الثلاثاء، 28 ديسمبر 2010

- ليبيا تحتضن اطلال اكبر تحصينات على مستوى العالم




على طول المساحة المحصورة بين مرتفعات الجبل الغربي والحمادة الحمراء، وصولاً إلى الأراضي المتاخمة للصحراء، تنتشر أطلال أكبر خطوط التحصينات الرومانية على مستوى العالم، المتميزة بالإنتشار الواسع على مساحات شاسعة من أراضي مرتفعات الحسان الثلاثة، إلى فضاءات وديان بني، وليد اللتان تعدان من أغنى المناطق بآثار خط التحصينات، بالإضافة إلى سلسلة جبال نفوسة.

ووفق دراسة أعدها الدكتور المهندس أسامة النحاس أستاذ مساعد بجامعة بنها، والدكتورة سلوى كامل أستاذة كلية الآثار جامعة القاهرة، فإن الحصون الرومانية التي تشكل أحزمة من التحصينات على تخوم الصحراء الليبية، تشكل وثائق تاريخية مهمة، لاسيما ماتحمله جدرانها من نقوش وزخارف وكتابات تحمل أسماء ورموز وأسماء، فضلاً على مايتضمنه تخطيط وعمارة هذه الحصون من سمات بيئية وعمرانية تعد هي الأخرى وثائق تاريخية تعبر عن المعمار البيئي الصحراوي، الممتد على طول خط التجارة الرابطة بين جنوب وشرق أفريقيا من جهة، وشمال أفريقيا والبحر المتوسط من جهة أخرى.

وتتسم منشآت خط التحصينات من القلاع والحصون والمدن ومحطات الاستراحة، بغزارة الشواهد والآثار المعبرة عن مفرداته المعمارية المتميزة، وأطلق عليها (منشأت التخوم)، التي تحمي مستعمرات روما في المنطقة من هجمات القبائل الليبية، في حين يمثل حصن "غوليا" الماثل للعيان في منطقة أبونجيم، وحصن غدامس المفقود أكبر المباني على طول الخط، التي تم توظيفها للمراقبة وحراسة طرق القوافل التي كانت شريان الحياة لروما القديمة.

وأشارت الدراسة إلى أن معالم خط تتشكل من ثلاثة أحزمة دفاعية، شرع في تشييدها في فترة حكم الامبراطور "سبتيموس سيفيروس" "161 -169م"، على حدود مستعمرات الأمبراطورية الرومانية في شمال أفريقيا، عرف بالتخوم الطرابلسية، يتكون الخط الأول أقصى جنوب إقليم تريبوليتانيا، من ثلاثة حصون ضخمة، هي حصن غدامس المشيد في فترة حكم (سبتيموس)، وحصن غدامس الذي يرجع تاريخه إلى عهد الامبراطور (كركلا) 211- 217 ميلادي، فيما يرقى تاريخ حصن القريات إلى عصر الامبراطور (اسكندر سيفيروس) 222- 235 ميلادي، وفيما لايزال حصني أبونجيم والقريات ماثلان، لم يعثر على آثار أو شواهد حصن غدامس حتى الآن، ويتكون الخط الدفاعي الثاني شمال الخط الأول، من مجموعة مزارع محصنة تتناثر في وديان سوف الجين، وزمزم، وكان يرابط بهما جنود ليبيون، ممن سرحوا من فرقة أوغسطا الثالثة، لصد هجمات القبائل المحلية على الأقليم، مقابل منحهم أراض و بعض الماشية، وإعفائهم من الضرائب، أما منشآت الخط الدفاعي الثالث، فكانت عبارة عن عدة طرق أنشئت لأغراض عسكرية تربط بين المحطات والمزارع المحصنة، والحصون الكبيرة، فضلاً عن الحصون الصغيرة المعروفة باسم (سنتريون) أو حصون الـ100، المنتشرة على طول امتداد الخطوط الثلاثة.

وخلصت الدراسة، التي جاءت تحت عنوان الحصون الرومانية في ليبيا، إلى أن هذا الخط، يشكل اليوم أضخم خط تحصينات روماني على مستوى العالم.

ويلفت عدد من خبراء الآثار الليييون الانتباه إلى أن أغلب تلك العمائر نال أجزاء واسعة منها الاندثار بفواعل الزمن، وتقلبات المناخ، وسط غياب تام للدراسات الأثرية أو التوثيقية، بما يسمح بإجراءات صون وحفظ تلك الوثائق التاريخية الاستثنائية في فهم آلية تطور الحياة على الأراضي الليبية، لاسيما إذا ماعلم أن تلك المعالم تتسم بالانفراد ويندر وجودها بهذا الشكل والانتشار في دول العالم.
(صحيفة أويا الليبية)

الجمعة، 24 ديسمبر 2010

- مرزق محطة رئيسية على طريق القوافل








.

.

الرحالة رولفس
ناختيغال .
ا
© 2010

مرزق محطة رئيسية على طريق القوافل))


نماذج من ملفات مشروع توثيق طرق القوافل في الاراضي الليبية ودراستها
((مرزق محطة رئيسية على طريق القوافل))

د. عماد الدين غانم
د. محمد علي الأعور

إن مشروع توثيق طرق القوافل ودراستها بصدد الإعداد لأطلس شامل لطرق القوافل في الأراضي الليبية ستيضمن مدخلاً مسهباً عن تجارة القوافل ومراكزها في الساحل والداخل يضمن ما يزيد عن 100 خريطة ومخطط إضافة إلى صور تاريخية ويستخدم فبها أحدث التقنيات وسيعمد إلى تقديم نبذة عن كل من المراكز الرئيسية تعرف بالاسم والموقع والأهمية وتقدم وصفاً لها . ويعتمد في ذلك على روايات ووثائق وكتب الرحالين العرب والأوربيين . وان ما ننشره حالياً في الموقع يمثل بصورة أساسية ما عثرنا عليه في كتب الرحلات، حول كل من محطات طرق القوافل ومراكز الأسواق التي ترتادها في طريقها والمدن أو القرى التي تمر بها تفرعات هذه الطرق ونتبع في النشر توفر المادة الكافية . والغرض من هذا النشر الأولي هو إتاحة الفرصة أمام زوار الموقع لابداء آرائهم حول ماهو متوفر لدينا وننتظر مزيدا من المعلومات والوثائق والصور ممن يمتلكها . "ونؤكد أن هذه المادة أولية وسيتم تنقيحها على ضوء ما يتسنى لنا الوصول إليه من معلومات جديد . ونأمل من زوار الموقع وبالنقاش العلمي أن نتوصل إلى تقديم نبذة مفيدة ومتوازنة عن مدن الشريط الساحلي والجبال والواحات . ونعيد تأكيدنا أنها مادة أولية قابلة للزيادة والنقصان والتعديل .


مرزق : ـ إن اسم مرزق مأخوذ ولاشك من مصدر رزق، وهي تسمية لها علاقة بطبيعة نشأة المدينة كمحطة للتجارة، وبجلب الرزق، فلولا التجارة لما كانت مرزق، ويذكر عبد القادر جامي أن الاسم مأخوذ من مرزوق المرتبطة بالاسترزاق، فالموقع هو سبب نشأتها . إذ أن الموضع الذي تقوم فيه المدينة رغم وفرة الماء فيه والواحة ذات النخيل والزراعة، إلا انه موبوء بحكم برك المياه المالحة والسباخ التي تشغل جانب المدينة الشمالي بكاملة تقريبا والجانب الجنوبي الغربي. ويعرب ناختيغال ( ج 1 / 196 ) عن استغرابه لاختيار هذا الموضع الذي يغدو موبوءاً نتيجة للسباخ. ورغم المناخ الموبوء المناقض للمناخ الصحراوي الصحي، إلا أن موقعها على أهم طريق للتجارة ما بين البحر المتوسط وبحيرة تشاد الواقعة في وسط أفريقيا جعلها تستمر مركزاً تجارياً ومركزاً سياسياً وادارياً لفزان منذ تأسيسها حتى الاحتلال الإيطالي ، الذي نقل قاعدة الولاية إلى سبها ومنحها المركز الإداري والاقتصادي، وتراجعت مرزق إلى مركز ثانوي وتدهور وضعها خاصة لفقدانها الأساس الذي قامت عليه كمحطة رئيسية على طريق برنو وكمدينة سوق رئيسي .
ولكن متى نشأت مرزق ؟ أن الرأي الراجح يقرن بين حكم أولاد محمد في القرن السادس عشر وبين تأسيس مرزق ويحدد د. حبيب الحسناوي أن تأسيسها يعود إلى زمن محمد الفاسي واخذ أفراد أسرته بالانتقال إليها من سبها حيث حلوا في بداية الأمر، وان اتخاذها عاصمة لدولة أولاد محمد في فزان فقد جرى في عهد المنتصر بن محمد الفاسي في العام 1577 حيث شرع ببناء القصبة . أما رواية الرحالة الفرنسي دوفيريه بأن احد الأشراف قد أسس المدينة في 1310 ، حيث شيد بعض الأكواخ ومدرسة لحفظ القران الكريم، ثم بدأت تتطور مع توافد الناس إليها، والإقامة فيها ، إلا أننا لا نعلم مصدر روايته . على أن الرحالة الألماني رولفس الذي وصل مرزق في 1865 بعد دوفيريه بخمس سنوات، واطلع على مخطوط تاريخ فزان لدى محمد باسيركي في مرزق ولخصه في كتاب عبر أفريقيا ، يشير إلى أن أولاد محمد هم الذين أسسوها، ومما تجدر الإشارة إليه أنها منذ تأسيسها أخذت مرزق عدة وظائف دفعة واحدة، فهي في الأساس وليدة حركة التجارة على جانبي الصحراء، أي أنها مدينة سوق ومحطة رئيسية للقوافل، ثم أضيفت إليها الوظيفة السياسية والإدارية باعتبارها عاصمة للدولة الجديدة ومن بعدها عاصمة لمتصرفية فزان العثمانية ويظهر انعكاس ذلك في بنيتها الاجتماعية، فالمجتمع لا يعرف البنية القبلية بل الأسرية .
إن مرزق بالوظائف التي كانت تقوم بها، وبموقعها كمحطة وسوق رئيسيين على طريق برنو الشهير، جعلها من مدن الدواخل التي قصدها الرحالون الأوربيون الذين سلكوا طريق طرابلس أو بنغازي نحو بحيرة تشاد. وبحكم الاستعداد لمرحلة جديدة من مشروع رحلتهم، فانهم كانوا يمكثون فيها مدة طويلة نسبياً، انتظاراً لانطلاق قافلة نحو برنو ينضمون إليها أو يشكلون قافلة مع حماية الأمر الذي يتطلب المكوت فيها شهوراً وييسًّر لهم جمع معلومات تفصيلية عنها، وهي تبرز في شمولية محتواها قياساً لما كرس للواحات الأخرى . حسب تقديرنا أن عدد الرحالين الذي قصدوا مرزق حتى مطلع القرن العشرين، وخلفوا تقارير حولها لا يقل عن خمسة وعشرين. من الرحالين الأوروبيين وإذا اعتبرنا أن متوسط ما كتبه كل واحد منهم عنها حوالي 10 صفحات فإننا نجد نفسنا فيما لو جمعت هذه الكتابات المنشورة مع بعضها ، كانت ستشكل كتاباً يضم قرابة250 وحسب تقديري أنها لاتقل عن 350 ص بعض النظر عما نشر في المجلات صفحة . كرس قسم كبير منها لوصف المدينة وللتعريف بتاريخها والوقوف عند سكانها والوافدين إليها وعند نظام الإدارة فيها وحركة السوق والقوافل والتعامل والازدهار والكساد ،كما تذكر التجار المقيمين فيها ، وتعرف بوجهائها، وبالطبع فان أقوال الرحالة فقد استفادت من روايات أبناء مرزق، وسواهم وتكتسب أهميتها باعتبارها تمثل رؤية أبناء بيئة حضارة مغايرة ورغم ما تتضمنه من معلومات تتناول مواضيع متنوعة قلما نجد حولها ما يشفى الغليل في المصادر الأخرى ، فإن قسما لا يستهان به ومازال لم ينشر مترجما إلى العربية . حسب اعتقادنا إذا جمعنا ما كتبه الرحالة عن مرزق، ورتبناها في تسلسل حسب تاريخ الرحلة، فانه سيكون بوسعنا أن نتتبع تطور المدينة العمراني والاداري والاقتصادي على وجه معقول. ومن المؤكد انه يجدر بنا أن لا ننسى أن مستوى الرحالين متباين، ولكن يجب التأكيد، أن مرزق قد حظيت بمجموعة من التقارير البالغة الأهمية ونشير خاصة إلى تقارير بارت وبويرمان ورولفس وناخيتغال وفيشر ونعمد إلى نشر مقتطفات منها كي يكون القارئ على بينة منها .


مما خصت به مرزق أكثر من غيرها هي مجموعة من المخططات والرسوم التي وضعت حولها، تظهر خاصة الشارع الرئيسي أو ما يدعى الدندل أو شارع حميدة .


مركز الشرطة والحوانيت في شارع حميدة
ونذكر في مقدمتها مخطط بارت في 1850 ومخطط بويرمان في العام 1862 يضاف إلى ذلك مخطط ناختيغال وفي العام 1869 ومخطط عثماني يعود إلى 1883 لا يختلف عن الأخير . وفي كتاب الدبلوم مخططان من 1930 ـ 1958 وهذه المخططات إذا ما قورنت تقدم لمحة عن تطور المدينة خلال ما يزيد عن قرن ومما يزيد تصوراتنا عن معالم مرزق بعض الرسوم والصور القديمة ومن أبرزها لوحة تمثل مرزق وضعت على أساس رسم تخطيطي وضعه بارت للشارع الرئيسي الذي يمتد من الباب الشرقي الرئيسي حتى الباب الغربي وعلى ضوء هذا الرسم والمخططات المذكورة ووصف المدينة بوسعنا أن نضع مخططاً على الأقل للشارع الرئيسي الذي كان يضم أهم الأبنية العامة والسوق إلى جانب القلعة وتوابعها من المسجد والمخبز. والثكنة، كما توجد صور لأبنية بعينها مثل مقر وكالة القنصلية الإنجليزية والقلعة والأسوار وسواها وكل هذه تعتبر مادة مساعدة لدراسة مرزق وإعادة تصميم الأقسام الرئيسية من المدينة حتى نهاية القرن التاسع عشر بل حتى منتصف القرن العشرين.




خريطة لمدينة مرزق
ونقدم فيما يلي جزءاً مما كتبه الرحالة الألماني هينريش بارت ( 1821 ـ 1865 ) الذي يعتبر واضع منهج أدب الرحالات، وقام برحلته على حساب الحكومة الإنجليزية مع ريشاردسون الإنجليزي واوفرفيغ الألماني ثم بتعهم ألماني اخر هو ادوار فوغل واستغرقت رحلته خمس سنوات ونصف وووصل مرزق في 6 مايو 1850وغادرها إلى غات في 13 يونيو اى انه مكث فيها خمسة أسابيع كما عاد إليها بعد خمس سنوات في طريق عودته لكنه لم يمكث فيها إلا للاستراحة . وفي مرزق ضم إلى أفراد رحلته خادمه ومرشده ورفيقة الأمين محمد القطروني من قرية دجال غرب مرزق الذي كان له دور كبير في نجاح مساعيه لرحلة آمنه نافعة وفي إنقاذه وبث الطمأنينة في نفسه وهو الذي زكاه بحيث يستعين به بقية الرحاله ولذلك فانه رافق من بعده دوفيريه وبريرمان ورولفس وناختيغال ومنحت الدولة الألمانية محمد القطروني نوعا من التقاعد لقاء خدماته ونشرت أحدى الجرائد الألمانية نبأ وفاته .
لقد جاء وصف مرزق في الجزء الأول من الكتاب الذي وصف فيه رحلته بعنوان " رحلات واكتشافات في شمال ووسط أفريقيا خلال السنوات 1849 ـ 1855 .


بعد أن يتناول بارت وصوله إلى مرزق في 6 مايو 1850وتوقفه عند الباب الشرقي، في موضع لا يبعد كثيراً عن ساحة تجمع الحجاج في طريق عودتهم من مصر إلى مراكش وتوات ويشير إلى انه نزل عند قاقليوفي ( قليوفي ). وكيل القنصل الإنجليزي في مبنى القنصلية. ويذكر التقاءه مع محمد بورو الذي يحمل لقب سركي ن توراوا أي سيد البيض في أغادس وتم الاتصال به بناء على توصية حسن باشا البلعزي متصرف فزان السابق، وذلك كي يسافروا بصحبته إلى بلاد الايير وأغادس. ويقدم بارت وصفا ايجابيا لهذه الشخصية ولموقف القنصل السلبي تجاهه . ثم يبدأ بارت بوصف مرزق ( ج 1 ، ص 171 ) بقوله : " أقدم وصفاً للمدينة التي سبق لريشاردسون أن وصفها ، إلا اننى قمت برسمها من شرفة وكالة القنصلية الإنجليزية أن المظهر الخارجي للمدينة ليس ردئيا لابل فيه شئ من الجاذبية، ولو أن النظرة الأولى تبدو فيها سقيمة جدا وتبدو الحياة فيها غير مريحة، وخاصة أن الرحالة ليون قدم للأوربيين وصفا لجوها المتوهج. وأما ما يتعلق بالسور فان بارت (ج1ص172) يذكر بأنه ذو ثلاثة أبواب ، الباب الشرقي وهو الأكبر والغربي والباب الشمالي وهو صغير جداً وأما الباب الجنوبي فقد دمر تماما مع السور الجنوبي في زمن عبد الجليل حسبما تبين بقايا السور من عهد المكني ويقدر محيطها بحوالى ميلين والمدينة اكبر بكثير من عدد سكانها ومن سمة مرزق الشارع العريض الذي يمتد من الباب الشرقي باتجاه غربي ، وهو موضع السوق ويتردد عليه الناس كثيراً ويسمح بحركة الهواء ولكن أيضاً بالحرارة وان الأروقة المرفوعة على جذوع النخيل على جانبي السوق والمسقوفة توفر



إن المخفر الرئيسي الواقع بجانب الباب الشرقي ذا رواق مرفوع على ستة أعمدة ويقع مقابل القنصلية يمنح المدينة شيئا من الذوق وقد حافظ على شكله منذ زيارة ليون، والقصبة بنفس الشكل كما شاهدها ليون وهي ذات أسوار بالغة السماكة ألا أن الحجرات صغيرة، وأما الفناء فقد دخل عليه تغير بسبب تشييد ثكنة ضخمة جدا بمقاييس البلاد أو قشلة وهي تتخذ الجانب الشمالي من الفناء وهذه القشلة مربعة مع مساحة كبيرة في الداخل للأسلحة، وتحف بها القاعات وهي مصممة بحيث تكفي لايواء 2000رجل ويوجد فيها حاليا 400 تتوفر لهم إقامة معيشه مريحة وان الفرق كبير بين حالتهم المعيشية وتلك لأبناء فزان إلا أنهم يفضلون الموت جوعاً على أن يتطوعوا في الخدمة العسكرية .


