الأحد، 23 يوليو، 2017

كتاب ري الغليل .. تحميل

لقد جعلنا كتابنا في مئتين وواحد صفحة .. تلبية لطلب الحاج عبدالحميد الذي وعد بعرضه على ولات الدولة للنظر في سفرنا وما جرى علينا .. والسلام على القارئ والمستمع من كاتب ما جرى عليه وجميع ما رأى من اخبار .. العبد الفقير الى مولاه الجليل .. عبده محمد بن السلطان عبدالجليل غيث بن احمد بن سيف النصر .. تاب الله عليه .. امين .. اتمه في شهر دي الحجة عام 1368 .. الان الكتاب على الانترنت .. اضغط الرابط :

الجمعة، 21 يوليو، 2017

رحلتي مع البندقية الرشاش



       


 العام الدراسي 1970 م .. قبلها بأيام محدودة .. تم تسوير نوافذ الفصول المدرسية .. شبابيك حديد فولادية .. منعا لهروب الطلبة فترة الاستراحة .. ما لم لأغراض اخرى ولا ندري .. لكن الطلبة كانوا لهم بالمرصاد .. يخلعون الشباك ويبقونه مكانه وكأنه متماسك والجدار ..  كان حال معظم الفصول .. لكن فصلنا اولى رابع ومعظمنا من اهل القرى الوادعة  .. لم يتجاسر احد على تحطيم القضبان الحديدية .. كان الطلبة على علم بحملات التجنيد من المدارس الاعدادية .. مدرسة سبها الاعدادية القديمة .. وفي ذلك اليوم لحظة دخول قوات التجنيد .. عم هرج ومرج ممرات الفصول .. كان فصلنا اولى رابع .. في والواجهة .. الفصول الخلفية المسماة " الربع الخالي " .. وفيما فر البعض من نوافذ الفصول الاخرى الغير مسيجة .. بقينا نحن الاربعة بالفصل .. وجميعنا من  قرية مجدول النائية اطراف سريرة ادهان مرزق والقطرون  .. وعندما ولجوا فصلنا مدججين باللباس العسكري  .. اخذتنا الصدمة .. مذهولين مجفلين .. لم نجد سوى الانزواء في ركن الفصل .. وكان الحال اشبه بزريبة غنم .. الخرفان تتواثب هنا وهناك .. والضباع تحاصرها من كل زاوية .. بقينا مكاننا كنعامة دفنت رأسها ساعة الخطر المحدق .. الصدمة افقدتنا الفكرة .. قبض احدهم معصمى وسحبني الى الخارج .. ركبنا الحافلة التي تنتظر ساحة المدرسة الخارجية .. ومنها الى معسكر " اساس تدريب سبها " .
       استقبلنا رئيس العرفاء سعد محمد .. سألنا : انتم متطوعين ام من طلبة المدارس .. قلنا له : نحن من طلبة المدارس ولا رغبة لنا في التجنيد .. لم يرد .. سألوا كل واحد من عن اقاربه في سبها .. قلت لهم اخي الاكبر ولي امري .. ويعمل في شركى الكهرباء .. ذهبوا اليه وابلغوه بانه تم تجنيدي .. وعليه ان يكتب ما يفيد موافقته .. رفض اخي .. لكنهم وقعوا بديلا عنه .. وطلب مني الضابط كتابة طلب ابدي فيه رغبتي الانضمام للقوات المسلحة .. رفضت .. قال لي : اخيك وولي امرك .. هذه موافقته .. ومضى .. وانخرطنا في برنامج التدريب .. حركة المسير والهرولة .. بندقية .. رشاش .. غدارة .. تدريبات على الاسلحة الخفيفة .
       ذات يوم حضر عضو القيادة .. ابوبكر يونس .. سألنا من يرغب في الاستمرار ومن لا يريد الانضمام للقوات المسلحة ..  رفعنا ايدينا نحن الاربعة .. ضمن اخرون .. قال : هؤلاء يتم تسجيلهم في قائمة عدم المغادرة .. واردف .. انتم ترفضون نداء الواجب .. والوطن .. وجريمتكم عقوبتها الاعدام .. ومضى .
        عند هذا الحد .. وإذ لا مناص .. تجاوبت مع القدر .. ومن اساس تدريب سبها .. الى رحبة المدفعية بالبيضاء .. عملت كمدرب محترف .. للبندقية الرشاش .. كنت قد تحصلت على الترتيب الاول خلال الدورة التدريبية على البندقية الرشاش .. فاختاروني للتدريب بالكلية العسكرية للضباط بطرابلس .. قضيت سنوات محدودة ..  ودارت الايام .. وتمكنت من الانفكاك والعودة الى فزان .. معلم بمركز اساس التدريب .. الى حين تقاعدي .. فيما اختار احد زملائي الاربعة الاقامة بالبيضاء .. ولا زال هناك .. واليوم له احفاد .. قال لي : لن اعود الى هذه البلدة المسماة سبها .
      لا زالت تلك اللحظات التي حشرنا فيها ركن الفصل الدراسي ماثلة امامي .. وتعاملهم معنا بقسوة .. حتى انني ذات يوم وكنت ضابط خفر المركز .. حضرت حافلات بها حوالي 500 مجند .. كانوا جلهم من اهل قرى وادي الشاطئ النائية .. رفضت استلامهم دون رسالة رسمية من المنطقة العسكرية .. حيث القلعة .. لكن الضابط المكلف لم يجد امام رفضي من سبيل .. اتصل بامر المعسكر في منزله .. ضابط برتبة رائد .. وتصل بي الامر مباشرة .. قال لي : اقبلهم .. قلت له اقبل بهم على ان تتولى الكتيبة المجندة لهم حراستهم .. كان هناك هنقر ضخم محكم الاغلاق .. لكنه من الخلف به فتحة .. سددتها بقطعة خشب .. وزعت عليهم مستلزمات النوم .. وفي الليل .. نام الحراس ..اوعزت لهم بالتسلل بهدوء .. ووافقني الامر احد الحراسات من وادي الشاطئ .. كان له قريب من بينهم .. وفي الصباح .. نهض الحراس .. فلم يجدوا احد .
    وها انا بعد رحلة طويلة مع السلاح والتدريب .. وقد تطاول العمر .. انتظر مرتب تقاعدي .

