الاثنين، 30 ديسمبر 2013

ما السبيل لانقاد الاف المهجرين وعودتهم للوطن




اكثر من نصف مليون ليبي مهجر بتونس هكذا حسب التقارير التقديرية ، منهم اطفال ونساء وشيوخ اخدتهم جريرة ابنائهم او ابائهم ممن انضوت عليهم كتائب القذافي ، او ممن ناصروه في الجبهات .. ذلك ما حدث بالأمس ، ولا شك ان الكثير منهم اليوم يشعر بالمرارة والندم لخوضه تجربة اعتقد فيها انه كان على صواب ، وان نداء الوطن والتاريخ يمنحه حق مناصرة القذافي ، منهم بحكم ما يفرضه الولاء القبلي في مجتمع مغيب تحت طائلة تجهيل لعقود ، واخر ممن اعتقد في مناصرته الصواب وقد وقع تحت تأثير آلة اعلامية يديرها جهابدة في تأليف الكلم وغسل الادمغة ، ومنهم من يأسره الخوف من اخده بجريرة اقارب متنفدين ، او منتفعين بثروات ، ومنهم من اغرته الوعود الزائفة ، ومنهم متطوعون من شباب قاصر ، الى غير ذلك من الاسباب الغير منظورة .. وفي كل الاحوال جميعهم مأمورون كما جنود بسطاء محدودي العلم والمعرفة .. كل ما هناك ان معظمهم من المعوزين .. وانهم اليوم يعيشون ضائقة خانقة بالمهجر .. وان معظمهم لا يمانع في اعلان ولائه للثورة والتغيير ، شرط التأمين على حياتهم ، والسماح لهم بالعودة للوطن .. ربما كل ذلك غير ممكن الآن في غياب سلطة الدولة وهيبتها ، وفي غياب المصالحة الوطنية التي لم تكن من بين اولويات المؤتمر الوطني العام ، وكان الاولى انجازها قبل الشروع بالتفكير في أي امر اخر ، بدء من مرتبات ومزايا النواب ، وانتهاء بكتابة دستور لا يشارك في صياغته كل هذا العدد الرهيب الذي قفز به البعض الى عدد 2 مليون مهجر خارج الوطن .. ألا يستحق هؤلاء وقفة جادة وسريعة لانقادهم بدلا من هدر الوقت في امور يصعب تحققها في الوقت الراهن ، ككتابة الدستور الذي لن يتم الوفاق على اقراره في غياب ثلث عدد السكان ؟؟ رأفة باهلكم .. ببراءة الاطفال .. وخور العجائز والمسنيين .. والامهات المكلومات ... رأفة بالوطن .. الى متى ؟
   وانه لمن المؤسف والمحزن ان نرى اولئك الذين لا يفكرون في العودة مطلقا ، ولديهم من الثروات ما يكفيهم بما كنزوا .. لا يتوقفون عن تأجيج نار الفرقة ، ولا عن دق طبول الحرب تحفيزا لمن بالداخل للدفع بهم الى خيارات صدامية تضيف للمشهد جنوحا وتطرفا ، وتقف حجر عثرة في تقريب المسافات  ، بل وتعرقل جهود الساعين للملمة الجراح ، ورأب الصدع .. والضحية اولئك المعوزين الذين لا حيلة لهم ولا قوة .. انهم ضحايا الامس واليوم .!!

السبت، 28 ديسمبر 2013

تلوث بيئيّ جرَّاء دفن نفايات في صحراء ليبيا



796px-Transuranic_waste_casks
      اعتاد الناس مع نهاية كل عام الانصات بنوع من الفضول او لعله الاعتقاد بصحة ما يطرحه المنجمون من توقعات وتنبؤات لابرز ما سيحفل به العام الجديد من احداث .. وبغض النظر عن مدى صدقية تلك التنبؤات ، وحقيقة امتلاك المنجمون لقوى خفية تمكنهم من الاطلاع على اخبار الغيب ، إلا ان ما تفيض به هرطقاتهم يجد له مساحة كافية تتداوله الالسن ، ويؤرق البعض بقدر فضاعتة ومدى الرعب الذي يثيره .
    في فزان هذه الايام ..  تلوك الالسن ما ورد على لسان منجمة لبنانية تدعى ” ليلى عبداللطيف “ .. كانت قد ذكرت في نبؤتها للعام 2014 م عن ليبيا مجموعة من الاخبار ، وكأنها مستأجرة لجهة بعينها وقد قبضت الثمن مسبقا ، لكن منها ما اثار هلعا ودعرا وهي تجزم بحدوث  ” تلوث بيئيّ جرَّاء دفن نفايات في صحراء ليبيا ” .
    قد لا نلوم العوام على اقوال تردد اخبار وشكوك حول وقوعها فعلا خلال العام المنصرم ، فقد نشرت صحيفة الاهرام بتاريخ الجمعة 22 نوفمبر 2013 م تحت عنوان ” ليبيا تتهم إسرائيل بدفن نفاياتها الـنووية في أراضيها ” . نص الخبر : (  اتهمت طرابلس دولا‏,‏ بينها إسرائيل‏,‏ بجعل ليبيا مدفنا لنفاياتها النووية‏,‏ وذلك وفقا لما ذكرته مصادر أمنية أمس‏,‏ بينما أرجأت محكمة استئناف طرابلس محاكمة رئيس الوزراء الليبي الأسبق البغدادي المحمودي إلي‏11‏ ديسمبر المقبل‏,‏ حسب بيان مكتب النائب العام الليبي‏.‏ وقال العميد محمود عيسي رئيس أركان القوات الجوية بالجيش الليبي, في تصريحات صحفية, إن طائرات مدنية وسفنا مشبوهة تلقي النفايات النووية في الصحراء الليبية والمياه الإقليمية. وأضاف أن هناك دولا, لم يسم منها غير إسرائيل, تلقي نفاياتها النووية في المياه الإقليمية الليبية, والصحراء الليبية جنوب البلاد; محذرا من خطورتها علي مستقبل البيئة وما ستنتجه من أضرار جسيمة, وأشار عيسي إلي أن رئاسة الأركان تملك معلومات وأدلة حول الأمر بقوله إن القوات الجوية استطاعت تحديد مسار طائرات مدنية مشبوهة تدخل الأجواء الليبية من دون أي ردة فعل من قواتنا الجوية, بالإضافة إلي رصد القوات البحرية أيضا دخول سفن مشبوهة إلي المياه الإقليمية وإلقاء حاويات تأكدنا أنها نفايات نووية ).
    ثمة حقائق تشير الى خطورة طمر النفايات النووية كاجراء كاف لابعاد الضرر ، وان الابحاث العلمية لم تتوصل بعد الى طريقة آمنة للتخلص من النفايات النووية . ” وما زال التخلص من المخلفات الإشعاعية قضية شائكة تواجه الصناعات النووية، وكان هنالك قناعة سابقة بأن هذه القضية قد تم حلها، إلا أن تقريراً صادراً عن الوكالة الدولية للطاقة الذرية عام 2007 أظهر أن التخلص عبر الدفن العميق لا يستطيع منع المخلفات الإشعاعية من الوصول إلى التربة ومصادر المياه وتهديد وجود الكائنات الحية على سطح هذا الكوكب”  .
    حقيقة اخرى تكمن في سعي الدول المنتجة للصناعات النووية نحو اختيار طريقة الطمر بباطن الارض بعيدا عن اراضيها ، وانها تستغل الازمات الاقتصادية بالدول النامية لشراء ذمم زعماء وقادة تلك الدول للقبول والقيام بالمهمة بعيدا عن الاضواء ، وبمقابل مادي مغري الى حد ما .. وفي احيان تمارس ضغوط على تلك الدول لفتح اراضيها . وقد نفدت الكثير من عمليات النقل والطمر دون علم تلك الشعوب بما يجري .  ولعل في تصريح المدير التنفيذى لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة ما يؤكد تلك الحقيقة . قال : ”  الواقع أن التقارير الصحفية التى نشرت مؤخرا بشأن دفن النفايات الصناعية الخطرة فى أراضى الدول النامية ليست سوى قشور بالنسبة لواقع ما يجرى فلدى برنامج الأمم المتحدة للبيئة معلومات تشير إلى وجود مخططات لتصدير ملايين الأطنان من النفايات الخطرة إلى أراضى الدول النامية بأفريقيا ” .
    في يناير 1989 نشر تقرير بصحيفة الاهرام المصرية  يؤكد على ” اكتشاف الكثير من الصفقات التي تمت بموافقة الحكومات الأفريقية . ” اكتشف المهتمين بالبيئة فى السوق الأوروبية المشتركة (C E E) أن شركة أمريكية أوروبية وقعت عقدا مع حكومة غينيا بيساو لدفن 35 مليون طن من المخلفات الخطرة مقابل 140 مليون دولار .. عام 1986 وأيضا العقود الموقعة بين حكومتى الكونغو والسنغال مع شركات أمريكية لتخزين النفايات بأراضيها مقابل مائة دولار للبرميل الواحد .. لكن هناك أيضا حالات لدفن النفايات فى القارة الأفريقية بطرق غير مشروعة ودون علم الحكومات فقد اكتشفت نيجيريا فى شهر يونيو الماضى وجود 3800 طنا من النفايات القادمة من إيطاليا مدفونة قرب ميناء كوكو النيجيرى، ومن بين هذه النفايات كشفت صحيفة صنداى جارديان عن أكثر من ألف طن من هذه النفايات السامة ذات الرائحة النفاذة كانت ساخنة لدرجة يصعب التعامل معها وأنها من أشد الكيماويات خطورة فى العام وتضيف الصحيفة أن شركة نيجيرية ورجل أعمال إيطاليا تورطا فى هذه العملية، وقد تسبب دفن النفايات الإيطالية فى نيجيريا دون علم حكومتها فى أزمة دبلوماسية بين البلدين، كذلك اعترف القنصل العام النرويجى فى غينيا بقيامه بتزوير وثائق مكنته من تهريب 15 ألف طن نفايات من الولايات المتحدة الأمريكية إلى غينيا كجزء من كمية تصل إلى مائة ألف طن من النفايات كان مقررا نقلها من ميناء فيلادلفيا الأمريكى إلى غينيا، وقد تمكن من إدخالها إلى ميناء كاسا بالقرب من العاصمة كوناكرى على أساس أنها مواد خام لصناعة الطوب مما تسبب أيضا فى أزمة دبلوماسية بين غينيا والنرويج وخلاصة ما تقدم أن المؤامرة لدفن النفايات لا تتم من طرف واحد وإنما من الطرفين ) .
  امام كل هذه الفوضى ، والاطماع الخارجية ، والاغراءات المادية ، والاعمال المافياوية السرية ، والسلوك اللاانساني ، اللا اخلاقي ، الذي تنتهجة الدول الصناعية لابعاد شر مخلفاتها النووية عن اراضيها ، واختيار الدول النامية ، ومواطن الفوضي ، وغياب القانون ، والدولة ، ومنظمات المجتمع المدني لمراقبة ما يحدث .. تجد تلك الهواجس التي تؤرق اهل الجنوب وفزان .. ما يبررها ، ويعزز امكانية حدوثها .. ننتظر كشف النقاب يوم عودة الدولة !! .
  abed 12. 2013