قصر الحكومة التاريخي بمرزق
أما ما يخص التجارة فان مرزق تختلف عن غدامس التي تضم دور التجار الأغنياء الذين يستثمرون أموالهم في التجارة، ويجلبون بضائعهم الخاصة إلى ديارهم و مرزق سمة محطة رئيسية إنها سوق متوسط وموضع هام للتجارة، ولذلك فان المدينة تعاني دوما من نقص بالنقود . فالتجار الغرباء يحملون معهم قيمة ما يبيعونه فالمجابرة يأخذون ريع تجارتهم إلى جالو والتبو أو التيدا يحملونه إلى بلما، وكذلك شأن أبناء برنو وتوات. وهناك قلة من تجار مرزق الأساسيين الذين يقيمون فيها مثل محمد الخويلد ، محمد باشا بوخلوم الحاج محمد بن علوه وهم من مواليد أوجلة ومحمد أفندي المكيرزي ومحمد العامري والحاج محمد بشاء الله والحاج السنوسي الغزايلى وهم من سوكنة. ومن أبناء مرزق الشريف بركان وصلاح بوفوناس ( وهو الذي قتل إثر ثورة برنو ) وزين بن علي، جميع هؤلاء يقطنون مرزق وفيما عداهم فان البعض يتخذ المدينة للإقامة المؤقتة والأبرز بينهم ثلاثة من المجابرة إبراهيم المغائزرى( الذي تعرفت عليه طرابلس إلا انه توفى بالطاعون في موطنه، وهو بصدد التجهيز لقافلة للانطلاق عائداً نحو برنو ) وبطران وإبراهيم بشاره .
ومما تجدر الإشارة إليه فيما يخص التجارة أن الطريق الغربي أو طريق السودان فإنه أكثر ملاءمة من طريق برنو ، إذا انه الذي يتحكم بالأول هم الطوارق، وهم دائما مستعدون أن يقدموا العدد المطلوب من الجمال لنقل البضائع، ويضمنون الأمان. وأما الطريق إلى برنو وهو الأقرب إلى مرزق فانه غير آمن، لابل محفوف بالمخاطر وينبغي على التاجر أن يؤمن جماله أن ينقل على حسابه بمخاطرة خاصة. وأما الطريق عبر فزان، فأنني أقول أن الحطمان والزوية والمقارحه هم الذين يتولون الاهتمام بالبضائع، بينما يقع النقل بأجمعه في أيدي تنيلكوم، وهؤلاء الناس سندخل مباشرة بالتفاهم معهم لأنهم سيكونون المرشدين على طول الطريق من مرزق إلى بلاد الايير، لا بل ظل البعض منهم معنا حتى كانو . وان إجمالي المبلغ الذي يتم تداوله في مرزق يبلغ حوالي 100.000 ريال نمساوي ( لما كان ⅞ هذا المبلغ يوظف في تجارة الرقيق فان آثار إلغاء هذه التجارة التي بدا تطبيقها الآن لايمكن أن يتغاضى عنها ) .
الرحالة غيرها رد رولفس 1831 ـ 1896 :
يعتبر رولفس من أكثر الرحالة اهتماماً بليبيا إذ انه قدم إليها أربع مرات خلال الفترة من 1864 حتى 1879 وكرس لها ثلاث رحلات ( كانت رحلته الأولى التي قدم بها من المغرب عبر الجزائر إلى غدامس وطرابلس لم يكتب فيها عن ليبيا سوى القليل ) وقد حملته رحلته الأولي من طرابلس إلى غدامس ثم مزده و القريات و وادي الشاطئ ثم الجديد (سبها ) ومرزق و القطرون و تجرهي و بلما و انقيقمي و كوكه ، ومنها غرباً حتى لاغوس واستغرقت من 1865 ـ 1867 وأما رحلته الثانية فقد جاء إلى طرابلس حاملاً هدايا الملك فيلهلم الأول إلى الشيخ عمر سلطان برنو، ثم كلف الرحالة ناختيغال بتولي هذه المهمة . وقام رولفس برحلة قادته إلى بنغازي ومنها إلى الجبل الأخضر ثم إلى اوجلة وجالو وواحة سيوة ومنها إلى الاسكندرية وكان ذلك في العام 1869. وأما رحلته الثالثة فقد كرست للكفرة ووداي واقترنت أيضا بمهمة حمل هدايا من الحكومة الألمانية إلى ملك وداي. فانطلق من طرابلس إلى بني وليد وبونجيم وسوكنه وزلة واوجلة وجالو والكفرة، حيث انتهت رحلته نتيجة نزاع وقع مع احد مرافقيه واستغرقت الرحلة 1878 ـ 1879 ونجم عن هذه الرحلات ثلاثة كتب: أولها رحلة عبر أفريقيا، وثانيها رحلة من طرابلس إلى الاسكندرية، وثالثها رحلة إلى الكفرة وصدرت هذه الكتب الثلاثة مترجمة عن الألمانية من جانب د . عماد الدين غانم ونشرها مركز جهاد الليبيين والاهم من بينها فيما يخص مرزق هو الأول" رحلة عبر أفريقيا" إذ أن رولفس مكث في مرزق خمسة اشهر من 26ـ 10ـ1865 حتى 25 مارس 1866 و ارتبط خلالها بعلاقات مع مجموعة من الشخصيات، ورصد الأوضاع رصداً دقيقاً وحصل من احد أحفاد أولاد محمد على نسخة مخطوطة من تاريخها ووضع ملخصاً له في الفصل الذي كرسه لمدينة مرزق . وقد اخترنا هذه المقتطفات من كتاب رحلة عبر أفريقيا لنعبر عن رؤية رولفس حول المدينة .


الرحالة رولفس
بعد إشارته إن دوفيرية يقرن بين تأسيس مرزق وأولاد محمد يذكر أنها تقع في حفرة غير عميقة وأرضها ذات طبيعة مستنقعيه، الأمر الذي جعل مناخها غير صحي، وخطيراً على الغرباء. ويعتبر بارت المدينة ذات شكل يبلغ محيطه حوالي ميلين ويحيط بها سور بني في بعض نواحية من الطين المجفف تحت الشمس يتراوح ارتفاعه بين 20ـ 30 قدما وسمكه في القاعدة 10اقدام وفي الأعلى قدمان كما تتخله أبراج مربعة طوال ضلعها 30قدما. وتقوم في زوايا الناحية الشرقية مرابض تعلوها بعض المدافع. ويمتد شارع الدندل من الغرب إلى الشرق يعبر المدينة بخط مستقيم. وفي بدايتة يقوم مركز الجمارك عند الباب حيث وضع محرسان لحراسته . وأثناء وجودي في مرزق لم تكن الحكومة تتقاضى رسوماً على البضاعة الواردة أو الصادرة باستثناء الرقيق . ولهذا السبب لم يكن مركز الجمارك مستغلا. وإذا تتبعنا الشارع فإننا نجد إلى اليمين المخفر الرئيسي، والى جانبه منزل القائمقام، وأمامه مقر القنصلية الإنجليزية سابقا ويسكن فيه حاليا كاتب المال. وبعد هذين البنائين تحف بالشارع حوانيت صغيرة بنيت من الخشب أو الطين وهي تشكل سوق مرزق ويستمر الشارع إلى أن يصل ميداناً مكشوفاً تقع في ركنه الشمالي الغربي القصبة مع القشلة .
إن قصبة مرزق كانت مقر سلاطين فزان السابقين ثم أصبحت المقر الرسمي للقائمقام العثماني، إلا أن حليم بك قد هجرها، ويشاع إن السبب في ذلك يعود إلى أنها مسكونة بالجن، وفي الواقع لان الرياح تسرح فيها، وفي الفتحات الموجودة في نوافذها وأبوابها . رغم تداعي هذه القصبة في ظل العثمانيين، إلا أن القصر يثير العجب لارتفاع جدرانه التي لاتقل عن 80 قدما وسمكها و يبلغ حوالي 20قدما وهي من الداخل كتلة من الطين بسبب الأروقة الهائلة التي يتوه فيها المرء و الحجرات صغيرة، وقاعة العرش هي وحدها التي تحظى بمقياسات معقولة وكانت تجرى فيها الاستقبالات أما بقية الغرف، وحتى المخصصة منها للحريم، فهي صغيرة وواطئه تلتصق بالقصر من ناحية القشلة التي بناها العثمانيون، وهي متسعة بمقاييس مرزق. ومن الناحية الأخرى للقصر يقوم الجامع حيث كان السلاطين يؤدون الصلاة في الجامع الكبير في شرق الميدان وفيما عدا ذلك توجد بيوت مبنية من الطين ذات طابق واحد والبيوت ذات الطابقين قليلة، وهى في اغلبها منازل تجار من جالو أو سوكنه أو غات أو كوار أو غدامس . والدندل هو أغرض شارع في المدينة، والشوارع الأخرى ليست ضيقه كثيراً كما هو الحال في المدن الأفريقية عادة .
أن تجارة فزان غير مهمة إذ ما حذفنا منها تجارة الرقيق، ولم تكن ذات أهمية في أي وقت من الأوقات. أن المنطقة ليست سوى محطة عبور البضائع من الشمال من طرابلس ومصر إلى الجنوب إلى برنو وبلاد السودان المتاخمة لها . كما أنها نقطة عبور للمنتجات القادمة من وسط أفريقيا وعلى العكس من ذلك فقد زادت تجارة الرقيق، ولم تتراجع. ومن هنا يباع الرقيق نحو تونس وطرابلس ذاتها، ويؤخذ اغلب الرقيق إلى السوق في مصر. وكما ذكرت في اغلب الأحيان فان الدوائر العثمانية تشجع تجارة الرقيق عوضاً عن منعها وذلك في المناطق البعيدة عن رقابة القناصل الأوروبيين . من المؤسف أن قوى نصرانية مثل فرنسا وانجلترا التي سعت في البداية إلى إلغاء الرق تتخذ على ما يبدو موقفا غير حازم في هذا المجال تجاة الدولة العثمانية لقد سمعت شخصيا من القائمقام أن رجلاً وحيدا في مرزق هو الحاج محمد العامري قد صدر في العام 1864 ـ 1865 ما يزيد عن 1100 من الرقيق، ولديه حالياً في بيته مالا يقل عن خمسين منهم. وفي البداية قدم لي الحاج العامري على انه وكيل انجلترا، وعدما وجدت في التقويم الملكيRoyal Almanac انه لم يعد لانجلترا ممثل في فزان، قال انه وكيل القنصل الإنجليزي السابق قاقليوفي. وإذ ما صح ذلك فان السيد قاقليوفي لم يكن سوى وكيل في تحقيق أعمال مجدية بالاتجار بالإنسان. إن الفزانيين شعب طيب ومستقيم ويشعر المرء داخل فزان بالأمان من قطاع الطرق واللصوص وبوسعه أن يدع أغراضه في وسط منطقة آهله دون حراسة ودون أن يخاف أن يسرق رغم أن كثيراً من التبو يقيمون في فزان، وينسب إليهم ميل إلى السرقة . وفي يناير 1870 يكتب ناختيغال ( آخر من زار فزان ) إلى باستيان في مجلة الجمعية الجغرافية .في السابق كانت البيوت تترك دون أقفال لكن امراً قد تغير في فزان وتوجب على الآن أن أحضر الجمال إلى المدينة لتوفير قسط أكثر من الأمان.
نظر المسؤولون والناس إلى رولفس في فزان بأنه عسكري، باعتباره يذكر في الفرمان بصفة بك وزار القول أغاسي (النقيب ) واستعرض قواته. ويرى أنها سرية منظمة ويحظى الجنود بإعاشة جيدة و المهاجع نظيفة، والمستشفى العسكري فيه 12 سريراً ونظيف. وطلب الطبيب العثماني من رولفس أن يزوره في منزله، وتحدث له بسرية عن عدد الرقيق الذي يدخل المدينة بحماية القائمقام، وبلغ خلال فترة وجوده 4084 رأسا، وهو يعرف العدد لانه يحصر من جانب الحرس لابلاغه إلى القول أغاسي، ويأخذ عن كل رأس يدخل 2 محبوب و½ قرش عن كل من يخرج . إن وكيل القنصل الانجليزي كان يشارك في تجارة الرقيق و يقترح رولفس على الإرساليات شراء الأطفال الأرقاء وتوليهم، وعن طريقهم تنشا مجموعة مسيحية في فزان .
يقدر رولفس عدد السكان داخل وخارج المدينة 8000 منهم 3000 داخلها وقدرهم فوغل بحوالى 9800 وفي زمن زيارة رولفس كان السكان في تزايد ولقد ساد الأمن في زمن العثمانيين. ويؤيد رولفس قول ريشاردسون انه ما من بيت له قفل أو درباس فان أهل، فزان لا يسرقون مطلقاً .
يقوم على راس الإدارة القائمقام وكان بداية ذا صلاحيات واسعة في أمور السكان والسلم والحرب مع الشعوب المجاورة، إلا أن هذه الصلاحيات حددت منذ مطلع الستينات، وأصبح يعين من الاستانه، وهنا يقال " السماء عالية والاستانة بعيدة " وهو مضطر للتفاهم مع طرابلس .
الشخص الثاني القول اغاسى أعلى موظف عسكري تحت امرته 500جندي من المشاة وعدد من الخياله وأربعة مدافع ميدان ويؤخذ معظم العساكر من اهالي فزان في حين أن الضباط وضباط الصف من العثمانيين .
الموظف الثالث كاتب المال وهو المسئول عن الضرائب والشوؤن المالية .
الموظف الرابع قواص باشا رئيس الشرطة الذي يقوم بتنفيذ أوامر القائمقام ، أما أبناء البلد فإنهم يشغلون وظيفة القاضي وهي وراثية منذ أيام أولاد محمد، ووظيفة شيخ البلد المحصورة في أسرة بن علوه وهي ذات علاقة طيبة بالرحالين ويذكرهم رولفس وناختيغال وسواهما أثناء الجولة التي قام بها رولفس إلى تراغن في مطلع 1866 تعرف على مزايا محمد القطروني خادمه الجديد ومرافق العديد من الرحالين إذ يقول عنه " لم يشارك مزاح وهرج الآخرين وكان يسير بجديه وتؤده، ولم يشبهه احد في معاملة الجمال، ولا في مهارته وسرعته عند تحميل الأغراض و تنزيلها، وفي تنظيم العمل والسير، وفي اختيار مضارب جيدة. وان أمانته واخلاصه واستقامته كانت تسمو فوق كل شي وقال عند عمله لدى، انتم في دينكم ونحن في ديننا، ولكن عندما تريد أن اذهب معك على اسم الله، ومثلما خاطرت بحياتي في سبيل ابن عمك فأنني مستعد للموت في سبيلك .
الرحالة غوستاف ناختيغال ( 1834 ـ 1885 ) : ـ
أن الطبيب غوستاف ناختيغال الذي وصل الجزائر في 1862 لاسباب صحية واستقر في عنابة لمدة ستة اشهر لم يلبث أن غادرها إلى تونس، حيث كانت له عيادة واشتغل طبياً عسكرياً ثم طبيباً لباي تونس. واستمر فيها حتى أواخر 1868، عندما وقع الاختيار عليه من جانب رولفس بناء على نصيحة المستشرق والرحالة الألماني البارون هينريش فون مالتسان كي يتولى نقل هدايا الملك البروسى من طرابلس حتى كوكه عاصمة برنو وتقديمها هناك إلى الشيخ عمر سلطان برنو. وهذه المهمة التي قبلها ناختيغال ببالغ الاهتمام أدت به إلى القيام برحلة حملته من طرابلس إلى ترهونة بنى وليد ، بونجيم ، سوكنة ، أم العبيد ، الزيغن ، سمنو ، تمنهنت ، الجديد ( سبها ) غدوه ، مرزق . ثم قام برحلة إلى تبستي وبعد ذلك اشترك مع محمد ابوعائشه في قافلة واحدة إلى برنو ماراً بالقطرون وتجرهي وبلما وكوكة ومن هناك زار كانم مع أولاد سليمان. ثم قام برحلة إلى حوض تشاد ووداي ودارفور واستغرقت رحلته حوالي ست سنوات. لقد مكث ناختيغال في مرزق التي وصلها في 17 مارس 1869 حتى مايو 1870 لم يغادرها إلا لمدة ثلاثة اشهر زار خلالها تبستي. وفي مرزق قام باتصالات واسعة، وأجرى دراسات وتعلم الكنورية وأخذ يرتب لرحلة مشتركة مع الرحالة الهولندية الكسندرينا تينه التي كانت قد حلت في مرزق قبله بأسبوعين، كما كان يعالج المرضى. وان معرفته العربية ومهنته الطبية وكياسته سمحت له بجمع معلومات واسعة عن مرزق وفزان عموماً صب معظمها في فصلين حول المدينة وفصل عن الأمراض لم يسبقه إليها الرحالون الآخرون. ومن يدرس المدينة وفزان عموما لامناص له من الرجوع إلى كتابه الصحراء وبلاد السودان في المجلد الأول منه . وقد اخترنا بعض المقطتفات لنشرها هنا من باب الإشارة إلى المواضع الهامة التي يتناولها والمنهج الذي يتبعه في ذلك وقد ترجم عبد القادر مصطفي المحيشي الأجزاء الأول والثاني والرابع عن الإنجليزية وترجم د. عماد الدين غانم الجزء الثالث عن الأصل الألماني كما قام بمطابقة جميع الأجزاء على الأصل الألماني، وصدرت ترجمة الجزء الأول منه في 2007 عن مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية .
يقدم ناختيغال وصفاً دقيقاً لمرزق كما فعل في حالة طرابلس، ويصعب أن نقدم ما كتبه ونكتفي بإيراد مقاطع مما كتبه . " لم نعبر البوابة [ الشرقية > التي يقع بجانبها مكتب الجمرك، ثم دخلنا الشارع الرئيسي الذي يمتد من الجنوب الشرقي إلى الشمال الغربي وينتهي عند طرفه بالبناء الرائع للقصبة حيث مقر الحامية العسكرية .
لقد بنيت جميع البيوت على جانبي هذا الشارع الذي يختلف اتساعه من مكان إلى آخر والذي يعطي المكان بأجمعه صفة تختلف تماما عنها في أية مدينة إلى الشمال منها . لقد شيدت البيوت بالطين وحيث أن التربة في الاماكن المجاورة ملحية جداً، فيبدو انه من الممكن جرفها بمياه المطر أكثر من بيوت سمنو والقرى الأخرى . على انه اثر بنائها الأكثر روعة والمساحة التي تشغلها فإنها خلفت في النفس انطباعاً مهيباً، ويوجد في الكثير منها دور علوي بنوافذ معتادة يمكن أن تغلق بمصاريع إن لم تكن بألواح زجاجية. وكما هو الحال في بوابات المدينة فان بعض المصابيح صنعها نجارون من أخشاب أوربية بيد أن معظمها صنعت من خشب النخيل" [ أقول أن ناختيغال يريد أن يبين الطابع المدني الملموس في مرزق > لقد ذكر ناختيغال أن القافلة توجهت منذ بضعة شهور إلى برنو إذ أن الأوضاع التجارية لم تكن مغرية للتجار الشماليين بحيث تنطلق قافلة في الفترة القريبة.


