط .. الناس هنا لا يتوقفون عن النظر بحسرة .. ويتوقعون شيئا ما ، لكن هذا الشيء لا يأتي ابدا . انها المأساة تكرر نفسها .. واذا كانت الاعراس تعني بعض الناس ولبعض الوقت ، فإن الاحزان هنا .. في وادي عتبه .. وفزان عموما .. تعني جميع الناس .. آه .. ثم .. آآآآآه

تصوير الفريق الاعلامي لهيئة فزان للتنمية

الثلاثاء، 29 يناير 2013

- العشق والدهشة واسرارغنائم الصحراء



   سمراء .. بهية الطلة .. باسمة الثغر .. رمقتني بنظرة لافحة طرف العين .. اثناء وقوفنا لاستعادة نشاط الرحلة على اطراف قرى جنوبية نائية ( مجدول .. مسقوين .. القطرون ) .. وبنوع من الفضول .. سألتني .

-         من اين انت ؟ ولما اتيت الى هنا ؟

-         انا جنوبي كما انت .. التمس الطريق الى جبل بن غنيمة .. يقال ان هناك طمرت جواهر فضائية ، وكنوز ثمينة كما انت .

-          ابتسمت بخجل يخفي قهقهة .. وقالت : اتغازلني ايها الغريب القريب ؟.

-          قلت : نعم .. ولما لا ..  لقد ايقضتي في لواعجي شيء اخر من حب الصحراء واهلها .. واكاد ان اقول لك .. عشقي للصحراء شمل كل ما صادف رحلتي وتوقف هنا .. مندهشا .. يتأمل جمالك الاسر .

-          لاتت لحاف غيب وجنتيها ، وقالت بكبرياء : انا لا ابحث عن من يعشقني .. بل من يدهشني فأعشقه .

-          ياله من امر صعب المنال .. كيف الطريق الى الدهشة .. الدهشة اول المعرفة .. سقوط تفاحة انتج قانون الجادبية .. فأي قانون مدهش لفك لغز تفاحة الصحراء .. استدركت وانا اقول  .. اذا كانت الدهشة اول المعرفة .. فالصحراء الدهشة بعينها ..احتاج الى خلوة لبعض الوقت هناك .. باطراف الصحراء .. اذ لا شيء اكثر وقعا في النفس من تلك الخلوة التي تحرر الذاكرة من ضغط الشعور باشياء العالم .. عسى ان تسعفني المخيلة باسرار الصحراء واهل الصحراء وقوانين الجدب والطرد التي تحكمها . وما عساها ان يكون سر عشقها نظير لسر الجواهر الفضائية التياعتزم أقتفاء اثرها في جبل بن غنيمة  !! السر هناك .. واذا ما تمكنت من فك لغز الجبل سأحضى بدهشتها وعشقها .


    لماذا جبل بن غنيمة .. غنيمة ..؟ جبل بن غنيمة منطقة صخرية بالقرب من منطقة ( واو) .. ليست مدرجة ضمن مواقع الجدب السياحي لكن بين الحين والاخر يأتي بعض السواح الراغبين في زيارة المكان .. شغفا باستطلاع الصخور وانواعها الى غير ذلك .. الحقيقة ان الامر مختلف .. جبل بن غنيمة اسم على مسمى .. ففي اكنافه غنيمة ربما عثر عليها او لا يزال البحث جاريا .. الخرائط الجيولوجية الخاصة بمتابعة مواطن سقوط النيازك ، تشير الى اربع مواطن رئيسية بالجنوب .. الاولى وهي اكبرها وسرقت منذ زمن في منطقة الغاني ( بالامكان الاطلاع على ما مقالتي حول الموضوع عام 2009 ونشرت حينها بعدة صحف .. الرابط هنا ) اما النقطة الثانية فيصعب الوصول اليها اذ انها تقع على الحافة الشرقية لبحر رمال زلاف ، ويتعذر البحث .. اما النقطة الثالثة وتقع على مسافة 18 كم شرق تلال ( المريطبه ) وهي منطقة صخرية وليست صعبة الوصول لكن الامر اكتشف مؤخرا كما انه صغير الحجم على ما يبدو ، او لاعتبارات اخرى . لكن المعلومات التي استقيناها من منظمي خدمات السياحة بالجنوب وخبراء المسالك الصحراوية والساكنة تفيد انه لم يلاحظ اي نوع من السواح طلب التوجه هناك ، ويظل الامر محل نظر .. اما نيزك جبل بن غنيمة فلا معلومات كافية عنه هو الاخر ويعتقد ان حجمه مناسب وطبيعة الارض القاسية تيسر مهمة وجود مواطن تبعثره والتقاط شظاياه من على سطح الارض دون عناء .. ولربما من الاسباب التي منعت في السابق وصول صيادي النيازك اليه ، رقابة الدولة الامنية لافواج السواح القاصدين مناطق صحراء فزان .. وصعوبة التضاريس .. وبعد المكان .. وها انا اجوب البراري والقفار .. نحو جبل بن غنيمة .. حيث الغنيمة .. لاقتفاء الجواهر الفضائية .. عسى ان يكون سبيلا لفك لغز العشق والدهشة ..  عشق حواري الصحراء .

