الاثنين، 29 نوفمبر، 2010

- قرى وقبائل ليبية تشكو التهميش

d8a7d984d981d982d987d8a723

d8a7d984d981d982d987d8a7-11

واحة ( الفقها )

ما يميز واحة الفقهاء الواقعة في قلب الصحراء الليبية اضافة الى كونها نقطة تواصل القوافل عبر وسط افريقيا قديما ، هي القرية القديمة التي مازالت كما هي عليه ، وقد بنيت على شكل شعاع مصدره الجامع العتيق شأنها شأن قرى الصحراء الليبية . هذه القرية التي يوجد بها اثر لقصر قديم يرى البعض نسبته الى العهد الروماني ، بينما يميل الكثيرون الى ترجيح الراى القائل بنسبتة إلي الجر منت أو احد زعامات القبائل التي قطنت منطقة الفقهاء .. ايضا العيون المائية التي تنبع من بطون الجبال المجاورة.

من بين النصائح التي قدمها فريق العمل الميداني الليبي الالماني خلال جولته الاستطلاعية للواحة بتاريخ 8 / 9 / 2007 . ضمن مشروع توثيق طرق القوافل في الأراضي الليبية . والمكون من أ. د. محمـــد علي الأعور أ. د.عماد الدين غانم ، الباحث نور الدين مصطفي الثني ، الباحث محمد حسين التركي عن الجانب الليبي و. د. كلاوس براون ، والباحثة جاكلين باسون عن جامعة فرابيورغ الألمانية التي ترتبط مع مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية باتفاق تعاون .. تقول التوصية : ” أن الحفاظ على القرية وصيانة العيون والحرص على أن لا تغور مياهها كل ذلك يزيد من فرص تنشيط السياحة في هذه المنطقة الأخاده ” .

الواحة ايضا تمثل احدى مداخل منطقة ” الهاروج الاسود ” ويمثل الهروج الأسود ظاهرة أخرى من الظواهر الطبيعية الجذابة لما يتمتع به من تنوع في صخوره البركانية وتضاريسه المتجعدة ، وهو يشكل أوسع رقعة تغطيها البراكين الخامدة في أفريقيا، ويقع الهروج الأسود في وسط ليبيا ويمكن الوصول إليه من عدة مناطق اخرى ، هي واحة زلة في الشمال ، وواحة تمسة من الجنوب الغربي.

ويبدو أن الهاروج كان مرتعا للحيوانات المتوحشة والأليفة التي كانت تعيش عند البحيرات والمجاري المائية في عصور ما قبل التاريخ حيث تم اكتشاف مواقع لرسومات محفورة على الصخر لحيوانات كالأسد والفيل والزرافة، مع وجود مواقع كثيرة لصناعة أدوات حجرية حادة ترجع للعصر الحجري الحديث والقديم عند وادي الجداري ووادي الشديدة شمالي الهروج وبالتحديد شمال القور السبعة .

واحة ( الفقها ) من بين اقدم مواطن قبيلة الزيادين بليبيا .. سكانها اليوم جميعهم من آل زيدان ، ولم يبقى من قبيلة رفيق الجد ( رياح – جد قبيلة رياح القاطنة الجفرة) سوى عائلة واحدة .

كان يمكن لمنطقة الفقها القابعة بطن الهاروج والصحراء ان تشكل نقطة تواصل في براح صحراوي ممتد كما كانت بالامس ، فهي رغم انعدام الطرق المعبدة التي يمكن لها ان تبعث الحياة بها ، لا تزال ترتبط عبر طرق برية بالمناطق الموازية لها ، تتواصل عبرها بمنطقة زلة شمالا على مسافة تبلغ حوالي 80 كم ، وزله هي ايضا احدى مواطن تواجد الزيادين ، وبها عدد لا بأس به من الاسر التي تنتمي للقبيلة ، ولا تختلف عنها في تجسيد صورة البؤس والفقر وانغلاق السبل . فهي ايضا على شاكلة الفقها منطقة نائية لا يصلها سوى طريق بري معبد واحد يمتد الى ما يقارب 180 كم ويربطها بمنطقة ودان . اسوة بالفقها التي ترتبط هي الاخرى بطريق معبد واحد يصلها بالطريق الرئيسي الرابط للشمال بالجنوب – اى طريق سبها ابوقرين – وعلى مسافة تمتد الى 120 كم شرقا .. تشكل الفقها فيه نقطة التوقف ونهاية الطريق .. وقد تم انجازه مؤخرا بعد تكرار حالات الضياع وفقدان ارواح القاصدين اليها برا ممن تعترث بهم وسائل التنقل ، او غابت عنهم علامات الارشاد عبر طريق بري وعر .

كما انها لا تزال على حالة تواصل برا مع واحة تمسة جنوبا وعلى مسافة تصل الى 120 كم .. بينما يحتاج القاصدين من الفقها لغرض التواصل مع ابناء عمومتهم في تمسة قطع مسافة تزيد عن 530 كم عبر الطريق المعبد الوحيد .

عندما تزور الفقها اليوم تجد الجميع في انتظارك ، لقلة ما ألفوا مرور زوار جدد للمكان .. ولعلك لا تحتاج الى من يرشدك للواقع الاقتصادي المزري الذي يعيشه هؤلاء في ذاك المنقطع البعيد .. فالوجوه الشاحبة للاطفال والكبار تجيب على جميع تساؤلاتك .

وبالرغم من ان الدولة مدركة لحالة البؤس التي يعيشها السكان والتي لا تسمح لهم بالمغامرة والخروج الى واقع ارحب ، ومدركة ايضا لعدم صلاحية الارض او التربة هناك للزراعة في مقابل شح الماء ووجود بئر واحد لأرتواء الساكنة وسد القليل من حاجتهم للشرب والاستخدام المنزلي وقد نضب رشح العيون المائية ، إلا ان احد لم يجرؤ على النظر في حال اولئك البشر المنقطعين عن العالم الخارجي

شعور اهلها بالتهميش ووقوعهم خارج دائرة الزمن والتاريخ ، في منطقة نائية ، مع ادراك الدولة لمأساتهم وعدم الاكتراث بمعاناتهم . ينقله لنا ابناءها .

عادل الزيداني احد ابناء القبيلة القاطنة للواحة يقول :

لعله من غير المناسب في عصر الانسنة ان يتحدث المرء من منطلقات قبلية .. وان يعتمد منطق القبيلة لمخاطبة الآخر .. لكنه كما يقال الضرورات تبيح المحظورات .. الآخر الذي نخاطبه ، والقوالب الجاهزة التي تؤسس عليها مفاصل السياسة في بلادنا تعتمد وبشكل اساسي العنصر القبلي .. وانا هنا اذ اشكو التهميش لا ارى من سبب رئيسي ابتلاني بما انا به سوى القبيلة التي قدر لي ان اكون من صلبها او انتمي اليها .

احميد محمد الزيداني . يقول :

اقدم مواطن استوطنها الزيادين بليبيا ولا زالوا بها الى غاية اليوم هي واحات : اوجله .. الفقها .. تمسه .. الزيغن .. زلة .. ترهونة .. العربان .. وهم اليوم موزعين على معظم انحاء ليبيا .. ولعل ابرز تجمعات لهم بالاضافة الى ما سبق ذكره تتواجد بمناطق : مدينة سبها .. منطقة الجفرة .. اجدابيا .. بنغازي .. طرابلس.. المرج .. مصراته .. بني وليد .. زليتن .. القراية .. اوباري .. القطرون .. بالاضافة الى اسر هنا وهناك ..

مأساة اهلي حقا اصبحت مرهقة .. اثآر التهميش .. مأساة ليبيا . ولا زلنا ننتظر .. عسى ان تمتد يد المصافحة ذات يوم للاقليات المنبوذة والينا .

عبدالله الزيداني . يقول :

اشعر ان اهلي يعانون التهميش ويصنفون كاقليات .. الفقر والعوز والمرض والجهل ينهش مواطنهم ويقطع الطريق امام الاجيال القادمة .. انها المأساة .. انهم صورة لغيرهم من المستبعدين وفاقدي المواطنة في دولة ليبيا النفطية .. وعدد الزيادين ليس بالقليل ، ناهيك عن انهم امتداد لقبائل اخري عدة تربطهم بها قواسم خاصة .. بل وبكل اهل ليبيا

احميد محمد الزيداني . يقول :

ليس بالامكان الحديث عن الديمقراطية وتداول السلطة في اوطان العرب عموما ، وبالتالي فحالة ليبيا لا تشكل استثناء .. اذ القبيلة تحكم مفاصل اللعبة السياسية ، وفي المقابل ولعله العنصر الاهم اعلان الولاء للسلطة الحاكمة .. وبالرغم من ان الزيادين الذين تعايشوا مع اهلهم واخوانهم من القذاذفة بالذات ، حكام ليبيا اليوم ، كانوا حريصين على استمرار تلك العلاقة الودية . إلا ان تلك العلاقة التاريخية الحميمة لا تلقى اى اعتبار لدى اصحاب القرار السياسي والمتحكمين منهم في عملية الفرز والاختيار .

ربما لكون الزيادين لم يشكلوا ذات يوم وجهة معارضة إلا فيما نذر ، وكانت حالات فردية . ففي الآونة الاخيرة ظهر واضحا اهتمام الدولة بمراضاة من شكلوا حالة معارضة في السابق ، وبالذات ممن انضموا لصفوف المعارضة بالخارج .. وبات واضحا ايضا ان المتحكمين في مفاصل الدولة لا يكترثون بمن تآلف مع الامور المريبة رغم شعوره بالتهميش والنبذ .. وهذا هو عينه ما جعل من قبيلة الزيادين تعيش التهميش في الحالتين .. فخيار عدم مواجهة جهابدة السلطة تحول الى وبال ينهش مستقبل الاجيال الصاعدة ، هذا هو ما يؤلمنا وما نود بيانه

محمد زيدان . يقول :

اذا كانت سبها التي يقطنها اكثر من 350 اسرة من قبيلة الزيادين لا يوجد بها مسؤول واحد من ابناء القبيلة ، وكذلك على مستوى الجماهيرية لم يحدث قط . فهل نتوقع ان ينظر الينا احد ذات يوم .. ربما .

