السبت، 21 يوليو، 2012

- ليبيا في ظل الفاشية الإيطالية


كتاب للمؤرخ البولندي برونيسواف كريستين فيجاتسكي
ليبيا في ظل الفاشية الإيطالية























صدر كتاب طريف وجميل لبرونيسواف كريستين فيجاتسكي، وهو كاتب ومؤرخ بولندي من بداية القرن الماضي، بعنوان "حصون على الرمال"، تريبوليتانيا الليبية سنة 1934"، ترجمه الى العربية ميخائيل عبدالله (صدر عن منشورات الجمل).

ينتمي الكتاب الى أدب الرحلات لكن هنا يمزج الإكزوتيك والبعد السياسي والاجتماعي والمكاني والشعبي. وموضوع الكتاب محصور بفترة زمنية معينة حساسة في تاريخ ليبيا، تميزت بتحريرها من التبعية العثمانية وإدخالها ضمن النفوذ الإيطالي الذي حوّلها الى مستعمرة استراتيجية.
هنا فصل من فصول الكتاب "سَبْها" عرس في "جديد".
"سَبْها" عرس في "جديد"
على ظهر الإبل عبر رملة الزلاف
مرتفعات منعزلة أحادية مخروطية أطلق عليها سكان فزان اسم "غارة".
غدا أحد هذه المرتفعات قبل عشرين سنة مسرحاً لكارثة مرعبة. على قمّته كانت قد تمركزت سرية من الجنود الإريتريين المرسلين من قبل إيطاليا بمهمة فتح فزان. وصلوا بعد أن خارت قواهم فاستسلموا لنوم عميق، وعلى إثره طوّق السكان المحليون المكان ثم شنوا هجوماً أدى الى إفناء الجنود عن بكرة أبيهم.
تحيط اليوم بهذا المرتفع سطوح واسعة بلون الظلام الداكن الضارب أحياناً الى الصفار. يُسمع صفير الرياح من فوقها كأنه أنين أولئك الجنود. تصطدم الرياح بجذوع النخيل السامقة التي تلقي بريق خضارها على الناحية الغربية من واحة الجردة. إلا أن "الغارة" لم تعد قمّة صحراوية عارية كما كانت. الآن يتربّع على قمتها حصن دفاعي فخم يُطلق عليه اسم "سبها".
تؤدي الى الحصن أدراج عريضة شيّدت عند قاعدته ثكنات للجنود مع ناد لهم وآخر لضباط الصف وبيت للضباط ومهاجع للسيارات وورشات تصليح ومخازن وفي وسط الحصن توجد ساحة جميلة لكرة المضرب. وتزود الحصن مياه تتدفق من دون انقطاع من بئر إرتوازية. أحيط هذا كله بسور عال.
قائد الحصن، العقيد فارينيتتي، رجل طويل القامة، يلبس نظارات وهو الشخصية الأولى والأهم في فزان: صلاحيات القيادة في مقاطعة سبها تختلف عن صلاحيات القيادات في المقاطعات الأخرى. فهنا في فزان، الى جانب الأمور العسكرية، تشمل سلطة القيادة كذلك الأمور المدنية، مثل بناء الطرق وقضايا التعليم والشؤون الزراعية وغيرها. إذن المجالات التي يتحكّم بها القائد واسعة ومتنوعة.
يعلّمنا التاريخ أن لكل رجل عظيم عَقِبُ أخيل (وتر العرقوب، وتر أخيل)، كذلك الكولونيل فارينيتتي يملك وَتَره الأخيلي. وَتَره هو الطريق المكسو بالحصى وعلى جانبيه تنمو أشجار الأوكالبتوس الشاحبة التي تمتد من الباب الخارجي لسور الحصن الى المستوطنة القريبة المؤلفة من دكاكين صغيرة عدة. ويوجد في المستوطنة سوق ومطعم يحمل اسماً فيه بعض الكبرياء والفخفخة "روما"، سيما لعابري السبيل وسائقي سيارات الشحن. يُمنع منعاً باتاً سير السيارات فوق الطريق ولا يمكن أن يخطو عليه حيوان من ذوات الحوافر، لئلا تثير الغضب الجوبيتري(1) للعقيد. شاءت الأقدار أن أصبحت شاهداً للحظة انفجر فيها العقيد غضباً. سبب هذا كان مرور مواطن فزاني جرّ بَعيرَه عبر هذا المسلك المحرّم والممنوع ارتياده، فتركت قوائمه بعض الخدش والأثر على السطح الحصوي الملس للطريق. ردّ فعل العقيد بدا عنيفاً للغاية وراح يصرخ ويهدد بصوت عال. عُوقب الفزّاني المسكين بتقليص راتبه الى النصف خلال أسبوعين.