جبل بن غنيمة

الأحد، 27 يناير 2013

- رحيل الشيطان عن فزان


 

     يلوح في الافق نوعا من الغزل المتبادل بين الخصمين اللدودين ، على اليسار كثبان رملية شاهقة وشاخصة بتجهم يندر بحالة فوران او ثورة زاحفة لا محالة ، قد تلتهم شريط ضيق من العمران المتناثر في صورة قرى ومزارع قزمية ترسم الحد الفاصل بين تلك الكثبان وسلسلة الجبال الصخرية الممتدة على يميننا .. هذه السمة الظاهرة لتضاريس وادي الاجآل .. وفي اكناف قرية ( ..... ) منتصف المسافة بين اوباري وسبها .. توقفنا قليلا لنتأمل المشهد عن قرب ، الساكنة هنا لا يرون في زحف الرمال المتوقع هاجس لخطر داهم لطول ما تألفوا مع الواقع ومكوناته . يمارسون حياتهم اليومية البسيطة والبسمة لا تفارق شفاههم ، والامل بالمستقبل يراود مخيلتهم .. مباني متناثرة وكأنها في طور الانشاء ، ضنك العيش على ما يبدو ، وضيق الحاجة قلما سمحت لاحدهم استكمال واجة المنزل ، ناهيك عن من لا يزال يقطن مبنى من الطوب على غرار ما كان زمن الاباء والاجداد .
     عند الجمعية الاستهلاكية يتردد البعض لاستلام حصة الاسرة من التموين ، يقول الحاج ابراهيم انه لم يحضى سوى بعلبتين طماطم معلب ، وقنينتين من زيت النبات ، ( السبيزه ناقصة ) على حد تعبير مسئول الجمعية .

    
   عند طرف احدى الاكواخ  نساء تبتاع مقتنيات منوعة . اطباق مصنوعة من سعف النخيل ، 5 دينار للطبق الواحد واقل بقليل . دهانات ومراهم واعشاب الطب الشعبي والتوابل الجافة . قلائد لجلب الحظ وطرد الارواح الشريرة .. اخرى تهم بضرب الودع ومعرفة الطالع .. عند هذه الاخيرة توقفنا نتسأل ، ما عسى ان يخبئ لنا المستقبل .. همهمات وتعاويد تتلوها قبل ان ترمي بحفنة الودع على قفا غربال .. سألتني عن اسمي وامي مسبقا .. واستأنفت تعويدتها : ( يا تاقزة النبي .. اصدقي لا تكذبي .. اولك محمد وثانيك على .. لا سألتك عن قمحة ولا شعيره .. لا ذهب لا قزير " قصدير " .. لا عن ريح تهب ولا عن مطر تصب .. سألتك عن فلان ابن فلانه .. عن حاله واحواله وما هو قادم عليه .. ان كان له فيه نصيب ) .. ثم ترمي الودع وتتفحص لتعلمنا بالنتيجة .. كلام استمعت اليه اطربني كما طريقة سردها وبشاشة وجهها ، شخص ما يحسدك ويتربص ، وفتاة تقطن على مقربة من منزلك تراقب حركاتك وسكناتك ، مهتمة بك .. الخ .. لكن احد المارة ظل يتأمل المشهد بنوع من السخرية .. اقتربت منه بعد ان وضعت بيدها دينارات .. وسألته : اراك ساخرا مبتسم .. ما الامر ؟ . اجابني .. اترك عنك هذا .. انه محض هراء ، هناك عند  النخلتين ، امرأة من نوع اخر ، لا تستخدم هذه الطرق العتيقة ، وتتحدث عن المستقبل بمعية " تسخير الجان " .. يا للهول !! انتابني الفضول .. " تسخير الجان " !! كيف للبشر ان تستقوي على الجان وامم غير منظورة ، ألا يمكن الاستفادة من هذه المواهب في معرفة اخبار المريخ وما اذا كان بالامكان الحياة هناك ؟! . توجهت الى حيث هي ، وإذا بآخرين ينتظرون دورهم . انتظرت الى ان حان دوري واخترت السؤال عن حال بلادنا المتقلب ، وعن الامن والامان ، واوان عودة الحياة الى طبيعتها ؟ وعن المصالحة الوطنية والدستور .. الخ ؟