الخميس، 26 ديسمبر 2013

فزان وتأبين الاستقلال

 44248_436735393207_564358207_5198898_6655801_n
      قبل 62 عاما مضت ، وفي مثل هذا اليوم 24 ديسمبر/ كانون الأول سنة 1951م ، على تمام الساعة العاشرة والنصف صباحا ، بقصر المنار بمدينة بنغازي ، اعلن الملك ادريس السنوسي عن استقلال ليبيا بحضور اعضاء الجمعية الوطنية ، وامام حشود غفيرة من الجماهير ، وجمع من الوفود العربية والاجنبية والهيئات الدبلوماسية ، ومندوب الأمين العام للأمم المتحدة السيد “أدريان بلت”. وقد عبر الاعلان عن بداية لصفحة جديدة في تاريخ البلاد ، عادت بموجبه السيادة الوطنية لاهله بعد حقب طويلة من المعاناة ومقارعة توالي المستعمرين ، من الاتراك الى الايطاليين الى دول الحلفاء .
    تلك الخطوة كانت تتويجا لجهود مريرة ومراس مضني ، توج بقرارالجمعية العامة للأمم المتحدة رقم (289) بتاريخ 21 نوفمبر/ تشرين ثاني سنة 1949م ومن بين ابرز متضمناته :  
*- تكون ليبيا دولة مستقلة ذات سيادة و تشمل برقة و طرابلس و فزان.
*- أن يقر ممثلو السكان في برقة و طرابلس و فزان دستوراً يتضمن شكل الحكم.
    خلال مراحل التصويت على القرار حدث ان تساوت اصوات الرفض والموافقة ، فالعبارة الاولى من التقرير المقدم تفيد بأن ” ليبيا افقر اقليم في العالم ” وقد برزت رغبة بريطانيا وفرنسا في استصدار قرار ينص على أن تنال ليبيا استقلالها بعد 10 سنوات ، تخضع طرابلس خلالها للوصاية الايطالية ، وبرقة للوصاية البريطانية ، وفزان للوصاية فرنسية . فيما سمي بمشروع ” بيفن سيفورزا ” ، وامام شد وجدب وفي اللحظات الاخيرة ، رجح صوت السيد إيميل سان لو مندوب دولة هاييتي كفة الرفض ، رغم الضغوطات التي مورست عليه من قبل الدول العظمى ، ومن قبل دولته ما افقده منصبه فيما بعد . ولقد تم تكريمه فيما بعد من طرف الملك السنوسي ، بمنحه وسام الشجاعة ومرتب طيلة حياته ، واقيم له استقبال حاشد بمدينة بنغازي عرفانا وتقديرا  لموقفه .. ومع انقلاب سبتمر1969 اوقف مرتبه .
     الطبيعة الصحراوية القاسية للبلاد ، والمساحة المترامية الاطراف ، وانياب الفقر والجهل الجاثمة لعهود طويلة ، ومدن بائسة وواحات مبعثرة في براري رملية وقفار قاحلة ، وتفشي الامراض المزمنة بين الساكنة ، ولأنها كانت أول دولة تنال استقلالها بقرار من الهيئة الأممية . سميت حينها طفل الأمم المتحدة المعلول ، وقد لمعت في سمائها لاول مرة راية وطنية موحدة تحت اسم المملكة الليبية المتحدة ، وادارة مشتركة ، وهو ما لم يتوفر لهذه الولايات باستثناء السنوات الأخيرة من الحكم الإيطالي ( من عام 1935 وحتى الحرب العالمية الثانية ). بالتزامن مع اعادة احتلال فزان .

