الأربعاء، 2 فبراير 2011

فزان صحراء الرهبة .



ناشيونال جيوغرافيك العربية

الوجه الإيجابي للعولمة

 
خالد عمر بن ققه

للآخر حضور في حياتنا العربية، فهو المنجز المادي والمعرفي، وهو التأثير الاقتصادي والسياسي، وهو أيضا الديمقراطية وحقوق الإنسان، وهو بشكل أصبح مؤثرا ومفزعا، الهيمنة الثقافية، التي تظهر جلية علي فكر ومنطق وسلوك الأجيال الجديدة، خاصة من تعلم منهم اللغة الإنجليزية.

غير أن حضور الآخر في حياتنا ليس سلبيا في المطلق، خاصة إذا اعتبرنا الفكر والثقافة والعلم، مداخل أساسية لبناء علاقة سويّة، شرط أين يكون ذلك ضمن رؤية هادفة تقوم عليها مؤسسات هذه الدولة العربية أو تلك، أي وفق خططها الاستراتيجية، واعتقد أن مؤشرات كثيرة في معظم الدول العربية توحي بذلك، وإن بدت بخطي متثاقلة، إلاّ أنها تشكّل وعيا بطبيعة المرحلة وإدراك أهمية ما ينجز علي الصعيد الثقافي، والنموذج الماثل أمامنا ما قامت به شركة أبوظبي للإعلام، وهو ترجمة مجلة (ناشيونال جيوغرافيك)، وكانت قد قامت قبل ذلك بقناة فضائية هي ناشيونال جيوغرافيك ــ أبوظبي لا شك أن الإقدام علي ترجمة المجلة يستند إلي إرث عربي قديم، كانت الترجمة فيه عاملا أساسيا لبناء حضارة مؤثرة، وذات إنجازات معرفية انعكست علي الاقتصاد والسياسية والعسكرية، كما أثرت وبشكل ملحوظ علي طريقة التفكير وقراءة الواقع، والتفاعل مع الآخر حتي أنها غيرّت من نظرة الإنسان المسلم للعالم من حوله، دون أن يخل ذلك بضوابط الإيمان، وثبتته أمام المدارس الفلسفية العالمية، وجعلته يطرح رؤي ذات بعد عالمي، لكنها في الوقت ذاته مستوفية لشروط الإيمان.

هكذا إذن يتم الاستناد إلي التراث المعرفي لأمتنا، ونحن نتفاعل مع الآخر في هذه التجربة الوليدة، وأقصد ترجمة مجلة ناشيونال جيوغرافيك إلي العربية.. صحيح أننا تأخرنا كثيرا مقارنة بأمم أخري، لكن المهم ما صرنا إليه اليوم، عبر الوجه الإيجابي للعولمة، فقد أصبحنا ــ نحن العرب ــ من قراء مجلة تصدر بإحدي وثلاثين لغة، بالإضافة إلي الطبعة الإنجليزية، وأيضا سنشكل وعيا حضاريا مع 35 مليون قارئ عبر العالم، وسيكون لنا نصيبنا الخاص في منطقتنا العربية، كما جاء في كلمة المجلة في طبعتها الإنجليزية والتي سطّرها رئيس تحريرها " كاريس جونز"، حيث قال".. جدير بالذّكر أن المعلومات الجديدة والمدهشة التي تزخر بها صفحات المجلة كل شهر، والتي تترجم عن الطبعة الرئيسة الصادرة من مقرنا في واشنطن، سيتم تعزيزها بمواد علميّة تم إنتاجها خصيصا للطبعة العربية، لكن جوهر المجلة يبقي دون تغيير في كل عدد يصدر عبر العالم، ما يجعل ناشيونال جيوغرافيك، بحق المجلة الكونية الوحيدة في العالم بلغات متعددّة" ما ذهب إليه كاريس جونز حقيقة قائمة رأيناها في العدد الأول (أكتوبر 2010)، فقد اختارت الطبعة الإنجليزية (التسرب النفطي في خليج المكسيك) موضوعا للغلاف، في حين حمل الموضوع الرئيس ــ غلاف المجلة ــ في الطبعة العربية عنوان" فزّان.. صحراء الرهبة"والحديث هنا عن منطقة في الصحراء الليبية، ومع ذلك فإن الطبعة العربية، وحسب ما جاء في كلمة رئيس تحريرها "محمد الحمادي" ستركّز في أعدادها الأولي علي ترجمة كل المواد، حيث يقول: ".. لقد قرّرنا أن نقدّم خلال الأشهر الأولي للقارئ العربي نسخة مترجمة بالكامل تقريبا من مجلة (ناشيونال جيوغرافيك)، وذلك لقناعتنا التامة بأن كلّ كلمة في هذه المجلة تستحق القراءة، لأننا نريد أن نستمتع معا بالمقالات والصور الرائعة التي تحتويها المجلة، وبالمقابل نحمل في جعبتنا مجموعة من المقالات والتحقيقات الصحفية من مختلف أنحاء الوطن العربي، قام بكتابتها نخبة من الصحفيين العرب، والتقط الصور مصوّرون محترفون، فالمنطقة العربية مهد الحضارات، وتعجّ بالعجائب والأسرار التي لم يكتمل اكتشافها بعد". غير أن الأمل قائم عند الحمادي مستقبلا، لجهة نشر نسبة عشرين في المئة من مواد المجلة تكون خاصة بالمنطقة العربية، ولهذا اعتبر المجلة مفتوحة لجميع الكتاب والمهتمين شرط التزامهم أسلوب الكتابة في المجلة، وكذلك الصور الميزة الخاصة بها، كما يراهن علي تناول مواضيع من كل الدول العربية دون استثناء، حسب أهمية الموضوع، والأحداث المرتبطة به. من ناحية أخري، فإن ترجمة هذه المجلة يثبت أن الشراكة العربية ــ في كل دولة، مع المؤسسات العلمية، ومنها الجمعية الجغرافية الوطنية في الولايات المتحدة الأمريكية، يمكن أن يؤتي أكله، وإن كان ذلك يتطلب زمنا طويلا، وتطوير المجتمعات وإخراجها من التخلف يقتضي القيام بأعمال مدروسة، وهذه الترجمة خير عن ذلك، لأن الناشر الأمريكي نفسه لم يقبل بالعروض، التي قدمت له من ناشرين عرب بمن فيهم رجال أعمال، واختار شركة أبوظبي للإعلام لتوفرها علي مقومات المنافسة، ومن أهمها ملكيتها لعدد من القنوات التلفزيونية ــ منها قناة ناشيونال جيوغرافيك أبوظبي ــ بالإضافة إلي الإذاعات والمجلات والصحف.