  
   نظرت إليّ بحنق شديد ، وبعد برهة صمت بدأ لي وكأنها تتحدث مع غيري .. تنهدت بزفرة المتأسي ، ثم قالت : " ما بكم ؟ والى اين انتم سائرون ؟ تلعنون الشيطان وتحملونه بؤسكم ، وكأنه هو مصدر بلاءكم واخطاؤكم وجرائمكم ، والفتن التي انتم فيها ، وعاهاتكم منذ 44 عاما الى اليوم !! . مسكين هذا الشيطان ، كان يجب عليكم ان تعتذروا له ، هزائمكم ، انقلاباتكم ، ثوراتكم ، حروبكم الاهلية والقبلية ، كل موبقاتكم سببها الشيطان اللعين المسكين !! يا للعجب ! " .. هزت رأسها والتفتت يمينا وشمالا ، واعادت التحديق بي ثانية ، ثم اردفت : " ان شيطانكم مستوطن فيكم ، ألم تسمع بشياطين الانس والجن "؟ .. شيطانكم انسي يا بني ، اما الشيطان الذي خلق من مارج من نار ، فقد استقال وترك بلادكم وهو مطمئن لافعالكم ، ابحثوا عن بديل تحملونه وزر افعالكم العصبية ، وانانيكم البغيضة العصية .. لقد تراكمت اوزاركم المقيتة باسم الثورة ، وعرجتم عن الطريق الى طريق من سبقكم . ثم عن أي مصالحة تسألني ؟  انتم بحاجة الى ثورة ثقافية قبل ان تشرعوا في المصالحة وطنية .
  يا بني .. ان اول شروط الثورة ان يكون لها قضية ، وان اهم ما يميز الثائر الحقيقي ان يحمل في داخله تصورا واضحا للمستقبل .. ولا أرى في اعمالكم سوى تحطيم للمحطم ، وتكسير بدافع التشفي والسادية والعدوان .. ففيما الفرق ؟.. أنقذوا انفسكم من شيطانكم .. تنقذوا وطنكم ومستقبل اجيالكم ، وتحفظوا ماء الوجه لشهداءكم .. واعلنوا بشجاعة انكم قادرون على تجاوز الماضي ، بسعة الصدر .. واقرار العفو .. والتماس الاعذار لبعضكم البعض .. قبل اوآن الافول .. عندها لن ينفع الندم .
   غادرت المكان وفي نفسي اسى وحسرة .. واسئلة واستفهام .. أي جان هذا الذي يتحدث عنا ، وأي شيطان هذا الذي غادر بلادنا بعدما استأنس لافعالنا ؟.. وما قصة حفظ ماء وجه الشهداء ؟ .. لالا .. يستحيل هذا .. لسنا نحن المعنيين .. بلادنا بخير .. انا لا زلت اتذكر قولة الرحالة الالماني "غيرهارد رولفس" ، عندما مر من هنا عام 1865 : "  في طباع اهل فزان تتبين انهم شعب طيب ومستقيم وداخل منطقة فزان يشعر المرء بالامان من قطاع الطرق واللصوص ، وفي وسع المرء ان يدع في وسط منطقة اهلة اغراضه دون حراسة ودون ان يكثرث انها قد تسرق .. وفي يناير 1870 يكتب الدكتور ناختيغال وهو اخر اوربى زار فزان الى الدكتور باستبيان في مجلة الجمعية الجغرافية تعتبر السرقة في فزان امرا مشينا .. واننى اؤيد رتشارد سون في رايه عندما يقول : ما من بيت له قفل او درباس فأبناء فزان لا يسرقون مطلقا " .. علينا ان نتفأل ، وان نعيد النظر لنضمد الجراح ، ولنبدأ من جديد ، صفحة اخرى مفعمة بالامل والود والتصافح والتآخي .. نعم نحن قادرون على تجاوز الماضي وآلامه .
   

الجمعة، 25 يناير 2013

- فيدل كاسترو في سبها




    منذ سنوات قليلة كان الزعيم الكوبي فيدل كاسترو، في زيارة، لبلادنا،  وتحديدا، في قرية القاهْرَهْ، بمنطقة فزان، وَهيّ نفس الفترة التى قامت فيها"قـِيّامَة" سلطة الشعب.
    كان الزعيم الكوبي يستمع داخل قلعة "القاهْرَهْ"، لخطاب ثوري، لقائد الثورة، وفي ذروة خطابه الحماسي ذكر القائد أنّ صحارى ليبيا ستتحول الى جـِنان خضراء، وانّ هذه البلاد ستكون مثالاً يحتذى به، في العالم أجمع، واستطرد قائلاً سنقضي على الفقر، والتخلف، والظلم، والرشوة، والمحسوبيّة، وستكون بلادنا دار أمن، وسلام، وسنقارع الإمبرياليّة، ولن نستسلم لها، ولن نهادنها. كانَ الرئيس الكوبي يستمع، لهذا الخطاب المُترجم عبر سماعتين، كان يضعهما، في أُذنيّه الكبيرتين، وأثناء إستماعه، لِخطاب قائد الثورة، كان الزعيم الكوبي من حين لآخريُمَسِد، لحيته الكثة، بيده اليمنى، ولم يتوقف الزعيم الكوبي عن هذه الحركة الى أن أنهى القائد خطابه.
    كان من بين الحضور ثورياً متسلقاً، خبيرا في منْ (أين تؤكل الكتف)، وكانت مؤهلاته التى أجلسته في تلك القاعة أنّه "بصاص"، بالفطرة، وجلادٌ وقت الحاجة، ويبدو من أسئلته أنّه جاهل، ولجهله المطبق ظنّ أن كوبا دولة إسلامية، ولمْ تكن له أيـّة دراية بالفرق بين المذهب الشيعي، والشيوعية، ففي تلك الأيام كانت الثورة الإيرانية، في عنفوان تمردها على ملك الملوك الطاووس شاه ايران، وكان معظم قادة الثورة الإيرانيين رجال دين مُلتحين، وبما أنّ الزعيم الكوبي، تـَكْـتسِي وَجْهَه لِحْية كَثِـيفة فقد إلتبس الأمر على هذا "البصاص"، ودار، بـِخُلـده أنّ الزعيم الشيوعي كاسترو شيعي، وأنـّه من قادة الثورة الإيرانيّة قرّبَ هذا الجلاد فاهُ من أُذن زميل يجلس، بجواره، وهمس قائلاً: هل لاحظت فضيلة الشيخ أية الله فيدل كاسترو، وهويقبض، لحيته أثناء خطاب القائد؟، ولماذا توقف عن شَدّ لحيته بعد الخطاب مباشرة؟، أجَابَ الرجل زميله، بعد أن حبس ضحكة كادت أن تنفجر من بين ضلوعه، لِغباء هذا الثورى الذي أصبح فيما بعد أمينا، لإحدى أهم الأمانات الشعبية، في بلادنا، وقال له: إنّ الرئيس الكوبي لاتربطه أيّة رابطة، بالمذاهب الإسلامية، ولا، بالأديان، فهو شيوعي، وليس شيعي، أمّا الشِّقْ الثاني من سؤالك حول شدّ الرئيس كاسترو، لِلحيته أثناء خطاب القائد، فـَلِسَان حاله يقول لوْ أنّك حققت شيئاً مِمّا وعدت به شعبك، في هذا الخطاب، فإنني على إستعداد أنْ أحْلق هذه اللحية التى لم يقترب منها موس حلاقة، في حياتي منذ أن ظهرت على وجهي 
فتح الله ابزيو : موسم العودة من الشمال الى الجنوب