الفيديو ادناه لواحة الزيغن اكتوبر 2010 .. احدى مواطن تمركز الزيادين بصحراء الجنوب .

اضغط هنا

عبدالقادر الفيتوري

الأحد، 28 نوفمبر، 2010

- مدينة مرزق القديمة - الواقع والتاريخ




أ . منصور السنوسي حمادي
د. أحميد محمد ساسي
قسم الجغرافيا – جامعة سبها


نشأة المدينة :
تضاربت الآراء والروايات حول تاريخ نشأة مدينة مرزق كما أشار إلي ذلك كثير من الرحالة الباحثين ويعزي ذلك إلى عدم احتفاظ المدينة بشواهد أثرية وذلك لعدم متانة هندستها العمرانية ، أو سجلات مدونة تحدد تاريخ نشأتها ، علي الرغم من قدم الاستيطان بها .
وترجح أغلب الآراء أن تأسيس مدينة مرزق القديمة ، التي تبدو أطلالها بارزة إلى العيان حتى الوقت الحاضر ، جاء علي يد أولاد محمد الذين وصلوا إلى السلطة في فزان في نهاية القرن الخامس عشر وأصبحت مرزق العاصمة السياسية لدولة أولاد محمد في عهد المنتصر بن محمد الفاسي في سنة 1577 ف (2) حيث بنى قصبة مرزق ( القلعة ) الحصينة التي اتخذها مقرا للإدارة والسكن .

ونرى أن الظروف الطبيعية للمنطقة من حيث وفرة المياه الجوفية وصلاحية التربة للزراعة قد ساعدت علي انتشار المزارع ونمو غابات النخيل مما جعل الزراعة الحرفة الأساسية للسكان قديماً . كما أن موقعها في المنطقة الوسطي من حوض مرزق ، الذي يشتمل علي سلسلة من الأودية التي يتصل بعضها ببعض حيث يمتد وادي عتبة في الاتجاه الغربي منها متصلاً بوادي الحياة ( الآجال ) سابقاً وفي الشرق تقع الشرقيات التي تضم أم الأرانب وزويلة وفي الجنوب الشرقي وادي الحكمة ، إضافة إلى موقعها المميز بين بحيرة تشاد جنوباً وسواحل البحر المتوسط شمالاً ، مما جعل أولاد محمد يختارونها عاصمة لملكهم .

مورفولوجية المدينة القديمة :-
يقصد بالمدينة تلك المباني التي يحيط بها السور القديم بما فيها القلعة التي يتداخل جزء من سورها مع السور القديم في الجهة الشمالية الغربية للمدينة ، وتأخذ المدينة في مجملها شكلا بيضويا وتقسم إلى أحياء سكنية وإدارية ومناطق خدمية .

الســـــور :
كان يحيط بالمدينة سور من جميع جهاتها ويشير بعض الرحالة إلى أن ارتفاعه في المتوسط يتراوح بين 3 إلى 6 أمتار ويتسع عرضه عند الأساسات ويأخذ في الضيق حتى يصل 20 سم تقريباً في أعلاه ويذكر أن الجهة الجنوبية أقل جهاته ارتفاعاً حيث لا يتجاوز المترين نظراً لوجود المستنقعات التي ربما كانت توفر حماية لهذا السور .
يلاحظ من الرسوم التخطيطية التي وضعها الرحالة أن السور كان اكثر امتدادا ناحية الجنوب وبسبب انتشار المستنقعات في حي الرأس هجر هذا الحي وتم بناء سور آخر إلى شمال السور القديم تفاديا لهذه المستنقعات ( انظر شكل 2 ) .
هذا وتتباين الروايات حول عدد أبواب السور ولكنها تكاد تجمع علي أن عدد الأبواب الرئيسة ثلاثة أبواب تنتاقل الأجيال أسماءها ، وهي الباب الشرقي ( الباب الكبير ) وباب الخير في الجهة الشمالية وباب المغمغم في الجهة الغربية (3) ويبد أن هناك أبواباً فرعية صغيرة يستغلها السكان في الدخول والخروج من المدينة مما جعل بعض الرحالة يعتقد أن للمدينة سبعة أبواب.
وتتكون مادة بناء السور من المواد المحلية المتوفرة في البيئة المتمثلة في الترسبات الملحية التي تتكون في الأسباخ التي يطلق عليها محلياً اسم الفردغ *وذلك لعدم توفر الأحجار بالمنطقة ونظراً للوظيفة الدفاعية للسور فقد زود بأربعة أبراج للمراقبة التي وصفها بعض الرحالة بأنها مربعة الشكل يبلغ طول ضلعها نحو 30 قدماً وقد نصبت في هذه الأبراج المدافع لحماية المدينة من الاعتداء كما يشير إلى ذلك الرحالة الألماني رولفس (4)
ومما يجدر الإشارة إليه أن السور في الوقت الحاضر لم يبق منه إلا بعض المعالم البسيطة التي توضح مساره نتيجة للعوامل الطبيعية والهدم ( صورة رقم 1)

الشــــــــــوارع :
تشير الرسوم التخطيطية التي وضعها بعض الرحالة الذين زاروا مدينة مرزق خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر إلى وجود شارع رئيس واحد يمتد من الشرق إلى الغرب ويقسم المدينة إلى قسمين ويطلق عليه شارع الحميدة ** المعروف بشارع الدندل*** ويصل هذا الشارع بين الباب الشرقي أو الباب الكبير وبين القلعة ويعد شريان الحياة في العهد العثماني حيث توجد في بدايته نقطة للجمارك وعلى يمين الشارع المخفر الرئيس ومنزل القائمقام ومقر القنصلية الإنجليزية وبعدها يستمر الشارع محفوفاً بالحوانيت الصغيرة المبنية من الطين أو الخشب وهي تمثل منطقة السوق إلى ينتهي في ميدان مكشوف كما أشار إلى ذلك ( رولفس ) (5) ويوضح الشكل رقم (2) تفرعات جانبية ضيقة ومنحنية تخرج من الشارع الرئيس تؤدي إلى الأحياء السكنية .

الأحياء السكنية :
سبقت الإشارة إلى أن الشارع الرئيس للمدينة يقسم الأحياء السكنية إلى قسمين وهما حي النزلة وحي الزوية ويبدو أن حي الزوية هو الأقدم حيث أن تأسيس حي النزلة جاء مع هجرة السكان من حي الرأس في الجنوب بسبب انتشار المستنقعات ومع تطور المدينة أيضاً .
ونظراً لأهمية المدينة التجارية فقد استقطبت العديد من العائلات الليبية من مناطق مختلفة مثل هون وسوكنة وأوجلة (6) وزويلة ومناطق أخري بالإضافة إلى سكان مرزق القدامى وقد استوطنت هذه العائلات المدينة وامتهنت حرفة التجارة والوظائف الإدارية وكانت تقطن داخل سور المدينة . أما التجمعات السكانية خارج سور المدينة فكانت بالمزارع المحيطة بها وبعض القرى القريبة لتشكل ظهيراً زراعيا يمد المدينة باحتياجاتها الحياتية .

البيـــــــــوت :
علي الرغم من اختلاف الطبقات الاجتماعية لسكان المدينة من حيث الثراء والمكانة الاجتماعية فإن البيت المرزقاوي القديم كانت وظيفته الإيوائية والاجتماعية بارزة في تصميمه وعلي الرغم من اختلاف مساحات المساكن إلا أنها تتقارب في التصميم وتتوحد في مادة البناء ويتكون النمط التقليدي لخريطة البيت المرزقاوي من الحجرات والمرافق كما يوضحها الشكل رقم (3) ، ويتزايد أو يتناقص عدد الحجرات حسب الحالة الاقتصادية لحالة مالك البيت .
وتتكون بعض البيوت من طابقين أو دورين، حيث يخصص الدور العلوي لسكن أفراد الأسرة والدور الأرضي سكنا للرقيق ومخزناً للبضائع والمرافق الأخرى (7)
أما أغلب البيوت فتتكون من طابق واحد ، وتتميز مساكن الطبقة الفقيرة ببساطة بنائها حيث تتسم أبوابها بمحدودية الارتفاع وقلة منافذ دخول الضوء إليها أما بعض المنازل الكبيرة لطبقة الإثرياء فأبوابها الخارجية واسعة مما يمكن جملاً محملاً من الدخول إلى السقيفة* (8) .
ويلاحظ في تصميم المنازل تأثير العوامل المناخية على هذا التصميم وذلك باتجاه أغلب مـــــداخل البيوت وحجراتها ناحية الشمال تفادياً لرياح القبلي ولاستقبال رياح الشمال ( البحري ) الباردة صيفاً .

أما مادة البناء فقد حددتها ظروف البيئة الطبيعية وذلك لندرة المحاجر القريبة من المنطقة فكانت المساكن تبني من مادتي الفردغ والقالب**، وتتم طريقة بناء أساسات الجدران بوضع طبقة من الحجارة الصغيرة لأنها أكثر مقاومة للرطوبة ، وتجمع تلك الحجارة من الأماكن القريبة وتنقل على الدواب لمواقع البناء ، ثم توضع قطع الفردغ أو القالب بطريقة متناسقة لبناء الجدران . وبالرغم من أن البناء بالقالب يعطي الجدران أكثر استقامة أكثر مما يعطي البناء بالفردغ الذي يتميز بنتوئاته البارزة إلا أن البناء بالفردغ أكثر انتشاراً . من البناء بالقالب وتعطي الجدران بطبقة من الطين وتطلى بمادة ترابية يميل لونها إلى البياض وتخلط بالماء وتسمي محلياً البافا ويلاحـــظ علي جدران البيوت أن أساساتها تتميز بالاتساع ثم تأخذ بالضيق كلما ارتفع البناء إلى أعلي . وتفادياً للتشقق والانهيار تدعم الجدران الخارجية للبيت بحوائط جانبية قليلة الارتفاع تعرف بالتبغيل.