sanad_10

       -  فزان والاستقلال 
    فزان المكون الثالث ، والاقليم الصحراوي المقفر والواقع تحت براثن الفقر المدقع يقطنه حوالي 300 الف نسمة  في ذلك الوقت . ظلت قابعة تحت الاحتلال الفرنسي بعد طرد الاحتلال الايطالي منذ عام 1944 م . ” فما عادت القوات الفرنسية قوات تحرير بقدر ما أصبحت قوات احتلال عسكري مباشر؛ تدير البلاد بالأوامر العسكرية والتنفيذ الجبري، وفرضت على الإقليم عُزلة كاملة ؛ واستقطعته عن بقية مناطق وأقاليم ليبيا، وأخضعت الأهالي لإجراءات عسكرية صارمة في حالات الخروج من الإقليم أو الدخول إليه ” . ( 1 )
     ومع تصاعد مطالب الساكنة بالاستقلال ، ونزقهم من سوء المعاملة ، وقيامهم ببعض العمليات المناهضة للاحتلال كما في حادثة الهجوم على قلعة قاهرة بسبها ، مركز الحاكم الفرنسي لفزان ، والنهاية المأسوية للمهاجمين . شددت فرنسا من قبضتها الامنية بانتهاج اسلوب الاغلاق والترهيب والملاحقات التي طالت زعامات تحدثت امام اللجنة الرباعية للامم المتحدة التي زارت الاقليم عام 1948م . من سجون وتعذيب واعمال شاقة ، كان ابرز ضحاياها الوزير محمد عثمان الصيد ، احد النشطاء ، واول وزير ينظم لتشكيلة الحكومة الاتحادية بعد الاستقلال . يقول في ثنايا كتابه ” محطات ” : ” في ماي 1948 كتب لي السيد عبدالقادر بن مسعود رسالة يقول فيها ان ضغوط الفرنسيين ضد السكان قد بلغت حدا لا يطاق ، ولم يبق لنا سوى الانتحار . واقترح تقسيم المناطق التي بها معسكرات فرنسية ، وتجنيد مجموعات انتحارية للهجوم على هذه المناطق .. بعد ان تلقيت هذه الرسالة .. كتبت له ردا طلبت منه فيه التأني ، الى حين نتصل باخوتنا في الشمال ، حتى اذا حدثت مشاكل سارعوا الى نجدتنا ، او على اقل تقدير تحدثوا عنا في الصحف التي تصدر في طرابلس وبنغازي .. في اواسط شهر يوليو 1948 هجموا على مركز قيادة القوات الفرنسية مستعملين السيوف ، وبعض البنادق ، واستطاعوا قتل حراس المعسكر عند مدخل القلعة واقتحموها ورفعوا فوقها علم اسود تتوسطه نجمة وهلال .. للوهلة الاولى اعتقد قادة القوات الفرنسية ان القلعة تعرضت لهجوم كبير ، فتسلقوا نوافدها وخرجوا الى المعسكر المجاور لها ، وتجمعوا بعد ذلك ، وطوقوا القلعة حتى طلع النهار ، واغلقوا الطرق المؤدية الى سبها ، وهاجموا السيد بن مسعود ومن معه وكانوا في حدود خمسين رجلا ، وابادوهم عن آخرهم ثم سكبوا على جثثهم البنزين واحرقوها ” .. لقد وجدت تلك الرسالة ضمن مقتنياته عند القبض عليه ، وعوقب بالسجن لسنوات مع الاشغال الشاقة .
      خاب الطموح الفرنسي لالحاق فزان بمستعمرات في دول الجوار ( الجزائر – تشاد ) باعلان الاستقلال ، وفي محاولة للابقاء على تواجدها وارتباطها بالمكان ، وحاجة البلاد الى معونة ، قدمت ما قيمته نصف مليون دولار دعم لولاية فزان الفدرالية الناشئة ، وبعض الخبراء لتقديم المشورة والاسترشاد . غير ان تلك المناورات لم تأتي ثمرتها ، ولم تفت من عضد الحس الوطني ، وتصاعد مشاعر الكراهية تجاه فرنسا ، ولم تمحو من الذاكرة ممارساتها القمعية ، وذهبت ادراج الرياح كما سابقتها بالأمس من وعود بمشاريع اصلاحية وتخفيف وطأة الحكم العسكري ، بالتزامن مع زيارة لجنة تقصي الحقائق التابعة للامم المتحدة عام 1948 م.
      في مقالة بعنوان ” مولد امة “  نشرت بصحيفة التايم الامريكية بتاريخ الأثنين  31 ديسمبر 1951م ، أي بعد سبعة ايام من اعلان الاستقلال . يقول الكاتب : ” ان المواطن العادي .. الذي يعيش في وسط تلال الرمال في فزان لا يبدو واثقا من معرفة ماذا يحدث ولكنه كما يملك دائما كلمة تطالب بالإستقلال فإنه يملك كلمة يعبر بها عن الأشياء غير المفهومه وهي ( إن شاء الله ) ” .
     ( ان شاء الله ) لربما هي العبارة المناسبة ، وكل ما يمكن للساكنة ترديده وتذكره بمناسبة مرور الذكرى الثانية والستين لاعلان الاستقلال .. لقد ظلت فزان ولا  تزال نسيا منسيا ، وذهبت وعود النظام المنهار كما وعود فرنسا ، وبعد مرور ثلاث سنوات من الثورة واعلان التحرير ، يبدو مستقبل الاقليم اكثر غموضا . . فثمة حالة من الامتعاض وشعور ينمو ويخالج انفس الساكنة ، بأن التحرير الذي يتوقع منه احياء لحظة الاستقلال . اوغل في اقصائهم وتهميش الاقليم اعتماد على تصنيف جائر يضعه في خانة مؤيدي النظام المنهار ، حتى شكل اشبه بالفيثو امام أي مشاركة فاعلة للساكنة في العملية السياسية الجارية في ليبيا الثورة . وكما كان انقلاب سبتمبر 1969م بمثابة تأبين للاستقلال ، بالغائه لدستور عام 1951م ، المجمع عليه بمعرفة خبراء دوليون وباقرار السلف . لا يبدو في اقتران الذكرى بالتمديد للمؤتمر الوطني الفاقد لممثلين عن الاقليم ، ورغم كل الاخفاقات المتكررة . سوى تأبين آخر للاستقلال .. ودائما فزان هي القربان .
———–
(1) ابراهيم عميش ، انهيار الحلم الفرنسي .
عابد 24 ديسمبر 2013

الأربعاء، 13 نوفمبر 2013

ما التقيتُ جزائريا





   ما التقيتُ جزائريا إلا و شعرتُ أنّ له قرابة بي . اعادني الى زواريب الماضي البعيد ، في طرف مسجد الواحة العتيق .. فرشة مبسوطة لعرض تبرعات الكادحين لمناصرة اخوانهم في الثورة الجزائرية ..

    ما التقيتُ جزائريا إلا و شعرتُ أنّ له قرابة بي ، في رسالة عمتي الزهراء من واحتي الوادعة بصحراء الجنوب .. ولا تزال تبحث عن شقيقها.. لمعالي القنصل الجزائري بسبها .. سلاما واحتراما ..  أود أن أعرض أمامكم معضلتي : – فقد تقطعت بي الأسباب نحو إدراك أخي (محمد .. ) الذي التحق بصفوف جبهة التحرير الوطني الجزائري عام (1956ف) ، والذي لازالت محفورة في الذاكرة تلك العبارة التي اختتم بها رسالته الأخيرة للأسرة . يقول فيها :” يا أبى ويا أمي أريدكم أن تكونوا راضين عني ، دنيا وآخرة ، أأسف جدا أنني لا استطيع أن اسمع عنكم أي شيء ، أما أنتم فلا بد أن تسمعوا عني شيئا ولو طال الزمن “.. والآن وقد طال الزمن ، وبلغت من الكبر عتيا ، لم تنطفي حيرتي ولهفتي علي أخي شقيقي بعد ، كيف هو ، وأين هو ، وماهي أخباره . ما إذا كان حيا أم ميتا ، ما إذا كان له أبناء ، وكيف انتهي به المطاف .

     أملي وعبر الملتقى في كل إخواننا من أهل الجزائر الأشقاء مؤازرتي بالبحث والتقصي حول مصيره ، عسي أن تجمعني به الأقدار أو أن اسمع عنه أي شيء كان ، ذلك فضل من الله ولمساعيكم الأجر والثواب .