الأربعاء، 19 يوليو، 2017

عندما تطوعت بالقوة المتحركة

    

   من الزيغن .. ضنك وعوز .. طفل لم يتجاور الخامسة عشر .. بحثا عن لقمة العيش .. كان ذلك عام 1963 م .. سيارة داف .. نجد لنا مكان في صندوق الشاحنة .. الى بنغازي .. عملت بداية مع شركة ابيكو لاستيراد وتصنيع الالات الثقيلة .. اعمال الميكنة .. ومن مساعد سائق شاحنة .. اصبحت قائد شاحنة ممتدة تحمل على ظهرها 3 انابيب ضخمة بطول 9 متر .. مواسير ضخ البترول من حقل الحريقه الى ميناء الحريقة بطبرق .. اول خط ومعرفة لليبيا بالنفط .. مسافة 1000 كم متر .. كل قافلة من عشرون شاحنة ترافقها سيارة لاندرفر ( سكاندا سيريا ) .. مجهزة بالاتصالات والبلاغ عن اية شاحنة تتعطل اثناء الترحال .. ومع الانتهاء من اعمال التنفيذ .. وبداية ضخ البترول .. وقد شاهدته عيانا .. قدمت استقالتي .. وعدت الى فزان .. لا يزال الجيل يعيرونني بها .. ( وجه الفقر يستحي من الغنى .. بعد شاف البترول والخير استقال وروح لفزان ) .. بيني وبينك .. حق عفسه .