وتعتمد أسقف البيوت علي الخامات المتوفرة محليا من أشجار النخيل ونبات القصبة ، وفي حالة الحجرات المتسعة يتم وضع قنطرة من جذوع النخيل بين الجدارين مدعومة بعرصة في منتصف المسافة وهي جذع نخلة متثبت بالأرض لتستند عليه القنطرة تفاديا للسقوط أو الانكسار ثم يرتب فوق القنطرة عدد من قطع جذوع شجرة النخيل متساوية الطول والأبعاد ، ثم يصف علي هذه الجذوع أعواد القصب أو جريد النخيل وتضم هذه الأعواد إلى بعضها البعض بحبال رقيقة من ألياف النخيل وتصبح كالحصير المحبوك ، وتغطي هذه الأعواد بطبقة من سعف النخيل تعلوها طبقة من الطين تخلط بالتبن أحيانا لزيادة مقاومتها لتساقط الأمطار.

أما النوافذ في المنازل فهي فتحات للتهوية والإضاءة وللخصوصية تطل علي الساحات الداخلية للمسكن ولا تطل علي الشوارع أو الأزقة . أما في حالة المساكن ذات الدورين فإن نوافذ الطابق العلوي تطل علي الشوارع والأزقة ، صورة رقم (2) ولوحظ أن أجنحة النوافذ وأقفاصها في عهد الإدارة العثمانية تصنع من خشب الصناديق التي يأتي بها التجار من طرابلس . وكل الأبواب والنوافذ مطلية باللون الأخضر الداكن ، كما أدخلت الشبابيك الحديدية التي لا تري في مناطق أخرى من فزان (9)

أما الأبواب فإنها تصنع من جذوع أشجار النخيل التي يتم تسويتها وتنظيمها وربط أجزائها بسيور من جلود الإبل.

القلعـــــــة :
وهي من المعالم الأثرية بالمدينة القديمة التي لا تزال قائمة بالرغم من إصابتها بالشقوق والتصدعات ، وتقع بالطرف الغربي للمدينة عند نهاية شارع الدندل ويوجد فيها مقر الحكم وقصر السلطان في عهد دولة أولاد محمد وهي في ركن بعيد عن باقي المدينة ويحيط بها سور يفصلها عن بيوت السكان ويعد خط الدفاع الثاني بعد السور الذي يحيط بالمدينة ويصفها ( عبد القادر جامي ) في عهد الإدارة العثمانية أنه عند الدخول إليها من الباب الرئيس ( باب الشريعة ) في الجهة الشرقية صورة ( 9 ، 10 ) حيث يوجد مقر القضاء ، يوجد المعسكر والمطحن والفرن والجامع الكبير ، وفي الوسط ميدان صغير يوجد في منتهاه قصر الحكم ، صورة (11) الذي يبلغ ارتفاعه 12 متراً تقريباً ويتكون من ثلاثة طوابق ، الطابق الأرضي مملوء بالتراب وبما أن ارتفاع المبني عال بالنسبة لوسائط الإنشاء في فزان فقد دعمت جدرانه وأركانه وزيد في عرض الأساسات إلى نحو متر ونصف انظر سورة (12) ويصعد إلى مقر الحكم بسلم ارتفاعه متران ، وعند الدخول من الباب والمرور عبر دهليز طويلة أربعة أمتار تقريباً توجد ساحة صغيرة تطل عليها كل نوافذ القصر وأبوابه ، وبعد السير في ممر مسقوف على أعمدة من جذوع النخل تشاهد مقام المتصرف والمجلس الإداري والمحاسبة وغيرها من المكاتب الحكومية . ويمثل الطابق الثالث أعلى برج في القلعة حيث ترتكز سارية العلم ، ويمكن مشاهدة مدينة مرزق وما يحيط بها من بساتين وأراض(10) .

الســــــــــــوق :
انفردت مدينة مرزق دون سائر مدن فزان بأنها تعد مركز العمران الحضري وكان السوق يعد أحد المعالم الحضرية بالمدينة . ويميزه شارع الدندل الذي يعد أطول شوارع المدينة و أكثرها اتساعا ، يمتد من الشرق إلى الغرب ويقسم المدينة قسمين ، قد اصطفت الحوانيت علي جانبيه ويتركز السوق ذو الأقواس المميزة في المنطقة الوسطي منه منتهيا بمنطقة الحميدة .
ويبدو أن الحركة التجارية لهذا السوق تتذبذب وفق الظروف الاقتصادية التي مرت بها المدينة اعتباراً من فترة حكم أولاد محمد إلى العهد العمثاني ، ففي عهد ازدهار التجارة مع برنو و واداي تشير الروايات المتواترة أن هذه السوق كان يزخر من أوله آخره بقوافل التجار .
وبالرغم من أن حركة التجارة بسوق مرزق مستمرة طوال العام إلا أن ذروة ازدهارها تمتد في الفترة من شهر التمور ( اكتوبر ) إلى شهر النوار ( فبراير )
حيث تغدو مرزق سوقاً عظيمة وملتقى لمختلف القوافل القادمة من القاهرة وبنغازي وطرابلس وغدامس وتوات والسودان بالإضافة إلى حركة التجارة الداخلية من المناطق المجاورة (11)
ويبدو أن ازدهار السوق خلال الفترة المشار إليها قد تحكمت فيه ظروف البيئة بتفادي تجار القوافل السفر خلال أشهر الصيف بسبب ارتفاع درجة الحرارة .

أما عن حركة السوق اليومية فيبدو أنها مقسمة إلى فترتين : الفترة الأولي وتبدأ منذ الصباح الباكر وحتى فترة الظهيرة وتتركز في الجهة الغريبة من شارع الحميدة وفي الفترة المسائية تنتقل الحركة إلى سوق النساء في منطقة الباب الكبير .
ونظراً لاتساع مساهمة المرأة العاملة في النشاط الاقتصادي في منطقة السوق جعل النساء يفكرن في حماية أنفسهن والدفاع عن حقوقهن عن طريق استخدام نوع من الإضراب عن البيع في السوق بما يسمي ( النو )* الذي يؤدي أحياناً إلى تعطيل سوق النساء عن النشاط لمدة يوم أو يومين أو ساعات ويبدأ الإضراب عندما تطلق المرأة المظلومة زغرودة طويلة مميزة تسمعها ( شيخة النسوان ) فتقوم الشيخة بدعوة جميع النسوة بمنطقة السوق بزغرودة خاصة معينة تستجيب لها كل نساء السوق فيتعطل العمل ويمتنعن عن الأكل والشرب ويغنين أغاني خاصة بالنو .
وبما أن تعطيل العمل في السوق والبساتين له خطره علي اقتصاد المدينة ، يبادر بعض الرجال بالتوسط في حل هذه الأزمة وفي حالة تعذر الوصول إلى حل تتدخل الجهات المسئولة بالمدينة المشكلة بما يرضي نساء السوق .

من خلال استعراض أهم السلع المتداولة في السوق في نهاية العقد الثاني من القرن التاسع عشر نجد أنها تتمثل في الخرز بجميع أنواعه ، والمرجان ، والأقمشة الحريرية والقدور النحاسية ، المرايا ، البسيط ، البرانيس الخيول ، الأساور الزجاجية ، البارود (13) بالإضافة إلى ريش النعام ، الذهب ، الطيب ، جلود النمور ، الطرابيش الحمراء ، ومن خلال استعراض هذه السلع يتضح لنا أنها لا تنتج محلياً مما يدل علي أن مرزق القديمة كانت تمارس تجارة العبور ، أما الإنتاج المحلي فيتمثل في المنتجات الزراعية بالمنطقة كالتمور والحبوب والخضراوات وبعض الصناعات اليدوية المحلية مثل أدوات الإنتـــاج الزراعي والأثـــاث المنزلي البسيط وأدوات الزينة والملابس والأحذية .

الأهمية الاقتصادية :
يتمثل تجارة العبور محور اقتصاد مدينة مرزق ومصدر عائداتها، حيث كانت المدينة مركزاً لتجمع السلع المدارية الإفريقية وكذلك البضائع الواردة من مناطق الشمال ذات المنشأ الأوربي عن طريق طرابلس والأسيوية عن طريق مصر، وبهذا نستنتج أن النمو الاقتصادي لمدينة مرزق القديمة لم يكن مرتكزاً على مقومات اقتصادية محلية وإنما كان اعتمادها علي تجارة العبور ومن ثم كانت وظيفتها تأمين سلامة طرق القوافل وتزويدها بما تحتاجه من مؤن.

طرق القوافل الداخلية والخارجية :
ارتبطت مرزق بعدد من طرق القوافل الداخلية مع المناطق الليبية المجاورة إضافة لطرق القوافل التي ربطتها بالأقاليم الخارجية ، مما جعلها حلقة وصل بين هذه المناطق ، وأدى ذلك إلى زيـــــادة صادرات هذه المدينة ووارداتها ، وكانت الطرق الداخلية تتخذ ثلاثة مسارات هي :-
أ‌- طريق طرابلس – غريان – مزدة – القريات – الجفرة – مرزق .
ب‌- طريق طرابلس – مصراته – ودان – الزيغن – تمنهنت – سبها – دليم – مرزق
ج- طريق البريد *: ( طرابلس – بن وليد – بونجيم – سوكنة – الزيغن – تمنهنت – مرزق ) .
أما ارتباط مرزق بالجهات الشرقية من البلاد فيمتد عبر أوجلة – زلة – الفقهاء – تمسه – زويلة – أم الأرانب – تراغن – مرزق . وهذا الطريق يربط بنغازي بمرزق .
أما بالنسبة لطرق القوافل الخارجية التي كانت مرزق تمثل همزة وصل لها وكان لها دور بارز في تجارة العبور الصحراوية والإشعاع الحضاري مع بلاد السودان ، شكل (4) يمكن تصنيفها إلى نوعين :
1- طرق التجارة :
وهي تمثل منافذ تجميع وتوزيع للبضائع الواردة إلى مرزق ومن أهمها ما يلي :-
أ‌- طريق طرابلس – سبها – مرزق – برنو .
ب‌- طريق مرزق – مصر ماراً بحميرة – زويلة – تمسة – سيوة إلى مصر .
ج- طريق مرزق – القطرون – وادي .