لفت نظري أنبوب معدني رفيع ممتد من خزان الماء الكائن خلف السور الى بئر صغير واقع بجانب جدار عال مبني من سعف النخيل. وجدتُ رجُلين فزانيين يضخّان الماء الذي كان يتدفق بشدة عبر ساقية مطليّة بالإسفلت في قعر رملي ليختفي خلف الجدار. حدّقت نظري فشاهدت ما جعلني أستغرب. لاحظت بستاناً حقيقياً من أشجار اللوز والتفاح والبرتقال والليمون أغصانها الخضراء الزاهية مغطّاة بثوب وردي من الأزهار وخلف البستان تبدو حدائق مزروعة بمختلف الخضروات: صفوف من الفاصولياء العالية والقرع والدلاع (الجبس، الرقي، البطيخ الأحمر) والبطاطا والخس. أعجوبة حقيقية في الصحراءّ! في سبها تتحقق معادلة الاكتفاء الذاتي اليومي من الفواكه والخضروات الطازجة، لا بل يُصدّر فائض الإنتاج الى حصون أخرى في فزان.
صاحب هذا الإنجاز، وهذا الفردوس، هو آموديو، الخبير بمسائل القياسات الأرضية. عندما كان برتبة ملازم في الجيش الصحراوي قضى خدمته متجولاً بين حصون عدة في فزان، فاستغل كل لحظة خارج الدوام في أعمال البستنة. وبعد أن أُحيل الى الخدمة المدنية أنيطت به مهمات الأبنية والإنشاءات في سبها، فصبّ كل خبراته وتجاربه ليحقق هذه المعجزة.
بالإضافة الى زراعة النباتات يقوم آموديو بتربية الحيوانات الأهلية من ماعز وأغنام وأرانب. بنى لها حظائر عصرية بجانب الحديقة مع أبراج للحمَام. عند زيارتنا للمزرعة فوجئنا بتصرّف عدائي من دجاجة رومية جميلة المنظر، تبدو مغرورة بهيئتها وبلون ريشها المرجاني ورقبتها المزخرفة بحلقات بنفسجية من الوبر الناعم.
شرح آموديو مبتسماً سبب استنفار الدجاجة: هي محرومة من زوجها فمنذ أسبوع ترقد على البيْض منتظرة لحظة فقْسها وخروج الصيصان. يلقي آموديو عليها وعلى غيرها من كائناته الصغيرة نظرات ملؤها الحب والحنان.
أنهى سيريللو الطبيب المشرف على صحة الجنود في الحصن خدمته الإلزامية التي استغرقت ثلاث سنوات ويتهيأ للعودة الى البيت بعد أن خلّفه طبيب آخر. وقبل مغادرته قرّر القيام بجولة وداع للمنطقة التي خدم فيها، فاقترح أن أرافقه إلى واحة "جديد". انطلقنا على متن سيارة إسعاف طبية. زرنا أولاً بيت المرح واللهو وهو الأكبر في فزان، إذ راح يودّع الحسناوات اللاتي كان يشرف على صحتهن. عندما سمعن بأن طبيبهن سيغادر البلاد ترقرقت الدموع في عيونهن. هرعت صاحبة المؤسسة، ينادونها باسم مستعار "بومبارديا"، وصافحت طبيبها بحرارة مكررة عبارة: Adio signor dottore
تتعالى في "جديد" أصوات صاخبة وضجيج عالٍ وجلبة مع دقّ عنيف على الطبول. سكان الواحة يحتفلون بزواج أحد الجنود مع بنت صديقه الجندي. 
تسير وسط المستوطنة ناقة مزخرفة بعزّ وكبرياء حاملة على ظهرها ما يشبه الهودج المكسو بإحكام بمختلف الأقمشة. كانت العروس جالسة في داخله ولا يحق لعين رؤيتها.