      ما التقيتُ جزائريا إلا و شعرتُ أنّ له قرابة بي ، في عيون اطفال من اب هنا وام هناك ، من وارقلة الى غدامس .. ادري  .. سبها .. اوباري .. غات .. ايسين 1957 .. جانت .. تصاهر وتداخل ونقاط حدود ..
        ما التقيتُ جزائريا إلا و شعرتُ أنّ له قرابة بي ، ذكرني بـ .. صرخة الصحراء .. وذاكرة رقان .. ومتابعة مستجدات ملف التجارب النووية الفرنسية بصحراء الجزائر ، والصديق الدكتور عبدالكاظم العبودي رئس قسم الثقنات الحيوية بجامعة وهران .. مؤلف كتاب .. يرابيع رقان . وذكرني احتلال فرنسا اقليم فزان .
      ما التقيتُ جزائريا إلا و شعرتُ أنّ له قرابة بي ، في كلمات قالت..  فعلا داؤنا أكبر من أن يسعفه الطب.. وفي متمنى ان يكون الجيل الجديد في الجزائر له نفس احساس وشعور الجزائريين القدامي نحو ليبيا .
      ما التقيتُ جزائريا إلا و شعرتُ أنّ له قرابة بي .. اعادني الى زيارة العين الباردة والشواء فترة الضحى ، وقالمة المدينة الجبلية الرائعة ، مهد الرئيس هواري بومدين ، فسحة ميدان المدينة ، لقاءات الشبيبة بالمقاهي ، المسرح الروماني ، ولفة في سوق ماونه ، والاروقة الجزائرية .. و 15 جوان .. جمال ، مسعود ، عبدالحق ،، وعمي بخوش ، وعمي صالح ، ووناسة دقلة وقهوة .. كل الناس الطيبين مثله .. ممن عبروا  بتجاربه الطويلة .. ” راجل ذهب ” .. تطاول به العمر ، عمل مبكرا بفرنسا وبقى هناك ، ياتي بين الحين والاخر لزيارة مسقط راسه  ..  والقلعة القرية الجبلية الوادعة ، وعنابة زمردة الشواطئ الشمالية ، فترة المساء لابأس من كاس شاي على مقهى كورنيش المدينة .. 60 كم .. من قالمة .. جمال يتولى القيادة .. تعاريج الطريق  والجبل ، الربيع يكسو التلال رداء الامل ، استمتعنا بقضاء اوقات لها مذاق .. ، وقسنطينة والحواري العثيقة ، اسواق النحاس وفنون الطرق اليدوي، وسطيف ، والقالة المصيف ، نسائم المتوسط ، وسوق هراس مهد الرئيس الشادلي ، وتبسه ، ومعابر الشبيكه ، وغار الدماء ، ومدن الشرق الجزائري ، وجذور اسلاف من اثروا الهجرة تحت وطأة وقسوة وبطش حملات المستعمرين ..
      ما التقيتُ جزائريا إلا و شعرتُ أنّ له قرابة بي .. ولا تزال الذاكرة تستهوي مؤانسات .. وواجب تعازي وان بعد امد .. لمن لا زالوا على قيد الحياة .. اسرهم والاصدقاء .
     ما التقيتُ جزائريا إلا و شعرتُ أنّ له قرابة بي .. ذكرني عبارات عذب الكلام .. نزيف قلم الاديبة الجزائرية الرائعة .. احلام  .. يتوجع حرقة لوجع ليبيا … احفظ ليبيا والجزائر .. واحقن الدماء في اوطاننا .



الأحد، 20 أكتوبر 2013

- ايام في فزان - 10


صورة: ‏في مزرعة زميلنا القزمية اطراف الواحة ، نلتقي فترة الضحى ، عطلة الصيف متوسط اعمارنا  12 عام ، كان بوزيد ماهرا في صيد الدئاب ، والدئاب  تؤرق الساكنة في كثير من الاحيان ، اذ لا  تترك فرصة للاغارة على اغنامهم تمر بلا غنيمة ، شاة ضان ، معزة ، وفي احيان تأتي على اغلب القطيع تقتيلا ، وكأنها تدرك انهم سيلحقونها بانفسهم ، الدئب يظفر بواحدة ، ويترك الباقي لليوم التالي ، عندما يأتي الفلاح ، ويرمي جيف اغنامه طرف المزرعة ، ليقتات الذئب لفترة .. سد رمق .<br /><br /><br />
         بينما كنا نداعب ذئب قنصيص حبيس عنده ، قدم فلاح اخر قريب الجهة ، هو الاخر طلبه لبناء حبائل للذئاب يوم امس ، والان القنيص وقع في الفخ ، سحب الحبيلة والثقل ، مر بها صعود نزول لاشجار الاثل عسى ان يجد طريقة لتخليص رجله بقطعها ، وانتهت مناورته بالدخول في جحر مهجور تخفيه جدوع شجرة اثل . بكل يسر نظر الى الجحر وعرف اتجاه الذئب ، ادخل يده وتتبع سلسلة ظهره ، وقبض على رقبته وسحبه للخارج ، لوى حبل متين حول فمه وانيابه ، ضربه بالعصى ، توقف عن المقاومة ، هدل  ادناه للاسفل ، علامة استسلامه .<br /><br /><br />
    ذبحنا الذئب الصيد ، اقمنا وليمة شواء رائعة ، لحم الذئاب لا يأكله الساكنة شهوة ، في حدود الاعتقاد بفائدته العلاجية لبعض الامراض ،  لكننا اكلنا بنهم ... اللحم لذيذ .<br /><br /><br />
عابد .. اكتوبر 2013‏