السبت، 19 يناير 2013

- الصحراء تفقد عذريتها





      حواديث اهل الصحراء لا تنتهي  ،  ورفيقي يروق له في معظم الاحيان ، وكلما رأى الفضول يرتسم على وجهي ، والبحث عن اجابات يضني تفكيري ، ان يروي لي شيء ما عن الحياة في الصحراء  ، وفي احيان اخرى ..  ارق الساكنة ، وهموم الحاضر المستجدة .. وإن لم أبادر بالسؤال .. لكن مشهد جانب الوادي هالني وبعث في نفسي الكثير من الاسى ، وقد استبد بي حزن عميق ، وضجرا لا نهاية له ، حتى انني طلبت منه ان يتوقف قليلا لأمعن النظر ، لعلني اصدق ما أرى .
     ثلة من الشباب يتأبطون أسلحة مختلفة ، يجوبون الوهاد ، وقد توقفوا عند اطراف الجبل ، يستعرضون غنائمهم ، وقد بدت تلك الغزلان ضحايا صيدهم منثورة على الصخر ، ينشرونها بنوع من التباهي ، وكأنها مجزرة من مخلفات حرب ضروس .
   الغزلان النادرة والمهددة بالانقراض ، تقع فريسة للصيد الجائر دون ادنى معرفة لهؤلاء الهواة المغترين بأن ما يفعلونه هو جريمة نكرا ، اشبه بفض عذرية الصحراء . فمن ذا الذي يمكنه ان يقترب منهم وهم في زهوهم يتبجحون ، ويخبرهم بالأثر المؤلم لفعلتهم .


   سألت رفيقي .. هل يدرك هؤلاء موبقات الصيد الجائر ، وما ينجم عنه من نضوب التنوع الإحيائي بالمكان ، ومضار اختلال التوازن البيئي ..؟
   همهم قليلا .. وكأنه ارد لي ان احجم عن الحديث ، او ان لا اتوجع بما لا يفيد .. ادار وجهه يمينا وشمالا وهو يفرك اعلى حاجبيه ، واجابني بنوع من التأفف : انهم مسلحون ، ومن يملك السلاح يملك القرار !! فلا تحاول ان تشعرهم مضضنا ، او سخريتنا وتندرنا لما هم عليه .. لقد اصبح الامر اشبه بالمعتاد ، وملاحقة الغزلان هواية يأتي لممارستها هنا الكثيرون من بقاع بعيدة ، ولا تقتصر على الساكنة من اهل الصحراء ، بل لعلهم قليلون من أبناءها  الذين يمتهنون هذا السلوك المشين .

     هل تعلم يا صديقي ان ندرة العشب ، واتساع رقعة التصحر يوما بعد يوم هي الاخرى ذات علاقة وطيدة وطردية مع الصيد الجائر .. هذه الكائنات في تناولها للاعشاب البرية تعطي لها فرصة جديدة للنموء ، بقدر ما تخصب الارض بروثها .. بل ان من الكائنات الصحراوية لها وظائف اخرى مختلفة ، وفي وجودها يكمن سر البقاء واستمرار الحياة بالصحراء .. انها اشبه بميزان التعادل ، ومتى اختل التوازن فلابد من جني عواقب وخيمة ، منها ما نعلم ، واخرى في حكم الغيب .. والامر لا يتوقف على الاعشاب فقط ، بل ان شجرة النخيل ، هبة الحياة في الصحراء ، يتوقف صمودها في مقارعة قسوة المناخ والطبيعة على تواجد هذه الكائنات ودورها في عجلة الحياة .. التمور التي تتساقط حول النخلة إن طال امدها ، ولم تأتي الارانب وغيرها من الكائنات التي تقتات عليها لالتهامها ، فسينخر التسوس الشجرة ولا تقوى على التحدي .. ربما هذا قليل مما نعلم ، ولربما .. ما خفي أعظم .. لكن ما عسانا فاعلون ، وهؤلاء مدججون بأعتى انواع الأسلحة ؟؟
  يا صديقي .. ما من كائن يمشي على هذه الارض خلق عبثا ، إلا وله علاقة تكافل ، او تضافر ، او تطفل على الأخر ، ولكل واجب في دورة الحياة .. الذئب ، الثعلب ، الفنك ، الضب .. وغيرها كثير مما تعج به الصحراء .. فلا تثقل علي الأسئلة .!!. إن المركب العتيق الذي يجب علينا إصلاحه غاطس تحت شعاب مرجانية . ولا احد منا يجيد السباحة ..!!


   عند هذا الحد .. قلت في نفسي .. علام اطرح أسئلة لا سبيل إلى الجواب عليها .. علام الخوض في مشكلات لا سبيل إلى حلها.. أطوف ضائعا تائها ولم يعد أمامي من سبيل .. ولم ارغب في إعادة تأمل المشهد بقدر الألم الذي نالني منه.. اغتصبت سؤال كاد يبلغ حنجرتي .. ( من يوقف عبث هؤلاء ؟ ) .. وبدأ لي إننا أناس مضيعون لم نعرف كيف نعيش أحرارا ..  ومضينا في طريقنا يعتصرنا ضجر وارق واشمئزاز يبعث على التقزز .. وخيل إليّ وأنا أتأمل براح الصحراء الممتد .. أنني تركتها ولا زالت تبكي حزنا لفقدها وليدها ، وفلذة كبدها ، ورفيقيها .. أنيس وحشتها .. ظبي الغزال .. المهدد بالانقراض ..آه .. ثم آه .. ثم آآآآآآآه

الخميس، 17 يناير 2013

- قبر عون .. كنز الصحراء





     التمسنا طريق العودة .. العوينات .. اوباري .. الغريفة .. الى ان بلغنا واحة " تكركيبه " .. كنا قد عزمنا ان نتوقف بها اثناء رحلة الإياب . حيث تعد احدى نقاط العبور الممكن الى بحيرات " قبرعون " " مندره " " الطرونه " .. الكثبان الرملية التي تفصلها عن مواطن العمران بوادي الاجال ، وموقعها المعزول وسط صحراء رملية ممتدة .. يقتضي منا الاعتماد على خبراء من ذات المنطقة ، واستئجار سيارات الدفع الرباعي القادرة على طي الوهاد الرملية الوعرة ، والكثبان العالية .. واخذ كل ما يلزم من معدات الإقامة والمعيشة هناك .