الرحالة ناختيغال
وهذا ما جعله يقضى أكثر من عام في مرزق حتى استطاع التوجه إلى برنو بعد الانضمام إلى قافلة محمد أبو عائشة موفد والى طرابلس الغرب إلى الشيخ عمر الكانمى سلطان برنو.
يذكر ناختيغال أبناء محمد بن علوه الذين جاؤوا لزيارة الحاج عبد الله اكبر أبنائه الذي نظم عدة رحلات تجارية في بلاد السودان وكانت دائما ذات ريع غير مجز. ووصف إبراهيم بن علوه بأنه القوة المحركة للإدارة المحلية نظرا لعدم كفاءة المتصرف، وهو القائم بما يمكن أن يوصف بالحكومة. وكان مكتبه في الطابق العلوي في منزل فخم نسبياً عند النهاية الشمالية الغربية للشارع الرئيسي المناسب لاقامته على نحو مريح، كما كانت تحت تصرفه أيضا حجرة أرضية لها نوافذ ذات ألواح زجاجية والإنجاز الوحيد الذي يذكره هو شئ من النظافة وقد ادخلها على محيطه مباشرة، ولديه وصيفان أسودان بلباس خدم يشبه الخدم الأوربي. بالإضافة إلى هذه الشخصيات يذكر ناختيغال الآنسة تينه التي كانت تقطن بيتاً كبيراً في منتصف الشارع الرئيسي كان سابقاً للمكني وهو مطابق للقنصلية الإنجليزية.
إذا تتبعنا الشارع الرئيسي انطلاقاً من الباب الشرقي أو البوابة الرئيسية الباب الكبير فان النظر يقع قبل كل شي على مخفر الحرس الرئيسي بردهته المدعمة بالأعمدة الخشبية وعلى صف من الدكاكين من كل جانب تمتد أمامها أروقة محمولة على دعائم، هي ملتجأ ظليل للباعة والمشترين . في ذلك المكان يعقد السوق اليومي يبلغ ذروته بعد الظهر وعلى الجهة الأخرى لهذا السوق يأتي الشارع إلى نهايته عند منزل الباشا على الجانب الايسر ومنزل كاتب العسكر على الجانب الأيمن وينفتح على ميدان فسيح أقيمت عليه القلعة وهى مبنى ضخم شبه مربع تواجه جوانبها الاتجاهات الأربعة للبوصلة. وإذا ما مررنا بالقلعة باتجاة الشمال نصل إلى الباب البحري في الجزء الغربي من الجهة الشمالية للمدينة. وإذا أمررنا بجانبها الجنوبي نصل إلى الباب الغربي. وأما القصبة( القلعة ) ذاتها فإنها تضم داخل أسوارها الضخمة ذات الشرفات الثكنة التي تلي يمين المدخل مباشره وهي بناء مربع في وسط فناء واسع بنى على مساحة تعتبر بمقاييس فزان هائلة، ويظهر عليه الإهمال ومقابل الثكنة المسجد وبنى بنمط متواضع. والى الغرب من المسجد مخبز الحامية، وعلى الجانب الغربي من الثكنة البستان. وتملا القلعة وسط الخلفية ما بين المخبز والبستان وشيدت من الطين وتمنح بأسوارها الضخمة انطباعاً مهيباً في وسط تلك المنطقة باجمعها. وفي داخلها حجرات فسيحة للباشا وموظفية وقاعة للمجلس الكبير ومن السطح المنبسط حيث سارية العلم يمكن الإطلاع على سطوح بيوت المدينة المنخفضة وكذلك المنطقة المحيطة التي لاتخرج عن كونها لوحة فنية .
لايمكني أن اتصور السب الذي جعل الحكام لا يرغبون الإقامة على هذا المرتفع الرحب من المدينة الموحشة، حيث لم يقم أي منهم منذ حسن باشا [ حسب رولفس هجرت منذ حليم بك الذي كان قائمقام مرزق في 1866 أثناء زيارة رولفس تولى المنصب 3 سنوات ثم عاد إليه في فبراير 1870 عندما كان ناختيغال فيها ينتظر قافلة إلى برنو > وتتولى حمايتها 6 مدافع عاطلة جزئيا، وقدرت الحامية بحوالى 500جندي أما الان فقد تناقص العدد إلى 300 واستبدل الأتراك بفزانيين متزوجين يعيشون من الصناعات اليدوية أو من زراعة بساتينهم. ويقسم الشارع الرئيسي المدينة إلى قسمين متساويين تقريباً وكلاهما مقطع بممرات ضيقة متعرجة جدا في أكثر الأشكال شذوذاً وبنيت البيوت بالتربة الملحية والصلصال ويوجد بالقسم الجنوبي من المدينة أكثر من 300منزل وأكثر من 280 في القسم الشمالي وعلى هذا تضم المدينة حوالي 600عائلة وإذا ما قدرنا متوسط أفراد الأسرة بستة أشخاص فان عدد سكان المدينة حوالي 3500نسمة وكانت المدينة باتجاة الجنوب أكثر اتساعا بحوالى الربع ولا تزال تشاهد بقايا السور الدائري الذي يطوق الرأس كما كان يسمى الجزء المجهور من المدينة. كما كانت هناك بوابة رابعة في منتصف جانب المدينة الجنوبي الحالي إلا أنها مسدودة الآن .
حسب روايات جميع الأشخاص من ذوي المعرفة فان عدد سكان بساتين المدينة كان يبلغ تقريباً عدد سكان المدينة ذاتها وهو تقدير يصعب التأكيد من صحته بسبب تبعثر المساكن خارج المدينة. وقمت بزيارة بستان الحاج إبراهيم [ بن علوة > الذي يقع على مسافة نصف ساعة إلى الشمال من المدينة وقد عقدت العزم على التاكيد من ذلك الموضوع على جانب المدينة الشمالي بكامله تقريباً برك من المياه المالحة والسباخ ومما يدعو إلى الدهشة انه تقوم في وسطها بعض العيون العذبة وكذلك هو شان الأراضي الواقعة في الناحية الجنوبية من المدينة وستبقى الحماقة التي ارتكبها مؤسسو المدينة غير معقولة إلى الابد عندما اختارواً هذه الأرض ذات السبخات الواسعة لاستقرار السكان وتتمتع الصحراء عموماً بدرجة عالية من المزايا الصحية .
لقد فقدت مرزق منذ وقت طويل مكانتها كمركز تجاري وان كبار التجار الذين مازالوا في المدينة منذ سنوات أكثرهم من الغرباء، من أبناء أوجلة وسوكنة وهون وطرابلس وقد عانى هؤلاء من المناخ المستنقعي وكانوا يدبون حول أعمالهم بوهن وضعف وكسل بوجوه كالحة وصفراء وشفاه شاحبة وعيون متثاقلة وحتى ملابسهم فهي عباءات رمادية أو رمادية بنية وقمصان زرقاء باهتة تتناغم في مظهر يوقع الكآبة في النفس مع وجوههم المرهقة والشكل العام للمدينة يبقى الناس في بيوتهم طالما أن عملهم يسمح بذلك و لا يقابل المرء في معظم النهار إلا التجار المساكين في محلاتهم بالسوق. ولا تجذب المقهى المعزولة عند مدخل السوق بمشروباتها المريبة التي تقدم مقابل 5 بارات للفنجان إلا جنود الحامية أو ما شابههم من الزبائن كما لا توجد أية زاوية شارع ظليلة لتغري بالجلوس والانهماك في القيل والقال فقد كان الأفضل للجميع أن يبقوا في منازلهم دون الخروج .
وكان من الممكن أن تكون عاصمة فزان أكثر رتابة ومللاً لو لم يكن هناك حركة السوق التجاري حيث يأتيه الاهالى من أصحاب البساتين والعناصر الغريبة الكثيرة في المدينة ومعظمهم من مناطق أبعد جنوباً. قبل الظهر يفد إلى المدينة تدريجياً أصحاب البساتين ويغطون بمنتجاتهم السوق الذي يزداد ازدحامه في ساعات بعد الظهر. وتذبح الإبل والأغنام والماعز في الصباح والضأن هو المفضل. وتحضر نساء المدينة الخبز الطازج ويظهر أصحاب المتاجر تدريجيا ليعرضوا للبيع كميات متواضعة من السلع. ولكنها متنوعة مما يلزم الحياة المتحضرة في أوروبا والساحل الجنوبي للبحر المتوسط من كبريت، وورق لف السجائر والتبغ التركي، والحلويات من طرابلس واسطنبول وفناجين القهوة الصغيرة ومعدات الطبخ وصحون النحاس والقصدير والجبنة الهولندية والبراميل وأمواس الحلاقة والإبر والمرايا اليدوية الصغيرة والمقصات والأمواس وزينات النساء والأساور والخلاخيل النحاسية والفضية والعاجية من القرون وقلادات العقيق والكهرمان وخرز الزجاج والمرجان . كما يعرض الباعة العامون الأقمشة من القطن والحرير والمناديل والملابس العربية والقبعات التونسية وبرانيس من الصوف الإفريقي أو من النسيج الأوربي والحيوك التونسية أو الطرابلسية الرائعة وأغطية الأسرة الصوفية الناعمة الملونة من جزيرة جربة أو بلاد الجريد أو سجاد قليل من الجودة من مصراته أو أنواع أفضل من اسطنبول وأوربا. واللحافات النسائية من مصر ،والسروج العربية والركابات وغطاءات السروج من القطيفة أو الجلود المغربية المطرّزة بالذهب أو الفضة ولباد السروج السميك ، والأثواب الفاخرة السودانية ، والأحذية الجلدية الصفراء المطرزة بالحرير ، وأكياس الجمال الصوفية المصنوعة محلياً ،وقرب الماء من بلاد الهوسة ،وغيرها كثير من الأشياء القيمة الأخرى. وينادى هؤلاء السماسرة بآخر سعر يعرضون البيع به ، ويمسكون بالسلع في أيديهم عالياً ، ويقفون أحياناً حتى يعطوا فرصة لمن يريد معاينة السلعة ، أو يطرون جودة سلعهم بإفراط، فهم لا يستقرون أبداً في مكان ، حيث يهرولون من نهاية السوق إلى نهايته الأخرى من اجل الحصول على زيادة في السعر قد لا تزيد عن نصف أو ربع قرش، ولا يقتنعون بهؤلاء الذين يقومون بزيارة السوق ، بل يبحثون عن الناس الذين هم على دراية باحتياجاتهم أو ما يميلون إلى شرائه بالذهاب إلى بيوتهم وتكافأ مثابرتهم العسيرة بعمولة قد لا تزيد على بارة في القرش الواحد .
وتستخدم النقود المتداولة في طرابلس كقاعدة للقيمة في مرزق ، بيد أن معاملات السوق ، التي هي معقدة في فزان ، قد صارت أكثر تعقيداً باستخدامها الريال الفزاني ، ويعادل 15 قرشاً عثمانياً ، والذي هو مثل المحبوب لا يوجد في الواقع كعملة.
عندما يتوقع مرور قافلة تحضر الجمال إلى السوق من فزان وبلاد الطوارق والتبو، وعند الغروب يفد الطوارق من الوادي الغربي من البوابة الغربية بالفحم، وهم يختصون بهذه الصناعة. ونظراً لقلة الأشجار في فزان فان الفحم يعتبر سلعة ثمينة ونادرة، وغالباً ما ينتظرها الناس عند البوابة أو على الطريق . وتأتي القرويات تدريجياً إلى المدينة ومعهن الذرة في شكل حبوب أو دقيق أو محمصة والخضروات مثل الفاصوليا، والملوخية والبصل والباميا، واللفت والفجل وبذور الحنظل والفلفل الأحمر من السودان أو الفلفل الأسود من أوروبا. ويعتبر التمر أكثر الفواكه انتشاراً، والبطيخ متوفر وتأتي بعض الكميات من التين وبعض الرمان الردئ. واما التفاح والمشمش والكمثرى والعنب والسفرجل لاترى إلا أحيانا، لان الأغنياء ينفردون بزراعتها . الحليب والزبدة غالى الثمن بسبب ندرة الماشية وإذا تحمل المسافر تعب احضار زيت الزيتون الممتاز معه من الشمال من بنى وليد أو جبل غريان إلى سوق مرزق فإنه يحصل على ربح مجز ويباع تبغ المضغ ويعتبر ممتازاً إذا ما جاء من قرية زيزاو المجاورة. في سوق الخضار والفواكه كانت النساء تمثل الأغلبية يجثمن خلف سلالهن المصنوعة من سعف النخيل.
ويذكر ناختيغال أن جميع الألوان ممثلة في برنو وبعض هذا الخليط يتكلم العربية واخرون لغة التبو والهوسة ولغة برنو الكنورية كثيرة الاستخدام وأكثر اهالي الصحراء أصالة الطوارق العابرون والتيدا الرشيقون. كان البعض من التجار المرموقين في طريقهم إلى السودان الغربي ويعتزمون السفر عن طريق غات إلى بلاد الهوسة الصناعية وآخرون قد وصلوا من هناك، وكانوا في طريقهم إلى طرابلس وبنغازي أو القاهرة ومازال آخرون يعيشون في فزان. وهناك حجاج ممن يرسلهم السودان الغربي كل سنة باتجاة الشرق يسلكون طريقهم عبر فزان والشمال الغربي .
تجارة فزان في رأي ناختيغال : ـ
رغم ما تقدمه الزراعة لاهالى فزان فإنها لا تكفي بأكثر من حياة مجردة وبدون النخيل لايمكن حتى توفر الحد الادني، ويضاف لذلك تربية الماشية إلا أن كل ذلك لا يؤمن لأبناء فزان فرصة لتوفير اية مدخرات للطوارئ والشيخوخة ، ولهذا تبرز التجارة. ويعزى ازدهار فزان إليها على مر الزمن . لقد جعلت سلسلة الواحات المتواصلة التي يربطها بساحل المتوسط، ومواضع التزود بالمياه المنتشرة على طول الطريق حتى بلاد السودان وقرب فزان من بلاد الطوارق والتبو، والنظم والإدارة الحكومية جعلت من فزان من قديم الزمان مركزاً هاما، وكل فزاني ثري كان تاجراً ويبدو أن الرومان لم يتوغلوا في أقاليم السودان بيد أن منتجاتها وصلت إليهم عن طريق فزان إلى الساحل الشمالي. وعندما جاء الإسلام لم يدفع بسكان أكثر حضارة إلى الصحراء فحسب بل أقام دولا إسلامية على ضفاف بحيرة تشاد والنيجر ونمت هناك تجارة نشطة من جميع الجهات .
كانت بضائع الشمال تتدفق إلى فزان من تونس وطرابلس ومصر، ومن ثم تنتقل إلى الأقاليم الصحراوية وبلاد السودان والعكس كانت منتجات هذه البلاد تنتقل وتتجمع في فزان. وقد احضر كثير من الذهب في شكل تراب أساسا، ولكن أيضا وعلى شكل خواتم وسبائك صغيرة الخ من تمبكتو على مر العصور من إقليم اعالى النيجر إلى فزان وكان المثقال واجزاؤه حتى بداية القرن التاسع عشر القيمة المعيارية السائدة . ولم يجر إحضار الريال النمساوي والليرة الأسبانية إلا عندما نضبت إمدادات الذهب من هذه المناطق. وكان يحصل على القطع الصغيرة في البداية عن طريق التقسيم اليدوي لليرة ثم بعد توقف استيراد الذهب تماما لفترة جيل ، وإتمام إقامة الحكم العثماني المباشر أصبح الحصول على تصريف العملة إلى وحدات صغيرة يتم بقطع معدنية طرابلسية على نحو كامل . ويأتي من بلاد الهوسة القرب وجلود الماعز المدبوغة والأقمشة القطنية والنيلة والببغاوات ومن برنو علاوة على ذلك النيلة والتمر هندي وجلود النمور والأسود ومن باقرمي ووداى البخور وقرن الحرتيت، وكان ريش النعام وعاج الفيل والرقيق وهي أكثر سلعة مربحة وواسعة الانتشار من بين جميع السلع التجارية يستورد من معظم هذه البلدان.
ان الطلب الزائد على جميع هذه السلع فيما عدا السلع المصنعة في بلاد الهوسة وتونس ومصر وعبر المتوسط حتى اسطنبول. إن كبار السن في فزان[ أثناء زيارة المؤلف> كانوا يتذكرون أيام شبابهم عندما كانت تأتي قوافل الحجاج الكبيرة كل سنة من تمبكتو محملة بالذهب وتحمل معها البضائع في طريق العودة كما كانت القوافل التجارية إلى السودان الأوسط وبلاد الهوسة وبرنو وكانت تنظم عدة مرات في كل السنة ومن ثم تعود بعدة الاف أكثر مما ذهبت .
كان من نتائج حالة الانحطاط التي بلغتها بلدان الساحل الشمالي والأوضاع التجارية غير الملائمة في بلاد السودان ونشوء منافذ بحرية أخرى لم يكن اقلها اضحلال تجارة الرقيق قد أدت جميعاً إلى تقهقر كئيب وكان الوقت متأخراً عندما حافظت تونس على علاقة نشطه مع برنو. كما أن قوة طرابلس العسكرية قد ضعفت، وهكذا كانت نشاطاتها التجارية ورأسمالها. واختفت فيها روح المغامرة سواء في طرابلس أو فزان عندما عانى تكراراً طريق وداي من توقفات عديدة. ومع بداية القرن 19 ثم فتح طريق مباشر مروراً بواحة جالو إلى بنغازي أو القاهرة . ومنذ ذلك الوقت أصبحت تجارة وداي مع الساحل الشمالي في أيدي المجابـرة سكان جالـو. وانحطت برنو وقدرتها الإنتاجية وعلاوة على ذلك استولى الغدامسيون شيئا فشيئا على التجارة في غرب الصحراء مع سكانها الذين تربطهم بهم علاقات قبلية وبهذا حصلوا على اقصر الطرق إلى بلاد الهوسة وتمبكتو، وأقاموا هنا وهناك مؤسساتهم التجارية الخاصة. وان العقبات التي وضعت في طريق تجارة الرقيق كانت آخر ضربة تتعرض لها تجارة فزان، ولم يعد هناك في تونس ولا اسطنبول طلب على هذه السلعة المربحة كما لم يعد الطلب كبيراً من طرابلس نفسها وعندما توقفت المبيعات في اسطنبول كان من الممكن مواجهة احتياجات مصر من البلدان الوثنية المجاورة . ما من شئ يعوض الخسائر التي عانتها فزان في علاقاتها التجارية مع دول السودان. وبصرف النظر عن إنتاج بحيرات النطرون التي ذكرت آنفاً ـ يمد بحر الطرونة طرابلس بحوالي 500,000 رطل من الصودا ـ ليس هناك إنتاج يستحق أن ينقل إلى ساحل البحر المتوسط. وكانت تنقل كميات هامة من أوراق السنا إلى الشمال من جبال تيبستي عن طريق فزان ، ولكن نتيجة لانخفاض ثمنها فان نقلها آنئذ ومع زيادة تكاليف الابل قد أصبح مكلفاً جداً.لا توجد في فزان صناعة من أي نوع ،وعلى هذا فقد اختفى ازدهارها النسبي السابق، وأصبحت عائلات مرزق المشهورة بثرائها فيما مضى فقيرة تدريجياً أو تنسحب إلى بيوتها في أوجلة وسوكنة ...الخ . وصمدت عائلة بن علوة من خلال مركزها في إدارة الإقليم وصمد الحاج العامري شريك السيد قاقليوفي ، في الأساس من خلال الإيجارات التي تدرها عليه بحيرة النطرون، ولا يحصل التجار الثلاثة أو الأربعة الباقون الذين كانوا يسافرون إلى بلدان السودان أو يقدمون خدماتهم للمسافرين إلى هناك إلا على دخل متواضع جداً. وكانت هناك عائلات يسافر ثلاثة أخوة منها باستمرار إلى طرابلس والقاهرة والى غات وبلاد الهوسه وبرنو، ولم يكن بمقدورهم مع أقصى نشاط لهم إلا تحقيق نتائج متواضعة تماماً . وعلاوة على ذلك ليس في فزان من الحرفيين إلا من هم الأكثر ضرورة . وبذلك فان كثيراً من الأشياء التي كان يمكن أن يصنعوها بذاتهم، كانت تحضر من طرابلس، فقد كان باستطاعتهم تحويل الجلد الأحمر والأصفر إلى أحذية، وأحزمة، ومعدات سروج، وأحزمة عريضة للكتف يوضع فيها الرصاص، ويزينونها بتطريز دال على حسن ذوق، وكانت الحياكة العادية قائمة في كل بيت. ولقد ضعفت حرف دبغ الجلود والنسيج والصباغة، ولم يكن هناك أثناء زيارتي فعلياً سوى نجار أو مصلح للأدوات الخشبية ( ان هاتين الحرفتين يقوم بهما شخص واحد في هذه الأقاليم ) الحاج محمد الستار الذي كان من الأعيان وعضواً في المجلس الكبير، والذي كان في الغالب يعمل لنفسه أو لأصدقائه، ويكرس معظم وقته للزراعة والتجارة. ولم يكن هناك خراط في مدينة مرزق ولم يكن بإمكان الحداد إلا توفير بعض اللوازم البسيطة جداً، وكان في نفس الوقت سمكرياً وصانع أقفال ومصلحها وصائغاً، بيد انه لا يجد في الغالب فحماً، وتستأثر الزراعة بمعظم وقته مثل أي مواطن آخر في مرزق فهو بالطبع لابد ان يركز اهتماماته عليها حيث لا يكفيه دخله من الحرف الأخرى التي يزاولها ونتيجة لذلك فان على حرفته وزبائنه الانتظار. ولم يكن يصنع هناك بكميات كافية إلا الفخار الضروري والسلال المضفورة من سعف النخيل ونسيج وبر الابل لسد حاجة الإقليم، ويحصل على أي شئ آخر، في الغالب من طرابلس مثل البضائع القطنية الرخيصة والأقمشة والحرير والأواني النحاسية ويحصل من السودان إلى حد اقل من ذلك على البدل القطنية الجاهزة وقرب الماء والأواني الخشبية وعلى ذلك بالطبع تكلف زيادة في السعر لما يزيد على خمسين في المائة.