وطبقاً للعادات الدارجة لا يحق حتى للعريس أن يلقي إلا نظرات خاطفة على خطيبته قبل الزواج. فقط حينما ترفع الغطاء عن وجهها. لا يعتبر هذا التقليد من الوصايا الدينية، إذ لم يأمر النبي محمد النساء بتغطية وجوههن. هو اجتهاد شخصي لقلة من رجال الدين، عُرف أقرّه بعض المفسّرين خوفاً من الجاذبية التي تملكها المرأة الحسناء.
تبدأ الفتاة التحضيرات للزواج بخمسة أيام قبل حفلة العرس التي تجمع عدداً كبيراً من الناس. تتزين النساء بالحنّة النكهة ويصببن مختلف الزيوت والعطور على أجسامهن. في اليوم الموعود ترتدي العروس أفخم لباس وتركب ظهر ناقة في هودج معد لهذه المناسبة لئلا يطول انتظار العريس. عندما تقترب نحوه يدنو إليها محاطاً بأعضاء "قبيلته". ترتفع أصوات الزغاريد ويطلق الرجال العنان لمهاراتهم في الفروسية، يجولون ويصولون ويطلقون من بنادقهم وابلاً من العيارات النارية ثم يرافقون موكب العروس إلى البيت الذي ستسكن فيه مع زوجها. وهناك يخرج خطيبها ويقودها إلى "الزريبة" أو الخيمة. وبعد كل هذا تُعلّق فوق باب الزريبة أو مدخل الخيمة قطعة حمراء من القماش ـ دلالة على كون التي اختارها عذراء.
تلي هذه التقاليد وليمة العرس. يجلس إليها كل المدعوين ويتلذذون بمختلف الأكلات اللذيذة المحضّرة والمقدمة من قبل العائلتين. أفراح العرس بتفاصيلها وحذافيرها تتم بإشراف علماء الدين الذين يحرصون على سير المراسيم وفقاً لتعاليم القرآن والشريعة. يُمنع مثلاً استعمال الأواني الغالية والأزياء الباهظة الثمن والعزف الموسيقي وألعاب اليانصيب والهزرد والمرح المبالغ فيه وأنواع اللهو اللاأخلاقي وحتى الحديث مع المرأة التي ليست من نفس العائلة. أما في "جديد" فيبدو أن التمسك بهذه التقاليد جزئي، إذ تُسمع أنغام طرب طائش وتجوب مجموعات من الصبيان الشوارع ركضاً ولهواً وتطلق أصواتاً عالية محوّلة الواحة إلى ساحة من الفوضى والصخب.
كان عليَّ أن أسافر من سبها إلى براك برفقة موظفي البريد التابعين للمجموعة الصحراوية الثالثة المتمركزة في واحة براك في أقصى الشمال الشرقي من وادي الشاطئ، إلا أن صبري نفذ. فقررت السفر بنفسي بعد أن وُفّقت في الاستعانة بدليل واستئجار جملين حملتهما باحتياطي كاف من المواد الغذائية والماء.
عندما كشفت للملازم عن نيتي واستعدادي على مجابهة مخاطر السفر، رمقني بنظرات عميقة من أخمص قدمي حتى شعر رأسي ثم بصوت بارد وجاف راح يعاتبني ويؤنبني:
ـ يا أيها الشاب، ستفشل في محاولتك فشلاً ذريعاً. لست مستعداً لأتحمل مسؤولية حمايتك وبقائك على قيد الحياة عند مجابهة المخاطر التي قد تُفاجأ بها ولن أعطي الأوامر لجنودي للبحث عنك في متاهات الصحراء التي قد تبلعك بلعاً. أنهيت، وأحذّرك أن تكفّ عن هذه المغامرة الخطرة.
اقتنعتُ بوصية الملازم وقررت أن أنتظر. ثم أعلمني أن هناك طائرتين عسكريتين من طراز "كابروني" استغرقت رحلتهما من مطار غدامس إلى سبها ست ساعات. ومن المحتمل أن أوفّق في السفر على متن إحداهما. أفرحني هذا الخبر. ثم قمت بنبش ذاكرتي لأحيي معلومات من كتب التاريخ عن الحملة التي شنها بابلو يوماً على رأس السرايا الرومانية. تساءلت في قرارة نفسي كم استغرقت مسيرتهم المضنية عبر الصحراء ليقطعوا المسافة نفسها من غدامس إلى سبها.