صيف عام 1969 ، خالي يتأهب لقضاء 18 شهر فيما سمي التجنيد الاجباري ، موعد التحاقهم الاثنين ، اول سبتمبر ، توقف كل شيء في ذلك اليوم ، واعلن خبر الانقلاب ، الناس تتابع اداعة لندن ، نشرة الظهيرة ” هنا لندن ” .. الاداعة الليبية بالكاد التقاط موجاتها ، قليل من هم يمتلكون جهاز راديو ، وترى الخيلاء في خطوات من يتمشى وبيده راديو ، يقلب جهاز راديو النضيدة الثابتة ، في كل الاتجاهات ، للحصول على موجة صوتية لاداعة ، اداعة الجزائر يمكن التقاطها اخر الليل ، ( ليلة امس صافية عندي الجزائر .. سهرت معاها لين صكرت.. امس جايبين برنامج عن ايام احتلال فرانصا ) .. وفوق هذا وذاك ( صوت العرب من القاهرة ) قال عبدالناصر .. شبر شبرا .. وترقب خطاباته .. صوت العرب ، وهنا لندن .. الافضل استماعا .. حديث الناس والميعاد .
كنت اترقب الذهاب الى سبها بلهفة ، ، اتممت المرحلة الابتدائية ، شقيقي الاكبر ورفيقي في اللعب والطفولة ، منذ سنتين هناك ، وغيابه عني لسنتين ، وندرة المواصلات ، والطريق الرثة ، وفي كل عودة للقرية من سبها ( 50 قرش ) .. جنيه ماشي جاي .. تسعيرة ثايثة .. نجلس القرفصاء جماعات طلبة ، وموظفين .. سيارة بيجو او لا ندروفر في العادة ، صندوق العربة الخلفي خد مكانك ، جوار براميل نفط 200 لتر، وغمغم على نفسك بالبطانية الملازمة لك ، في فترة قسوة الشتاء ، والمناخ القاري المتطرف ، واندفاع الصقيع بفعل سرعة السيارة .
خبر الانقلاب حديث الناس ، كنت جالسا في بيت جدي ، عمري 11 عاما ، قالت جدتي فاطمة رحمها الله ( قالو اللي دار الثورة ولد بو منيار ) .. والده معروف لدى اهل الواحة ، واقام بها لفترات ، وتزوج امرأة ، من وادي البوانيس لوقت وافترقا ، ولم تكتب لهم درية .. والقذافي نفسه يعرف هذا الوادي جيدا واهله ، ترعرع فيه لوقت . وقصته مع مسعود الذي رفض الحضور يوم ان زار القذافي فزان ومر بالقرية .. رئيسا لليبيا مع حفظ الالقاب .. مسعود انسان بسيط ، عاش حبيب اهل القرية جميعا ، ضيف حيثما نزل وفي أي وقت ، رحمه الله .. مسعود الرجل الطيب الوادع العفيف .. عاش عمرا ولم يكتب له الزواج مرة واحده .. كان قد تشاجر ذات يوم مع القذافي ، مرعى ( صبخة التاليسه ) ، عشب العقول والضمران الاخضر .. في ذلك الزمن الطفولي الغابر .. لهذا رفض مسعود حضور حفل استقباله بجامع القرية .
الامور هادئة هنا في فزان ، الساعة الرابعة صباحا ، استيقضنا سويا انا وشقيقي لاول مرة ، سنذهب هذه المرة الى سبها ، ولم يعد يسافر ويتركني ، سيارة لاندرفر ، سمنو .. تمنهنت .. سبها المدينة .. عند سور القسم الداخلي ، وعلى اليسار محطة تزود بالوقود ( السيل ) ، والمركز الثقافي ، ومقهى الحرية .. طريق معبد ضيق ، شريان حركة المدينة ، من قاهرة الى الجديد ، الى ميدان القرضة ، وشريط ضيق يقود لحجارة المنعزلة في الطرف .
استلمنا مراتبنا بالقسم الداخلي ، سرير ، دولاب صغير ، وسط عنبر يسع 100 طالب .. السرير العلوي لشقيقي ، الاسفل لي .. نستيقظ صباحا ، يتوارد الطلاب على حنفيات محدودة ، همنا اللحاق بالافطار وموعد الطابور الصباحي بالمدرسة ، المدرسة الاعدادية مسافة كيلو متر واحد .. الحقيقة .. الحقيقة .. بعد مضي شهرين ولم ارى امي .. شعرت بوحشة اليها ..حتى انه في احيان كثيرة قبل ان انام تسقط دمعتي .. رحمها الله .
بدأت رحلة المناهج ، وصورة الملك ادريس رحمه الله ، وصورة سمو ولي عهده المحبوب في الصفحة الثانية .. فاتحة أي كتاب مدرسي ، طبع بمعرفة وزارة المعارف في العهد الملكي ( الرجعي المتعفن ) ، ومنح مجانا للتلميذ ، وقبلها في المرحلة الابتدائة بالقرية جميع الكتب المدرسية والكراسات والاقلام وعلب التلوين الخشبي والزيتي ، تمنح بقدر لكل تلميذ ، توزع بداية العام الدراسي ، والافطار ساعة الاستراحة ، خبز جاف ( البشماط ) ، احيانا حلوى شامية ، ومرة تن ، ومرتين بالاسبوع تأتي سيارة الخبز من سبها .
     وزارة التربية والارشاد القومي بدل وزارة المعارف ، والوزير عضو مجلس قيادة الثورة ، دار عرض السينما بحي قعيد وسط المدينة ، في طريق عودتنا من المدرسة ، تغير فيلم الاسبوع ، فيلم جديد .. عنتر بن شداد يغزو الصحراء ، وينال عبله ، فريد شوقي بطل الشاشة .. الملك ..
     سعر تذكرة الدخول للفيلم 13 قرش .. لطلاب بالقسم الداخلي عبء ثقيل ، ولهفة لفيلم ، ومع حرص حاجب صالة الفيلم ، وكشفه للكثير من البطاقات المزورة التي يلصق الطلبة فيها طرفي بطاقة مستخدمة ، يلتقطها من الشارع ، قرب مدخل الفيلم ، الحاجب قد يتحسس اطراف البطاقة ، ويشك بالامر ، ويكتشف عندها ان ارقام طرفي البطاقة غير متطابقين .. ومع حرصهم يعبر الكثيرون .. والطلبة يعرفون حجاب الفيلم ، واكثرهم تدقيق ، ومتى يتواجد .
     بدأت المدينة تعرف الشاشة المرئية التلفزيون ، التقاط عبر هوائيات اعالي المنازل وباطوال شاهقة ، مواسير المياه نصف قطر ، في اعلاها ايريا الاستقبال ، العرض ابيض .. اسود .. في مقهى الحاج موسى بقعيد ، نقضي انا وشقيقي سعات البث المحدودة . اربع سعات ، اداعة سبها ، مسلسل القاهرة والناس ، ( وكان عندك حاجة خربانه ، سخانه والا ثلاجه ، والا ان كان زوجتك حرجانه .. تبي تشكي في الجارات .. مكتبنا ديمه .. مفتوح .. تلقانا في كل اوقات .. نحنا نحل المشكلات ) ، وفترة قصيرة للرسوم المتحركة بلسان مصري ( انا حجبلك االقرائيش يا ست اوأ على شأن انت مريضة مطيعة ) .
نتابع فيما بعد
عابد – اكتوبر 2013
عابد 13 اكتوبر 2013

- ايام في فزان - 9



     في المرحلة الاعدادية ، نقضي الصيف بالواحة ، بعد انقطاع لعام دراسي في سبها ، هنا لا تتوفر سوى مدرسة ابتدائية ، ذات يوم ، احد الرفقاء قال : احضرت لكم كتاب فريد ، ( مش حتصدقوا ) ، وقع عليه ، طباعة قديمة ، وورق اصفر غث ، الكتاب فيما اعتقد عنوانه ( اسرار الحكمة ) او هكذا ، خرجنا طرف الواحة ، وفي براح مزرعة قديمة جفت لدهر ، جلسنا تحت ظل نخلة ، اخدنا الكتاب العجيب بنهم ، موضوعه تسخير الجان في تطويع ارادات البشر ، منه ( جلب ) ، تعويده وطقوس وخطوات يقوم بها المحب ، تأتي حبيبته الى حيث هو ، منها تطويع قلب فتاة رفضت خطيب ، تقريب المحبين وتدليل سبلهم للنعيم ، استهوى احدنا التجربة ، يقول انه يميل الى فتاة ما وهي لا تبادله الاهتمام .. تحصلنا على ورقة وقلم لتدوين الطلاسم ، مربعات تتضارب مع مثلثات .. وحروف مبهمة تتقاسم الاشكال ، ( طس ، بس ، شمهروش ، هاميوش ) وما على اوزانها ، ويا خادم هذا الاسم سخر فلان لما يريد ويبتعي ، وألن قلبها له ، واجعله يتفطر هيما ويفيض وجدان ، لا تزغ عينها لغيره ، ولا تفتن بسواه ، . هميوش .. كميوش .. وصفات عديد هممنا نساعد زميلنا الحصول على وصفة يسيرة ، معظم الوصفات تشترط ( لوبان الذكر ، ورق الزيتون ، حبة البركة ) ومن اين لنا بكل هذه ، القلم عاد للواحة كي يحضره ، شغفا .. ولاجلها .
    اخيرا وجدنا وصفة ممكنة ، تشترط التعويدة تعليق الورقة حرة الحركة ، في اعالي نخلة ذكر بالتخصيص ، وحسب النتائج المتوقعة ، بقدر هزاز الريح للورقة ، يهتز قلب الفتاة ويفيض حبا ووجدا وهياما لاجله .