هانس فيشر : ـ
أن هانس فيشر ليس رحالة في الأساس بل عين قنصلاً لبريطانيا في برنو وانطلق من طرابلس بحيث يسلك طريق القوافل ليلتحق بعمله جنوب غربي بحيرة تشاد وبهذه المناسبة يصف طريقه إلى عمله وترافق في الأراضي الليبية مع شخصية مرموقة وهو عبد القادر جامي ويبدو أنهما لا يبتعدان في اهتماماتهما عن بعض وكل منهما متأثر بالأخر وكان مفعما بهذه الفرصة التي جمعتهما على مدى عدة اشهر من العام 1906 ويشيد كل منها بالأخر في التقارير التي وضعاها عن هذه الرحلة لابل استعمل فيشر العديد من الصور التي التقطها جامي توثيقاً للمعالم التي شاهدها في مختلف مراحل سفرهما في الجبل والحمادة ووادي الشاطئ والوادي الغربي ومرزق والقطرون وسواها .
وإذا أخذنا مرزق بعين الاعتبار فإننا نلاحظ ان فيشر قد خصها بما يتجاوز الخمسين صفحة وباعتقادنا ان تحليل هذا النص يقدم للمؤرخ الاقتصادي والاجتماعي مادة عن التغيرات التي شهدتها مرزق التي ظلت قاعدة فزان على مدى أربعة قرون على الأقل اثر الأحداث التي عطلت بدءاً من تسعينات القرن التاسع عشر الجزء الجنوبي من طريق برنو الشهير وانعكاس ذلك على المدينة ومكانتها التي اكتسبتها في الأساس من كونها محطة رئيسية لهذا الشريان الهام لتبادل السلع والمصالح مابين الشمال والجنوب . والموضوع الجديد كلياً الذي مسه هانس فيشر في اطار مهمته السياسية هو الوقوف طويلاً أمام السجناء السياسيين وكانوا في معظمهم من الحركيين في حزب تركيا الفتاة وحرص كل الحرص على قضاء معظم أوقاته معهم وعرض بعضاً منهم وشيئاً من أفكارهم وعلاقتهم مع المواطنين والمكانة التي تمتع بعضهم حتى لدى المسؤولين عن المتصرفية كما أشار إلى المدرسة التي أسسها في الغالب أبناء بلاد الشام بين هؤلاء المساجين. ولما كان من الصعب وضع جميع المادة المتعلقة بمرزق والكثير منها يستحق ان يدرج، آثرنا ان نقتصر على مجموعة من المعلومات الجديدة حول وصف المدينة وسكانها وسوقها والتجارة عبر الصحراء والإدارة العثمانية وسواها من المعلومات حول التغيرات الطارئة وتحديد وضع مرزق في مطلع القرن العشرين وبالأحرى بعد فقدانها مكانتها في التجارة مابين الشمال والجنوب على جانبي الصحراء.
بعد ان يلقي فيشر نظرة على مكانة مرزق في تاريخ الرحلات الأوربية إلى افريقيا أو ما يدعوه اكتشاف افريقيا ويستعرض مشاهير الرحالين الذين اتخذوها محطة رئيسية في طريقهم إلى الدواخل الافريقية بعد انطلاق رحلتهم من طرابلس ويلقي نظرة على دولة الجرمنت وتاريخ فزان يتناول الوضع الذي كان سائداً أثناء وصوله مرزق قاعدة متصرفية فزان التابعة لولاية طرابلس الغرب منذ القضاء على عبد الجليل في 1842 ويعدد الأقضية والمديريات التي تنقسم إليها المتصرفية ويذكر من الاقضية سوكنه والشاطئ وغات ويتولاها قائمقامون وأما المديريات فهي سبها وسمنو والحفرة الشرقية والوادي الشرقي والوادي الغربي والقطرون وأما وادي عتبه فيشكل مديرية صغيرة منفصلة يقوم عليها مدير. وفي الفترة الأخيرة عين قائمقام في برداي مركز قضاء تبستي.
ان فيشر يقف أمام استمرار وجود مرزق في حين ان سواها قد اندثر مشيراً إلى الأبراج أو بقايا القلاع في الجنوب، والتي يعتبرها بمثابة معالم كانت ضمن مدن اندثرت وهذا رأي يتطلب إلى تقييم علماء الآثار لن نقف أمامه هنا. ويبين ان موقع مرزق على الطريق الواصل بين طرابلس وبرنو وغات واستمرار حركة القوافل بين البحر المتوسط وكوكه هو الذي جعل مرزق تحافظ على مكانتها إلا انه يقول ان هذا الوجود هو اصطناعي مبيناً ان غالبية الثروة ليست في يد أبناء مرزق بل بيد تجار من واحات مختلفة مثل سوكنة أو المجابرة. ويعدد بين الأضرار التي لحقت بتجارة القوافل تراجع تجارة الرقيق وتزايد النفوذ الأوربي وتدخله في طرق التجارة والعمل على تحويلها، ويركز خاصة على ظهور رابح الزبير في برنو حوالي 1890 والذي تغلب على قوات باقرمي ووداي وبرنو ووحد هذه البلدان في دولة كبيرة واستمر في الحكم حتى 1900 عندما هزم في معركة كسيري على يد القوات الفرنسية. لقد توقف طريق برنو في عهده وقتل التجار العرب الذين كانوا في برنو أو وقعوا في فقر مدقع وتقطعت بهم السبل ولم يعد طريق برنو بعدئذ الى الانتظام وفقد الأمان.
ان وصفه للمدينة لا يختلف كثيراً عن سابقيه فيذكر الشارع الرئيسي والسوق والقلعة والجامع والسور المنهار في معظم أجزائه والأبواب الثلاثة ثم يقول : " لقد أحصى ناختيغال 600 بيت مسكون في مرزق وقد وجدت مائتي حوش ضمن الخرائب العامة وان العدد الذي يقدره ناختيغال 6500 نسمة وبارت 2800 نسمه. وحسب الإحصاء العثماني فانه يوجد في مرزق والبساتين المحيطة بها 870 من الرجال فوق العشرين من العمر وقد يبلغ عدد السكان الحالي حوالي 3000 نسمة. "
ان قلعة مرزق ذات بنية هائلة ليس لأنها كومة عملاقة مغايرة من الطين الصلب تخترها ممرات مظلمة تؤدي الى القاعات الواسعة التي يدخلها النور من نوافذ صغيرة قليلة. في الممر الأول توجد عدد من الغرف كان يسكنها حكام فزان السابقون، وهي تستعمل حالياً كما كانت. في الأسفل وحول السجن يوجد العديد من الأتراك الأوربيين المسجونين مؤقتا إنهم سجناء سياسيون منفيون من تركيا الفتاة وخمسة وأربعين من البلغار إنها ثكنات الحامية والشرطة ودار السلاح وهي تقوم حول المبنى الرئيسي للقلعة القديمة وهي تتلو المخفر عند مدخل الجامع. إن أبواب الثكنات مفتوحة على ميدان واسع حيث تتم الاحتفالات واستعراض القوات في الصباح. ويحافظ عليها نظيفة ومرتبة وذات جو عسكري، وتتجمع فيها ليلا جميع جمال المدينة، كما كان الأمر في زمن زيارة ناختيغال. وفي مقابلها مستشفى القلعة العسكري ومكتب التلغراف حيث يحصل المرء على أخبار العالم الخارجي. ان الجانب الجنوبي من الميدان مغلق ببيت سامي بك وهو منفي سياسي وسأعود للحديث عنه . في منتصف الشارع الرئيسي يقوم بيت السيد قاقليوفي الوكيل البريطاني وهو حالياً خراب وقد عاش سنوات عديدة في مرزق بغرض وقف نقل الرقيق. وتقع مقابل المخفر الرئيسي القنصلية البريطانية والجنود العثمانيون من الحامية الخياله كما كان الأمر عندما وقف رولفس عند بيت قاقليوفي. أثناء النهار يمكن ان تشاهد كل مرزق في الشارع الرئيسي يمشون أو ممتطين الخيل حتى الرمل العميق باتجاه السوق في الطرف الشرقي حيث يحضر الفلاحون منتجاتهم من البساتين كي يبيعوها للموظفين العثمانيين ولعساكر الحامية وان تاجراً عرضياً من برنو أو السودان قد يبيع بعض بضائعه قبل أن يتابع سيره نحو الساحل. وفي بعض الأحيان يحضر الطوارق والتبو تمورهم إلى مرزق، أو يعرضون جملاً للبيع وتوضع إلى جانب بعضها مع السكر والخشب المعطر والشاي. إن الزجاج والخرز والعطور والحرير الملون والمنتجات الرخيصة من أسواق القارة موجودة هناك وهي تضفي على مجمل المشهد بهجة متنوعة وتعجب أهالي مرزق وتذكرهم قليلاً بالزمن الماضي، عندما كانت تنزل القوافل الكبيرة من برنو حول المدينة ومن بنغازي وطرابلس كانت ترسل ألاف الجمال عبر المدينة في كل عام .
كل واحد من مرزق يذهب إلى السوق إذا أمكن ويمارس قليلاً من التجارة. الجميع في صخب وضحك ولايمكن إلا أن يعجب المرء السير الوقور لهؤلاء الناس الذين يجابهون فناءهم بمثل هذه الظرافة .
إن مرزق الحالية في وضع من التحول. لقد توقعت أن تكون محطة متوسطة كبيرة في منتصف المسافة كما كانت في أيام التجارة العابرة للصحراء ولم تتمكن حتى الان من تحقيق وضعها الجديد باعتبارها مركز منطقة خصيبة تابعة للشاطئ الشمالي. وكلما اكتسب أبناء فزان ثقة بموطنهم، كلما كان هذا أفضل للجميع، ولهذا فان مرزق قد تستعيد شيئا من ازدهارها السابق .
لقد شاهدت بين التجار الذين يجلسون في السوق في صراخ طويل تحت كوخ صغير من الحصائر القشيه مثلما هو الحال في شمال نيجيريا، تركيا أو ربيا يبيع كمية قليلة من الشاي والسكر لنساء مرزق الصاخبات. وعندما لا يأتيه زبون كان يأخذ بكل هدوء كتاباً لا يقل عن مجلد بودلير ولم تكن المفاجأة قليلة أن التقي طالبا في الآداب الأوربية بين الباعة من الهوسه والعرب يبيعون المنتجات الجلدية من كانو والروائح الرخيصة من الشاطئ فاجتذبت نظر التاجر. لقد كان سامي بك وهو من تركيا الفتاة من فيليبو بوليس وكان ضابطاً سابقاً في البحرية العثمانية وقد حكم عليه بالنفي مدة مائة وسنه وأرسل إلى مرزق. وقد علمت منه أن الكثير من هؤلاء التجار هم من أرجاء الدولة العثمانية، وهم جميعاً رجال كانوا من ذوي الوظائف المسؤولة، وهو يتكلم الفرنسية والألمانية بينما يقومون بالتفاوض على صفقة بمبلغ غرش مع فاطمة وزينب. كان يستفهم خاصة عن وضع الشؤون الأوربية وتحديداً عن بلادهم . إنهم رجال طيبون هؤلاء الذين قبلوا ماهو محتم ولأنهم يعملون بكل ابتهاج كي يعيشوا بين السود والعرب وهم على ولائهم لموطنهم وللأهالى بحياة جديدة.
يكتسب هذا السوق أهميته باعتباره صورة عن طبيعة أبناء فزان. حول عدد قليل من المظلات القشية. حيث تعرض في ظلها سلع رديئه كانت تدب حركة وحيوية كما هو الأمر في الأسواق الافريقية الكبيرة. وكما هو الشأن في كانو وبرنو. كل واحد يتكلم دفعة واحدة لأنه يبدو مامن احد ينصت وكل واحد منهم بدا راضياً. إن أرقاء من الهوسه وكانوري وباقرمي وفلاته يدفعون التبو المتجهمين. وتجار مرزق القدماء الذين شهدوا أياماً أفضل يمرون جيئة وذهاباً معتدين بمكانتهم كما لو أن جميع تجارة افريقيا خاضعة لهم. أن عربا من الشواطئ ينكزون ببنادقهم الطويلة في كل اتجاه، بحيث يفسح لهم الطريق الجمهور النزق. أتراك وطوارق وألبان ويونان وسوريون يمثلون الجنود العثمانيين في زي رسمي ممزق وانهم جميعاً يقومون بدورهم بأكبر قدر من المشاركة. إن الأشخاص القليلين الذي يجلسون حاليا حول الأكواخ ذات بضائع مانشستر أو الروائح الفرنسية الرخيصة من الشواطئ والسود مع التشكيلة الغربية من المشغولات الجلدية. والبخور والكحل والقرنفل وباعة الشاي والسكر إنهم ينطلقون جميعاً بالصراخ. في بعض الأحيان تقتل شاة فإنها تقطع وتباع أو يحضر طارقي جملاً إلى السوق فيتعالى الصراخ والحديث ويغدو أكثر هيجانا، أو أن يحضر احدهم خبراً من طرابلس أو من الجنوب أو من غات وإذا ما أضيف إليه قليل من التباينات فانه تعلن به آلاف من القصص الغريبة أو تنمو عنه بعض التفاصيل.
يهتم فيشر بموظفي متصرفية فزان وموظفيها ويذكر من بينهم رئيس البريد والتلغراف الذي يتولى إرسال واستلام جميع البرقيات، وكان مرغوباً جداً نظراً لان الأخبار ترد إليه ويورد ملاحظه عابرة انه كان دوماً على استعداد لإفشاء الأخبار .
ويكرس مزيداً من الاهتمام بالسجناء السياسيين وعمق علاقته معهم وبعد فترة غدا بيت فيشر ملتقى لهم، والواضح انه جمع معلومات كافية عنهم، والأرجح انه كان مكلفاً بذلك ويقيم علاقتهم الايجابية مع أهالي مرزق بقوله .: لم اسمع في يوم من الأيام شكوى من جانب هؤلاء الشبان العثمانيين، إنهم يعيشون بوئام مع أهالي المدينة، يحاولون تحسين وضعهم بقدر ما يسمح لهم فقرهم. وقد أسسوا مدرسة حيث يتلقى أطفال أفقر الأسر تعليماً مجانيا. إنهم يشتركون فيها بما يملكون من وفر من المال الذي يحصلون عليه بصعوبة. ثم يعود لطرح مسالة التجار والتجارة في مرزق وفزان فيقول : " أن التجار العرب الوقورين عمر طرومبا وعلي العامري وشريف السنوسي يمثلون الأزمنة القديمة عندما لعبت مرزق دورها في التجارة الافريقية. إن مكانة مرزق تبرز في موقعها ليس فقط في نشاط سكانها. إن غالبية التجار كانوا رجالاً من سوكنة مدينة البربر في حدود فزان الشمالية الشرقية أو العرب المجابرة من جالو في برقة، هؤلاء الآخرون غادروا مرزق منذ وقت طويل إنهم مستمرون في التجارة على الطريق العابر للصحراء من وداي ودارفور عبر شرق برقو وتبستى نحو الكفرة والصحراء الليبية حتى بنغازي لم يكن هذا الطريق مطروقاً كثيراً في السابق وذلك لندرة الآبار والكثبان الرملية العالية وهي مهوله أكثر من أي مكان أخر .
بشكل عرضي، ومع إغلاق طريق الرقيق نحو المغرب وتونس وطرابلس وتقدم الأوربيين فإن الأرقاء التعساء نقلوا على الطريق الأكثر صعوبة وقسوة . وعندما قضى رابح على معظم تجار طرابلس الذين كانوا يتعاملون مع برنو، وان تجار سوكنة الذين قابلتهم في مرزق وقد افلتوا عن طريق الصدفة من الخراب العام. ولم تكن أموالهم قد وظفت بالكامل في القوافل المفقودة ومثل التجار المفلسين فإنهم اشتروا تدريجياً الشركات المدمرة و انتقلت البيوت في مرزق إلى أيديهم ولم يكونوا تابعين تبعية تامة في التجارة قليلة الأهمية التي يقومون بها على طريق طرابلس مرزق غات كانو وبرنو إن البيوت الحسنة في مرزق قرب الباب الشرقي هي ملكهم ولديهم أيضاً بيوت كبيرة خارجها في بساتين الواحة. واعتقد أن هؤلاء الرجال سيمسكون بسرعة بالنظام الجديد للأمور عندما تقدم كانو على تزويد جنوب الصحراء وحوض تشاد وعندما ترغب فزان أن تزرع الحبوب والتمر من أجل سوق طرابلس.
إن أبناء فزان ذاتهم يتوارون في الغالب كلية وسط الرسميين العثمانيين والمنفيين والتجار الأثرياء وحشد الرقيق الذين لا يوصف أو الحجاج من الجنوب، فهم إما مزارعون صغار، أو أشخاص متواضعون غارقون حتى أذانهم بالدين للتجار أو الحكومة أو منهم طبقة ممن يذهبون إلى الشواطئ للخدمة . إن الشباب من أبناء فزان يعودون في الغالب من اجل الزواج . وان يستقر في واحته أو يصطحب زوجته إلى تونس أو طرابلس عندما يجد أن الرمل قد اجتاح [ أرضه > أو أن الضرائب أصبحت باهظة تفوق طاقته .
إن عبد الله بن علوة العجوز هو الممثل الوحيد لتجار مرزق ويوجد السنوسي الشتيوي من الأسر الشهيرة جداً الذي قابله معظم رحالينا إلا أنه كان رجلاً طاعناً في السن تعيساً ويبدو انه فقد الاعتبار في مرزق، لقد كان مفتياً أو امام الحامية العثمانية. لقد جرى تسجيل بعض أبناء فزان في قائمة الزابطية العثمانية. والأكثر وجاهة بين هؤلاء حاجي سنوسي وهو ضابط شاب وسيم في الدوك ( الزابطية ) وهو جرئ ومفيد في الصحراء كما انه لطيف المعشر في المدينة عندما كان فيشر بصدد اتخاذ الترتيبات لمغادرة مرزق وصل تبوى راكباً على جمل يحمل أخباراً تفيد أن الفرنسيين احتلوا بلما وواحة كوار وخاضوا معركة دامية مع الطوارق في جادو ويعلق على ردة الفعل في مرزق على الخبر بقوله : " لقد أثارت الأبناء هياجاً عاماً في البلدة الصغيرة إذ أن بلما تتبع اسمياً لفزان والدولة العثمانية . للحظة أشاع بعض الأشرار خبراً مفاده بأني كنت مبتهجاً بهذا الخبر ، وعلى الأرجح انني لست سوى جاسوس وقد تحتل مرزق أيضاً. ولحسن الحظ انني كنت في ذلك الوقت أحظى بعدد كبير من الأصدقاء في مرزق ممن كانوا قادرين على رحض هذا الافتراء . وخلال ساعات قليلة كانت الأخبار في عالم النسيان من جانب الشعب الطيب " لاشك أن الاطلاع على مجمل الفصل الخاص بمرزق يسمح بتقيم أعمق لرؤية فيشر لواقع مرزق في 1906 وهو مفيد جداً للمؤرخ الاقتصادي والاجتماعي .