ـ وماذا لو أجبرتما على الهبوط القسري؟ ـ بحماقة سألت أحد الطيارين برتبة رائد في مقتبل العمر.
ـ لكان هذا نهاية لنا ـ يرد بمرح. ثم أضاف برزانة وجدية: أنصحك أن تتذكر بأن أسئلة كهذه لا تُطرح قطعاً على الطيارين. ندمتُ على سؤالي الطائش والتزمت الصمت بعد أن لقّنني ربان الطائرة درساً لن أنساه.
بعد أن تناولنا وجبة الغداء في الحصن توجهنا نحو مقبرة عسكرية. لوحة بيضاء كبيرة كتب عليها: "...الجنود الذين بوغتوا وسقطوا ببطولة ولسان حالهم يكرر أن ما فُقد خلال سنوات قليلة سيعيش أبداً. غارة سبها 28/11/1914". تملّك الصمت نفوسنا. على وجوه الضابط انطبعت ملامح تنمُ عن الصلابة والقسوة.
حول سفرة العشاء خيّم مزاج سيئ سببه العثور على جندي ميكانيكي في الصحراء يكاد يلفظ أنفاسه الأخيرة. ماذا جرى له يا ترى؟ في الطريق بين سبها وهون تعطلت إحدى سيارتي شحن تابعتين لشركة خاصة وعجز السائقان العربيان عن إزالة العطل. فقفل أحدهما إلى سبها وطلب من الجندي المساعدة في تصليح السيارة، واعداً أنه بعد إزالة العطب سيعود به إلى وحدته العسكرية في سبها. ولكن بعد أن أصلح الجندي السيارة لم يف السائق العربي بوعده، بل استغل مع زميله لحظة غفلة ليغادران المكان بسرعة تاركين الجندي وحده بدون غذاء ولا نقطة ماء. فما كان من الجندي المسكين إلا الاعتماد على نفسه والانطلاق مشياً باتجاه سبها حتى خارت قواه وسقط مغمياً عليه على قارعة الطريق. عندما عثُر عليه كان يحتضر. وعلى إثر هذا وُجّهت برقيات إلى كل الحصون بملاحقة العربيين وإلى طرابلس نفسها.
وأخيراً، بعد انتظار طويل، وصلت من براك مجموعة سُعاة البريد بعدد ثمانية جنود صحراويين بأحزمتهم السوداء تحت قيادة الرقيب الأول ميليس الذي ينحدر من ساردينيا. الإنطلاق معهم إلى براك حُدّد في الرابعة بعد الظهر.
المترجم المستخدم هنا ويدعى علي بن علي راح يخبرني وهو يفتل شاربه الأسود الغليظ ويطبطب بكفّه على بطنه الكبير المنتفخ، بأن الجمل الذي أجّره لي افضل جمل في واحة جديد وسيكون جاهزاً في الوقت المحدد. ذهبتُ مطمئن البال لأتناول غدائي الأخير، تلاه تبادل النخاب وحديث خفيف ولذيذ، ثم دورة من اللعب بالقناني الخشبية. وهكذا حتى اقتربت لحظة الوداع. المجموعة تنتظرني في أهبّة الإستعداد، لكني لا أرى أثراً للجمل الذي وُعدتُ به ـ بإلحاح نُدير أنظارنا في كل الجهات علّنا نراه قادماً. خيبة أمل كبيرة وعار أكبر. بعد التحقيقات في الموضوع تبيّن أن المترجم المغرور بنفسه لم ينبس ببنت شفة لأي من السكان عن رغبتي في استئجار جمل وما قاله لي كان كلاماً فارغاً. إتصلنا هاتفياً بالرقيب الأول في جديد وطلبنا منه المساعدة في حل الأزمة. ما كان علينا إلا الإنتظار.
في السابعة دعتني مجموعة الجنود لتناول العشاء. كنت مكسور الخاطر ومهموماً، إذ لا أجد أي تفسير لتصرفات المترجم. يقدّم الحاضرون أنفسهم لأتعرف عليهم، ثم سألوني من أين أنا، متى قدمتُ وكيف مرّت أيام إقامتي ورحلاتي وما هي أخبار وأحوال الجمل الذي أجّرته، تزدحم الحكايات الهزلية في رأسي كما تتصالب السيوف الحادة.