2- طريق الحج :
تمثل مرزق ملتقى قوافل الحج الجماعي التي ازدادت بكثرة بانتشار الإسلام بالممالك السودانية التي تعبر الصحراء من الغرب إلى الشرق والعكس ومن أهمها كما يوضحها الشكل (4) مايلي :
أ‌- طريق من بلاد الهوسا ( كانو – كاتيسنا ) – مرزق – أوجلة إلى مصر .
ب‌- طريق من برنو – بلما ثم مرزق فأوجلة إلى مصر .
ج- طريق وادي ( وارا ) – مرزق – أوجلة .
د- طريق توات – غات – مرزق ثم تتصل بشبكة طرق عبر أوجلة ومنها إلى مصر .

ومن الواضح أن الأهمية التي اكتسبتها مرزق تعود في الاساس إلى موقعها الجغرافي المتميز ، فهي من ناحية تقع في وسط الصحراء ولها صلات مع باقي المناطق الجنوبية مثل : القطرون ، وزويلة ، وغات ، غدامس ، وسبها ، ومن ناحية ثانية شكلت اتصالا مع المحطات والمراكز التجارية الأفريقية فيما وراء الصحراء مثل ( كانو) وبرنو ( برنوح ) ما جعل منها منطقة تجارية علي غرار ما يعرف في الوقت الحاضر بالمناطق الحرة (15)

وقد أعطى هذا العامل مدينة مرزق أهمية دولية تمثلت في فتح قنصلية إنجليزية بها بل إن الدولة العثمانية جعلت منها عاصمة لإقليم فزان بأكمله كما كان الحال عندما اتخذها أولاد محمد عاصمة لملكهم بفزان .

الأهمية الثقافية :
لقد واكب الأهمية السياسية والإدارية والاقتصادية لمدينة مرزق القديمة دور ثقافي وفني بارز، حيث كان لانتشار المساجد والزوايا في أحياء المدينة القديمة عبر تاريخها دور تعليمي ، تمثل في تحفيظ القرآن الكريم والأحكام الشرعية التي كانت تؤهل لتولي القضاء والإفتاء والتعليم في الزوايا في بقية المناطق ، وقد استقطبت زاوية مرزق عدداً من العلماء وفدوا من خارج المنطقة للتدريس بها .

وقد أنشئ في عهد الإدارة العثمانية ما يسمي بالمدرسة الرشدية التي يتم فيها دارسة الخطوط والعلوم العصرية ويتم إيفاد المتميزين من خريجي هذه المدرسة إلى طرابلس لاستكمال تعليمهم وربما يتم إيفادهم إلى تركيا لزيادة التحصيل العلمي .

وبهذا كانت مرزق مركز إشعاع تعليمي للمناطق المحيطة بها وكان لها اتصال ببعض الزوايا الدينية في أفريقيا وراء الصحراء كما كان لموقع مرزق ومكانتها التجارية دور في تمازج حضاري شكل نسيجاً ثقافيا نظراً لتأثيرات الوافدين إليها من مناطق مختلفة.

الهوامش والمراجع/
1- فنماب ، أقليم سبها : بلدية مرزق . التقرير النهائي ، 1998 ،ص3 .
2- رجب نصير الأبيض ، مدينة مرزق وتجارة القوافل الصحراوية خلال القرن التاسع عشر ، دراسة في التاريخ السياسي والاقتصادي ، مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية ، 1998 ، ص 52 .
3- عبد القادر جامي ، من طرابلس الغرب إلى الصحراء الكبرى ، ( ترجمة : محمد الأسطي ) ، دار المصراتي ، طرابلس ، 1974 ، ص 104 – 105 .
4- رجب نصير ، الأبيض ، المرجع السابق ، ص 60 .
5- رجب نصير ، الأبيض ، المرجع السابق ، ص 63 .
6- رجب نصير ، الأبيض ، المرجع السابق ، ص 78 .
7- عبد القادر جامي ، مرجع سابق ، ص 112 .
8- ر.ع.ف ليون ، مدخل إلى الصحراء ، ( ترجمة : الهادي أبو لقمة ) ، منشورات جامعة قاريونس ، بنغازي ، 1993 ، ص ( 74 – 75 )
9- عبد القادر جامي ، مرجع سابق ، ص 111 .
10- عبد القادر جامي ، مرجع سابق ، ص 108 – 110 .
11- فردريك هورنمان ، الرحلة من القاهرة إلى مرزق عاصمة فزان عام 1977 ( تعريب : مصطفي محمد جودة ) ، دار الفرجاني ، طرابلس ، 1993 ، ص 87
12- عبد القادر جامي ، مرجع سابق ، ص 124 .
13- الهادي أبو لقمة ، التطور التاريخي والظروف الجغرافية في مرزق التحضر القاعدة الاقتصادية ، سلسلة التحضر بليبيا ، ( تحرير منصور محمد البابور ) ،منشورات جامعة قاريونس ، بنغازي ، 1995 ، ص 25 .
14- رجب نصير الأبيض ، المرجع السابق ، ص 226 .
15- محمد المبروك يونس ، دور ليبيا في مسار العلاقات العربية الأفريقية 196 – 1977 ، الشركـة العامــــة للـــورق والطباعـــة ، مطابع الوحدة العربية الزاوية 1994 ، ص 34 .
16- محمـــد سليمان أيـــوب ، مختصر تــــاريخ فزان منذ أقدم العصور وحتى 1811 م ، 1967 ، ص 106 .
17- رجب نصير الأبيض ، المرجع السابق ، ص 67 .
18- مؤسســـة وايتنج العالمــــية ، مرزق مخطط عام ، المجلــد 6-1 طرابلس 1970 ، ص 10 .
19- عبد العزيز طريح شرف ، جغرافية ليبيا – مؤسسة الثقافة الجامعيــة الإسكنــدرية ، 1962 ، ص 558 .
20- سعد القزيري ، التركيب المكاني " في مرزق التحضر والقاعدة الاقتصادية " سلسلة التحضر في ليبيــــا ( تحرير منصور محمد البابور ) ، منشورات جامعة قاريونس بنغازي ، 1995 ص .
21- فنماب ، مرجع سابق ، ص 33 .
22- مؤسسة وايتنج العالمية ، المرجع السابق ، ص 28-29 .

المصدر/ بحوث ندوة المحافظة علي المدن القديمة، بنغازي : 8-9- / 12 / 2004 ف
* الفردغ : هو قطع ملحية شبه صخرية تتخلف من أثر مياه السبخات .
** الحميدة باللهجة المحلية تعني المكان أو الميدان الذي تتفرع منه عدد من الأزقة والشوارع الفرعية .
*** الدندل كلمة في لغة الهوسا وتعني مكان للالتقاء والجلوس والترفيه والتبادل التجاري ، وربما ترجع أصول تسمية هذا الشارع للغة الهوسا .
* السقيفة ممر مسقوف بعد الباب الرئيس مباشرة .
** القالب عبارة عن طوب مصنوع من الطين علي هيئة مستطيلات أبعادها 25 × 1.5 × 40 سم .
* وهو نوع الإضراب عن ممارسة النشاط التجاري بمنطقة السوق تتخذه النساء عندما تتعرض إحداهن لأي إهانة أو اعتداء فتتضامن معها بقية البائعات بالسوق حتي تسر .
* كان لهذا الطريق دور اقتصادي هام وقد حرصت السلطات علي ضمان سلامته دائماً نظراً لما يحمله من مكاتبات هامة علي المستويين السياسي والاقتصادي ।
المصدر/
ندوة المحافظة علي المدن القديمة
بنغازي : 8-9- / 12 / 2004 ف
جهاز تنظيم وادارة مدينة بنغازي القديمة

- مملكة جرمة

يبدو إن تاكسيتي ؤسان مولع بالحضارة الليبية وعمقها التاريخي أكثر من اللازم , قبل أقل من شهر كان في زيارة خاصة إلى الجنوب الليبي و حدثنا مطولا عن عجائب حضارة الكهوف , هذه المرة أيضا وجدنا ملاحظة تركها تاكسيستي ؤسان تقول ” بنطّق في جرمة و نجيكم ” .

الجرمنت قبائل ليبية تعتبر من أقدم الذين سكنوا إقليم فزان , هناك أنشأوا مملكة جرمة و عاصمتها جرمة التي بقت أطلالها شاهدة على حضارة زراعية و تجارية مهمة , حضارة تمكنت من استخدام العربات التي تجرها الخيول البونية القصيرة , هي حضارة استخدمت طرقا غريبة في كيفية نقل المياه في مسارب مغطاة تحت الأرض سنعرج عليها لاحقا .

يقول معضم المؤرخين الذين كتبوا عن مملكة جرمة , بأنها في الأساس صممت لتكون دولة تجارية , إذ تقع بالضبط في طريق القوافل العابرة إلى داخل أفريقيا عبر الصحراء , وكذا تلك القوافل المتجهة من الجنوب إلى الشمال .

وصفها أبو التاريخ _ هيرودوت _ بان أبقار جرمة ترعى وهي تسير _ القهقري _ أي إلى الخلف , نظرا لطول قرونها المعوجّة , ويذكر التاريخ في زمن لاحق أن الجرميون أول من قام بثورة ضد الرومان خلال القرن الميلادي الأول , وهي ذات الثورة التي أخمدها القائد الروماني _ بالبوس كورنيليوس _ .

*جرمة الجنة الخضراء.

كانت جرمة في العصور المطيرة عبارة عن سفوح وتلال خضراء على مد البصر , تمتلئ بالحيوانات التي قامت بدور كبير في المجتمع الزراعي الجرمي , كانت المنطقة تعج بالأبقار و الخراف والماعز والخيول والحمير والكلاب , وقد احتفظ الجرميون بالخنازير إلى جانب الخراف و الأبقار , و يرى متابعون للحضارة الجرمية , إن الخيول والأبقار والحمير قامت بدور متزايد في توطين الزراعة .