يبقي أن نشير هنا إلي مسألتين، الأولي: إن هناك جهودا واضحة في الإمارات عموما وأبوظبي بوجه خاص، تبذل من أجل إقامة مجتمع متحضر علي أسس علمية، لا يكن للرفاهية، وإنما يهتم بالثقافة، ومن هنا يأتي النشاط المتواصل مثل الترجمة وطباعة الكتب والاهتمام بالفنون، ومواكبة التطورات الحديثة الخاصة بصناعة الكتاب، ودعمه من خلال النشر والجوائز القيمة.

والمسألة الثانية: تتعلق بالعمل الاستراتيجي لـ (أبوظبي) ــ ظاهريا علي الأقل ــ حيث تسعي لنشر الثقافة في الفضاء العربي الواسع، ومن هذه الزاوية يمكن لنا قراءة نشر وترجمة هذه المجلة، إذ بالرغم من صدورها في أبوظبي إلا أنها ستوزع في معظم الدول العربية، مع مراعاة القدرة الشرائية للقارئ العربي، ما يعني بيعها بأقل من سعر التكلفة في بعض الدول العربية، وفي هذا تضحية ومساهمة في الوعي العربي العام وإذا تحقق هذا الهدف فستكون النتيجة النهائية المحافظة علي الأمن القومي العربي.

كاتب وصحفي جزائري
 
المصدر : صحيفة الزمان
 
--------------------------------
فزان صحراء الرهبة...امواج الرمال تحيط واحة الغموض والاسرار