بعد الثامنة جاءنا أحد العساكر بخبر مفرح: الناقة جاهزةٌ. نهرع كلنا إلى خارج الحصن. "سفينة الصحراء" تتأرجح بحركات ثقيلة، تدور حول نفسها، تُعرض أكتافها الغليظة وتحدق بي بنظرات عميقة كأن لسان حالها يريد أن يقول: أشكُ بك كخيال يستحق أن يمتطي ظهري ـ وكذلك أنا، يا ناقة، لا أثق بك كل الثقة. لا خيار آخر أمامي. ما عليّ إلا أن أتظاهر بأنني سعيد وقادر على قيادة الناقة كأي إنسان آخر. بجهد تسلّقت ظهرها الناتئ. بدلاً عن السرج والرسن أُلقي على ظهرها كيسان عريضان سطحهما خشن. قدما راكب الإبل تتدليان عادة على بطنها من جهة واحدة أو جهتين، وأحياناً تُمدّان على عنقها الطويل. يمكن كذلك الجلوس بوضعية القرفصاء، ولكن هذا يتطلب مهارات نادرة للمحافظة على التوازن.
بعد عدة محاولات وإعازات طويلة "خخ، خخ، خخ" وافقت الناقة على الركوع واستقبال جسمي المرتعب على سنامها. أما حقيبتي فقد غرزتها وسط الكيس المتدلي المعلق على طرفها. نسيتُ، ولسوء حظي، أن الناقة عند قيامها ترفع أولاً رجليها الخلفيتين. فكانت العواقب وخيمة عليّ، مع الإرتفاع المفاجئ للنصف الخلفي من جسمها تزحلقتُ على عنقها ثم تدحرجتُ وسطقتُ بكامل ثقلي على الأرض. انزرع أنفي في الرمل وأثار هذا عاصفة من الضحك والسخرية. تكسّر جسمي، جُرح جلد وجهي في أكثر من مكان.
بدأت مع الحاضرين أضحك من نفسي بصوت عالٍ. محاولتي الثانية كانت أفضل، لا بل ناجحة تماماً. عندما تحركنا في اتجاه واحة الجردة كانت حدة الظلام قد اشتدت.
نسوق جمالنا على مهل. ركّزتُ جُلّ اهتمامي على كيفية التشبث بظهر الناقة لئلا أسقط مرة أخرى سقطة عارٍ وألم. كان جسمي مُقلّصاً وناشفاً ومع مرور الساعات بدأتُ أشعر بتآلف مع الحيوان وانسجام مع حركات جسمه، تعوّدت على إيقاعات بدنه وذبذبات تموّجه خلفاً وأماماً. وأخيراً وصلتُ إلى تكييف نفسي مع طبيعة وأنغام سيره. ها هي أضواء سبها تضمحل وتختفي وفوق رؤوسنا تسطع نجوم كبيرة زاهية وصمت الليل يشقّه من بعيد نباح وعواء لبنات آوى. بين الحين والآخر يُسمع صهيلٌ عالٍ لخيول الجنود الذين انطلقوا من الحصن لمرافقتنا.
على مقربة مني جندي صحراوي من "بركة" يسوق فرسه ورأسه متدل الى اسفل. تبدو عليه علامات حزن عميق منذ بداية رحلتنا. سألته عن السبب. راح يقص حكاية همومه: "قبل أسبوعين كان جملي مربوطاً بحبل مشدود الى سكة أمام حصن سبها. وفجأة ارعب الجمل هدير محرك سيارة عابرة، فقفز مذعوراً، افلتت أربطة أرجله وهب فاراً في الصحراء. وعلى الرغم من البحث المضني عنه لم يعثر عليه. تشاؤمي زاد يوماً بعد يوم، إذ كنت أعيش في أمل عودته بعد ان يشعر بالجوع، الا ان هذا لم يحدث, قصدت براك مشياً على القدمين لأخبر بما جرى ـ كان رد فعل المسؤول جافاً وقاسياً. انتهرني بشدة ثم طردني وأمرني ألا أعود إلا برفقة الجمل المفقود. فما كان علي الا الرجوع الى سبها ثانية، وهناك ساقوني الى المحكمة وحكم علي بغرامة قدرها الفي ليرة ستقطع من راتبي". سألته كم يتقاضى الجندي شهرياً؟ أجابني: الحد الأدنى سبع ليرات في اليوم.
نزحف فوق طبقة رملية بمحاذاة شريط من التلال العارية. رحلتنا المريحة نوعاً ما في البداية غدت متعبة ومملة. بدأت اشعر بألم شديد وبحكة في كل نقطة تماس جسمي مع حدبة الناقة. فضلت ان أترجل وأمشي على قدمي.