ورغم المصادر المحدودة عند اليونانيين والرومان حول مملكة جرمة وازدهار الزراعة فيها إلى جانب التجارة , فمنذ الألفية الأولى المبكرة توجد بينة وفيرة من “زنككرا” حول حصاد أشجار النخيل المروية، وقمح الخبز، والشعير، وكرمة العنب، وشجرة التين , كل المحاصيل المزروعة كانت تحتاج إلى ري والتي تشير كلها إلى مناخ جاف وتربة مالحة. برزت الآن صورة مشابهة من جرمة القديمة فإنه يبدو أنه بحلول الأزمان الجرمية المتأخرة أضيفت محاصيل ثانوية أخرى مثل الدخان والذرة السكرية احتمالا قد يشير إضافة المحاصيل الصيفية المطحونة تلك إلى تكثيف الزراعة عند الجرميين في القدم مع جني محصولين في ذات القطاع. ”

تصف المصادر اليونانية وحتى الرومانية الجرميون بأنهم ” سود البشرة ومتوحشين و كثر و قساة و بلا قانون و قطاع طرق , يتلقون الجزية ” هناك إشارات للزراعة وأشجار النخيل في تلك المصادر ، لكن تلك الإشارات البسيطة ستتراجع إلى الوراء في مواجهة الروايات المتكررة لقصة هيرودوت عن أبقار الجرميين ذات القرون التي تبلغ طولاً يفرض عليها أن ترعي الحشائش وهى تسير إلى الخلف (هيرودوت، التواريخ، الكتاب الرابع 183- 185). من السجل الكتابي المتراكم يمكن أن يستنتج بأن الجرميين كانوا قبيلة بدوية شبه مترحلة، مع قليل اهتمامات بالزراعة. كانت تلك رؤية نمطية ملائمة لاقتناع أهل البحر المتوسطي بتفوقهم، لكنها كانت بجلاء بعيدة عن التصور الدقيق للواقع.

* نقوش الأبجدية الليبية _ التيفيناغ _ .

خلال ستينات القرن الماضي كان فريقا من الخبراء الإنجليز يزورون منطقة جرمة بغرض معرفة أسرار تقنية الفجارات التي تنقل المياه في مسارب تحت الأرض و تمتد إلى أكثر من الاف كلم , كان الجرميون قد استخدموا طريقة الفجارات لكي لاتتبخر المياه تحت تأثير الحرارة في زمن لاحق , لقد كانت فكرة إنشاء فجارات تمتد إلى مئات الكيلومترات , عملا يتوجب تجنيد الالاف من العمال الرقيق والخيول , و نجح الجرميون في حفر الفجارات بامتياز , لقد استخدم الجرميون الالاف من الرقيق لانجاز ذلك المشروع .

لقد استخدم الجرميون الرقيق في إنجاز الفجارات التي تنقل الماء في مسارب تحت الأرض , يكشف لنا تاريخ مملكة جرمة عن حضارة استثنائية استمرت لفترة طويلة بحكم تعامل أهلها مع التجارة والزراعة في نفس الوقت , لم تكن تجارة الرقيق غائبة عن السوق في مملكة جرمة .

*موسوعة يكوبيديا الحرة تقول عن جرمة ”

جرامنت Garamantes أو جرميون نسبة إلى جرمة شعب أمازيغي ليبي قديم منذ حوالي القرن الثالث ما قبل الميلاد، أسس مملكة أمازيغية قوية في فزان في الصحراء الكبرى حاليا في ليبيا. وقبائل زناتة تعود أصولها إلى الأمازيغ الجرامنت.[1]. وكانوا قوة كبرى في منطقة الصحراء الكبرى بين 500 ق.م. و500 بعد الميلاد.

لا يعرف الاسم الأصلي للجرامنت أو الجرمانيون وتسمية جرامنت Garamantes هي أمازيغية أو يونانية تبناها لاحقا الرومان ولا توجد مصادر أخرى متوفرة حول الجرمنت سوى من المصادر اليونانية والرومانية. ولا تزال مساحات واسعة من المنطقة الأثرية لم تكتشف بعد. لكن يوجد مصدر أخر وهو اللوحات الملونة المرسومة على الصخور في مناطق تواجد الجرمانتيين والتي تصور حياتهم اليومية. أسس الأمازيغ الجرمنت إمبراطورية قوية في الصحراء قارعت الإمبراطورية الرومانية والإثيوبيين وما زالت أثارها قائمة في الجنوب الليبي.

شيد الجرامنت حضارة متطورة في فزان بالصحراء الكبرى (الجنوب الليبي حاليا) وكانت لهم مدنهم وقراهم. وشيدوا نظاما لتوزيع المياه مشابها للنظام الروماني وربما سابقا له.

يذكر هيرودوت في كتاباته حول شعب الجرامنت بأنه يسكن داخل ليبيا، وهو يقع على بعد ثلاثين يوما من شواطئ البحر الأبيض المتوسط كانو على علاقة مع السودان والنيجر، وكانوا يتاجرون بالعاج، المعادن النفيسة والعبيد السود في أسواق قرطاج. وقد كانوا يملكون جيشا منظما مكنهم من توسيع نفوذهم ومواجهة القوى المجاورة. كان لهم عربات مجرورة بأربع أحصنة يطاردون بها الأثيوبيين والتروقلوديت.

يعتبر الجرامنت ربما أهم وأول حضارة مدنية أمازيغية متقدمة ومستقلة، في التاريخ الأمازيغي القديم. وبفضل حسن تنظيمهم واستخدامهم للعبيد السود وعلاقاتهم التجارية مع الأجانب كالرومان والفينيقيين، تمكنوا من ضمان مستوى معيشة مرتفع بالمقارنة مع المجموعات الأمازيغية الأخرى في بقية مناطق شمال أفريقيا.

ما بين 20 إلى 21 ق.م قام لوسيوس كورنليوس بالبيس بمطاردتهم في حملة عسكرية. توحدوا مع تاكفاريناس والمسولاموس أخيرا في 70 ب.م شاركوا في نهب لبدة.

المؤرخان الرومانيان تيت ليف وسترابون يحددون مواقع شعب القارامنت ما بين أثيوبيا في الجنوب السيتيل شمال

*البعثة العلمية الانجليزية تركت مشاهداتها حول تلك الزيارة , يقول تقريرهم “

العديد من النقوش بالأبجدية الليبية/التيفناغ يبدو ارتباطها بممرات الفجارة بالقرب من منبع العديد من الفجارات. ورغم وجود نقوش أبجدية ليبية/تيفناغ ومناظر فن صخري في عدد من الصخور الضخمة حول منحدر “تجاليت”، فإن النقوش القريبة من الفجارات توجد ليس على بعد مسافة من الأخيرة. بدلاً، فإنها على صخور مجاورة مباشرة لممرات الفجارة، وبالتالي لا بدَّ أن تحمل معنى مرتبط بالفجارات. يبقى هذا التفسير غامضاً، رغم أن بعضها يحوي المجموعة “ن ك”، التي تعني حرفياً “أنه أنا” في لغة التماهاغ، والتي تستخدم أساساً لإدخال اسم الكاتب في نقوش التيفناغ؛ العديد من نقوش التيفناغ تسجل ببساطة أسماء شخصية، مع أن بعضها يقدم معلومات أكثر. محتمل جداً، بالتالي، أن تكون تلك النقوش تسجل أسماء

الناس الذين اشتركوا في عملية تشييد الفجارات وصيانتها، أو أسماء المالكين للفجارات. لسوء الطالع أننا لم نتمكن بعد من تأريخ تلك النقوش. تظهر الأبجدية الليبية في النقوش على الأقل منذ القرن الثاني ق.م.، ولازالت مستخدمة اليوم لتسجيل اللغة الطارقية تماهاغ، ويعرف الخط اليوم بـ تيفناغ .

*تكييّف الزراعة في الصحراء ؟

لقد أهتدت الحضارة الجرمية إلى نظام ري متفرد في العالم لا يوجد مثيله إلا في بلاد فارس . لقد ابتكر الجرميون نظام ري ضهر أيضا في مناطق جافة اسمه الفجارة هي قناة تحت الأرض تسد المياه الجوفية (حنفية)، عادة في منحدر تل أو في منطقة السفح، وتقود الماء إلى سطح الأرض بعيداً أسفل التل عن طريق نفق قليل الانحناء. السمة التي تميز تشييد الفجارة أن النفق لا يكون أفقياً من طرف التل، لكن، بدلاً عن ذلك، تحفر ممرات عمودية على بعد مسافات محددة وتحفر الأنفاق بمسافات قصيرة بين قاع ممرين. تسمح الممرات بإزالة الأوساخ وتهوية النفق أثناء أعمال الحفر، وتسمح ل فرق الحفر العمل في وقت متزامن، وتسمح لاحقاً بإجراء عمليات الصيانة وعمليات تنظيف الأنفاق.

كانت الفجارات سمة أساسية للمنظر الطبيعي، مع وجود 600 منها حالياً في فزان هناك مائة ألف ممر يبلغ عمق الواحد في بعض الحالات أربعين متراً ومع إجمالي قنوات تمتد إلى عدة آلاف الكيلو مترا , يقول المؤرخون إن نظام الري بالفجارات يعود بالأساس إلى فترة الجرميين .