     
   ما ان توارى العمران وراءنا ..  صار من الجائز القول أننا نجوب وسط  بحر الرمال ، نصارع تلك الكثبان التي هي أشبه بأمواج بحر محيط مضطرم .. ومع توقع الخطر في كل حالة صعود وهبوط .. يلوح الأفق حزينا مقفرا .. تتوالى الانفعالات بما لم يكن في وسعك حتى ان تتصوره على وجه التقريب لولا انك قد  قاسيته وكابدته فعلا . ان في هذا المنظر المتوحش المتجهم الاجرد شيئا يقبض الصدر ويمزق القلب .. لكن ثمة ما يجعل من التجربة أكثر إمتاعا.. انه جمال الصحراء الآسر ، وهو يخطف البصر ويبعث شعورا منعشا يفيض بهجة ويدغدغ الوجدان . ليترك في النفس أثر ممتعا ذو عذوبة من نوع متفرد لا يضاهى .


  
   عند البحيرات .. وعلى ضفاف بحيرة قبر عون ، مجرد تأمل المكان تجزم بأن الحياة هنا  لا شبيه لها ولا نظير .. لوحة طبيعية في صحن الصحراء .. عناق بين أعداء الأمس انتهى إلى توافق على الجوار .. أو شيء من هذا القبيل .. كثبان رملية شاهقة تحتضن مساحة محدودة من الماء .. تساؤلات جمة تخالج الدهن .. ذهول ارقه العجب .. إن هذه البقة اليسيرة .. والحيز اليسير من الماء لا يكفي لإرواء طرف عرق كثيب واحد من هذه الكثبان المحيطة به .. فما الذي اجبرها كي تكبح شهيتها الغريزية ونهمها للامتصاص .. أي مشهدا هذا .. وأي عناق .. عناق الأحبة .. أم ميثاق الأضداد .. ألا يمكن له أن يضاف إلى قائمة عجائب الكون ؟؟



   
  المكان يعد من بين ابرز نقاط الجدب السياحي بالجنوب الليبي .. تقصده أفواج السائحين من مختلف بقاع العالم .. على سفوح الرمال أناس يتزحلقون ويستمتعون برياضات من نوع خاص ، لم يعتادوها سوى على الثلوج .. تغمرهم البهجة .. وآخرون مستغرقون في السباحة إذ لا حاجة إلى من يقف ليترصد حالات الغرق .. طبيعة الماء تمنح ميثاق النجاة .. فلا تتهيب لعدم المعرفة بأسرار السباحة ولا تخشى الغرق .. قانون الطفو هنا لا تحكمه قوانين البحار الغادرة .