كان هدا هو العنوان الرئيسي للعدد الاول باللغة العربية لغلاف مجلة "‬ناشيونال جيوغرافيك*" ‬المطبوعة العلمية الأكثر انتشاراً ‬بين المهتمين بالشؤون العلمية والسفر والسياحة، والحديث هنا ‬عن صحراء فزان الليبية، ‬أعده الصحفي " ‬تشارلز بودين"‬، ‬الذي ‬قام بجولة وسط معالمها الأكثر شهرة، ‬مشيراً ‬إلى أن تلك المعالم الطبيعية النادرة المثال،‬والمغطاة اليوم بكثبان من الرمال، ‬وتذروهاالرياح، ‬والسماء الزرقاء الممتدة إلى مالانهاية، ‬وبصورة أخرى فإننا ننبهر بوجهات النظر المعبرة عن المكان، ‬ولكن لا نستطيع أن نلاحظ أنها واحدة من أفضل المواقع على سطح الأرض الحاضنة لسجل تطورات الحياة في ‬الماضي، ‬وهي ‬ماتزال على قيد الحياة، ‬فالصخور، ‬والحرارة، ‬والرياح الجافة، ‬تهمس لنا عن تاريخ الهزات المتكررة لتغير المناخ وتقدم وتراجع الإنسانية، ‬فمن خلال إطلالة نادرة على منطقة فزان البعيدة ‬، ‬حيث ازدهرت المجتمعات القديمة، ‬وطافت الأنهار، ‬لتخبرنا آثارها على من ذهب ورجع. ‬ " ‬الكنز الحقيقي "‬ في ‬فقرة أخرى ‬يصف التقرير عالم الآثار الانجليزي ‬من جامعة "‬ليستر" ‬البرفيسور "‬ديفيد ماتنجللي" ‬الذي ‬يرأس فريقا ‬من العلماء، ‬ويقوم بأبحاثه العلمية منذ ‬30 عاماً ‬بمنطقة فزان، ‬بأنه "‬المتعبد في ‬دروب الصحراء*"‬، ‬مضيفاً ‬أن دراسات وأبحاث "‬ماتينجللي" ‬أطلقت طريقة جديدة لرؤية هذه الصحراء، ‬تقودنا إلى تتبع عصور ما قبل التاريخ. ‬والاقتراب أكثر من البشر الذين ‬يستخدمون العربات المجرورة بأربع عجلات للتنقل عبردروب ومسارات الصحراء، ‬و قهروا الكثبان العالية، ‬في ‬الجزء الجنوبي ‬الغربي ‬من ليبيا، ‬وهي ‬منطقة فزان، "‬القلب النابض للصحراء"‬، ‬حسب وصف التقرير، ‬وبحار الرمال، ‬والوديان والجبال والسهول والواحات، ‬وتلك الحضارات المتخفية والتي ‬ظلت الأكثر ‬غموضاً، ‬خلال الفترة ‬من500 قبل الميلاد ‬– 500 ميلادي.‬ ويوضح التقرير أن كثيرين اجتذبتهم الصحراء، ‬وأصبحوا مدمنين إن جاز التعبير على البحث بين ثناياها، ‬حيث ‬يرى السواد الأعظم فيها الأراضي ‬البور، ‬بينما ‬يجد آخرون الوضوح بكامل تفاصيله، ‬الذين من أبرزهم الرحالة والمستكشف الأسكتلندي " ‬هيو كالبيرتون"‬، ‬الذي ‬طاف بالمنطقة مابين ‬1822 – 1825. آلة الزمن ‬ هذه هي الصحراء .. ‬عوالم من الرهبة.. ‬بحر من كثبان الرمال التي ‬تغطي ‬نسبة ‬20 بالمائة من مساحتها وأكوام الحجارة المبعثرة في ‬كل مكان .. ‬وأشعة الشمس التي ‬لاترحم.. ‬وسط الأراضي ‬الليبية التي ‬تعادل مساحتها حجم إيطاليا، ‬وفرنسا، ‬وإسبانيا، ‬وألمانيا مجتمعة، ‬وتغطي ‬الصحراء نحو خمسة وتسعين في ‬المائة من أراضي ‬ليبيا ‬يقدر نحو ‬20 في ‬المائة منها الكثبان الرملية.. ‬و ‬يقول التقرير "‬ما علينا سوى أن نتسلح بقوة فهم حقيقية، ‬وأن ندير ظهورنا للبحر صوب الجنوب، ‬إلى فزان للكشف عن تاريخ ‬يتربع على صفحات آلاف السنين من الحياة التي ‬تكافح ضد التغيير، ‬وتحديات البشر في ‬التكيف مع بيئة معادية.. ‬فنحن المعاصرين قد قبلنا على مضض أن الماضي ‬هو سجل للتحولات في ‬المناخ، ‬والهجرات الكبيرة، ‬وصعود وسقوط الدول، ‬بعد أن تصرفنا كما لو كان لدينا الفصل الأخير من رحلة الحياة.. ‬ولكن في ‬الصحراء حكاية طويلة جداً ‬يواجهها أي ‬زائر، ‬تذكيراً ‬بأن هذا الفصل الحالي ‬جزء من الرحلة، ‬بل ويتعدى الأمر ‬ذلك إلى أن الصحراء آلة الزمن وهي ‬تحاكي ‬التاريخ بكامل فصوله وأحداثه، ‬فالممرات الطبيعية المرسومة على صفحات الصحراء، ‬ربما قد كانت واحدة من المسارات التي ‬سار عليها أسلافنا عند مغادرتهم في ‬الجزء الشرقي ‬من القارة إلى بقية العالم، ‬فالعلماء ‬يعتقدون منذ فترة طويلة أن البشر في ‬وقت مبكر توسعوا في ‬الانتشار خارج أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، ‬وفي ‬أوراسيا عن طريق الهجرة سواء على طول مسار نهر النيل وعبر سيناء أو عبر البحر الأحمر، ‬بينما الآن تتشكل فكرة أخرى ويجري ‬حالياً ‬استكشاف حقائقها التي ‬تقول : " ‬إن صحراء فزان قد تكون جزءاً ‬من الممر الطويل للهجرات الأولى من القارة الأفريقية إلى شواطئ البحر المتوسط" .