    اعدت التجربة مع شركة " ساسكو " .. لصاحبها : عبدالله عابد السنوسي .. ..والتي انجزت طريق بوقرين - فزان .. ومنها انتقلت الى شركة الاويسس الانجليزية .. وفي الاويسس ، صارت مهمتنا تزويد الفرق العاملة على آلات الحفر .. نقلت الة ( رق 10 ) من جالوا الى الجغبوب .. اربع صهاريج اسبوعيا .. اثنان نافثة .. واثنان بنزين .. كنا ننقل الوقود ونعبر اولا ارض بطحاء .. بيضاء تعانق الافق استواء .. وما ان تنتهي امامنا 100 كم .. السير فقط عبر المسار المحدد سلفا .. خشية الالغام المطمورة منذ الحرب العالمية الثانية .. وقد سالت دماء المحور والحلفاء بغزارة هنا .. وفي بير حكيم .

    ذات مرة .. حدث ان تعطلت الشاحنة في براح ما بعد المسار الملزم .. قريبا من خرمة الجبل .. مضيق وارض رحبة بين مرتفعات شاهقة .. ذهب السائق الى بنغازي لإحضار القطعة العاطلة .. وبقيت وحدي .. حارس " عساس " للشاحنة .. مدة شهر كامل .. نضب الزاد والماء سوى ما جاد به عابر سبيل من زملائنا صادف مروره .. متوحدا في صحراء مقفرة موحشة .. وما زاد في وحشتها .. انني عند طلوع النهار اتمشى في المحيط .. ويبدو ان المكان شهد معارك الحرب العالمية الثانية .. وذات يوم صعدت الجبل .. وبانت لي غابة اشجار الطلح .. متراصة ومخضرة في منظر بديع .. مسافة كيلو متر واحد .. قصدتها .. اطلال 12 عربة محترقة .. خوذ الجنود .. رفاتهم .. ملابسهم .. جماجمهم .. ايادي مقطوعة ومبعرة وقد صات عظامها بيضاء ناصعة .. كنت حديث سن .. وسط مشاهد لا تحكي سوى قصص الموت .. ومن ترك رفاتهم بالصحراء .. اوجست خيفة .. وزادني فيما بعد .. تعرفي على اثر حيوان مخلب .. يجول حول منامي .. اخترت النوم ليلا داخل ( دومان ) السيارة .. وفي احايين عده .. اسهر الليل .. وأنام النهار .

     عبرت تلك التجربة .. قررت ترك العمل بالصحراء .. في بنغازي .. اخبرني احدهم ان " القوة المتحركة " .. ستعلن قريبا عن قبول مجندين .. كان امر القوة السنوسي الفزاني .. انتظرت رفقة " شكابلية عرب الزيغن في حي البركة " .. اهل واحتي .. زمرة رفاق الصبا والنشأة .. وعندما اعلن عن التجنيد .. ذهبت الى معسكر " بنينه " .. كنا المتقدمين 500 مجند .. قبل منهم 250 فرد .. كنت احد المقبولين .. حضر السنوسي الفزاني بنفسه .. يرافقه طبيب .. وصار يعبر من امامنا ونحن في حالة اصطفاف .. ومن يشير اليه بعصا التشريفات .. ينتحي جانبا .. كان هو الذي اختار .. واوعز للطبيب اجراء الكشوفات الطبية لنا .. ومن هناك الى معسكر قريناده .. قرب مدينة البيضاء .. استلمنا مهماتنا كاملة .. الالبسة والاربطة .. المدربين انجليز .. ووزعنا على الشعب الثلاث .. النجدة .. خفر السفارات .. خفر النفط .. وكنت ضمن فرق النجدة .. وبعد تدريب عنيف استمر طوال عام 1967 م .. والامتثال التام للأوامر .. وكيفية اداء مهمتنا الاساسية .. مكافحة الشغب .. لنا لباسنا الخاص .. كما لكل شعبة زيها الخاص .. التشريفات لخفر السفارات .. الكاكي البني ، والحبل الاحمر حول الابط .. لخفر النفط .. كنا دائما على اهبة الاستعداد .. بندقيتك البلجيكي برفقتك دائما .. مع عشرون ظرف رصاص حي .. وعندما تأتي الاوامر .. كما في المظاهرة التي جابت من البركة الى ميدان الشجرة .. نرافق المحتجين مسيرتهم .. على اطراف الحشد .. دون تدخل .. واي شخص يحاول الاعتداء او تهشيم واجهات .. نتقدم لصفعه .. لدينا طرقنا المتعددة .. لسعة بالعصا الكهربائية .. واذا كانوا شلة .. او خرج الجمهور عن طوره .. نستخدم غاز مسيل الدموع .. في جعبة كل واحد منا .. عشرون طلقة غاز .. اذا اقترب زحفه اكثر .. اطلاق النار في الهواء .. اذا لم يتراجعوا .. وهرج المكان .. اطلاق الرصاص الحي .. اسفل الركبة .. أي اصابة اعلى الركبة تعاقب عليها .. كنا مهرة في التصويب .