    شد انتباهي شيخ مسن هناك في زوايا البحيرة .. وحيدا واجما يهم بعمل ما .. اقتربت منه شيئا فشيئا بخطى هادئة .. وجهه من الوجوه التي يسر مرآها .. شاحب اللون ناتئ الوجنتين جرئ النظرة .. يعالج الماء ويلوك مضغة من التبغ يضعها بين اللثة والشفة السفلى من فمه .. ما أن باغته بالتحية .. هم بالسلام والترحيب بروح المضيف الطيب الكريم .. ترك سلال بها شيء ما ، وجلسنا نتبادل اطراف الحديث .. بدأ لي وكأنه يصطاد شيء ما .. سألته ؟ أجاب : نعم .. ليس بالبحيرة من الكائنات الحية سوى هذا النوع .. أشبه باليرقات الصغيرة يسمونها ( دود البحيرة ) .. لم استسغ شكلها ولونها .. لكنه أردف يحدثني عن قصة هذا السر الكامن في صيدها .. إنها ابرز عقاقير الأدوية لدى أهل الصحراء .. تتعدد استخداماته .. وبالذات لاغراض علاج الأمراض الباطنة  في العموم .. وقد قل التداوي بها اليوم .. لكن البعض لا يزال يعتقد بنجاعتها .. واخرون عادوا إليها بعد يأسهم من الطب الاكلينيكي الحديث .. هكذا فهمت من تعبيره .. ( لا يكذب عليك احد .. ما تسمونه قرحة المعدة لا علاج لكم غير استئصال الأجزاء المتضررة .. أما نحن لا نجعل المريض يخضع لكل هذا العناء ) .. وكثير أخرى .. ناهيك عن أنها طعام لذيذ .. وان تغيرت الأحوال وتبدلت الأزمان . و رب شخص لا يجد ما يأكله إذا جاع .
     بين الحين والأخر يعتصم بالصمت ، وتقرأ في وجهه أن ذهنه منصرف إلى مكان أخر .. وانه ينتظر هناك ، في البعيد . وكأنه أذعن لقدر ما ، ورضخ للمصير الذي كتب  له .. ويبدو مقطب الأسارير يختلس إليك النظر بحذر .. ولكسر حالة الجمود .. امطرته بالأسئلة عن البحيرة وتاريخها .. وهو ما يفضله ولا يبخل بالإجابة عن عقود من الزمن عرفها وعرفته .. وما ان أشرت عليه بمعونة الأسرة .. همهم قليلا .. واكتسى وجهه وجوم وكآبة .. وبدأ حزنا ساحقا قد سقط على نفسه .. أو انه يعاني مشكلة صعبة صعوبة تربيع الدائرة .. وبعد برهة صمت .. تنهد بعمق .. وآهاته زفرت صديد وجع عميق .. وقال :
-          لا يا صديقي .. ليست لي أسرة .. انأ وحيد اقتات مما ترى .. تزوجت أوائل الخمسينات من القرن الماضي .. عاش لي ابن وحيد .. أما زوجتي وأطفالي الآخرون فقد وافتهم المنية أواخر عقد الستينات من القرن الماضي  .. اعوام وباء الغبار القاتل .. الذي يقال عنه أن ( الفرنصيص ) الفرنسيين بعثروه على أهل الصحراء في جنوب الجزائر ، وتناقلته الرياح ليلتهم نصيبه من الساكنة هنا .. انه الامتداد الصحراوي الواحد .
-           أدركت انه يقصد التجارب النووية الفرنسية بالصحراء الجزائرية ، إذ من المعروف أن الخطر كان متحركا وليس ثابتا ، وان التفجيرات النووية آن ذاك ، فاقت في قوتها قنبلتي هيروشيما ونجازاكي بما يعادل 24 مرة ، وانه فعل الرياح والرمال المتحركة . وما تذكره التقارير العلمية من ان السحابة النووية مرت بالجنوب الليبي وبلغت انجامينا عاصمة دولة تشاد بعد 12 يوما .. ناهيك ان ذرة اليورانيوم تحتفظ بالإشعاع لمدة تتجاوز 24 الف سنة .. لم ارغب في بحث التفاصيل وعوارض الوفاة .. سرطان .. رمد .. جدري .. الخ .. وكي لا اذكره بمواجع قديمة .. استطردت بسؤال : إذن كان على الابن الوحيد أن يأتي لمساعدتك وأنت في هذه السن المتقدمة ؟ .
-           آه .. ثم آه .. يا صديقي .. ليت يحدث هذا ذات يوم .. أنا يا صديقي لا اعرف أين هو الآن ؟ .. كل ما اعلم عنه انه عمل جنديا بالجيش بعدما لم يجد فرصة للتعليم .. وعندما قامت الحرب أرسل لي السلام .. وخمسون جنيها .. وأوصاني بالدعاء له ..  وانأ لا ادري الآن .. هل لا يزال على قيد الحياة ..أم وافته المنية .. منهم من يقول لعله أسير في مكان ما .. وها أنا انتظر .. عسى أن يأتي به القدر ذات يوم ، ويعود قبل ان اغادر انأ الاخر .. فما عاد من العمر سوى القليل .. لقد بلغت من الكبر عتيا .. وفي سن الثمانين .. ما الذي يرجو المرء .؟ آه يا صديقي .. انه الامل المتبقي لي في هذه الحياة .. ان تكتحل عيني برؤياه .. قبل الرحيل . انه الاثير الى نفسي .. قالها وهو يخرج صورة الابن المفقود من جيبه ، وعاد ليتأملها .. وقد اغرورقت عيناه بالدموع .
-          اواه .. ساد صمتا واسعا كالفضاء ..  ما عساي ان افعل لاكفكف دموعه .. ولابتعد به عن تقليب مواجعه .. غم عميق بات يقبض صدري ويعذبني مزيدا من العذاب شيئا بعد شيء حتى تمنيت لو لم اسأله .. او انني لم أتي الى هنا .. لم اجد ما اقول .. وظللت صامتا عابس الوجه مكفهر الاسارير ، يخالجني شعور بالخجل من انني لا استطيع ان اقدم له مساعده ذات بال .. ولا اخفي .. شعرت بالحسرة والاسف من اننا أناس لا خير فينا . ولا فائدة منا .. فلعل مثله كثير ..  ولكن اكثرهم لا يعلمون .

الفيتو

الاثنين، 14 يناير 2013

- الفراعنة ليبيين




     شيشنق (950 ـ 929 ق.م)  مؤسس الأسرة الثانية والعشرين . امازيغي ليبي الاصل وواضع التقويم الذي تحتفي به هذه الايام  الاسرة الامازيغية بشمال افريقيا عموما . بدأ بتنفيذ برنامج عمراني واسع ماتزال آثاره الخالدة حتى هذا اليوم ، وسجل على بوابة الجدار الجنوبي لبهو الأعمدة الشهير المعروفة ببوابة شيشنق او النصر كعادة الملوك المصريين أخبار انتصاراته في فلسطين . وتزوج من ابنة الفرعون بسوسنس الثاني آخر ملوك هذه الأسرة الحادية والعشرون . فكان له ان وحد منطقة مصر والسودان وليبيا والشام في مملكة واحدة لأول مرة، ونقوشه تصور ذلك بدقة .

     تكاد تجمع جل الرويات على هذه الحقائق . وإن اختلفت حول مدة حكم الاسرة من 130 عاما الى 200 عام كما يقدرها البعض . لكن عامل الجزم يبقى نادرا عندما يتعلق الامر بالطريقة التي بلغ بها حكم مصر ، بعض الرويات تقول انها سلمية ، وترجح حادثة زواجه من ابنة الملك وانه كان ضمن الليبيين المنضمين لجيوش الفرعون ومن قبائل المشواش بصورة خاصة .