ـ ماذا حل بك. ابهذه السرعة تستسلم؟ ـ يلتفت ميليس لأول مرة بصوت فيه نبرة من السخرية والتهكم.
بعد عدة دقائق احس ان شيئاً ما يعيق سيري ـ تبين ان "السلوارة" التصقت بجسمي. انتزعتها بعنف وتأكدت ان الدم يسيل بغزارة من الجروح.
ـ هذا شيء تافه ـ يصرح الرقيب الأول ـ غداً سترى النتائج في مؤخرتك التي ستغدو كالغربال.. كان هذا نصيب كل منا. إجادة ركوب الإبل كلفنا وسيكلفك دماً. وهذا سيغني حكاياتك وكتاباتك عن مغامراتك على ظهر الناقة في الصحراء. المبلغ الذي دفعته سيعود عليك بالفائدة.
تقترب الى وادي "عطية Attia رامي". قررنا ان نترجل لنقضي ليلتنا تحت شجرة نخيل كبيرة ومتعددة الفروع. يوقد الجنود النار في موقد ويبدأون بالغناء المتكرر بلحنه وكلماته، أما الإبل فراحت تجأر بصمت وهدوء. وضعنا القهوة على النار، شربناها وتمددنا على الرمل مغطين أجسامنا بالبرانس والبطانيات. من تحت اشجار النخيل يهب هواء بارد.
في الفجر العميق يوقظني احساس غريب كأن شخصاً ما يزحف بأنفه على خدي. تذكرت ان هذه المناطق يغزوها نوع من القط البري يدعى "Gattopardo"، فنهضت مرتبعاً وارتعبت كذلك الفرس التي كانت واقفة بالقرب مني.
من جديد استسلمت للنوم، ولكن هذا لم يدم طويلاً، إذ في الخامسة استيقظت قافلتنا. نحمل الجمال ونلف رؤوسنا بإحكام "بالزمالة" ونتحرك الى الأمام عبر كثبان رملية متموجة. الرياح المحملة بجزيئات الرمال تعصف في وجوهنا ـ قفر مترامي الأطراف، تحيط بنا صحراء بدون نهاية. بعد عدة ساعات من السير الشاق تعبر مستوطنة صغيرة تدعى Falta Nachum) ثلاث نخيلات). في ساحة منخفضة السطح المح ثلاث اشجار مبرومة الجذوع، ملتوية الأغصان، هذا الشكل الهندسي حفرته الرياح ـ يبدو ان الرطوبة متوفرة على عمق طفيف؟ ومن جديد نزحف فوق ;ثبان رملية. القوافل المارة تترك آثاراً ناتجة عن غرز العصي النخيلية بالأرض.
نلتقي بقافلة طوارق قبلتها أواسط منطقة "عديدن". تتألف من نساء ورجال، كبار وصغار. وجوه النسوة لم تكن مغطاة فراح الجنود يتباهون بأزيائهم البيضاء الفخمة وأحزمتهم السوداء، ثم ارخى كل منهم رسن فرسه ليعدو بأقصى سرعة حول القافلة. كنت متأكداً ان هدفهم اظهار مهاراتهم امام النسوة لإثارة اعجابهن.
تزداد حدة الحر بدرجة لا تطاق. حوالي الساعة الثانية نجتاز بئر زرزور ثم نصل الى وادي زلاف القريب المكسو باشجار نخيل كثيفة الفروع وبالأقاقيا القصيرة وبشجيرات الصبار المبعثرة هنا وهناك. قررنا ان نحط هنا عصا ترحالنا لنجرع بعض الراحة. من جديد داهمتني مصيبة؛ عند نزولي من على ظهر الناقة فقدت توازني وسقطت على ظهري متأرجحاً الى الخلف حتى استقر جسمي المكسح على ورقة جافة من نبات الاقاقيا المليء بالأشواك الحادة والطويلة. نهضت في الحال بألم شديد احس به في منطقة الظهر. كم مرة تفجرت ضحكا عندما كنت اعاين مشاهد كهذه على الشاشة، أما الآن بعد ان نزع العسكري الشوك من جسمي المترنح الما تغير مزاجي وتملكني العبوس. وبما ان سوء الطالع يداهم الانسان بالجملة فقد اصابني كرة اخرى بشرّه ولم يهملني لأنسى على الاقل نتائج الحادث الأول ـ فبعد ان تسلقنا انا وميليس ظهر تل لتناول الغداء تحت ظل شجرة طرفاء واقية الفروع، هاجمتنا وقرصتنا قطعان من النمل الفضي اللون.