*من أين جاءت فكرة نظام الري _ الفجارات _ ؟

يبدو أن الفجارة اخترعت في فارس، في وقت مبكر من الألفية الأولى السابقة للميلاد، وانتشرت غرباً إلى مصر (بحلول القرن الخامس ق.م.) ولاحقاً إلى عالم البحر الأبيض المتوسط الروماني. أدخلت الفجارات إلى أسبانيا في القرن الميلادي التاسع عن طريق أهل الشمال الأفريقي، وفيما بعد إلى أمريكا اللاتينية . وجدت الفجارات بالإضافة إلى فزان في الصحراء الجزائرية وأجزاء من المغرب. ومع أن معظم الباحثين يعتقدون بأن الفجارات أُدخلت إلى فزان إما في العصر الروماني أو في الأزمان الإسلامية، وأنها انتشرت إلى الجزائر والمغرب في القرون الوسطي ، فإن العمل الميداني لمشروع فزان أوضح أنها أدخلت إلى فزان في تاريخ أقدم من ذلك؛ ويبدو واضحاً الآن أن الفجارات انتشرت احتمالاً إلى الصحراء الجزائرية من فزان. توفر فجارات الجنوب الجزائري مصدراً هاماً للمقارنة مع نماذج فزان، بخاصة طالما أن العديد من النماذج في الجنوب الجزائري استمرت في الاستخدام حتى القرن العشرين، خلافاً لفزان

*عناصر أخرى تدعم تاريخاً قبل الوجود الروماني لإدخال الفجارات إلى فزان. كشفت أعمال تنقيب الآثري التي نفذها شارلس دانيلز في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي بقايا قمح، وعنب، وتين، وتمر، سوياً مع نباتات شملت الكرفس، والشمارة، وعشبة توابل في محتويات تؤرخ بالقرن.

المحصلة الكلية، أنه من المؤكد أن الفجارات أدخلت إلى فزان فيما قبل القرن الرابع الميلادي، وهناك حالة قوية لتأريخ إدخال تقنية الفجارة بمرحلة التمدن الجرمية المبكرة في القرون الختامية السابقة للميلاد قبل تطوير صلات تجارية وثيقة مع روما.

*التدليل على أن الفجارات في وادي الآجال تؤرخ بأزمان الجرميين يمكننا ن طرح عددا من الاستنتاجات حول المجتمع الجرمي.في مجملها تفسر الكيفية التي تمكن بها الجرميون من استغلال وادي الآجال، وأيضاً وادي البرجوج، وواحة مرزق والجفرة.

كانت الفجارات هي القاعدة الهيدرولوجية للمدنية الجرمية، ومكنت من نشوء زراعة كبيرة مستقرة لإعالة أعداد كبيرة من سكان هذه المنطقة الجافة. كان إدخال تقنية الفجارة ولا شك عنصراً هاماً , مما يسمح بري مناطق أوسع , كان ذلك مع ظهور دولة جرمية موحدة، وخلق فائض زراعي أكبر، وظهور متطلبات تعتمد على اقتناء الرقيق.

*زوال مملكة جرمة .

لا يمكن تصوره بشكل دقيق لكنه من المحتمل أنها تشظت إلى عدد من الوحدات الإقليمية الأصغر. و لعل فقدان السيادة الإقليمية للدولة الجرمية قد يكون ترك تأثيراً على إمدادات الرقيق وعمليات التجارة الصحراوية ’ ترك مشكلة انخفاض طبقات الصخور المائية يمكن أن تكون تضاعفت بفعل صعوبة إضافية تمثلت في ضعف القيادة السياسية التي أصبحت عاجزة عن توفير الأعداد اللازمة من الرقيق للمحافظة على أنظمة ريها الحيوية.

الحل المبدئي للجرميين لمشكلة كيفية زراعة الصحراء شملت الاستخدام العبقري لمصادر المياه الجوفية والاستغلال المكثف للقوة العاملة. الظروف ما بعد الجرمية شهدت تدنياً نسبياً للزارعة الفزانية , ما يشير إلى الظروف الهيدرولوجية المتبدلة إلى درجة العدول عن استخدام العمل العضلي الذي كان يقوم به الرقيق وقتها

المصدر : صحيفة اوسان

- تينيري - صحراؤنا الليبية

الصحراء الليبية لا تبخل على أحد بكنوزها الفريدة
الصحراء 1

أثناء جولتنا السابقة مع دليلنا ” التاكسيستي” الخابر بزوايا الوطن ومفاصله، وبعد مقامنا الحميم بين أهلنا التبو، كنا قد مررنا وبشكل عابر أثناء تنقلنا بمشارف صحرائنا الشامخة الممتدة في صمت وهيبة، وكم من مرة تبسم العزيز “التاكسيستي”، متحسساً مؤخرة “كبوسه” دافعاً إياه بلطف إلي الأمام، وهو يري محايانا مأخوذة بالذهول لدرجة الصمت تأثراً وخشوعاً وإذعاناً لسكون صحرائنا العميق ومداها الا متناهي، إلي أن تحدث فنطق سحرا مستمد من سحر صحرائنا التي نعيش فيها ونجهل عظمة سرها، قائلاً:

بالنسبة للعالم أجمع ما إن تحدثت عن ليبيا فإنك تتحدث عن أرض وأهل يمتد فيهم ومنهم جمال وأصالة الصحراء وصفاؤها إلى نقاء الرمال الذهبية والشاطئية على ساحل طويل من مياه المتوسط وعبر حواضر وواحات ومناطق جبلية تثري أمامك الاختيارات البديعة لكي تنظر وتستطلع وتستمتع وتأنس بكل ما حبته يد الخالق لهذا البلد من نعم كثيرة تلقاها في شموخ جبل أو اتساع أفق صحراء أو رحابة سهل ساحلي أو تحت ظلال أطلال آثار لا تزال شواهدها تحكي قصة مجد مضى وعهد عز يتجدد.

قد توحي كلمة الصحراء بقساوة الطبيعة والجفاف والحرارة الشديدة غير أن الصحراء الليبية ذات خصائص نادرة بين الصحاري، ففي باطنها الماء العذب وعلى أديمها الممتد تنتشر الواحات الغناء وتتخللها إلى جانب الكثبان الرملية سلاسل من الجبال والمرتفعات والهضاب وسهول ممتدة مكسوّة بالأعشاب والنباتات الخضراء الطالعة ومن بين الرمل والحصى، كل ذلك في فضاء فسيح من السكون والهدوء الباعث على التأمل والسكينة فيقدم إلى مرتاديها سياحة أخرى غير سياحة الترحال والمغامرة والاستكشاف إنها رياضة الفكر والتأمل وسياحة الروح. ومن أبرز المدن الصحراوية في ليبيا سبها وغدامس وغات وبراك.


الصحراء 2
الصحراء تبوح بأسرارها

ترسم الصحراء الليبية الكثير من الملامح الثقافية، هذه الملامح التي استمدت من تاريخ قديم، ولعل من الشواهد على ذلك ما وُجد من نقوش ورسومات على الصخور المنتشرة في أرجاء الصحراء والتي يرجع عمرها إلى آلاف السنين أي ما يثبت العمق التاريخي الإنساني لهذه المنطقة، إذ يوجد حبل خفيّ يجمع المظاهر المختلفة للانسان على مر العصور، وهذا كفيل بالمساعدة على فهم الإنسان وتطور أشكال حياته الاجتماعية والثقافية والحضارية.

والليبيون القدامى كغيرهم من بني البشر قاموا برسم ونحت وتصوير حياتهم على جدران الكهوف والصخور المنتشرة بالصحراء. وكان أول من عثر على هذه النقوش أحد الرحالة الألمان كان ذلك في وادي الزنقن غربي مدينة مرزق عام 1850 اثر ذلك توالت الاكتشافات واحدة تلو الأخرى.

وتعتبر مدينة مرزق من أقدم المدن الليبية حيث يرجع بعض المؤرخين نشأتها إلى زمن الفراعنة، وقد شهدت المدينة قيام عدد من الحضارات التي أعطت مرزق الصفة التاريخية، وتقع المدينة في موقع جغرافي هام جدا حيث تعد نقطة التقاء القوافل التجارية بين أفريقيا وسواحل البحر المتوسط وأيضا جسر عبور بين غرب وشرق شمال أفريقيا، ويرجع ازدهار الحضارة عبر مر العصور فيها إلى كثرة مياهها الجوفية.

تاريخ منقوش على الصخر
النقوش والرسومات تملأ أرجاء الصحراء الليبية الكبرى، فقد تم العثور على رسومات أخرى في جبل العوينات جنوب شرق ليبيا حيث يرجع بعضها إلى ما قبل التاريخ والبعض الآخر إلى العصر الحجري، وتحتوي هذه الرسومات والصخور والنقوش على عدة أنواع متفرقة منها ما يمثّل صور حيوانات كحيوان الماسيدون والفيل وفرس النهر والتمساح أو الحيوانات المفترسة كما توجد أيضا حيوانات برية كالبقر والنعام.

اصحراء 3

بالإضافة إلى وجود مجموعة من الرسوم التي تمثل رجال علي متن عربات تجرها الخيول أو يركبون الخيول نفسها ومجموعة أخرى تمثل رعاة الجمال، ومن أهم هذه الرسومات لوحة للصيادين في فترة تسمى فترة الثيران ولوحة تصور القوارب لوحة فينوسال والوعول السوداء وصور للفيل كما يوجد صورة باللونين الأحمر والأبيض تمثل بعض القطعان برفقة راعيها.

وقد سميت فترات هذه الرسومات بأسماء شتى منها فترة الثيران، وفترة الرؤوس المستديرة التي تضم مجموعة من اللوحات منها صورة النبالين والشياطين الصغيرة ولوحة الراقصين النحاف، أما عن صورة القارب التي تحمل القرابين فهي شبيهة لما جاء في الحضارة المصرية إلا أن الفرق بين الصورتين يتضح من خلال بدائية الرسم في حضارة الصحراء الكبرى، وهذا حال مختلف الرسومات لهذه المنطقة ويثبت ذلك أنها تسبق بفترة زمنية غيرها من الحضارات في المناطق المجاورة.

من الملامح الثقافية التي ارتسمت على السكان الصحراويين عبر مر العصور والتي ارتبطت بالتعبير الأدبي والفني بالإضافة إلى الرسوم الرقصات الشعبية التي يمارسها سكان تلك المناطق سواء كانت فردية أو جماعية، ونذكر من أهم تلك الرقصات “رقصة الكاسكا” والتي حملت معنى نزاع قائم بين قبيلتين بسبب الماء ويتم التدخل من قبل احد كبار السن لحل النزاع القائم ويصل الطرفان إلى التسامح ولعل هذه الرمزية الواضحة في هذه الرقصة تجعل كل مشاهد لها يربط الأحداث ببعض الرسومات الموجودة من خلال سمة الجماعة في التصرف.