المركز الوطني للمحفوظات والدراسات التاريخية © 2010

الخميس، 16 ديسمبر 2010

كانوا هنا - الجنوب الليبي






الصحراء الشاسعة النائية الآفاق تجعل المرء يشعر بضآلته ويلزم الصمت . الصحراء امرأة متقلبة المزاج تعبث بالرجال وتدفعهم الى الجنون . انساق لا نهاية لها من اشجار النخيل تشكل غابة تملأ آفاق الصحراء بزخم الحياة ، شجيرات الطلح ، الرسو ، الضمران ، العقول ، الرتم ، تصارع قسوة الطبيعة ، لترسم لوحة التناغم بين الحياة والموت ، في لوحة ربانية رائعة الجمال ، يملؤها الوفاق والتنافر ، فاللون الاخضر لون الامل والحياة ، في طلع النخيل يداعب كثبان الرمال وقفر الماء .
سكينة الصحراء حلما قصيا ، اذ لا شيء اكثر وقعا في النفس من ذلك الصمت الذي يغلف الصحراء . هسيس الريح في سعف النخيل يبعث الدفء والطمأنينة . اماعندما يتسارع ايقاع الزمن والوقائع فقد تبدي رغبة جارفة للخروج عن صمتها ، ذاك الصمت الذي يحمل اجابات لكل تساؤلات المرء ، عن الكون والحياة ، واقوام ذهبت اثارهم ، وازمنة غابرة ، وآخرون من بعدهم ، ومن ذا الذي يمكنه فك الغازها ، والتحدث بلغتها . هؤلاء فقط هم اصدقاء الصحراء .
هناك لا مجال للمصادفة ، ولا مكان للعبث ، ولا مجال لإرتهان المستقبل ، فكل ما نعلمه قد علمتنا اياه الصحراء . يكفي ان تتأمل ذرة رمل بسيطة لترى فيها كل عجائب الخلق . كثبان وصخور ونباتات تتشبث بالعيش حيث يبدو العيش محالا . الصحراء حالمة حكيمة تحب ابنائها ، وتبلغهم رسالتها الواجب نقلها للاجيال التي ستأتي من بعدهم ، انها حريصة على الوفاء لاصدقائها ، لكنها صارمة لا ترحم المخالفين لقوانين المقايضة معها ، قانونها الحياة تجتذب الحياة ، اذن لا تتهاون ، ولا تكن انانيا فتلتهم ما تجود به بلا هوادة ، انها ان افقرت افقرت .

عندما كانوا هنا كانوا اصدقاء لها ، فلم تبخل عليهم ، احتفضت لهم بالماء عصب الحياة على مد الادرع ، واغدقت عليهم بنمط عيش الاكتفاء . كان ما كان ، وخلفهم من لا يعترف بقوانينها ، ولا يصغي لحلمها وحكمتها ، ففي بداية عقد السبعينات من القرن الماضي دخلت الميكنة واستثمار الطاقة الكهربائية في سحب المياه الجوفية التي اكتنزتها في حضنها لملايين السنين ، وطغت القيم المادية على كل شيء ، فألتهم الطمع بداية ما يزخر به الخزان العلوي من كميات مياة وفيرة عاصرت اجيال واجيال ، وامدتهم بالكافية للزراعة البسيطة ولرى الحيوان في مقابل المحافظة على الغطاء النباتي الصحراوي .. اى عندما كانت المياه الجوفية على مقربة من سطح الارض يصل مداها الى الخمسة امتار واحيانا المترين في بعض المناطق ، ولا تزيد عن العشرة امتارالى 25 متر في مواطن اخرى .. وهي المسافة التي تمكن جدور الاشجار والاعشاب الصحراوية من تلمس فرصة الارتواء .. الميكنة بقدر تيسيرها لفرصة الحصول على الماء إلا ان الاستنزاف الهائل حرم الغطاء النباتي من الاستمرار في الحياة ، وشكل عامل اختلال للتوازن الطبيعي ، وعبث بقوانين الحياة في الصحراء .. فكان الاعلان لامتداد رقعة التصحر . . هذا وذاك تنقله عدستي من خلال صورة لاطلال مزرعة قديمة . . فهل آن موعد الهجرة الى الشمال .. ليقال عنا ما نقول .. كانوا هنا .. عدسة sanad – zegan – sebha
سند الفيتوري - واحة الزيغن – 70 كم شمال مدينة سبها حاضرة اقليم فزان

الخميس، 9 ديسمبر 2010

- اكتشاف حقل نفطي جديد بمرزق

أكتوبر 2010
المؤسسة الوطنية للنفط تعلن اكتشاف بئر نفطي جديد بحوض مرزق

أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط اليوم الأربعاء عن اكتشاف نفطي جديد بمنطقة حوض مرزق.

وذكرت مصادر بالمؤسسة أن الشركة التركية للنفط المشغل لمنطقة الحفر، والمرتبطة مع المؤسسة باتفاقية استكشاف ومقاسمة إنتاج، كشفت عن وجود نفط وذلك بحفرها للبئر الاستكشافية الواقعة بالمنطقة تصل إلى عمق نهائي 9,867 قدم.

وأوضحت المصادر، أن البئر يقع على بعد حوالي (120) كيلومتر غرب حقل الفيل النفطي، و ( 125 ) كيلومتر جنوب شرق حقل الشرارة النفطي.

ويعتبر هذا الاكتشاف الثاني الذي تحققه الشركة التركية بمنطقة العقد (147) القطعة ( # 3 ) التي منحت لها في شهر ديسمبر/الكانون 2005 مسيحي.

وتتقاسم المؤسسة الوطنية للنفط الحصص حسب الاتفاقية المبرمة، حيث تبلغ حصتها (3،90) بالمئة وحصة الشركة (7،9) بالمائة.

وكانت المؤسسة الوطنية الليبية للنفط قد أعلنت في وقت سابق عن الاكتشاف الأول لحقل جديد للنفط والغاز لسنة 2010 وهو من إنجاز شركة سرت لإنتاج وتصنيع النفط والغاز.

وكانت ليبيا قد أعلنت بأنها حققت خلال العام الماضي 2009 سبعة اكتشافات جديدة.

ووفقا لتقارير المراقبين فإن ليبيا التي تعد ثالث منتج أفريقي للنفط مع احتياطي مقدر حاليا بـ 5،41 مليار برميل تعتزم رفع حجم احتياطها بـ 5،6 مليار برميل في سنة 2010 مع التطلع إلى بلوغ سقف إنتاج من 9،2 مليون برميل في اليوم بحلول سنة 2015.

أوج

- مهرجان الطوارق - اوباري




مهرجان مدينة أوباري )


منسق فعاليات شباب الطوارق في ليبيا: لا نقبل أن يتاجر احد بقبائلنا


طرابلس ـ ليبيا24 ـ عصام الزبير ـ



أكد منسق فعاليات شباب الطوارق في ليبيا أنه لا اختلاف بين الطوارق وبقية أفراد المجتمع الليبي.

وقال في بيان صدر في عاصمة الطوارق، مدينة اوباري جنوب غرب ليبيا: "كلنا ليبين متساوون، حتى الضباط الأحرار الذين قاموا بالثورة في ليبيا مع قائدهم الزعيم الليبي معمر القذافي منهم طوارق ولكن لم يقولو ذلك بل قالو نحن ضباط أحرار عقيدتهم الوحدة العربية ولغتهم العربية".

وأكد البيان الذي جاء ردا على المؤتمر الدولي الأول للشباب الامازيغي الذي انعقد بمدينة أغادير في المغرب نهاية شهر نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، ان اللهجة التي تعرف بالتارقية هي لهجة عربية قديما جئنا بها من الجزيرة العربية عندما هاجرنا منذ خمس آلاف سنة ولازلنا نحتفظ بها كغيرنا من القبائل العربية الاخري التي هاجرت والتي احتفظت أيضا بلهجتها، وأضاف بأن علمائنا قاموا بمقارنات أكدت وجود هذه اللهجات الآن في عمان واليمن وجنوب الجزيرة العربية، وان التوارق لا يعرفون ما يسمي بالأمازيغية او البربرية التي نسمع عنها الآن، ونحن قبيلة عربية قديمة وإذا كانت هناك معاناة لبعض المناطق التي يوجد بها الطوارق مثل النيجر ومالي فان توارق ليبيا لايوجد لديهم مثل هذه المعاناة من غياب الخدمات. فالطرق والمدن والبترول موزعة بالتساوي ونشترك في السلطة والثروة كلنا نمارس السلطة كغيرنا من الليبين ونشترك في الثروة ولا توجد شروط تتطلب انتماءك لقبيلة معينة، كي تتحصل علي خدمات أو تتمتع بمزايا معينة".

وقال المنسق في بيانه تحت عنوان "أنا تارقي ليبي": "إن الكلام الذي سمعناه عن كون أن سنة 2011 هي سنة الطوارق من أفراد مأجورين لايمثلوننا ولا ينتمون ألينا ويزجون بنا في معارك جانبية غير واجبة يقودها عناصر تقييم في فرنسا وتدعي أنها من الكونغرس الامازيغي، وتروج لأفكار استعمارية هدامة تركز علي الأقليات، ونحن هنا نؤكد أننا عرب اقحاح وان حرف التيفيناغ هو الحرف العربي القديم وان الحروف العربية الحالية أصلها فارسي. فالحرف العربي الحقيقي هو حرف التيفيناغ احتفظنا به منذ هجرتنا التاريخية، وأن الذين يتكلمون عن شيشنق نقول لهم أن شيشنق ينتمي إلي قبائل منقرضة ليس لها وجود الآن، وهي عرفت ماقبل التاريخ كالمشواش، والتحنو، والليبو، والريبو. وحتى لو أن هذه القبائل أصلها عربي أو ناتجة عن هجرات شرقية، نقول إنها قبائل انقرضت وان الموجودين الآن هم قبائل ما بعد التاريخ".