    يحظر الخروج بدون اذن من المعسكر .. وداخل المعسكر انت في وضع الجاهزية دائما .. طلبت اذن خروج .. مبررا زيارة اقارب لي قدموا من فزان .. ومن معسكر بنينه بعد نهاية دوام الظهيرة  .. سمح لي بالخروج .. الى حي البركة .. " حوش شكابلية عرب الزيغن " .. رفاق الدرب .. وفي المساء .. عودة قبل الساعة التاسعة .. عند " مفوز البركه " .. بداية طريق بنينه .. 7 كم .. اقف استجدي باشارة يدي سيارة عابرة تختصر لي المسافة .. السيارات قليلة .. توقفت سيارة مرسيدس فارهة .. طننت انه غريب تاه الطريق ..  يسألني الطريق الى اين .. فتح باب السيارة .. قال لي : اركب .. ركبت بهدوء وخجل .. اضاءة السيارة الداخلية .. مع فتح الباب .. تعرفت على شخصه .. كان الآمر العام للقوى المتحركة .. الزعيم السنوسي الفزاني .. يضع مسدسه بجوار عتلة حركة التروس .. وبندقية اليه على سطح الكرسي الخلفي .. كان من طبيعته لا يهنأ ليلا .. يطوف بين المعسكرات ..  وقيل .. انه عندما تعرض لحادث سير قرب المرج .. اصيب برأسه .. بقي سنتان للعلاج في بريطانيا .. وعندما عاد .. ظل هكذا .. الطبيب اوصاه بعدم النوم لأكثر من ساعتين كلما امكن ذلك .. وقد اعتاده هو الاخر ..  تراه اواخر الليل .. يحوم .
    ساد الصمت لمسافة .. قلت في نفسي : الفرصة حانت .. وجاءت الى حيث اقدامك .. فلا تلفظها .. انتهزها .. اعرف انه ينتمي لقبيلتي .. ولم يسبق لي اللقاء به في غير معسكرات القوى المتحركة .. وهناك لا مجال لغير لغة العسكر .. قلت له : انا من الجنوب .. فزان .. واعرف انك ابن عم لي .. ومن قبيلتي .. واتشرف بهده الصدفة التي جمعتنا .. وبالتعرف اليك .. رد باقتضاب : " خليك في شغلك " .. تلعثم لساني .. وعاد الصمت يحبس الانفاس .. عاد لي صوابي .. وتذكرت هوة المسافة الفاصلة بين مجند وزعيم .. اقتربنا من بوابة المعسكر .. وكالعادة نداءات الحارس الثلاث .. قف .. تقدم .. قف .. تقدم .. وفي الثالثة .. عندما تعرف على شخصه .. ادى التحية .. عبرنا البوابة .. توقف ونادي ضابط خفر .. قال له : ضعه في السجن .. قضيت ليلتي .. وفي ظهيرة اليوم التالي .. نودي عليّ .. كان لا يزال بالمعسكر .. افرج عني وطلب الي الاستعداد لمقابلته .. عملت كل ما يلزم لإظهار قيافتي على اتم وجه .. ولجت باب مكتبه .. القيت التحية .. وانتصبت في وضع الاستعداد بعد المسافة المسموح بها .. تطلع اليّ مرات ومرات دونما ينبس بكلمة .. ويبدو ان قيافتي .. وحدب كي البدلة بالنشاء .. والنطاق والازرار بالسيدروا .. اعجبه .. قال لي : لقد شفعت لك هذه البذلة والقيافة .. لكن انتبه : " لا تأتي على لسانك بلفظ قبيلة مرة اخرى " .. انصرف .. غادرت .. ورحلت الغمامة عن وجه الزعيم .
     دائما في حل وترحال .. الاقامة بالمعسكر عينه ثلاثة شهور فقط .. تتبادل افواج المعسكرات .. الانتقال يشمل جميع الجنود والضباط .. يستثني طقم الادرايين بالمعسكر .. قرنادة بدل بنينه .. وبنينه بدل البريقه .. وهكذا .
       مهمتنا لا تقف عند حدود كبح الشغب .. بل وتغطية أي عجز امني .. في أي موقع ترعاه القوى المتحركة .. قد اندب الى شعبة اخرى .. ارتدي لباسهم .. وانتقل للسكن بجوارهم .. في ذات مقرهم .. ليلة 1 . 9 . 1969 م .. كنا اربعة اشخاص نذرع باحة المطار .. حراسة الطائرات .. سمعنا لحن مارشات عسكرية عبر الاذاعة المسموعة .. توقعنا ان الملك مات .. كان حينها في رحلة علاجية لتركيا .. لم نكترث .. وعند الفجر .. حظر ملازم من القوة المتحركة .. طلب منا تسليم العتاد .. والإبقاء على بنادقنا وعدم تسليمها لأحد كان .. بقينا على ذلك الحال ايام .. كانت حينها كل المعسكرات لا تزيد قوتها عن 50 فرد .. اما البقية .. فقد صدرت تعليمات بإحلال البديل للقوة المتمركزة لحماية حقول النفط .. كانوا لا يزالوا في الطريق لإجراء البدل .. وقبل عودة القوى .. اقتحمت المقرات جملة .. بمساعدة ضباط من داخل القوى المتحركة نفسها .. فوجئنا عندما اجتمع بنا احد الضباط المعروفين بيننا .. والقى خطبة .. عن ضياع الوطن .. وتفشي الرشوة والمحسوبية والوساطة .. وأضاف : انه سوف يتم احالة ملفاتنا لوزارة الداخلية .. وانه بإمكاننا من الان مغادرة المعسكر ، والالتحاق بالوزارة لإعادة توزيعنا  .  