قطعنا الوادي ولاحظنا ان الارض الرملية بقيت خلفنا. ندخل في رحاب سهل مستو ومرتفع، مكسو بحجارة بيضاء ملسة، بدا النظر اليها متعبا للعيون بسبب انعكاس ضوء الشمس فوقها؟ طبوغرافية هذه الطبيعة تختلف جذريا عن التي اجتزناها، كأننا تواجدنا في عالم آخر مستوي السطح شبيه باللوحة التي رسمتها ريشة فنان ماهر، كالصحن المنقوش بألوان الطيف الذهبية الزاهية للنباتات التي تميل نحو السواد كلما امتد نظرنا نحو الافق البعيد.
وصلنا الى نهاية السهل. وقعت عيوننا على مجموعة من الناس وهم يلفون ويدورون حول بعض الشجيرات. انهم من سكان براك وقدموا الى هنا ليجمعوا الأغصان الجافة التي يستعملونها بمثابة وقود.
نسير نزولاً، نعاين واحد براك، الا انها ما زالت تبعد عنا 14 كيلمترا، ولعل أهم ما علمتني هذه الرحلة هو ركوب الابل، ولكن مجرد التفكير انه بعد وصولي القريب سأترجل من على ظهر ناقتي يبعث القلق في نفسي ويذكرني بالجروح التي في جسمي وهذا يجعلني احس ان طريقنا لا نهاية له.
تعتبر براك أجمل وأخصب واحة في فزان، شكلها دائري، من جهتها اليمنى يطل سهل مرتفع ومستو قاتم اللون، تنحدر جوانبه بزاوية حادة. بينما من الجهة اليسرى يمتد وادي الشاطئ وتتخلله اشجار نخيل مبعثرة هنا وهناك. الوادي عريض (في بعض المقاطع يصل الى 10 كم) مستو وغني بالجزر الخضراء. نجتاز الحفرة الرملية تلو الأخرى. اشكالها المتطاولة والمتساوية الأبعاد تدل على قوة وغزارة السيول التي اجتاحت المنطقة. بسرعة تقترب فترة العصر. ها هي الواحة ماثلة أمامنا بكل بهائها وقد اكتست بثوب من الصمت الذي فرشه ظلام الليل على المعمورة.
بقي أمامنا التغلب على شريط رملي اخير تؤدي حدوده الى وسط الواحة. وآخر مسلك كان شاطئ جدول صغير تسيل فيه المياه بتيار سريع وسط حقول من الشعير المزروع تحت اشجار النخيل. تصل الى ما يشبه الحوض المستدير. على حافته لمحنا مجموعة من النساء المرتديات ازياء سوداء تحمل كل منهن دلوا بيدها لتتزود بالماء. نجلس على الأرض. نقلتني هذه الأجواء الى عالم الخيال، جعلتني انسى كل ما حل بي خلال الرحلة المتعبة حقا التي ستبقى متعلقة في بالي كمحطة جميلة في حياتي طالما تغلبت على العديد من الصعوبات وعن كثب جربت نمط الحياة اليومية لسكان الصحراء. المح امامي هيئة انسان يخطو خطوات سريعة لابس عباءة فضفاضة وقبعة بيضاء عالية على رأسه شبيهة بطنجرة الطبخ. يخبرني ميليس انه بونجيوانني، القائم بأعمال قائد الحصن نيابة عن العقيد الذي خرج مع مجموعته للقيام بالتدريبات. قررت اللحاق به لأعرفه على نفسي. فوجئت برد فعل غريب؛ بقي مسمراً في مكانه مكتفيا فقط بلف رأسه المنحني نحوي، ثم راح يرمقني بنظرات عميقة صامتة. علمت فيما بعد انه مصاب بشلل آني نتيجة تعرضه للرياح الباردة. كان مريضا ويشكو من نوبة الحمّة.
ـ كل غريب يحل في براك هو ضيف معزز ومكرم ـ بهذه الكلمات الناعمة لبونجيوانني بصوت متقطع وبلهجة بيه مونتيه(2) تبدأ إقامتي في واحة براك التي تأخذ في الالباب.