ليبيا 24

الاثنين، 29 نوفمبر 2010

- قرى وقبائل ليبية تشكو التهميش

d8a7d984d981d982d987d8a723

d8a7d984d981d982d987d8a7-11

واحة ( الفقها )

ما يميز واحة الفقهاء الواقعة في قلب الصحراء الليبية اضافة الى كونها نقطة تواصل القوافل عبر وسط افريقيا قديما ، هي القرية القديمة التي مازالت كما هي عليه ، وقد بنيت على شكل شعاع مصدره الجامع العتيق شأنها شأن قرى الصحراء الليبية . هذه القرية التي يوجد بها اثر لقصر قديم يرى البعض نسبته الى العهد الروماني ، بينما يميل الكثيرون الى ترجيح الراى القائل بنسبتة إلي الجر منت أو احد زعامات القبائل التي قطنت منطقة الفقهاء .. ايضا العيون المائية التي تنبع من بطون الجبال المجاورة.

من بين النصائح التي قدمها فريق العمل الميداني الليبي الالماني خلال جولته الاستطلاعية للواحة بتاريخ 8 / 9 / 2007 . ضمن مشروع توثيق طرق القوافل في الأراضي الليبية . والمكون من أ. د. محمـــد علي الأعور أ. د.عماد الدين غانم ، الباحث نور الدين مصطفي الثني ، الباحث محمد حسين التركي عن الجانب الليبي و. د. كلاوس براون ، والباحثة جاكلين باسون عن جامعة فرابيورغ الألمانية التي ترتبط مع مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية باتفاق تعاون .. تقول التوصية : ” أن الحفاظ على القرية وصيانة العيون والحرص على أن لا تغور مياهها كل ذلك يزيد من فرص تنشيط السياحة في هذه المنطقة الأخاده ” .

الواحة ايضا تمثل احدى مداخل منطقة ” الهاروج الاسود ” ويمثل الهروج الأسود ظاهرة أخرى من الظواهر الطبيعية الجذابة لما يتمتع به من تنوع في صخوره البركانية وتضاريسه المتجعدة ، وهو يشكل أوسع رقعة تغطيها البراكين الخامدة في أفريقيا، ويقع الهروج الأسود في وسط ليبيا ويمكن الوصول إليه من عدة مناطق اخرى ، هي واحة زلة في الشمال ، وواحة تمسة من الجنوب الغربي.

ويبدو أن الهاروج كان مرتعا للحيوانات المتوحشة والأليفة التي كانت تعيش عند البحيرات والمجاري المائية في عصور ما قبل التاريخ حيث تم اكتشاف مواقع لرسومات محفورة على الصخر لحيوانات كالأسد والفيل والزرافة، مع وجود مواقع كثيرة لصناعة أدوات حجرية حادة ترجع للعصر الحجري الحديث والقديم عند وادي الجداري ووادي الشديدة شمالي الهروج وبالتحديد شمال القور السبعة .

واحة ( الفقها ) من بين اقدم مواطن قبيلة الزيادين بليبيا .. سكانها اليوم جميعهم من آل زيدان ، ولم يبقى من قبيلة رفيق الجد ( رياح – جد قبيلة رياح القاطنة الجفرة) سوى عائلة واحدة .

كان يمكن لمنطقة الفقها القابعة بطن الهاروج والصحراء ان تشكل نقطة تواصل في براح صحراوي ممتد كما كانت بالامس ، فهي رغم انعدام الطرق المعبدة التي يمكن لها ان تبعث الحياة بها ، لا تزال ترتبط عبر طرق برية بالمناطق الموازية لها ، تتواصل عبرها بمنطقة زلة شمالا على مسافة تبلغ حوالي 80 كم ، وزله هي ايضا احدى مواطن تواجد الزيادين ، وبها عدد لا بأس به من الاسر التي تنتمي للقبيلة ، ولا تختلف عنها في تجسيد صورة البؤس والفقر وانغلاق السبل . فهي ايضا على شاكلة الفقها منطقة نائية لا يصلها سوى طريق بري معبد واحد يمتد الى ما يقارب 180 كم ويربطها بمنطقة ودان . اسوة بالفقها التي ترتبط هي الاخرى بطريق معبد واحد يصلها بالطريق الرئيسي الرابط للشمال بالجنوب – اى طريق سبها ابوقرين – وعلى مسافة تمتد الى 120 كم شرقا .. تشكل الفقها فيه نقطة التوقف ونهاية الطريق .. وقد تم انجازه مؤخرا بعد تكرار حالات الضياع وفقدان ارواح القاصدين اليها برا ممن تعترث بهم وسائل التنقل ، او غابت عنهم علامات الارشاد عبر طريق بري وعر .

كما انها لا تزال على حالة تواصل برا مع واحة تمسة جنوبا وعلى مسافة تصل الى 120 كم .. بينما يحتاج القاصدين من الفقها لغرض التواصل مع ابناء عمومتهم في تمسة قطع مسافة تزيد عن 530 كم عبر الطريق المعبد الوحيد .

عندما تزور الفقها اليوم تجد الجميع في انتظارك ، لقلة ما ألفوا مرور زوار جدد للمكان .. ولعلك لا تحتاج الى من يرشدك للواقع الاقتصادي المزري الذي يعيشه هؤلاء في ذاك المنقطع البعيد .. فالوجوه الشاحبة للاطفال والكبار تجيب على جميع تساؤلاتك .

وبالرغم من ان الدولة مدركة لحالة البؤس التي يعيشها السكان والتي لا تسمح لهم بالمغامرة والخروج الى واقع ارحب ، ومدركة ايضا لعدم صلاحية الارض او التربة هناك للزراعة في مقابل شح الماء ووجود بئر واحد لأرتواء الساكنة وسد القليل من حاجتهم للشرب والاستخدام المنزلي وقد نضب رشح العيون المائية ، إلا ان احد لم يجرؤ على النظر في حال اولئك البشر المنقطعين عن العالم الخارجي

شعور اهلها بالتهميش ووقوعهم خارج دائرة الزمن والتاريخ ، في منطقة نائية ، مع ادراك الدولة لمأساتهم وعدم الاكتراث بمعاناتهم . ينقله لنا ابناءها .

عادل الزيداني احد ابناء القبيلة القاطنة للواحة يقول :

لعله من غير المناسب في عصر الانسنة ان يتحدث المرء من منطلقات قبلية .. وان يعتمد منطق القبيلة لمخاطبة الآخر .. لكنه كما يقال الضرورات تبيح المحظورات .. الآخر الذي نخاطبه ، والقوالب الجاهزة التي تؤسس عليها مفاصل السياسة في بلادنا تعتمد وبشكل اساسي العنصر القبلي .. وانا هنا اذ اشكو التهميش لا ارى من سبب رئيسي ابتلاني بما انا به سوى القبيلة التي قدر لي ان اكون من صلبها او انتمي اليها .

احميد محمد الزيداني . يقول :

اقدم مواطن استوطنها الزيادين بليبيا ولا زالوا بها الى غاية اليوم هي واحات : اوجله .. الفقها .. تمسه .. الزيغن .. زلة .. ترهونة .. العربان .. وهم اليوم موزعين على معظم انحاء ليبيا .. ولعل ابرز تجمعات لهم بالاضافة الى ما سبق ذكره تتواجد بمناطق : مدينة سبها .. منطقة الجفرة .. اجدابيا .. بنغازي .. طرابلس.. المرج .. مصراته .. بني وليد .. زليتن .. القراية .. اوباري .. القطرون .. بالاضافة الى اسر هنا وهناك ..

مأساة اهلي حقا اصبحت مرهقة .. اثآر التهميش .. مأساة ليبيا . ولا زلنا ننتظر .. عسى ان تمتد يد المصافحة ذات يوم للاقليات المنبوذة والينا .

عبدالله الزيداني . يقول :

اشعر ان اهلي يعانون التهميش ويصنفون كاقليات .. الفقر والعوز والمرض والجهل ينهش مواطنهم ويقطع الطريق امام الاجيال القادمة .. انها المأساة .. انهم صورة لغيرهم من المستبعدين وفاقدي المواطنة في دولة ليبيا النفطية .. وعدد الزيادين ليس بالقليل ، ناهيك عن انهم امتداد لقبائل اخري عدة تربطهم بها قواسم خاصة .. بل وبكل اهل ليبيا

احميد محمد الزيداني . يقول :

ليس بالامكان الحديث عن الديمقراطية وتداول السلطة في اوطان العرب عموما ، وبالتالي فحالة ليبيا لا تشكل استثناء .. اذ القبيلة تحكم مفاصل اللعبة السياسية ، وفي المقابل ولعله العنصر الاهم اعلان الولاء للسلطة الحاكمة .. وبالرغم من ان الزيادين الذين تعايشوا مع اهلهم واخوانهم من القذاذفة بالذات ، حكام ليبيا اليوم ، كانوا حريصين على استمرار تلك العلاقة الودية . إلا ان تلك العلاقة التاريخية الحميمة لا تلقى اى اعتبار لدى اصحاب القرار السياسي والمتحكمين منهم في عملية الفرز والاختيار .

ربما لكون الزيادين لم يشكلوا ذات يوم وجهة معارضة إلا فيما نذر ، وكانت حالات فردية . ففي الآونة الاخيرة ظهر واضحا اهتمام الدولة بمراضاة من شكلوا حالة معارضة في السابق ، وبالذات ممن انضموا لصفوف المعارضة بالخارج .. وبات واضحا ايضا ان المتحكمين في مفاصل الدولة لا يكترثون بمن تآلف مع الامور المريبة رغم شعوره بالتهميش والنبذ .. وهذا هو عينه ما جعل من قبيلة الزيادين تعيش التهميش في الحالتين .. فخيار عدم مواجهة جهابدة السلطة تحول الى وبال ينهش مستقبل الاجيال الصاعدة ، هذا هو ما يؤلمنا وما نود بيانه

محمد زيدان . يقول :

اذا كانت سبها التي يقطنها اكثر من 350 اسرة من قبيلة الزيادين لا يوجد بها مسؤول واحد من ابناء القبيلة ، وكذلك على مستوى الجماهيرية لم يحدث قط . فهل نتوقع ان ينظر الينا احد ذات يوم .. ربما .

الفيديو ادناه لواحة الزيغن اكتوبر 2010 .. احدى مواطن تمركز الزيادين بصحراء الجنوب .

اضغط هنا

عبدالقادر الفيتوري

الأحد، 28 نوفمبر 2010

- مدينة مرزق القديمة - الواقع والتاريخ




أ . منصور السنوسي حمادي
د. أحميد محمد ساسي
قسم الجغرافيا – جامعة سبها


نشأة المدينة :
تضاربت الآراء والروايات حول تاريخ نشأة مدينة مرزق كما أشار إلي ذلك كثير من الرحالة الباحثين ويعزي ذلك إلى عدم احتفاظ المدينة بشواهد أثرية وذلك لعدم متانة هندستها العمرانية ، أو سجلات مدونة تحدد تاريخ نشأتها ، علي الرغم من قدم الاستيطان بها .
وترجح أغلب الآراء أن تأسيس مدينة مرزق القديمة ، التي تبدو أطلالها بارزة إلى العيان حتى الوقت الحاضر ، جاء علي يد أولاد محمد الذين وصلوا إلى السلطة في فزان في نهاية القرن الخامس عشر وأصبحت مرزق العاصمة السياسية لدولة أولاد محمد في عهد المنتصر بن محمد الفاسي في سنة 1577 ف (2) حيث بنى قصبة مرزق ( القلعة ) الحصينة التي اتخذها مقرا للإدارة والسكن .

ونرى أن الظروف الطبيعية للمنطقة من حيث وفرة المياه الجوفية وصلاحية التربة للزراعة قد ساعدت علي انتشار المزارع ونمو غابات النخيل مما جعل الزراعة الحرفة الأساسية للسكان قديماً . كما أن موقعها في المنطقة الوسطي من حوض مرزق ، الذي يشتمل علي سلسلة من الأودية التي يتصل بعضها ببعض حيث يمتد وادي عتبة في الاتجاه الغربي منها متصلاً بوادي الحياة ( الآجال ) سابقاً وفي الشرق تقع الشرقيات التي تضم أم الأرانب وزويلة وفي الجنوب الشرقي وادي الحكمة ، إضافة إلى موقعها المميز بين بحيرة تشاد جنوباً وسواحل البحر المتوسط شمالاً ، مما جعل أولاد محمد يختارونها عاصمة لملكهم .

مورفولوجية المدينة القديمة :-
يقصد بالمدينة تلك المباني التي يحيط بها السور القديم بما فيها القلعة التي يتداخل جزء من سورها مع السور القديم في الجهة الشمالية الغربية للمدينة ، وتأخذ المدينة في مجملها شكلا بيضويا وتقسم إلى أحياء سكنية وإدارية ومناطق خدمية .

الســـــور :
كان يحيط بالمدينة سور من جميع جهاتها ويشير بعض الرحالة إلى أن ارتفاعه في المتوسط يتراوح بين 3 إلى 6 أمتار ويتسع عرضه عند الأساسات ويأخذ في الضيق حتى يصل 20 سم تقريباً في أعلاه ويذكر أن الجهة الجنوبية أقل جهاته ارتفاعاً حيث لا يتجاوز المترين نظراً لوجود المستنقعات التي ربما كانت توفر حماية لهذا السور .
يلاحظ من الرسوم التخطيطية التي وضعها الرحالة أن السور كان اكثر امتدادا ناحية الجنوب وبسبب انتشار المستنقعات في حي الرأس هجر هذا الحي وتم بناء سور آخر إلى شمال السور القديم تفاديا لهذه المستنقعات ( انظر شكل 2 ) .
هذا وتتباين الروايات حول عدد أبواب السور ولكنها تكاد تجمع علي أن عدد الأبواب الرئيسة ثلاثة أبواب تنتاقل الأجيال أسماءها ، وهي الباب الشرقي ( الباب الكبير ) وباب الخير في الجهة الشمالية وباب المغمغم في الجهة الغربية (3) ويبد أن هناك أبواباً فرعية صغيرة يستغلها السكان في الدخول والخروج من المدينة مما جعل بعض الرحالة يعتقد أن للمدينة سبعة أبواب.
وتتكون مادة بناء السور من المواد المحلية المتوفرة في البيئة المتمثلة في الترسبات الملحية التي تتكون في الأسباخ التي يطلق عليها محلياً اسم الفردغ *وذلك لعدم توفر الأحجار بالمنطقة ونظراً للوظيفة الدفاعية للسور فقد زود بأربعة أبراج للمراقبة التي وصفها بعض الرحالة بأنها مربعة الشكل يبلغ طول ضلعها نحو 30 قدماً وقد نصبت في هذه الأبراج المدافع لحماية المدينة من الاعتداء كما يشير إلى ذلك الرحالة الألماني رولفس (4)
ومما يجدر الإشارة إليه أن السور في الوقت الحاضر لم يبق منه إلا بعض المعالم البسيطة التي توضح مساره نتيجة للعوامل الطبيعية والهدم ( صورة رقم 1)

الشــــــــــوارع :
تشير الرسوم التخطيطية التي وضعها بعض الرحالة الذين زاروا مدينة مرزق خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر إلى وجود شارع رئيس واحد يمتد من الشرق إلى الغرب ويقسم المدينة إلى قسمين ويطلق عليه شارع الحميدة ** المعروف بشارع الدندل*** ويصل هذا الشارع بين الباب الشرقي أو الباب الكبير وبين القلعة ويعد شريان الحياة في العهد العثماني حيث توجد في بدايته نقطة للجمارك وعلى يمين الشارع المخفر الرئيس ومنزل القائمقام ومقر القنصلية الإنجليزية وبعدها يستمر الشارع محفوفاً بالحوانيت الصغيرة المبنية من الطين أو الخشب وهي تمثل منطقة السوق إلى ينتهي في ميدان مكشوف كما أشار إلى ذلك ( رولفس ) (5) ويوضح الشكل رقم (2) تفرعات جانبية ضيقة ومنحنية تخرج من الشارع الرئيس تؤدي إلى الأحياء السكنية .

الأحياء السكنية :
سبقت الإشارة إلى أن الشارع الرئيس للمدينة يقسم الأحياء السكنية إلى قسمين وهما حي النزلة وحي الزوية ويبدو أن حي الزوية هو الأقدم حيث أن تأسيس حي النزلة جاء مع هجرة السكان من حي الرأس في الجنوب بسبب انتشار المستنقعات ومع تطور المدينة أيضاً .
ونظراً لأهمية المدينة التجارية فقد استقطبت العديد من العائلات الليبية من مناطق مختلفة مثل هون وسوكنة وأوجلة (6) وزويلة ومناطق أخري بالإضافة إلى سكان مرزق القدامى وقد استوطنت هذه العائلات المدينة وامتهنت حرفة التجارة والوظائف الإدارية وكانت تقطن داخل سور المدينة . أما التجمعات السكانية خارج سور المدينة فكانت بالمزارع المحيطة بها وبعض القرى القريبة لتشكل ظهيراً زراعيا يمد المدينة باحتياجاتها الحياتية .