   
  والمرجح لدى اكثر الروايات بالاستناد الى بطولاته وغزواته والانتصارات التي حققها ، ان واقعة الزواج  جاءت اثر انتصار عسكري ،  اذ الملاحظ ان زواج المنتصر من ابنة المهزوم هي اشبه بالعادة المتوارثة في الحروب القديمة والحديثة ، بل ان بعض الدول القائمة في المنطقة ولا زالت تحكم بنظام الاسرات ، انتهج مؤسسها ذات الحيلة لاجل توحيد القبائل المناهضة واستتباب الامر لحسابه .

       المؤرخ LOHTE,H في سياق حسم الجدل حول الرسوم الصخرية بالصحراء الليبية ، معلقا على لوحة اربع نساء برؤوس طيور تماثل ما نراه في نقوش الاثار المصرية  . يشير الى " ان  ليبيو فزان كانوا في حروب دائمة مع المصريين إبان حكم الاسرة الثامنة عشر والثاسعة عشر 1200 ق.م . وانهم حاولوا غزو وادي النيل ". ولا ينتهي الى تفسير قاطع  لوجود التماثل ، لينتهي الى القول : " اشعر بأن تفسير ذلك كله هناك في ارض فزان والامر يحتاج الى دراسة مستفيضة ، ولعل استمرار البحث والتسجيل والدراسة فيما يخص النقوش والرسوم الصخرية هناك قد يلقي الضوء اكثر في المستقبل ".

   وبالنظر الى ما ذكره بعض المؤرخين ، من ان شيشتق غزا مصر عن طريق الواحات قبل ان يوطد سلطاته بمصر العليا مرورا بالفيوم . وما  تنقله رويات شفهية تغور اكثر في تحديد نقطة الانطلاقة نحو الشرق ، ومسقط راس شيشنق الملك ( واحة الزيغن ) بالجنوب الليبي . . الزيغن او ( تامزغا ) كما حرفت عبر الزمن .. ولعلها كانت ذات يوم عاصمة التواجد الامازيغي  الليبي . يقول المؤرخ طليمات تحليلا لما اورده  اليعقوبي القرن العاشر الميلادي  ( يمكننا ان نعتبر وجود العرب وجودا جزئيا مغمورا وسط خضم كبير من قبائل البربر في فزان ) .. لهذه وتلك ..  ترأى لي ( كاحد ابناء الزيغن ) ان ادون هذه الاسطر مشاركة لاخوتنا واهلنا الامازيغ في ليبيا احتفالاتهم بالسنة الامازيغية الجديدة .. ومع ابتهاجنا  لكل فرحة تخالج لوعجهم .. وكل بسمة ترتسم على شفاههم .. نهنئهم .. ونستبشر وعدهم ان  يقرض مستقبلا شيء من الاحتفالات  لذات المكان .. حيث ولد المؤسس .. او نقطة انطلاقة زحف جنودة .. او لعلها العاصمة التي لا زالت تحتفظ بالاسم ..؟
  ملخص حديث صديق يحكي عن قصة اضطرار موقع ويكيبديا الى حسم الصراع نحو اخر تعديل لصفحة الملك شيشنق .. وكيف ان الحضارة الفرعونية امتداد لحضارة اهل الصحراء في جرمة القديمة .. وان اكتشاف قرية مطمورة برمال الصحراء موخرا .. ومومياء اكاكوس يشير لهذا .. وان الفراعنة ليبيين        
 - لمعرفة المزيد عن واحة الزيغن ( اضغط هنا )

- فزان .. الارض اليباب




صور لقلعة غات ابان حقبة الاستعمار الفرنسي   

    عدنا ادراجنا في طريق العودة .. قطعنا الدروب والوهاد .. واضحت اكاكوس وراءنا تتوارى .. وعلى يميننا وشمالنا نلحظ بين الحين والاخر وسط السهوب والجبال الوعرة  رعاة الابل يقتفون اثر المرعى في ما تبقى من الغطاء النباتي الذي انهكه اتساع رقعة التصحر والمناخ المتطرف.. قليل من الاعشاب الشوكية المتناثرة .. شجيرات الطلع .. والحاد وحطب الرفاة .. وما ان بلغنا واحة العوينات طاب لنا ان نمكث ليوم نتحرى واقع الساكنة عن قرب . اناس بسطاء لا تعصف  برؤسهم الافكار الليبرالية ولا العلمانية ولا لهم في اليسار واليمين ، ولا في الاجندات الجاهزة المستوردة .. يتحدثون لغة التكافل للتناغم مع طبع المكان وقسوة الحياة . يعرفون كيف يحلون مشكلة الحياة .. الابتسامة ترتسم على شفاههم في احلك الظروف والاوقات .. صبرهم الذي لا ينفذ .. الهدوء والوداعة .. نبل النفس .. توقد الذكاء .. لين العريكة .. بشاشة المزاج .. شهامة الخلق .. دماثة السلوك .. رباطة الجاش.. طيب المعشر واكرام الضيف وان خلا  المكان من الميسورين .. سمات تأصلت لتعوض الساكنة عن خسارتهم خير تعويض . تحدوهم امال جمة بالمستقبل . علامات النحول والشحوب تكسو الوجوه .. صامدون حيث تركهم الاجداد وكأنها الارض المباركة . الغبطة تعلو الوجوه .. والتذمر لا يعرف لقلوبهم سبيل .. الحاج  ماخي .. الشيخ مرتضى .. الشيخ ابوصلاح .. وغيرهم ممن تألفنا معهم وكأننا من اهل البلاد او لكأن المقام طاب لنا ومكثنا هنا بينهم لسنوات وسنوات .
    