     كتبت الورقة ، وعلى مقربة نخلة الوصفة ، مستقيمة فرد ، حدود 20 متر طولها ، طار كالريح وصعد النخلة ، علق الورقة بعناية ، وفي اقصى طرف جريده هائجة ، طرف اعلى الجريده .. لا يتوقف عن الاهتزاز حتى في حال سكون الرياح ، يهتز لنسمه كسولة ، فكيف بحال خفقان قلب الفتاة اذا هبت رياح .. عاصفة عاتية كرياح القبلي بوهجها الحارق في صيف فزان .
     مرت الايام ولم يري ايماءة تقرب المسافات ، عاد محبطا ، وقال : ربما نحن كتبنا بالقلم الجاف ، وهذا ليس في طبيعة كتابات رسائل الى امة الجان ، يلزمنا لاعادة الكرة الان ، حبر صمغ محروق ، ودح الخراف ، يؤخد ويغلى على نار هادئة لساعة ، ولاثقان الجودة يترك الى ان يشح الماء .. حبر ناصع السواد ، بقلم ( قصبة ) من جدع نبات القصب ، ريشة القلم .
اعاد الكرة ..  طال الانتظار ، وتناسى وتناسينا .
عابد – اكتوبر 2013

- ايام في فزان - 8

DSC_0031
    في معسكر الشباب العربي بغابة جودايم ، لقاء واستعدادت لاستقبال فرق شبابية من مختلف الاقطار العربية ، فرشت الخيام بأفضل مما عليه ، وكان نصيبنا استقبال شبيبة من العراق ، كنا صغار جدا بالمقارنة باعمارهم ، لم يحدث سوى جلسة تعارف وغداء ، وانفض الجمع بقدوم الزعيم ، وتقاطر الى الساحة لتحيته من كل حذب وصوب ، فيض جماهيري عروبي ، انشدت الاناشيد العفوية ، رقص الشباب حوله ، تحية من على الفتحة العلوية للسيارة ، واحتضان تاريخي للشبيبة العربية لقائدها . والشبيبة الليبية من كل انحاء البلاد ، من كل نادي رياضي اثنان ، انا وصديقي عبدالقادر من وقع عليهم خيار الذهاب ، وانظم لنا المرحوم الشريف ، عضو ادارة نادي القدس الرياضي الثقافي الاجتماعي .. نادي واحتنا ( الزيغن ) .. كانت نوادي ناشئة في قرى نائية ، تلقت دعم من القوات المسلحة ، سيارة نقل جماعي 25 راكب ، وتركت تتخبط ، تتهرب من غرامة عدم المشاركة بالدوري .
     نادي ناشىء ، ومشاركة بخمس العاب على الاقل ..  اكمل الخامسة مشاركة بكرة الطاولة ، اقل نفقات تنقل ، لم نكن نعهد ممارسة اللعبة ، وفي القرية طاولة واحدة في حجرة ضيقة خاصة بالمدرسة ، تدربنا لاسبوع ، وشاركنا ثلاثنا بالاواسط ، عبدالحميد ، وبوزيد ، اكمل العدد من اهل سبها ، اقرين ، والستيني بالكبار .
     اتفق شباب القرية بما اصبح عرفا لسنوات ، أي شاب يتزوج ، عائدات مخالفات جنوده تعود الى خزينة النادي ، الى ان تنفض مملكة السلطان بعد اسبوع من التنقل والضيافات ، يرافق السلطان للوجبة ، 60 الى 70 شاب ، يجلس السلطان اولا في كل جلسة ، يدخل اولا لصالة عقد الجلسة ، يعلن الشاوش الجالس على يساره بعد التشاور مع الوزير القابع صامتا اغلب الاحيان ، والذي يحق له التخاطب مع الجنود  ، مهمته حلقة وصل بين الشاوش الذي سيصدر العقوبة ، او أي تعليمات تخص ادارة الجلسة  ، كعفو سلطاني يصدر فجأة  وبتدخل ، ينقض قرار عقوبة الشاوش ، وتصبح كأن لم تكن ، كما كنت .. يعود الجندي الى مكانة ، بدلا من احالته احيانا الى المحكمة ، بطلب من الشاوش ، كأن يعاقب الجندي على تهريج ، يبهج السلطان ، ويراه الشاوش الحازم خارج حدود القوانين والدساتير المعمول بها في عرف حكومة العراسة .. لفت نظر السلطان وابتسم له . فنال عفو رغم مخالفته للقوانين .
     عندما تنفض الجلسة وقبل اعلانها ، يطلب الشاوش من المحافظ استلام السلطان والمسئولية عن امنه ، السلطان لا يقاوم ، السلطان قد يسرق من طرف اى ( محمودي ) زائر، من اهل الواحة خلال الفترة ال، مقتنيات السلطان في خطر ، حداءه ، ” النشاشة ” يهش بها يمينا ويسارا ، الفرمله ، الجرد  ، ولو ان (محمودي .. أي من غير جنود السلطان ) قدم الخيمة ووجد السلطان وحده ، او حتى في بيته وفتح الباب ، يقول له اتبعني وواجب السلطان ان يتعبه الى أي مخبأ يريد ان يضعه فيه ، ، يكرم السلطان ، ويساوم ( المحمودي ) الحكومة ، تتحرى استخبارات الحكومة اخبار الصفقة ، يطلب من الحكومة دفع مبلغ وقدره ، وتنتهي بتسوية ، تجتمع الحكومة وتقرر جمع المبلغ لشراء حداء السلطان المفقود ، ويتم تغيير محافظ السلطان في العادة ، ولا تقبل الحكومة المساومة على ما سرق بتهاون  احد او مجموعة من جنود السلطان  ، وترد ، سرقة غير قانونية .. باطلة ، ويساق الجندي الى المحكمة ، ويصدر القاضي حكمه ، غرامة مالية ، حرمان من نوع ما من الاكل .. اللحوم . . يعاقب الجندي العاق بالسلطان ، والحكومة . . وتنفد العقوبة طالما لم يصدر عفو سلطاني من السلطان شخصيا .
عابد .. يتبع

- ايام في الجندية ( 7 )