البيـــــــــوت :
علي الرغم من اختلاف الطبقات الاجتماعية لسكان المدينة من حيث الثراء والمكانة الاجتماعية فإن البيت المرزقاوي القديم كانت وظيفته الإيوائية والاجتماعية بارزة في تصميمه وعلي الرغم من اختلاف مساحات المساكن إلا أنها تتقارب في التصميم وتتوحد في مادة البناء ويتكون النمط التقليدي لخريطة البيت المرزقاوي من الحجرات والمرافق كما يوضحها الشكل رقم (3) ، ويتزايد أو يتناقص عدد الحجرات حسب الحالة الاقتصادية لحالة مالك البيت .
وتتكون بعض البيوت من طابقين أو دورين، حيث يخصص الدور العلوي لسكن أفراد الأسرة والدور الأرضي سكنا للرقيق ومخزناً للبضائع والمرافق الأخرى (7)
أما أغلب البيوت فتتكون من طابق واحد ، وتتميز مساكن الطبقة الفقيرة ببساطة بنائها حيث تتسم أبوابها بمحدودية الارتفاع وقلة منافذ دخول الضوء إليها أما بعض المنازل الكبيرة لطبقة الإثرياء فأبوابها الخارجية واسعة مما يمكن جملاً محملاً من الدخول إلى السقيفة* (8) .
ويلاحظ في تصميم المنازل تأثير العوامل المناخية على هذا التصميم وذلك باتجاه أغلب مـــــداخل البيوت وحجراتها ناحية الشمال تفادياً لرياح القبلي ولاستقبال رياح الشمال ( البحري ) الباردة صيفاً .

أما مادة البناء فقد حددتها ظروف البيئة الطبيعية وذلك لندرة المحاجر القريبة من المنطقة فكانت المساكن تبني من مادتي الفردغ والقالب**، وتتم طريقة بناء أساسات الجدران بوضع طبقة من الحجارة الصغيرة لأنها أكثر مقاومة للرطوبة ، وتجمع تلك الحجارة من الأماكن القريبة وتنقل على الدواب لمواقع البناء ، ثم توضع قطع الفردغ أو القالب بطريقة متناسقة لبناء الجدران . وبالرغم من أن البناء بالقالب يعطي الجدران أكثر استقامة أكثر مما يعطي البناء بالفردغ الذي يتميز بنتوئاته البارزة إلا أن البناء بالفردغ أكثر انتشاراً . من البناء بالقالب وتعطي الجدران بطبقة من الطين وتطلى بمادة ترابية يميل لونها إلى البياض وتخلط بالماء وتسمي محلياً البافا ويلاحـــظ علي جدران البيوت أن أساساتها تتميز بالاتساع ثم تأخذ بالضيق كلما ارتفع البناء إلى أعلي . وتفادياً للتشقق والانهيار تدعم الجدران الخارجية للبيت بحوائط جانبية قليلة الارتفاع تعرف بالتبغيل.

وتعتمد أسقف البيوت علي الخامات المتوفرة محليا من أشجار النخيل ونبات القصبة ، وفي حالة الحجرات المتسعة يتم وضع قنطرة من جذوع النخيل بين الجدارين مدعومة بعرصة في منتصف المسافة وهي جذع نخلة متثبت بالأرض لتستند عليه القنطرة تفاديا للسقوط أو الانكسار ثم يرتب فوق القنطرة عدد من قطع جذوع شجرة النخيل متساوية الطول والأبعاد ، ثم يصف علي هذه الجذوع أعواد القصب أو جريد النخيل وتضم هذه الأعواد إلى بعضها البعض بحبال رقيقة من ألياف النخيل وتصبح كالحصير المحبوك ، وتغطي هذه الأعواد بطبقة من سعف النخيل تعلوها طبقة من الطين تخلط بالتبن أحيانا لزيادة مقاومتها لتساقط الأمطار.

أما النوافذ في المنازل فهي فتحات للتهوية والإضاءة وللخصوصية تطل علي الساحات الداخلية للمسكن ولا تطل علي الشوارع أو الأزقة . أما في حالة المساكن ذات الدورين فإن نوافذ الطابق العلوي تطل علي الشوارع والأزقة ، صورة رقم (2) ولوحظ أن أجنحة النوافذ وأقفاصها في عهد الإدارة العثمانية تصنع من خشب الصناديق التي يأتي بها التجار من طرابلس . وكل الأبواب والنوافذ مطلية باللون الأخضر الداكن ، كما أدخلت الشبابيك الحديدية التي لا تري في مناطق أخرى من فزان (9)

أما الأبواب فإنها تصنع من جذوع أشجار النخيل التي يتم تسويتها وتنظيمها وربط أجزائها بسيور من جلود الإبل.

القلعـــــــة :
وهي من المعالم الأثرية بالمدينة القديمة التي لا تزال قائمة بالرغم من إصابتها بالشقوق والتصدعات ، وتقع بالطرف الغربي للمدينة عند نهاية شارع الدندل ويوجد فيها مقر الحكم وقصر السلطان في عهد دولة أولاد محمد وهي في ركن بعيد عن باقي المدينة ويحيط بها سور يفصلها عن بيوت السكان ويعد خط الدفاع الثاني بعد السور الذي يحيط بالمدينة ويصفها ( عبد القادر جامي ) في عهد الإدارة العثمانية أنه عند الدخول إليها من الباب الرئيس ( باب الشريعة ) في الجهة الشرقية صورة ( 9 ، 10 ) حيث يوجد مقر القضاء ، يوجد المعسكر والمطحن والفرن والجامع الكبير ، وفي الوسط ميدان صغير يوجد في منتهاه قصر الحكم ، صورة (11) الذي يبلغ ارتفاعه 12 متراً تقريباً ويتكون من ثلاثة طوابق ، الطابق الأرضي مملوء بالتراب وبما أن ارتفاع المبني عال بالنسبة لوسائط الإنشاء في فزان فقد دعمت جدرانه وأركانه وزيد في عرض الأساسات إلى نحو متر ونصف انظر سورة (12) ويصعد إلى مقر الحكم بسلم ارتفاعه متران ، وعند الدخول من الباب والمرور عبر دهليز طويلة أربعة أمتار تقريباً توجد ساحة صغيرة تطل عليها كل نوافذ القصر وأبوابه ، وبعد السير في ممر مسقوف على أعمدة من جذوع النخل تشاهد مقام المتصرف والمجلس الإداري والمحاسبة وغيرها من المكاتب الحكومية . ويمثل الطابق الثالث أعلى برج في القلعة حيث ترتكز سارية العلم ، ويمكن مشاهدة مدينة مرزق وما يحيط بها من بساتين وأراض(10) .

الســــــــــــوق :
انفردت مدينة مرزق دون سائر مدن فزان بأنها تعد مركز العمران الحضري وكان السوق يعد أحد المعالم الحضرية بالمدينة . ويميزه شارع الدندل الذي يعد أطول شوارع المدينة و أكثرها اتساعا ، يمتد من الشرق إلى الغرب ويقسم المدينة قسمين ، قد اصطفت الحوانيت علي جانبيه ويتركز السوق ذو الأقواس المميزة في المنطقة الوسطي منه منتهيا بمنطقة الحميدة .
ويبدو أن الحركة التجارية لهذا السوق تتذبذب وفق الظروف الاقتصادية التي مرت بها المدينة اعتباراً من فترة حكم أولاد محمد إلى العهد العمثاني ، ففي عهد ازدهار التجارة مع برنو و واداي تشير الروايات المتواترة أن هذه السوق كان يزخر من أوله آخره بقوافل التجار .
وبالرغم من أن حركة التجارة بسوق مرزق مستمرة طوال العام إلا أن ذروة ازدهارها تمتد في الفترة من شهر التمور ( اكتوبر ) إلى شهر النوار ( فبراير )
حيث تغدو مرزق سوقاً عظيمة وملتقى لمختلف القوافل القادمة من القاهرة وبنغازي وطرابلس وغدامس وتوات والسودان بالإضافة إلى حركة التجارة الداخلية من المناطق المجاورة (11)
ويبدو أن ازدهار السوق خلال الفترة المشار إليها قد تحكمت فيه ظروف البيئة بتفادي تجار القوافل السفر خلال أشهر الصيف بسبب ارتفاع درجة الحرارة .

أما عن حركة السوق اليومية فيبدو أنها مقسمة إلى فترتين : الفترة الأولي وتبدأ منذ الصباح الباكر وحتى فترة الظهيرة وتتركز في الجهة الغريبة من شارع الحميدة وفي الفترة المسائية تنتقل الحركة إلى سوق النساء في منطقة الباب الكبير .
ونظراً لاتساع مساهمة المرأة العاملة في النشاط الاقتصادي في منطقة السوق جعل النساء يفكرن في حماية أنفسهن والدفاع عن حقوقهن عن طريق استخدام نوع من الإضراب عن البيع في السوق بما يسمي ( النو )* الذي يؤدي أحياناً إلى تعطيل سوق النساء عن النشاط لمدة يوم أو يومين أو ساعات ويبدأ الإضراب عندما تطلق المرأة المظلومة زغرودة طويلة مميزة تسمعها ( شيخة النسوان ) فتقوم الشيخة بدعوة جميع النسوة بمنطقة السوق بزغرودة خاصة معينة تستجيب لها كل نساء السوق فيتعطل العمل ويمتنعن عن الأكل والشرب ويغنين أغاني خاصة بالنو .
وبما أن تعطيل العمل في السوق والبساتين له خطره علي اقتصاد المدينة ، يبادر بعض الرجال بالتوسط في حل هذه الأزمة وفي حالة تعذر الوصول إلى حل تتدخل الجهات المسئولة بالمدينة المشكلة بما يرضي نساء السوق .

من خلال استعراض أهم السلع المتداولة في السوق في نهاية العقد الثاني من القرن التاسع عشر نجد أنها تتمثل في الخرز بجميع أنواعه ، والمرجان ، والأقمشة الحريرية والقدور النحاسية ، المرايا ، البسيط ، البرانيس الخيول ، الأساور الزجاجية ، البارود (13) بالإضافة إلى ريش النعام ، الذهب ، الطيب ، جلود النمور ، الطرابيش الحمراء ، ومن خلال استعراض هذه السلع يتضح لنا أنها لا تنتج محلياً مما يدل علي أن مرزق القديمة كانت تمارس تجارة العبور ، أما الإنتاج المحلي فيتمثل في المنتجات الزراعية بالمنطقة كالتمور والحبوب والخضراوات وبعض الصناعات اليدوية المحلية مثل أدوات الإنتـــاج الزراعي والأثـــاث المنزلي البسيط وأدوات الزينة والملابس والأحذية .

الأهمية الاقتصادية :
يتمثل تجارة العبور محور اقتصاد مدينة مرزق ومصدر عائداتها، حيث كانت المدينة مركزاً لتجمع السلع المدارية الإفريقية وكذلك البضائع الواردة من مناطق الشمال ذات المنشأ الأوربي عن طريق طرابلس والأسيوية عن طريق مصر، وبهذا نستنتج أن النمو الاقتصادي لمدينة مرزق القديمة لم يكن مرتكزاً على مقومات اقتصادية محلية وإنما كان اعتمادها علي تجارة العبور ومن ثم كانت وظيفتها تأمين سلامة طرق القوافل وتزويدها بما تحتاجه من مؤن.

طرق القوافل الداخلية والخارجية :
ارتبطت مرزق بعدد من طرق القوافل الداخلية مع المناطق الليبية المجاورة إضافة لطرق القوافل التي ربطتها بالأقاليم الخارجية ، مما جعلها حلقة وصل بين هذه المناطق ، وأدى ذلك إلى زيـــــادة صادرات هذه المدينة ووارداتها ، وكانت الطرق الداخلية تتخذ ثلاثة مسارات هي :-
أ‌- طريق طرابلس – غريان – مزدة – القريات – الجفرة – مرزق .
ب‌- طريق طرابلس – مصراته – ودان – الزيغن – تمنهنت – سبها – دليم – مرزق
ج- طريق البريد *: ( طرابلس – بن وليد – بونجيم – سوكنة – الزيغن – تمنهنت – مرزق ) .
أما ارتباط مرزق بالجهات الشرقية من البلاد فيمتد عبر أوجلة – زلة – الفقهاء – تمسه – زويلة – أم الأرانب – تراغن – مرزق . وهذا الطريق يربط بنغازي بمرزق .
أما بالنسبة لطرق القوافل الخارجية التي كانت مرزق تمثل همزة وصل لها وكان لها دور بارز في تجارة العبور الصحراوية والإشعاع الحضاري مع بلاد السودان ، شكل (4) يمكن تصنيفها إلى نوعين :
1- طرق التجارة :
وهي تمثل منافذ تجميع وتوزيع للبضائع الواردة إلى مرزق ومن أهمها ما يلي :-
أ‌- طريق طرابلس – سبها – مرزق – برنو .
ب‌- طريق مرزق – مصر ماراً بحميرة – زويلة – تمسة – سيوة إلى مصر .
ج- طريق مرزق – القطرون – وادي .

2- طريق الحج :
تمثل مرزق ملتقى قوافل الحج الجماعي التي ازدادت بكثرة بانتشار الإسلام بالممالك السودانية التي تعبر الصحراء من الغرب إلى الشرق والعكس ومن أهمها كما يوضحها الشكل (4) مايلي :
أ‌- طريق من بلاد الهوسا ( كانو – كاتيسنا ) – مرزق – أوجلة إلى مصر .
ب‌- طريق من برنو – بلما ثم مرزق فأوجلة إلى مصر .
ج- طريق وادي ( وارا ) – مرزق – أوجلة .
د- طريق توات – غات – مرزق ثم تتصل بشبكة طرق عبر أوجلة ومنها إلى مصر .

ومن الواضح أن الأهمية التي اكتسبتها مرزق تعود في الاساس إلى موقعها الجغرافي المتميز ، فهي من ناحية تقع في وسط الصحراء ولها صلات مع باقي المناطق الجنوبية مثل : القطرون ، وزويلة ، وغات ، غدامس ، وسبها ، ومن ناحية ثانية شكلت اتصالا مع المحطات والمراكز التجارية الأفريقية فيما وراء الصحراء مثل ( كانو) وبرنو ( برنوح ) ما جعل منها منطقة تجارية علي غرار ما يعرف في الوقت الحاضر بالمناطق الحرة (15)

وقد أعطى هذا العامل مدينة مرزق أهمية دولية تمثلت في فتح قنصلية إنجليزية بها بل إن الدولة العثمانية جعلت منها عاصمة لإقليم فزان بأكمله كما كان الحال عندما اتخذها أولاد محمد عاصمة لملكهم بفزان .

الأهمية الثقافية :
لقد واكب الأهمية السياسية والإدارية والاقتصادية لمدينة مرزق القديمة دور ثقافي وفني بارز، حيث كان لانتشار المساجد والزوايا في أحياء المدينة القديمة عبر تاريخها دور تعليمي ، تمثل في تحفيظ القرآن الكريم والأحكام الشرعية التي كانت تؤهل لتولي القضاء والإفتاء والتعليم في الزوايا في بقية المناطق ، وقد استقطبت زاوية مرزق عدداً من العلماء وفدوا من خارج المنطقة للتدريس بها .

وقد أنشئ في عهد الإدارة العثمانية ما يسمي بالمدرسة الرشدية التي يتم فيها دارسة الخطوط والعلوم العصرية ويتم إيفاد المتميزين من خريجي هذه المدرسة إلى طرابلس لاستكمال تعليمهم وربما يتم إيفادهم إلى تركيا لزيادة التحصيل العلمي .

وبهذا كانت مرزق مركز إشعاع تعليمي للمناطق المحيطة بها وكان لها اتصال ببعض الزوايا الدينية في أفريقيا وراء الصحراء كما كان لموقع مرزق ومكانتها التجارية دور في تمازج حضاري شكل نسيجاً ثقافيا نظراً لتأثيرات الوافدين إليها من مناطق مختلفة.

الهوامش والمراجع/
1- فنماب ، أقليم سبها : بلدية مرزق . التقرير النهائي ، 1998 ،ص3 .
2- رجب نصير الأبيض ، مدينة مرزق وتجارة القوافل الصحراوية خلال القرن التاسع عشر ، دراسة في التاريخ السياسي والاقتصادي ، مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية ، 1998 ، ص 52 .
3- عبد القادر جامي ، من طرابلس الغرب إلى الصحراء الكبرى ، ( ترجمة : محمد الأسطي ) ، دار المصراتي ، طرابلس ، 1974 ، ص 104 – 105 .
4- رجب نصير ، الأبيض ، المرجع السابق ، ص 60 .
5- رجب نصير ، الأبيض ، المرجع السابق ، ص 63 .
6- رجب نصير ، الأبيض ، المرجع السابق ، ص 78 .
7- عبد القادر جامي ، مرجع سابق ، ص 112 .
8- ر.ع.ف ليون ، مدخل إلى الصحراء ، ( ترجمة : الهادي أبو لقمة ) ، منشورات جامعة قاريونس ، بنغازي ، 1993 ، ص ( 74 – 75 )
9- عبد القادر جامي ، مرجع سابق ، ص 111 .
10- عبد القادر جامي ، مرجع سابق ، ص 108 – 110 .
11- فردريك هورنمان ، الرحلة من القاهرة إلى مرزق عاصمة فزان عام 1977 ( تعريب : مصطفي محمد جودة ) ، دار الفرجاني ، طرابلس ، 1993 ، ص 87
12- عبد القادر جامي ، مرجع سابق ، ص 124 .
13- الهادي أبو لقمة ، التطور التاريخي والظروف الجغرافية في مرزق التحضر القاعدة الاقتصادية ، سلسلة التحضر بليبيا ، ( تحرير منصور محمد البابور ) ،منشورات جامعة قاريونس ، بنغازي ، 1995 ، ص 25 .
14- رجب نصير الأبيض ، المرجع السابق ، ص 226 .
15- محمد المبروك يونس ، دور ليبيا في مسار العلاقات العربية الأفريقية 196 – 1977 ، الشركـة العامــــة للـــورق والطباعـــة ، مطابع الوحدة العربية الزاوية 1994 ، ص 34 .
16- محمـــد سليمان أيـــوب ، مختصر تــــاريخ فزان منذ أقدم العصور وحتى 1811 م ، 1967 ، ص 106 .
17- رجب نصير الأبيض ، المرجع السابق ، ص 67 .
18- مؤسســـة وايتنج العالمــــية ، مرزق مخطط عام ، المجلــد 6-1 طرابلس 1970 ، ص 10 .
19- عبد العزيز طريح شرف ، جغرافية ليبيا – مؤسسة الثقافة الجامعيــة الإسكنــدرية ، 1962 ، ص 558 .
20- سعد القزيري ، التركيب المكاني " في مرزق التحضر والقاعدة الاقتصادية " سلسلة التحضر في ليبيــــا ( تحرير منصور محمد البابور ) ، منشورات جامعة قاريونس بنغازي ، 1995 ص .
21- فنماب ، مرجع سابق ، ص 33 .
22- مؤسسة وايتنج العالمية ، المرجع السابق ، ص 28-29 .