   عند مبنى وزارة الداخلية .. التقيت بزملاء لي .. كنا اربعة اشخاص ثم تنسيبنا الى ادارة الشرطة بالبيضاء .. رفضنا .. ماذا سنعمل هناك ؟ .. وفيما نحاور الضابط المسئول برتبة رائد شرطة .. دخل ضابط جيش برتبة ملازم .. نهض الرائد من مكتبه ، وقدم له التحية .. نالنا العجب ..!! .. ما الذي يجري ؟ وكيف لرائد ان يقدم التحية مسبقا لملازم ثان اقل رتبة منه .. لكن الرائد اصر على عدم النظر في طلبنا .. واوعز لنا بتنفيذ القرار .. كان عند الباب يقف رئيس عرفاء .. همس لنا اثناء خروجنا قائلا : " هذا ما يقدر ايديرلكم شي .. وحتى جبان .. لكن انتظروا عند سارية العلم في الساحة .. عندما تأتي سيارة لاندروفر سكاندا سيريا مسيجة بشباك حديدي على الزجاج .. اقتربوا منها .. واعرضوا قضيتكم .
       ظللنا ننتظر .. ولم يتأخر كثيرا .. تقدمنا نحوه .. ضابط برتبة كبيرة .. يقود السيارة به سائق .. كان المقدم موسى احمد .. وزير الداخلية .. بادرنا بالسؤال .. اجبناه اننا نريد النقل الى اجدابيا .. وعندما وجه لي السؤال .. من لديكم من اقارب هناك .. قلت ابناء عمومتي .. نادى على رئيس العرفاء .. قال له : قل للرائد يصدر قرارات بنقلهم الى حيث يريدون .
     في اجدابيا عملت حارسا .. مبنى المصرف التجاري .. وذات يوم سألني زميل .. لما لا تزور ابناء عمومتك باجدابيا .. قلت له : لا اعرف اماكن بيوتهم .. وفي اليوم التالي .. حضر الحاج زيدان بن كيلاني .. الى حيث انا اؤدي واجبي .. سألني عن اهلي وأعمامي .. وطلب مني المغادرة معه .. اعتذرت .. ارسل لمدير المركز يطلبه .. حضر الضابط .. وعانقه .. عمي زيدان اطلب .. وعندما طلب منه ان يخلى سبيلي .. في الحال .. حضر بديل الحراسة .. وذهبت الى حي ابناء عمومتي .. وصار لي مستقرا في اجدابيا .
    مضت 6 اشهر .. تقدمت بطلب نقل الى البريقه .. تمت الموافقة على الفور .. وهناك بقيت اتلذذ الطعام الشهي على حساب الشركة النفطية .. ولا خدمة لا قدمه .. مدة 4 شهور .. وفي الاثناء تعرفت على شخص قدم للتو .. طويل القامة .. من تبو القطرون .. تعارفنا .. وجمعنا حنين فزان .. سكن بالغرفة المجاورة لي .. ومكثنا سويا .. كنا طوال الوقت متلازمين ..  قدم من طبرق بعدما كان مناوبا في حراسة الملك .. حراس الملك التبو .. ومن بين ما يسلي به نفسه في العادة .. " خط الرمل " .. التنبؤ بالمستقبل .. قلت له ذات يوم .. تقدمت بطلب نقل الى فزان منذ فترة .. هل لك ان تكشف لي مصيره .. قال : لم يبقى لك سوى يومين بهذا المكان وهذه البلاد .. وفي اليوم الثاني كنت قد غادرت .. وصلت برقية تفيد الموافقة على نقلي لفزان .. عودة اخرى لأرض الجذور .. عند مدرية امن سبها .. نسبت للعمل بفرق الدفاع المدني .. حضيت بدورات في ايطاليا لمدة عام .. وفي النمسا ثلاث شهور .. وفي تونس ثلاث شهور .. اتقن اعمال اطفاء الحرائق .. وسبل محاصرة النيران .. اقود الشاحنة احيانا بنفسي .. وفي احيان تجدني اقبض على فوهة انبوب الرش .. عندما كنت مجرد منتسب .. وعندما اصبحت مديرا .. وضرب الدهر ضرباته .. واشتعل الرأس شيبا .. ركنت الى التقاعد .. اواسي نفسي بلقاء متقاعدين مثلي .. وتستمر الحياة .
 