 swscan00002
  

ايام في الجندية ( 7 )
         انتهت الدفعة الاولى لتدريب الطلبة ( 1/ا ) ، واستمرت الدفعات .. فيما بعد (1/ب )، (1/هـ ) الصيف الذي يليه ، عدنا لشهرين متتالين بالعطلة الصيفية ، واستدعينا قبلها للتدريب اسبوعين متتاليين فيما يعرف بالتدريب الراقي ، خلال عطلة نصف السنة الدراسية ، اولى ثانوي ، ثاني ثانوي ، تذكر الية الاسلحة ، ومشروع رماية ، ومحاضرات التوجيه المعنوي بالفترة المسائية ، التهم التدريب العسكري كل العطلات ، الصيفية والحقها بنصف السنة ، في العام التالي استحدث ما اطلق علية  ( التدريب العسكري العام ) ليشمل شرائح عمرية اوسع ، وفئات اخرى غير طلبة المدارس الثانوية والجامعات ، وشرعت له القوانين ، لم يستثنى سوى الكهول ، وحتى هؤلاء الاخيرين استحدث لهم فيما بعد ما سمي بالمقاومة الشعبية ، تدريب الكهول في  حاراتهم وقراهم ، وبها انتقلت آلة التدريب العسكري لتشمل جميع ارجاء البلاد .. وجميع افراد الشعب ، بما في ذلك النساء ، والعنوان كل من هو قادر على حمل السلاح ، ترى تلك العجائز عبر الشاشة المرئية الوحيدة ، تفكك البندقية كلاشن كوف ، وتتسابق مع زميلاتها في الفك والتركيب بمهارة وسرعة ،  بمساعدة ضابط الصف ، واخرى تزغرد ، والعدسة تحفز ، المجد ، التاريخ ، الاستعمار ، الحرية ، ( الشعب المسلح غير قابل للهزيمة ) ، ( لا استقلال لشعب يأكل من وراء حدوده ) ، ( حماية الوطن مسئولية كل مواطن ومواطنة ) ، الامن الشعبي المحلي  ، وتحول الوطن لثكنة عسكرية ، واستبدل اسم مدرسة بـثكنة ، ثكنة على وريث الثانوية ، القريبة من اسوار باب العزيزة ، يقودها ضباط من الحرس الخاص ، وللطلبة مناوبات ليلية ، الحقها ( بالمدرسة يخدمها طلابها ) و ( الطفل تربيه امه ) و( خدم المنازل رقيق العصر الحديث .. البيت يخدمه اهله ).. ، ومع صدور  كتابه ( الركن الاقتصادي – الفصل الثاني من المسرحية ) كانت اللجان الثورية قد اكملت مهمتها في اعلان الزحف العام ، على التجارة والتجار ، وحدد النشاط الاقتصادي الحر ، وفقا لما هو مسطر بصفحات الكتاب ، الاشتراكية ، ثروة المجتمع محدودة ، وينبغي ان توزع بالتساوي على الجميع ، القانون الطبيعي لحياة الشعوب ، عامل الندرة ، في مقابل تعدد الحاجات ، رخاء ، وامن ، وامان ، ازدراء حياة القصور ، الحياة الدودية كما يصفها ، المتعبة بالتخمة ، حياة البداوة فقط ،  ميراث السلف ، القيم الرفيعة العالية ، ابناء الصحراء ، وامغار الصحراء ، ورسول الصحراء ، اذ الصحراء لا تنبت العشب ، لكنها تنبت القيم والمثل الرفيعة .
       في صيف 1976م ، بدأ الترتيب لاعلان تطبيق الفصل الاول ، طائرات الليوشن الروسية كانت تتكفل بتجميعنا من كل انحاء البلاد ، نحو طرابلس ، معسكرات السابع من ابريل ، في معهد ابن منظور ، في سواني بن يادم ، في معسكر تاجوراء ، في تاجورا ، كنا نمضي وقتنا ننتظر نتيجة نهاية المرحلة الثانوية ، في الصباح نسترخي وبعضنا يعبر الطريق العام المار امام المعسكر ، يقضي اوقاته مع البحر ، الاكل الجيد المنوع ، اللحوم ، الفواكة المنوعة ، وفي المساء موعد المحاضرة ، حجبت نتائج الامتحان ، وستعلن فقط نتائج من حضروا الدورة الصيفية ( شهرين متتالين في مخيم تاجورا ) .. في الوسط خيمة شاسعة تسع لاعداد غفيرة ، ومنصة تتوسط  ، على غرار مثيلها في سواني بن يادم ، محاضرات يلقيها الرائد جلود ، واحيان وكما في عاداته مؤخرا ، محاضرة الختام ، ونهاية الدورة ،  في سواني بن يادم ، تولى المهمة بنفسه ، محاضرات سلطة الشعب ،  ديباجة اعلان قيام سلطة الشعب ، الاسم المقترح لليبيا الجديدة  ، جلس في احداها على المنصة ينصت بامعان لكل طالب يسمح له بالاذن بالكلام ، نفترش الارض ، متسع مظلل ، لم يقترح احد من بين كل الذين سمحت لهم الفرصة اسم  ( الجماهيرية ) ، وفي 2 مارس 1977 اعلن الاسم الرسمي ( الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية ) ( وخود نفس على رأي الرئيس السادات ) ، في حي قاهرة بسبها ، المرتبط بقلعة وتواريخ ، وعبدالقادر بن مسعود الفجيجي ، وغيرهم  . وفي الآن ، عدسة الاداعة المرئية تسجل كل المتحدثين ، وتنتقي بطريقتها ما يقبل للنشر ، وحيث همس الملهم من على المنصة مرشدا بكلمة او جملة .. وبين فاصل اخضر ، وفاصل اخضر ، فاصل اخضر ، ويتكرر عرض المادة عبر الشاشة المرئية .
     في تاجورا ، احيانا يتغيب الاثنان ، لا هذا ولا ذاك ، يتولى العقيد بشير احميد ، يجتهد ليشغل الملل ، يردد ثورة اليسار العالمي الجديد ، ويأتي جلود ويتحدث عن ضيم الامة والشعوب المستضعفة ، ، يردد .. الانسان لا ينتفض مناضلا لاجل الظلم ، بل لاجل الشعور بالظلم ، العدو الاسرائيلي ، ويخلفه المنظر ، والمفكر ، والملهم ، والقائد الرمز ،  عن نضال رموز العالم الثالث ، والقضية الفلسطينية ، نيكروما ، لبومبا ، عبدالناصر ، نهرو ، تيتو ، غاندي ، بومدين ، عدم الانحياز ، ومن عمر المختار الى منديلا ، مرورا بفرانس فانون ، ومعذبو الارض ، والعربي بن لمهيدي ، ويوسف بن خده ، وابو ضياف ، والقادة الخمسة ، الى التجارب النووي الفرنسية بصحراء الجزائر ، وبما تجهش به قلوب الحيارى وهم يتلقفون انباء الآم اخوتهم في فلسطين .. الوزير ابو بوصير ، وكتابة ” جهاد شعب فلسطين في نصف قرن ” .. ( وشاءت الاقدار ان يلقي حتفه ضمن ضحايا الطائرة المدنية الليبية المتجهة الى القاهرة ، بعدما ظلت طريقها نحو سيناء ، فاسقطتها اسرائيل ) ، الكتاب رسالته لنيل درجة الماجستير بالقاهرة ، يوزع مجانا ، في 700 صفحة من العمل الدؤوب لرصد الجرائم التي ترتكب في حق الشعب الفلسطيني ، والعصابات الصهيونية ، تسمياتها ، شعاراتها ، تواريخ مجازرها ،  وجوقة تحرير الارض من النهر الى البحر ، شبرا شبرا ، واللاءات الثلاث ، لا صلح ، لا تفاوض ، ولا استلام . انتهاء بدول الصمود والتصدي .
   نواصل لاحقا
عابد

الثلاثاء، 8 أكتوبر 2013

- جولة بمعرض طرابلس الدولي للكتاب


   معرض للكتاب .. عنوان سار .. يبعث في النفس الامل بنقلة جديدة متجددة نحو افاق ارحب في مجتمع عانى الكثير من زكام المعرفة ، ومقص الرقيب .. المئات من دور النشر العالمية تقاطرت لعرض ابرز المؤلفات المنشورة برعايتها واشرافها .. كنت هناك مساء الامس صحبة ابن اخي اسامة وابني محمد ، وقد سررت منذ الوهلة الاولى بذلك الكم من الزوار المتعطشين لهكذا تظاهرات ثقافية ، ولتحري الاعمال المستجدة على الساحة الليبية بوجه خاص ، راودني الشعور عينه ، فاخترت التوجه بداية الى رواق وزارة الثقافة ،  هناك ما يقارب 150 مؤلف حديث الطبع ، ولاول مرة كل هذا العدد من الاصدارات دفعة واحدة ، يا له من عمل يستحق الاشادة .


    حضور دور النشر الليبية ما عرفنا منها وما هو حديث النشأة ، زخم اخر يضاف للمشهد الثقافي بتجلياته وتنوعه ، واسماء لمؤلفين طمرت اصواتهم زنازين الاستبداد وسياط الرقباء بالأمس ، ادب السجون يكاد يكون عنوان لعدد لا بأس  من المؤلفات التي تؤرخ لحقبة اصفاد الاستبداد .. وعلى مستوى التنظيم يمكنك الاشادة بروح الفريق المتكافل الذي تمكن من اظهار هذه المناسبة في ابهى حلة ، قنوات فضائية مهتمة بالحدث تلتقي بالزوار لتسجل انطباعاتهم هنا وهناك ، المركز الاعلامي خلية لكوكبة من الاعلاميين الليبيين ، ورصد ليوميات الحدث من خلال صحيفة خصصت للغرض ، وبقلم دليق حوى العدد الثاني من الصحيفة تعريف بمؤلفي " مذكرات " ولا يفوتني هنا ان اتقدم باسمى ايات التقدير والامتنان للكاتب واللفته الكريمة .