المصدر/ بحوث ندوة المحافظة علي المدن القديمة، بنغازي : 8-9- / 12 / 2004 ف
* الفردغ : هو قطع ملحية شبه صخرية تتخلف من أثر مياه السبخات .
** الحميدة باللهجة المحلية تعني المكان أو الميدان الذي تتفرع منه عدد من الأزقة والشوارع الفرعية .
*** الدندل كلمة في لغة الهوسا وتعني مكان للالتقاء والجلوس والترفيه والتبادل التجاري ، وربما ترجع أصول تسمية هذا الشارع للغة الهوسا .
* السقيفة ممر مسقوف بعد الباب الرئيس مباشرة .
** القالب عبارة عن طوب مصنوع من الطين علي هيئة مستطيلات أبعادها 25 × 1.5 × 40 سم .
* وهو نوع الإضراب عن ممارسة النشاط التجاري بمنطقة السوق تتخذه النساء عندما تتعرض إحداهن لأي إهانة أو اعتداء فتتضامن معها بقية البائعات بالسوق حتي تسر .
* كان لهذا الطريق دور اقتصادي هام وقد حرصت السلطات علي ضمان سلامته دائماً نظراً لما يحمله من مكاتبات هامة علي المستويين السياسي والاقتصادي ।
المصدر/
ندوة المحافظة علي المدن القديمة
بنغازي : 8-9- / 12 / 2004 ف
جهاز تنظيم وادارة مدينة بنغازي القديمة

- مملكة جرمة

يبدو إن تاكسيتي ؤسان مولع بالحضارة الليبية وعمقها التاريخي أكثر من اللازم , قبل أقل من شهر كان في زيارة خاصة إلى الجنوب الليبي و حدثنا مطولا عن عجائب حضارة الكهوف , هذه المرة أيضا وجدنا ملاحظة تركها تاكسيستي ؤسان تقول ” بنطّق في جرمة و نجيكم ” .

الجرمنت قبائل ليبية تعتبر من أقدم الذين سكنوا إقليم فزان , هناك أنشأوا مملكة جرمة و عاصمتها جرمة التي بقت أطلالها شاهدة على حضارة زراعية و تجارية مهمة , حضارة تمكنت من استخدام العربات التي تجرها الخيول البونية القصيرة , هي حضارة استخدمت طرقا غريبة في كيفية نقل المياه في مسارب مغطاة تحت الأرض سنعرج عليها لاحقا .

يقول معضم المؤرخين الذين كتبوا عن مملكة جرمة , بأنها في الأساس صممت لتكون دولة تجارية , إذ تقع بالضبط في طريق القوافل العابرة إلى داخل أفريقيا عبر الصحراء , وكذا تلك القوافل المتجهة من الجنوب إلى الشمال .

وصفها أبو التاريخ _ هيرودوت _ بان أبقار جرمة ترعى وهي تسير _ القهقري _ أي إلى الخلف , نظرا لطول قرونها المعوجّة , ويذكر التاريخ في زمن لاحق أن الجرميون أول من قام بثورة ضد الرومان خلال القرن الميلادي الأول , وهي ذات الثورة التي أخمدها القائد الروماني _ بالبوس كورنيليوس _ .

*جرمة الجنة الخضراء.

كانت جرمة في العصور المطيرة عبارة عن سفوح وتلال خضراء على مد البصر , تمتلئ بالحيوانات التي قامت بدور كبير في المجتمع الزراعي الجرمي , كانت المنطقة تعج بالأبقار و الخراف والماعز والخيول والحمير والكلاب , وقد احتفظ الجرميون بالخنازير إلى جانب الخراف و الأبقار , و يرى متابعون للحضارة الجرمية , إن الخيول والأبقار والحمير قامت بدور متزايد في توطين الزراعة .

ورغم المصادر المحدودة عند اليونانيين والرومان حول مملكة جرمة وازدهار الزراعة فيها إلى جانب التجارة , فمنذ الألفية الأولى المبكرة توجد بينة وفيرة من “زنككرا” حول حصاد أشجار النخيل المروية، وقمح الخبز، والشعير، وكرمة العنب، وشجرة التين , كل المحاصيل المزروعة كانت تحتاج إلى ري والتي تشير كلها إلى مناخ جاف وتربة مالحة. برزت الآن صورة مشابهة من جرمة القديمة فإنه يبدو أنه بحلول الأزمان الجرمية المتأخرة أضيفت محاصيل ثانوية أخرى مثل الدخان والذرة السكرية احتمالا قد يشير إضافة المحاصيل الصيفية المطحونة تلك إلى تكثيف الزراعة عند الجرميين في القدم مع جني محصولين في ذات القطاع. ”

تصف المصادر اليونانية وحتى الرومانية الجرميون بأنهم ” سود البشرة ومتوحشين و كثر و قساة و بلا قانون و قطاع طرق , يتلقون الجزية ” هناك إشارات للزراعة وأشجار النخيل في تلك المصادر ، لكن تلك الإشارات البسيطة ستتراجع إلى الوراء في مواجهة الروايات المتكررة لقصة هيرودوت عن أبقار الجرميين ذات القرون التي تبلغ طولاً يفرض عليها أن ترعي الحشائش وهى تسير إلى الخلف (هيرودوت، التواريخ، الكتاب الرابع 183- 185). من السجل الكتابي المتراكم يمكن أن يستنتج بأن الجرميين كانوا قبيلة بدوية شبه مترحلة، مع قليل اهتمامات بالزراعة. كانت تلك رؤية نمطية ملائمة لاقتناع أهل البحر المتوسطي بتفوقهم، لكنها كانت بجلاء بعيدة عن التصور الدقيق للواقع.

* نقوش الأبجدية الليبية _ التيفيناغ _ .

خلال ستينات القرن الماضي كان فريقا من الخبراء الإنجليز يزورون منطقة جرمة بغرض معرفة أسرار تقنية الفجارات التي تنقل المياه في مسارب تحت الأرض و تمتد إلى أكثر من الاف كلم , كان الجرميون قد استخدموا طريقة الفجارات لكي لاتتبخر المياه تحت تأثير الحرارة في زمن لاحق , لقد كانت فكرة إنشاء فجارات تمتد إلى مئات الكيلومترات , عملا يتوجب تجنيد الالاف من العمال الرقيق والخيول , و نجح الجرميون في حفر الفجارات بامتياز , لقد استخدم الجرميون الالاف من الرقيق لانجاز ذلك المشروع .

لقد استخدم الجرميون الرقيق في إنجاز الفجارات التي تنقل الماء في مسارب تحت الأرض , يكشف لنا تاريخ مملكة جرمة عن حضارة استثنائية استمرت لفترة طويلة بحكم تعامل أهلها مع التجارة والزراعة في نفس الوقت , لم تكن تجارة الرقيق غائبة عن السوق في مملكة جرمة .

*موسوعة يكوبيديا الحرة تقول عن جرمة ”

جرامنت Garamantes أو جرميون نسبة إلى جرمة شعب أمازيغي ليبي قديم منذ حوالي القرن الثالث ما قبل الميلاد، أسس مملكة أمازيغية قوية في فزان في الصحراء الكبرى حاليا في ليبيا. وقبائل زناتة تعود أصولها إلى الأمازيغ الجرامنت.[1]. وكانوا قوة كبرى في منطقة الصحراء الكبرى بين 500 ق.م. و500 بعد الميلاد.

لا يعرف الاسم الأصلي للجرامنت أو الجرمانيون وتسمية جرامنت Garamantes هي أمازيغية أو يونانية تبناها لاحقا الرومان ولا توجد مصادر أخرى متوفرة حول الجرمنت سوى من المصادر اليونانية والرومانية. ولا تزال مساحات واسعة من المنطقة الأثرية لم تكتشف بعد. لكن يوجد مصدر أخر وهو اللوحات الملونة المرسومة على الصخور في مناطق تواجد الجرمانتيين والتي تصور حياتهم اليومية. أسس الأمازيغ الجرمنت إمبراطورية قوية في الصحراء قارعت الإمبراطورية الرومانية والإثيوبيين وما زالت أثارها قائمة في الجنوب الليبي.

شيد الجرامنت حضارة متطورة في فزان بالصحراء الكبرى (الجنوب الليبي حاليا) وكانت لهم مدنهم وقراهم. وشيدوا نظاما لتوزيع المياه مشابها للنظام الروماني وربما سابقا له.

يذكر هيرودوت في كتاباته حول شعب الجرامنت بأنه يسكن داخل ليبيا، وهو يقع على بعد ثلاثين يوما من شواطئ البحر الأبيض المتوسط كانو على علاقة مع السودان والنيجر، وكانوا يتاجرون بالعاج، المعادن النفيسة والعبيد السود في أسواق قرطاج. وقد كانوا يملكون جيشا منظما مكنهم من توسيع نفوذهم ومواجهة القوى المجاورة. كان لهم عربات مجرورة بأربع أحصنة يطاردون بها الأثيوبيين والتروقلوديت.

يعتبر الجرامنت ربما أهم وأول حضارة مدنية أمازيغية متقدمة ومستقلة، في التاريخ الأمازيغي القديم. وبفضل حسن تنظيمهم واستخدامهم للعبيد السود وعلاقاتهم التجارية مع الأجانب كالرومان والفينيقيين، تمكنوا من ضمان مستوى معيشة مرتفع بالمقارنة مع المجموعات الأمازيغية الأخرى في بقية مناطق شمال أفريقيا.

ما بين 20 إلى 21 ق.م قام لوسيوس كورنليوس بالبيس بمطاردتهم في حملة عسكرية. توحدوا مع تاكفاريناس والمسولاموس أخيرا في 70 ب.م شاركوا في نهب لبدة.

المؤرخان الرومانيان تيت ليف وسترابون يحددون مواقع شعب القارامنت ما بين أثيوبيا في الجنوب السيتيل شمال

*البعثة العلمية الانجليزية تركت مشاهداتها حول تلك الزيارة , يقول تقريرهم “

العديد من النقوش بالأبجدية الليبية/التيفناغ يبدو ارتباطها بممرات الفجارة بالقرب من منبع العديد من الفجارات. ورغم وجود نقوش أبجدية ليبية/تيفناغ ومناظر فن صخري في عدد من الصخور الضخمة حول منحدر “تجاليت”، فإن النقوش القريبة من الفجارات توجد ليس على بعد مسافة من الأخيرة. بدلاً، فإنها على صخور مجاورة مباشرة لممرات الفجارة، وبالتالي لا بدَّ أن تحمل معنى مرتبط بالفجارات. يبقى هذا التفسير غامضاً، رغم أن بعضها يحوي المجموعة “ن ك”، التي تعني حرفياً “أنه أنا” في لغة التماهاغ، والتي تستخدم أساساً لإدخال اسم الكاتب في نقوش التيفناغ؛ العديد من نقوش التيفناغ تسجل ببساطة أسماء شخصية، مع أن بعضها يقدم معلومات أكثر. محتمل جداً، بالتالي، أن تكون تلك النقوش تسجل أسماء

الناس الذين اشتركوا في عملية تشييد الفجارات وصيانتها، أو أسماء المالكين للفجارات. لسوء الطالع أننا لم نتمكن بعد من تأريخ تلك النقوش. تظهر الأبجدية الليبية في النقوش على الأقل منذ القرن الثاني ق.م.، ولازالت مستخدمة اليوم لتسجيل اللغة الطارقية تماهاغ، ويعرف الخط اليوم بـ تيفناغ .

*تكييّف الزراعة في الصحراء ؟

لقد أهتدت الحضارة الجرمية إلى نظام ري متفرد في العالم لا يوجد مثيله إلا في بلاد فارس . لقد ابتكر الجرميون نظام ري ضهر أيضا في مناطق جافة اسمه الفجارة هي قناة تحت الأرض تسد المياه الجوفية (حنفية)، عادة في منحدر تل أو في منطقة السفح، وتقود الماء إلى سطح الأرض بعيداً أسفل التل عن طريق نفق قليل الانحناء. السمة التي تميز تشييد الفجارة أن النفق لا يكون أفقياً من طرف التل، لكن، بدلاً عن ذلك، تحفر ممرات عمودية على بعد مسافات محددة وتحفر الأنفاق بمسافات قصيرة بين قاع ممرين. تسمح الممرات بإزالة الأوساخ وتهوية النفق أثناء أعمال الحفر، وتسمح ل فرق الحفر العمل في وقت متزامن، وتسمح لاحقاً بإجراء عمليات الصيانة وعمليات تنظيف الأنفاق.

كانت الفجارات سمة أساسية للمنظر الطبيعي، مع وجود 600 منها حالياً في فزان هناك مائة ألف ممر يبلغ عمق الواحد في بعض الحالات أربعين متراً ومع إجمالي قنوات تمتد إلى عدة آلاف الكيلو مترا , يقول المؤرخون إن نظام الري بالفجارات يعود بالأساس إلى فترة الجرميين .

*من أين جاءت فكرة نظام الري _ الفجارات _ ؟

يبدو أن الفجارة اخترعت في فارس، في وقت مبكر من الألفية الأولى السابقة للميلاد، وانتشرت غرباً إلى مصر (بحلول القرن الخامس ق.م.) ولاحقاً إلى عالم البحر الأبيض المتوسط الروماني. أدخلت الفجارات إلى أسبانيا في القرن الميلادي التاسع عن طريق أهل الشمال الأفريقي، وفيما بعد إلى أمريكا اللاتينية . وجدت الفجارات بالإضافة إلى فزان في الصحراء الجزائرية وأجزاء من المغرب. ومع أن معظم الباحثين يعتقدون بأن الفجارات أُدخلت إلى فزان إما في العصر الروماني أو في الأزمان الإسلامية، وأنها انتشرت إلى الجزائر والمغرب في القرون الوسطي ، فإن العمل الميداني لمشروع فزان أوضح أنها أدخلت إلى فزان في تاريخ أقدم من ذلك؛ ويبدو واضحاً الآن أن الفجارات انتشرت احتمالاً إلى الصحراء الجزائرية من فزان. توفر فجارات الجنوب الجزائري مصدراً هاماً للمقارنة مع نماذج فزان، بخاصة طالما أن العديد من النماذج في الجنوب الجزائري استمرت في الاستخدام حتى القرن العشرين، خلافاً لفزان

*عناصر أخرى تدعم تاريخاً قبل الوجود الروماني لإدخال الفجارات إلى فزان. كشفت أعمال تنقيب الآثري التي نفذها شارلس دانيلز في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي بقايا قمح، وعنب، وتين، وتمر، سوياً مع نباتات شملت الكرفس، والشمارة، وعشبة توابل في محتويات تؤرخ بالقرن.

المحصلة الكلية، أنه من المؤكد أن الفجارات أدخلت إلى فزان فيما قبل القرن الرابع الميلادي، وهناك حالة قوية لتأريخ إدخال تقنية الفجارة بمرحلة التمدن الجرمية المبكرة في القرون الختامية السابقة للميلاد قبل تطوير صلات تجارية وثيقة مع روما.

*التدليل على أن الفجارات في وادي الآجال تؤرخ بأزمان الجرميين يمكننا ن طرح عددا من الاستنتاجات حول المجتمع الجرمي.في مجملها تفسر الكيفية التي تمكن بها الجرميون من استغلال وادي الآجال، وأيضاً وادي البرجوج، وواحة مرزق والجفرة.

كانت الفجارات هي القاعدة الهيدرولوجية للمدنية الجرمية، ومكنت من نشوء زراعة كبيرة مستقرة لإعالة أعداد كبيرة من سكان هذه المنطقة الجافة. كان إدخال تقنية الفجارة ولا شك عنصراً هاماً , مما يسمح بري مناطق أوسع , كان ذلك مع ظهور دولة جرمية موحدة، وخلق فائض زراعي أكبر، وظهور متطلبات تعتمد على اقتناء الرقيق.

*زوال مملكة جرمة .

لا يمكن تصوره بشكل دقيق لكنه من المحتمل أنها تشظت إلى عدد من الوحدات الإقليمية الأصغر. و لعل فقدان السيادة الإقليمية للدولة الجرمية قد يكون ترك تأثيراً على إمدادات الرقيق وعمليات التجارة الصحراوية ’ ترك مشكلة انخفاض طبقات الصخور المائية يمكن أن تكون تضاعفت بفعل صعوبة إضافية تمثلت في ضعف القيادة السياسية التي أصبحت عاجزة عن توفير الأعداد اللازمة من الرقيق للمحافظة على أنظمة ريها الحيوية.

الحل المبدئي للجرميين لمشكلة كيفية زراعة الصحراء شملت الاستخدام العبقري لمصادر المياه الجوفية والاستغلال المكثف للقوة العاملة. الظروف ما بعد الجرمية شهدت تدنياً نسبياً للزارعة الفزانية , ما يشير إلى الظروف الهيدرولوجية المتبدلة إلى درجة العدول عن استخدام العمل العضلي الذي كان يقوم به الرقيق وقتها

المصدر : صحيفة اوسان