الكسكا

تتميز المناطق الصحراوية بمناخ معتدل دافىء خلال فصلي الشتاء والربيع أي معظم شهور السنة.

كما تتميز المنطقة بالتنوع الهائل في المناظر الطبيعية والناتج عن تعدد المظاهر التضاريسية حيث تضم المنطقة مواقع جبلية مثل منطقة جبال أكاكوس وجبل العوينات الشرقية ومسالك ملليت (البيضاء) باللغة الأمازيغية، وستافت (السوداء)، ومناطق الكثبان الرملية ذات الأشكال والألوان المتعددة مثل ادهان اوباري، وادهان مرزق وبحر الرمال العظيم، وأراضي حجرية كالحمادة الحمراء، إضافة لمناطق الواحات وأهمها واحة غدامس وواحة غات وواحات وادي الحياة ووادي الشاطىء وواحات الجفرة وواحة الكفرة.

كما تضم المنطقة ظواهر صحراوية فريدة تتمثل في البحيرات الصحراوية المالحة في منطقة رملة الزلاف، ومنطقة البراكين الخامدة مثل منطقة واو الناموس، والتكوينات الصخرية ذات المناظر المتعددة كالأعمدة والموائد الصخرية وغيرها من الظواهر الطبيعية الناتجة عن عوامل النحت.

الصحراء 4

وتعد الواحات عموما من أهم المعالم السياحية الصحراوية وتتميز بجمالها الطبيعي إذ تقع عادة في مناطق المنخفضات حيث مصادر المياه قريبة من السطح مما يساعد على نمو أنواع مختلفة من النباتات والأشجار التي تغطي مساحات واسعة من الواحة والتي من أهمها أشجار النخيل، حيث تعطي أشهي وألذ أنواع التمور والبلح، وتحيط بالواحات الكثبان الرملية وفي بعض الأحيان البحيرات وهي توفر جميعا مناظر ذات جذب سياحي مميز، هذا فضلا عن غنى هذه الواحات بتراثها الثقافي ومدنها القديمة ذات الطابع المميز، ومن أهم واحات ليبيا واحة غدامس وواحة غات وواحة مرزق إضافة لواحات وادي الشاطي ووادي الحياة وواحات الجفرة.

وتعتبر الكثبان الرملية التي تغطي مناطق شاسعة من الصحراء الليبية إحدى المعالم المميزة للمنطقة والمشاهد لها لا يخلو من الدهشة لبساطة تكوينها ونظام تشكلها فهي ليست أكوام متناثرة من الرسوبيات بل هي مجموعات منتظمة في ترتيب واضح ودقيق وأشكال متنوعة فهناك الكثبان الهلالية والكثبان المقببة والنجمية والكثبان الشبكية والكثبان الطولية ” السيوف “، وعلاوة على جمالها الإبداعي المتمثل في تموّج أسطحها وتنوع أشكالها وألوانها تمكّن الكثبان الرملية السياح من القيام بأنشطة رياضية هامة مثل المشي والتزحلق على الرمال واستخدام العربات الشراعية، أو من الاستشفاء بالحمامات الرملية الساخنة، و أهم مناطق الكثبان الرملية في جنوب ليبيا أدهان أوباري و أدهان مرزق وبحر الرمال العظيم إضافة إلى منطقة الرملة بالقرب من واحة غدامس وهي ذات أهمية سياحية كبيرة.

أما بحيرات رملة الدوادة الواقعة في بحر رمال أوباري وبالتحديد في منطقة رملة الزلاف تعد هي الأخرى من مناطق الجذب السياحي الرئيسية بالصحراء الليبية وذلك لما تحويه من مناظر طبيعية خلابة حيث يزين حوافها سياج من أشجار النخيل والخيزران والأثل وتشرف على بعضها تلال الكثبان الرملية مباشرة.

إضافة إلى ما يتطلبه الوصول إليها من مغامرة نتيجة متعة القيادة بمنطقة الرمال، وإمكانية القيام بالعديد من الرياضات الصحراوية بالقرب من هذه المناطق كرياضة التزلج على الرمال بالسيوف الرملية المحاذية لبعض البحيرات ورياضة المظلات من أعلى هذه السيوف والتي تتيح فرصة التمتع بمنظر الواحات من أعلى، وعلاوة على ذلك فإن وجود البحيرات كمسألة استثنائية وسط الصحراء فيه ما يثير دهشة و اهتمام الكثير من السياح و الزائرين.

وتعتبر بحيرة قبرعون وبحيرة المندرة وأم الماء الواقعة ضمن إحدى عشرة بحيرة في رملة الزلاف من أشهر البحيرات الصحراوية التي تجتذب السياح و الزوار، كما تعد بحيرة بزيمة التي تحيط بها رملة ربيانة و الواقعة بالقرب من واحة الكفرة تعد ذات إمكانيات سياحية هامة.

قبر عون

و تضيف الجبال و الهضاب الصحراوية في جنوب ليبيا مظاهر أخرى للجمال الصحراوي، ومن أهم وأشهر المناطق الجبلية منطقة جبال أكاكوس الواقعة في الجزء الجنوبي الغربي من البلاد بالقرب من الحدود الليبية الجزائرية والممتدة شمالا حتى منطقة العوينات و جنوبا حتى جنوب غات موازية لوادي تنزو فت.

ويمثل الهروج الأسود ظاهرة أخرى من الظواهر الطبيعية الجذابة لما يتمتع به من تنوع في صخوره البركانية وتضاريسه المتجعدة وهو يشكل أوسع رقعة تغطيها البراكين الخامدة في أفريقيا، ويقع الهروج الأسود في وسط ليبيا ويمكن الوصول إليه من عدة مناطق من واحة زلة في الشمال ومن واحة الفقها من الغرب وتمسة من الجنوب الغربي.

ويبدو أن الهروج كان مرتعا للحيوانات المتوحشة والأليفة التي كانت تعيش عند البحيرات والمجاري المائية في عصور ما قبل التاريخ حيث تم اكتشاف مواقع لرسومات محفورة على الصخر لحيوانات كالأسد والفيل والزرافة، مع وجود مواقع كثيرة لصناعة أدوات حجرية حادة ترجع للعصر الحجري الحديث والقديم عند وادي الجداري ووادي الشديدة شمالي الهروج وبالتحديد شمال القور السبعة.

أما بركان واو الناموس فيصفه الكتاب و الصحفيون المتخصصون في الكتابة عن السياحة بأنه و بحيراته من أجمل المناظر الطبيعية في العالم ويقع واو الناموس في منطقة منعزلة جنوب الهروج الأسود بنحو 100 كلم وسط سطح سرير تيبستي، وتحيط ببركان واو الناموس حوالي 10 بحيرات جميلة يوجد ببعضها عيون مياه عذبة تحيط بها أشجار النخيل وعيدان قصب الخيزران الطويل وأشجار الأثل وبعض هذه البحيرات ذات لون احمر نتيجة نمو عدد كبير من القشريات بها، ويعيش في هذا النظام البيئي الفريد الطيور المهاجرة وبعض الثعالب والذئاب والزواحف إضافة إلى أعداد كبيرة من البعوض والحشرات.

وتنتشر الوديان الجافة بصورة كبيرة في الصحراء الليبية وهى تمثل تناقضاً واضحاً مع الجفاف السائد حالياً وتعد هذه المناطق من أغنى مناطق الصحراء بالمياه الجوفية مما جعلها مناطق استيطان بشري على مر العصور وفضلاً عن مناظرها الطبيعية الناتجة عن انتشار الواحات والغطاء النباتي المميز المتمثل في النباتات الطبية وحطايا النخيل والأعشاب والأشجار الصحراوية التي تجتذب البحاثة ومحبي الطبيعة تكثر بالوديان آثار مسارات قوافل الإبل والمسارات الرملية والمدن القديمة ومن أشهر وديان منطقة جنوب غرب ليبيا الصحراوية وادي الشاطى ووادي الحياة الذي يتمتع بشهرة سياحية كبيرة كونه مستقر للقبائل الجرمية الليبية التي أقامت حضارة صحراوية مازالت آثارها باقية حتى الآن.

إضافة إلى وادي عتبة ووادي برجوج وأودية جبال أكاكوس التي تضم مظاهر تعرويه صحراوية كالأعمدة الراسية والموائد الصخرية والقباب والقلاع الكاذبة والتي تعد من أجمل المناظر الطبيعية ومن هذه الأودية وادي أيادار وممر تخرخوري ووادي افزجارن ووادي تشونيات…..الخ .

ومن ظواهر الجذب الصحراوية الأخرى أراضي السرير والحمادات وأهمها سرير تيبستى أما الحمادات فأشهرها الحمادة الحمراء وحمادة تنغرت وتعتبر التكوينات الصخرية المتأثرة بعوامل التعرية الهوائية كالحصى المتعدد الأشكال من الظواهر الفريدة التي تغطي سطح الحمادات والسرير.

هذا وتمتلك منطقة الصحراء الليبية حياة نباتية وحيوانية متميزة بقدرتها على مقاومة الظروف الطبيعية الصعبة المتمثلة في الجفاف والحرارة معظم شهور السنة ، و يتسم الغطاء النباتي الصحراوي عموماً بالتنوع رغم الفقر في الكثافة ويتمثل في أشجار الاتل والطلح والسنط والاكاسيا وأعداد هائلة من الاعشاب الطبية النادرة ، أما الحياة البرية فتشمل أنواعا من الحيوانات كالغزلان والودان إضافة إلى أنواع من الطيور والحشرات، وتمثل هذه الموارد الحيوية إضافة أخرى إلى المعالم الطبيعية الخاصة بالصحراء وأحد عوامل الجذب المهمة للسياح خاصة الباحثين ومحبي الطبيعة.

أكاكوس درّة فريدة
تقع سلسلة جبال أكاكوس في المنطقة المتعارف على تسميتها بالمثلث اللّيبى الجزائري النيجري، وهى تمتد من الجزائر غرباً إلى شمال النيجر شرقاً مروراً بالجنوب الليبي، وهذه الجبال تتكون في غالبيتها من صخور بركانية صمّاء شديدة الصلابة تتخلّلها أحياناً كثبان رملية.