       شباب وفتيات منهمكون وراء اجهزة الكمبيوتر في احدى زوايا ادارة  المعرض حيث المركز الاعلامي  ، صالة للقاءات الحوارية والمتابعة ، وردهات التواصل مع الاخر عبر شبكة المعلومات الدولية .  هناك جمعنا اللقاء بالاستاذة عائشة  من بين اعضاء الفريق الاعلامي الرواد ، مهتمة بتفريغ لقاء اجرته قبل قدومنا بقليل مع الاستاذ جمعة عتيقة نائب رئيس المؤتمر الوطني العام سابقا ، ورغم وقتها الثمين ، رحبت بقدومنا وتعرفنا من خلال حديثها على الكثير من حيثيات العمل الاعلامي وجهد جنود مجهولين قابعين وراء الاستار ..  نادت على المصور عمر الجنوبي الجدور ، انهم من بلدياتك ، وقد تفضل بادارة عدسته نحونا وانجز لقطات رائعة تبرز مهاراته بالتصوير الثابت .. وفي الاثناء كان الاستاذ فرج العشه  مهتم باعطاء توجيهات لفريق أخر يصاحب لحظة وصول العدد الاول لمجلة " ثقافة " ، وكونه رئيس التحرير ، لابد وانها لحظات فارقة بالنسبة اليه وهو يرى المولود الاول البكر وقد خرج للعلن والوجود .. تبادلنا التحايا رغم طول امد اللقاء ، فهو المهجر الطريد الذي قاس الامرين ، بعيدا عن الاهل والوطن ، رافعا لواء المعارض لحقبة الاستبداد اوآن اليأس من جرف ركامها  المزمن .. هنأته بالعودة وبالانجاز ، وتذكرت في الآن عينه تلك الايام الخوالي عندما تصدر لقاء عبر  احدى القنوات الفضائية مفضيا بحسرة على الوطن ، كم المظالم والالام التي يقاسيها الشعب الليبي في صمت داخل معتقل الوطن .. عندها علت الجدران في اليوم التالي عناوين وخربشات متخفين ( وانتصرت العشة على الخيمة ) امتنانا لحديثة تلك الليلة وما صدح به ، مما يتعذر للقابع داخل اسوار الوطن قوله ويخالج ما تطوي سريرته .. لقد اهدى لي نسخة من المجلة ، له مني كل التقدير .  


      حضور نسائي كثيف ، ليس فقط على مستوى التأليف ، اوالتنظيم وادارة المحفل ، بل واقتناء الكتب ، واذا كان بالامكان تسجيل انطباع عام وسريع حول الاقبال على اقتناء اصناف المعرفة ، يمكن القول انه في عصر الرواية باتت تسجل منافسة لها في بورصة المبيعات ،  حيث يتصدر الكتاب الديني سدة القائمة ، وهو ما لم يغب عن الناشرين على ما يبدو في اختياراتهم المعروضة  .


من بين الاروقة التي توقفت عندها جناح ( جمعية الثقافة التباوية ) والذي يشرف علي ابرازه والتعريف به الصديق الاستاذ ابوبكر مينا ، جمعتنا عدسة المصور محمد ابني للذكرى ، واطلعنا على بعض الاصدارات الحديثة حول تعلم اللغة التباوية واجادة قواعدها ، وقد تفضل الصديق ابوبكر باهداء بعض الملصقات ، وتعرفنا على جهود لترجمة ملخصات لنوادر من الادب العالمي ككتاب " كليلة وذمنه " .

   
   في جناح جامعة سبها سكون ، بعض من اصدارات الجامعة ، جلها في الادب والقانون ، وبعضا منها للعلوم التطبيقية ، قوبلنا بترحاب من قبل المشرفين ، وكان واجبا التقاط صورة تجمعنا بشعار اول خلية للتعليم العالي بالجنوب .

   اسعار الكتب لا تزال مسألة مرهقة ، كنت اتمنى ان اجد تدخل ما على الاقل فيما يخص كتب الاطفال ، وفي العموم سررت جدا بالحدث ، وبالروح الليبية الرحبة لكل الفريق المتناغم الذي انجز الحدث .. تحية لهم جميعا .. ولوزارة الثقافة واهتمامها ، والى معالي الوزير الاديب الحبيب الامين .
عابد

السبت، 5 أكتوبر 2013

- انتخابات قبلية



    واخيرا تمخض الجمل ، وذرت الناقة ، وازهر الحقل .. المؤتمر الوطني العام يصدر التوزيع النهائي للدوائر الانتخابية بالجنوب .. ودون بحث التفاصيل .. مثال : ( الدائرة الاولى وتشمل  : غدوة .. مع الزيغن وسمنو وتمنهنت .. ونصيبها مقعد واحد ) ، واذا ما نظرنا للواقع الجغرافي يتبين مدى جهل واضع البرنامج بالواقع الجغرافي لفزان ، فالمسافة بين غدوة الواقعة شرق مدينة سبها ، والزيغن الواقعة شمال شرق ، حوالي 120 كم ، والتواصل بين مناطق وادي البوانيس وغدوة يمر عبر سبها ضرورة ..  لا بل اكثر من ذلك ، وياللاسف ، يعتمد التوزيع المكونات القبلي في احيان اخرى الى جانب المناطقي  .. يا حيف .. دولة تعترف باعتماد القبيلة كعنصر انتخابي .. ألا يستوجب هذا غدا القبول بتأسيس احزاب قبلية ،  واعتراف ضمني بعسكرة القبائل .. ولنعترف جهارا دون مواربة والتفاف بأن واقع البلد فدراليات قبلية .. ونتعاطى مع الامر دون ركض .
     الامر ليس مستجد في اوطان العالم الثالث ، وتجربة قريبة من واقعنا افرزت دور القبيلة في تكريس التجربة الديمقراطية الحديثة العهد . وبرزت حينها دراسات تتحدث عن مثالب تطبيق الديمقراطية في المجتمعات التي يشكل الطابع القبلي نسيجها الاجتماعي .. وكيف اصبحت الاحزاب ممثلة لقبائل ، والقبائل احزاب ، ومرشح القبيلة أي كان توجهه السياسي لا ظير في انتخابه طالما اجمع عليه وجهائها .. وهنا تبرز اشكالية القبائل الصغيرة والعائلات المحدودة العدد ما لم تنتمي تحت مظلة اطار قبلي اوسع واقوى تسليحا .. وقد لا يفيد اتحاد قبائل الاقليات هو الاخر في مواجهة لحمة قبائل اكثر عدد وعدة واعتراف اجتماعي وسياسي بالقدرة على الفعل والتأثير .

       يبدو ان فزان احدى المناطق التي لن تجد فيها الاقليات مكانا وفقا للمخطط ما لم تركن لاحدى الخيارين .. اتحاد اقليات قبلية .. او انطواء تحت مظلة اجتماعية اكبر واكثر تأثيرا وتسليحا.. غير ذلك لا يبدو من خيار سوى القبول بالعيش على هامش المشهد كما اراد لها ( المؤتمر القبلي العام ) ، او خيار اللجؤ خارج الوطن .. حديث مما تتلقفه ألسن الحيارى في فزان . ودعوة لتشكيل ( حزب تجمع الاقليات القبلية ) . او كما قال احد ابنائها : " ما يحز في نفسي أن تجد فيلم حديث بسيناريوا يعود للقرن الماضي .. ولا عبرة .. ) .