     في اليوم التالي .. راق لي زيارة واحة غات القابعة جنوب غرب وبمسافة 90 كم .. ألتمسنا طريقنا الى هناك صباحا .. ففي عرف اهل الصحراء زيارة الصديق واجب طالما الحياة ممتدة ..  وكان ان سبق  لي زيارة غات قبل عشرون عاما مضت .. ولا تزال الذاكرة تستهوي مؤانسات .. الحاج عبدالمولى ، وادريس رحمهم الله .. وواجب تعازي وان بعد امد .. لمن لا زالوا على قيد الحياة .. اسرهم والاصدقاء ..  الحاج عبدالرحمان .. آل الخير .. وغيرهم كثير بمن فيهم من بلغتنا اخبار اختياره اللجوء لدول الجوار .
  

      لقد احتفوا بنا كثيرا في ذلك العهد .. وليلة عزومة الحاج حسين الكوني نضم على شرفنا احتفاء بقدومنا مهرجان عرس .. على ضو القمر .. ونخب ليالي الصحراء .. البراح الرائع .. استمتعنا بمراقبة راكبي المهاري واستعراضاتهم البهلوانية الشيقة ..  منزل والدته المبني من الطوب والذي لا يزال يحافظ على هيئته  وقد  تمثل لي كحجر  رسم الحدود بين البلدين ليبيا والجزائر .. على بعد اقل من 200 متر عن الطريق الترابي الذي اصطنعته الجزائر مؤخرا .. على اثر المحادثات  بين البلدين وبرقية والى غات عام 1956 م .. التي برأ فيها اهل غات وليبيا من وقعة حرق  مركبات الجيش الفرنسي المتجهة من ( وارقله )  جنوب وسط الجزائر الى  مدينة ( جانت ) جنوب شرق مرورا بوادي ( ايسين ) ، اوآن حقبة الاستعمار الفرنسي للجزائر . 
صورة لزيارة ممثلي الحكومة باقليم فزان للسيارات المحروقة عقب الحادثة مباشرة 

    حدث ذلك عام 1957 م واثناء عبور السيارات قام اهل غات بمهاجمتها وتدميرها في موقعة ( ايسين ) الواقعة لمسافة 5 كم جنوب واحة غات الحدودية الليبية .. ولاختصار الطريق عبرت السيارات على مقربة من مدينة غات لتسلك ارض وادي ايسين المنبسطة . وكان الغرض من الهجوم التعبير عن وقوف الشعب الليبي الى جانب شقيقه الشعب الجزائري في محنته . غير ان فرنسا توعدت اهل واحة غات بالويل والتبور ، وقامت بقصف منزل مدير الناحية ، الذي لم يجد امامه من وسيلة لايقاف عنت فرنسا وما قد ترتكبه من مجازر ضد اهل الواحة ، فأبرق الى الفرنسيين يبلغهم بأن السيارات احرقت في ارض خارج الحدود الليبية . عند هذا الحد سارت الامور حينها .

    لكن ما لم يكن في الحسبان حدث مؤخرا اوائل الثمانينات من القرن الماضي ، عندما اقدمت الجزائر على انشاء طريق ترابي يمر على مقربة من مدينة غات وبمسافة لا تزيد عن واحد كم متر عن منازل الساكنة . وهنا احتجت ليبيا على الخطوة ، وانتقلت القضية الى طاولة المفاوضات بين البلدين . عندها فوجىء الوفد الليبي بأن تلك البرقية ضمن المستندات التي قدمها الوفد الجزائري كتبرير للخطوة ، مع ان جغرافية الارض تضع حدا واضح المعالم مثمتل في الجبال الفاصلة والممتدة ، بل والمعتبرة كحدود دولية وفقا للمعاهدة الفرنسية الايطالية . ولم يكن يحمل الوفد الليبي المفاوض آن ذاك اية مستندات . وما ان علم الطاغية بالأمر وهو يدرك ان لا مجال للدخول مع الجزائر في مراهنات . اشتط غضبا وارتجل خطاب على الملاء اومأ فيه الى ان الحدود بين ليبيا والجزائر لا تعد حدود ، فالشعبين شعب واحد ، وهذه حدود وهمية رسمها الاستعمار البغيض ، ويمكن للجزائر ان تضم ايضا واحة غات وان تتكفل بضمان حياة هانئة ومستقبل واعد لاهلها .. بينما عاد في احدى خطبه المغلقة بمؤتمر الشعب العام ، ليفرغ شحنة غضبه وتقصير وزرائه قائلا ( احنا حتى اللي ندزوه يتفاوض نكتشفوا فيما بعد ان ماشي يهز في ايديه وما عنده اى مستند يعزز موقفه ) .. وظل الامر على ما هو عليه الى اليوم . فهل سيعاد فتح الملف مرة اخرى بعد انقضاء عهد الطغاة .. الايام ستجيب ؟؟ سؤال تضمره خواطر الساكنة وتعبر عنه ايماءة صمت ارتسمت على وجه الشيخ عبدالرحمن .

     بين غات .. والفيوت .. وايسين .. القرى الرئيسة المكونة للواحة تجولنا .. لم نأتي على سيرة السياسة إلا من باب حواديت عن احوال الساكنة المعيشية البائسة في منطقة حدودية لا لها نائب ولا وزير .. الشيخ عبدالرحمان بدأ صامتا متجهم الوجه عابس الهيئة .. والحزن والكآبة علت جبينه ونحن نستذكر سيرة ومآثر اصدقاء رحلوا ، واخرون غادروا البلاد .. وفي لحظة الوداع لم يستطع كبح جماح دمعة انحدرت على خديه .. تلقفها ترى قاحل لارض يباب  .