‬ وفي ‬فصل آخر ‬يتكشف في ‬أراضي ‬الصحراء أسرار ومراحل تغير المناخ، ‬حيث ‬يشير التقرير إلى أن صفحات الصحراء تحمل دلائل قوية على أوقات الجفاف وتقلص البحيرات والنباتات، ‬واكتسائها من جديد ببساط من الخضرة، ‬وامتلاء البحيرات وتحولت أجزاء واسعة من أراضيها إلى السافانا، ‬تنتشر وسطها المجتمعات البشرية، ‬ويختتم هذا الفصل ‬بالازدهار، ‬والجفاف، ‬والتقلص، ‬والانهيار، ‬ولعل من أبرز شواهد تلك المراحل، ‬شواهد بحيرة فزان الكبرى، ‬التي ‬تعادل مساحتها حجم انكلترا، ‬وسادت هنا قبل حوالي ‬200.000 سنة مضت، ‬عندما كانت الأمطار الوفيرة ‬، ‬والقنوات القديمة منتشرة،وتشهد عليها مجاري ‬الأنهار في ‬وسط الصحراء، ‬الأمر الذي ‬أكدته الدراسات باستخدام الصور الرادارية التي ‬التقطت من الفضاء، ‬ومكنت العلماء من رسم خريطة لمسارات طرق الهجرات عبر الصحراء.‬ مضخة جنوب الصحراء تعزز الاكتشافات الأثرية، ‬والأدوات الحجرية من رؤوس سهام ‬، ‬والمواقد، ‬والقبور، ‬المنتشرة على مساحات واسعة من أراضي ‬الصحراء وغيرها من الدلائل على ظهور الإنسان وسط صحراء فزان منذ عصور سحيقة، ‬وأقرب المؤشرات تدلّ ‬على ظهور الصيادين ‬، ‬وجامعي ‬الثمار، ‬وسط مشاهد من السافانا منذ نحو ‬130 ألف سنة مضت، ‬وبدأ التراجع ‬يسجل حضوره منذ ‬70.000سنة، ‬بعد بروز موجة جفاف، ‬ولكن بعد سقوط الامطارعاد وانتقل الناس فيها مرة أخرى، ‬و هذه العودة ذهاباً ‬وإياباً ‬من الهجرات نستطيع أن نطلق عليها "‬مضخة جنوب الصحراء"‬، ‬وهي ‬تمثل حركة الناس من شمال إفريقيا وإليه، ‬ونحت الإنسان على صخور الصحراء جزءاً ‬من ذكريات الصحراء، ‬تمثلها لنا المخلوقات التي ‬تعتمد على كميات كبيرة من المياه في ‬عيشها مثل الأسود والفيلة ووحيد القرن، ‬وأثناء المرحلة الأخيرة من العصر الرطيب قبل نحو ‬5000 سنة، ‬توقفت الأمطار، ‬واختفت البحيرات، ‬واستحوذ مظهر الصحراء الحالي ‬على كامل المشهد، ‬بقي ‬الإنسان ‬يدون مختلف المراحل، ‬على صخورها المتناثرة على حواف الأنهار، ‬التي ‬توثق تطورات الحياة البشرية، ‬من مرحلة الصيد والالتقاط، ‬إلى تربية المواشي، ‬وصعود البشرية والانتقال من المجتمع البدائي ‬إلى بناء المدن، ‬والاستقرار والزراعة، ‬وصولا إلى بداية نشوء الحضارة الجرمنتية التي ‬سيطرت على كامل فضاءات الصحراء في ‬مناخ ‬يشبه إلى حد كبير الصحراء الكبرى اليوم، ‬وشيدوا أنظمة الري ‬المتطور الذي ‬سمح لهم بزراعة القمح والشعير والذرة البيضاء وأشجار النخيل والزيتون، ‬ويختتم التقرير فصوله بالوصول إلى حقيقة مفادها أنه من الواضح أن الفصل الأخير من فزان حتى الآن مكتوب وموثق بصورة متكاملة، ‬في ‬انتظار المزيد من الكشوف والأبحاث، ‬للتتبع واستكمال الصورة
 
المصدر