(1) في الميثولوجيا، الروماني صاحب السلطة المطلقة في السماء والارض وفي مفهوم القادة والموظفين الرومان مصدر كل سلطة أرضية ومنها سلطتهم وصلاحياتهم. يقارن الى حد بعيد بالاله زيوس عند الاغريق واكتسب كل صفاته ورموزه التي تتمثل بالعاصفة الرعدية والنسر.
(2) Piemontre منطقة جبلية سياحية في ايطاليا في مقاطعة تورينو.

الأربعاء، 11 يوليو، 2012

- الاسلاميين يتمكنوا من دحر حركة ازواد بشمال مالي




قال عضو في المجلس المحلي لبلدية انسوغو شمال مالي الأربعاء إن الإسلاميين دحروا متمردي حركة "أزواد" إلى اخر معقل لهم في منطقة أنسوغو التي تقع على بعد 100 كلم شمال غاو.
دحر المسلحون الاسلاميون المتشددون مقاتلي الحركة الوطنية لتحرير ازواد (المتمردين الطوارق) من آخر معقل لهم في شمال مالي قرب غاو، المدينة التي منيوا فيها بهزيمة نكراء في 27 جوان ، كما افاد شهود عيان وكالة فرانس برس الاربعاء.
وقال عضو في المجلس المحلي لبلدية انسوغو ان "الاسلاميين دحروا المتمردين الطوارق من معقلهم الاخير، انسوغو، الواقع على بعد 100 كلم شمال غاو"، مضيفا "الان اصبحت منطقتنا بأسرها تحت سيطرة الاسلاميين.
واضاف طالبا عدم ذكر اسمه "لقد عقدنا لتونا اجتماعا مع اسياد المنطقة الجدد الذين قالوا لنا انهم ليسوا هنا لالحاق الاذى بالسكان".
وتابع "في السابق كانت الحركة الوطنية لتحرير ازواد تسيطر على قسم من المنطقة، الآن قضي الامر، لقد فروا الى الادغال".
واكد هذه المعلومات لفرانس برس طبيب في المنطقة.
وقال الطبيب البير دجيغيه الذي عبر الحدود النيجرية الاربعاء الى غاو انه "من الحدود النيجرية مرورا بانسوغو وحتى قبل الوصول الى غاو لم أر اي جندي تابع للحركة الوطنية لتحرير ازواد. لقد رحلوا جميعا. الاسلاميون هم اسياد المكان".
وفي انسوغو عزز اسلاميو حركة التوحيد والجهاد في افريقيا الغربية مواقعهم وتمركزوا في مقر المجلس البلدي وفي مبنى الاشغال العامة والمركز التربوي، كما اضاف الطبيب .

الجمعة، 6 يوليو، 2012

- الجزيرة: تقرير من سرت وحرب التحرير

- جماهير قبائل التبو .. تظاهرة تاييد

- جماهير قبيلة اولاد سليمان .. مسيرة تاييد

- سبها.. بوابة ليبيا إلى الصحراء الكبرى



مدينة سبها عاصمة الجنوب الليبي وإحدى أهم ثلاث مدن في البلاد، تقع في الجزء الجنوبي الغربي من ليبيا على بعد 750 كلم تقريبا من العاصمة طرابلس. يحدها من الشمال منطقة زلاف الصحراوية وأودية الشاطئ وعتبة والآجال ومناطق مرزق والقطرون، وتقدر الدوائر شبه الرسمية عدد سكانها بحوالي 400 ألف نسمة.
تقطن المدينة منذ عهود سابقة قبائل أولاد سليمان والقذاذفة التي ينتمي إليها العقيد الراحل معمر القذافي والمقارحة، وتعيش عائلاتها الأصلية مثل أولاد حضيري والحساونة وأولاد بوسيف في أحياء باب الجديد والقرضة الشعبية.
كما تقطن سبها عائلة ليبية عريقة اسمها عائلة سيف النصر التي تقلدت الحكم في إقليم فزان، وهاجرت خارج البلاد بعد الحرب العالمية الأولى، لكنها جاءت مع القوات الفرنسية من شمال تشاد إبان الحرب العالمية الثانية بين 1937 و1939 وقاتلت إلى جانب الفرنسيين ضمن الجيش الأفريقي بقيادة شارل ديغول حتى وصلوا إلى مدن فزان والقطرون، بل وصلوا إلى حدود ليبيا الغربية مع تونس.
ونظرا لوجودها في قلب الصحراء الكبرى انتشرت حولها أحياء اتخذها الأفارقة سكنا لهم مثل حي كامبو الطيولي الذي تقطنه عائلات من التبو والطوارق. واستقرت في الأحياء القديمة مجموعة من "التبو"، وشكلت سبها ملجأ للعمالة الوافدة غير الشرعية طيلة السنوات الماضية، واستقطبت السكان المحليين من مناطق غات وأوباري وتراغن التي تقطنها قبائل الطوارق.
وبسبب المجاعات والحروب في دول الجوار تشاد والنيجر ومالي استقبلت سبها آلاف المهاجرين، وتفاقمت أزمة التمييز بين الليبيين الأصليين وغير الأصليين حتى الآن بعد استقرار مجموعات كبيرة من المهاجرين على مدى الـ30 عاما الماضية.
فتجد بالمدينة عائلات بدون أوراق ثبوتية ولا مستندات رسمية، حيث صار الوضع الديموغرافي حاليا أقرب إلى التعقيد والتشابك، وتحول إلى صراع من أجل الهوية.
وارتبطت سبها بعلاقة وثيقة مع العقيد الراحل معمر القذافي، فقد عاش بها حياته الأولى طالبا، وعندما أصبح رئيسا أطلق عليها "الشرارة الأولى" وأعلن منها قيام سلطة الشعب في 2 مارس/آذار 1973.

وتعرف المدينة بتاريخها العريق، فمن آثارها قلاع وقنوات ونظم للري ترجع إلى ما يزيد على عشرة قرون، كما عرفت بصناعاتها التقليدية ومنتجاتها الزراعية خاصة التمور والحبوب، لكنها تعد اليوم مدينة حديثة تضم أحد أهم وأكبر المطارات الليبية.
المصدر:الجزيرة