بقيت هذه المنطقة ولفترة طويلة من الزمن مجهولة للعالم الخارجي وتقتصر زيارتها على بعض البعثات العلمية الأجنبية والمحلية، وهذا يرجع إلى إهمال الدولة لقطاع السياحة رغم أهميته وعلي مدي عشرات السنين، زد علي ذلك أن المنطقة نائية وبعيدة عن التجمعات السكانية، وتقع ضمن نطاق صحراوي جاف، بالإضافة إلى وعورة الطرق التي تؤدي إليها.

أما حالياً فقد أصبح الوضع متيسرا لزيارتها، ففي ظل دعم الدولة الجزئي ولنشاط الشباب الليبي في قطاع السياحة أصبح هناك العديد من الشركات السياحية المتميزة التي تقدم خدماتها للسياح والباحثين الراغبين في سبر أغوار ومعالم هذه المنطقة من الجنوب الليبي، وهذه الشركات توفر كل ما تحتاجه الرحلات الصحراوية من تجهيزات سواءً من سيارات ذات الدفع الرباعي، أو إقامة وتجهيز المخيمات بكل التجهيزات المطلوبة وفي أماكن بعيدة داخل الصحراء.

تعتبر ليبيا مكانا واعدا في مجال السياحة بمختلف أنواعها لاسيما السياحة الصحراوية حيث أن أغلب السياح القادمين إليها لم يسبق وأن قدموا لهذه المناطق الصحراوية، رغم أنهم زاروا عدة بلدان مجاورة ولعدة مرات.

القادم إلى منطقة أكاكوس منطلقاً من مدينة العوينات، وبمجرد التوغّل لنحو ستين كيلومترا في القطاع الأوسط من سلسلة الجبال يفاجأ بصخرةً منتصبةًًًً أمامه يزيد ارتفاعها عن الخمسين متراً على شكل كائن بشري ذي جسم كبير ورأس متوسط الحجم، ولكن دون أطراف، أطلق عليها سكان الصحراء من الطوارق اسم “أضاد” وهو اسم أمازيغي يعني في العربية الإصبع، والمتأمل لهذه الصخرة يجدها قطعة فنية غايةً في الجمال قامت بنحتها الريح مستخدمة في ذلك حبات الرمل الصغيرة.

أضاد

ومع الاستمرار في التوغّل في مسالك الصحراء والجبالُ تطل برؤوسها يميناً ويساراً ًيقع نظرك على رسوم نقشت على جدران بعض الجبال والكهوف يرجع تاريخها إلى عشرة آلاف سنة مضت، وهذه النقوش تجسّد الحياة اليومية لسكان هذه المناطق، فبعضها يصور رحلة لصيد حيوانات الماموت والأبقار الوحشية، والبعض الآخر يصوّر معارك طاحنة نشبت بين سكان تلك المناطق.

ومن الجدير بالذكر أنه وفي أحد هذه الكهوف عثرعلى أقدم مومياء محنطة بطريقة نزع الأحشاء، وهى لطفل يبلغ من العمر السنتين والنصف، والمرجح أنّه أسمر البشرة نظراً لتركيب جمجمته، وهذا الاكتشاف يرجع إلى خمسينات القرن الماضي، والمعروف عند علماء الآثار والمستحاثات أن طريقة التحنيط بنزع الأحشاء هي طريقة استخدمها الفراعنة في مصر القديمة.

وبدراسة بعض هؤلاء العلماء لهذه المومياء التي وجدت ملفوفة في قطعة من جلد الغزال، وجدوا أن عمر هذه المومياء يقارب 5500 سنة، أي أنها أقدم مومياء مكتشفة في إفريقيا وأقدم من أيّ مومياء مكتشفة في مصر بألف سنة، الأمر الذي جعلها مشهورة في الوسط العلمي العالمي، وأطلق عليها اسم “مون هجاج”، ومن يرغب في رؤية مومياء هذا الطفل فسوف يجده نائماً بسلام داخل مهد زجاجي في متحف السرايا الحمراء بمدينة طرابلس.

آثار خصب واخضرار
إن المتأمّل للرسوم الجدارية الموجودة على جدران كهوف وجبال أكاكوس يفاجئه وجود رسومات لأنهار ومراعٍ خصبة وحيوانات كثيرة، مثل الفيلة والجواميس الوحشية والزرافات، وهذه الحيوانات من المعروف عنها أنها تعيش في مناطق تكثر فيها المياه، بعكس ماهو موجود في هذه الأيام فالصحراء خاوية من أوجه الحياة، اللّهم إلا بعض النباتات والزواحف الصحراوية الموجودة هنا أو هناك مثل نبات الحنظل أو بعض العظاءات والأفاعي وبالتالي فإن بعض علماء الآثار يرجحون فرضية هجرة بعض القبائل التي كانت تسكن في تلك المناطق إلى وادي النيل، عندما أصيبت مناطقهم بجفاف كبير نجم عنه نفوق حيواناتهم وتلف محاصيلهم الزراعية، ومن هنا نقلوا أسلوب تحنيط الموتى معهم إلى وادي النيل وبالتحديد إلى منطقة النوبة الواقعة في جنوب مصر وشمال السودان.

عند الاتّجاه غرباً في محاذاة مرتفعات أكاكوس التي تظهر كما لو أنها جزر صغيرة في بحار من الرمال العظيمة يطالعنا أكبر قوس طبيعى في إفريقيا، وهو قوس “افازاجار” منتصباً في وسط الصحراء وكلما تعمّقنا داخل الصحراء زادت حيرتنا حتى نصل إلى مرتفعات وكهوف تاسيلى التي تعتبر امتداداً طبيعياً لجبال تدرات أكاكوس والموجودة تحديداً في الحدود الليبية الجزائرية، والرسوم الموجودة في هذه الكهوف تختلف بعض الشيء عن سابقاتها.

القوس

وقد اختلف العلماء في تفسيرها، فهى تظهر كائنات شبه بشرية تطير في السماء وبعضها يلبس ما يشبه الخوذات، وهناك أشكال غريبة تشبه السفن الفضائية، وصور لرجال ونساء يرتدين ملابس تشبه إلى حدّ كبير ملابس الزمن الحالي، الأمر الذي أربك العلماء، حيث لم يجدوا تفسيراً مقنعاً لذلك، فمنهم من قال إن هذا المكان ربما يكون لقارة اطلنتس المفقودة، ومنهم من قال إن هذه المنطقة ربما تعرّضت لغزو في فترة ما من قبل كائنات فضائية.

ويذكر أن هذه الكهوف تم اكتشافها في سنة 1938 من قبل الرحالة الإنجليزي بربيان، وأعيد اكتشافها في سنة 1956 على يد المستكشف وعالم الآثار هنري لوت، واستخدم علماء الآثار ما يعرف بالتحليل الذري والكربوني لتحديد عمر هذه الرسومات التي وجدوا أن عمرها يزيد عن العشرين ألف سنة وأطلقوا عليها تسمية لغز تاسيلى الكبير.

والمعروف أنّه في سنة 1973 صنفت منظمة الثقافة والعلوم اليونسكو التي تتبع الأمم المتحدة هذه المناطق ضمن الميراث الثقافي الإنساني.

: ( حقاً صحرائنا كون لا متناهي مستقل بذاته، ولن تسعها مدونات الكون جمعاء كي تسبر أغوارها، أنا نشئت وترعرعت بين كثبانها وتحت ظلال نخيلها وأشجار الرتم، ولعمري أراها كل يوم بثوب جديد وبحلة مغايرة) بهذا القول البليغ ختم “تاكسيستي ؤسان” الجولة وصمت عن الكلام المباح صمت أمنا الصحراء.

المصدر. اوسان

شعار ؤسان

المراجع:

Alarab Online.-

- موسوعة الصادق النيهوم(تاريخنا)

- مكتبة تاوالت

السبت، 6 نوفمبر، 2010

- القطروني مرشد الرحالة الألمان في الصحراء 1865

القطروني مرشد الرحالة الالمان في الصحراء في القرن التاسع عشر




يعد القطروني من اهم مرشدي الصحراء في القرن التاسع عشر حيث رافق الكثير من الرحال الالمان الذين اخترقوا الصحراء الليبية متوجهين الى دواخل افريقيا حيث كان الخادم الامين للرحالة بارث في رحلته الشهيرة الى افريقيا ما بين 1850-1855، وهو الذي اوصله الى تنبكتو ، كما رافق الرحالة ادوارد فوجل ، والرحالة الفرنسي هنري دوفيريه ما بين 1860-1862 ، والرحالة مورتيس فون بيرمان ، والرحالة رولفس في رحلته عبر افريقيا 1865-1867 و الرحالة غوستاف ناختيغال 1872-1873.
وقد كان القطروني يسكن في قرية دوجال قرب مرزق ، ويبدو انه من مواليد اوائل القرن التاسع عشر حيث يصفه رولفس عام 1865 بانه آنذاك كان عمره 60 عاما وقد توفى عام 1878 وقد نشرت بعض الصحف الالمانية خبر وفاته بسبب اسهامه الكبير في رحلات الرحالة الالمان الى افريقيا ، وقد كان يمتلك مقدرة كبيرة في ارتياد الصحراء و مجابهة الاخطار و تسيير شؤون الرحلات و احتياجاتها ويعرف الصحراء و دروبها اضافة الى امانته وشجاعته التي كانت مضرب المثل و اشاد بها الرحالة الذين رافقهم ، حيث يذكر رولفس عندما زار بارث عام 1864 انه قال له " لاتنسى خادمي المطيع القطروني الذي يسكن في فزان خذه معك "."und vergessen Sie nicht den Gatroner, das war mein treuester Diener, irgendwo in Fesan wird er seine Wohnung haben, nehmen Sie ihn ja mit."
وبعد وفاة القطروني الاب استخدم رولفس ابنه علي مرشدا له في رحلته الى الكفرة ما بين عامي 1878-1879.

مدونة الاثار الليبية