عزيزي الرئيس أوباما،




عزيزي الرئيس أوباما،

سلاما واحتراما
       لقد سمعت الكثير من الأخبار مؤخرا عن دونالد ترامب .. سمعت على سبيل المثال أنه انتخب رئيسا .. وفي الوقت نفسه ، يقول دونالد : أن وسائل الإعلام تلفق اخبار وهمية ، لذلك أعتقد أن ما قاله .. كان مجرد " خبر وهمي " .. كما يحب أن يسمى ، وهو ما يعني أنه يجب أن لا يبقى الرئيس .

     ولكن على محمل الجد ، كمواطن ليبي ، من فزان .. لم أكن قد أوليت اهتماما كبيرا للسياسة الأمريكية .. حتى انتخابات عام 2016 .. لم أكن أشعر أبدا أن هناك أي سبب يستدعي اهتمامي ، لأن من كان الرئيس .. كان لي الإيمان بقدرته على القيام بعمله ، وهذا صحيح بشكل خاص .. عندما كنت انت الرئيس .

     سلفك المباشر ( بيل كلنتون ) .. كان لا يحبذ فعل الكثير من أجل تجنيد أمريكا في الحروب ، هزت سمعته فضائح بسبب شؤون زوجة اضافية ، ولكن في حين كان هناك أشخاص اختلفوا معكم أو مع سياساتكم ، كنت تحمل نفسك جيدا طوال وجودك بالمنصب .

     نيابة عن الناس في كل بقاع العالم  ، شكرا لكم على ذلك . وأعتقد أنه من المحبط أن بعض منتقديك .. والمنتقدين المتخصصين المتفرغين لك .. قد لا يدركون مدى أهمية ذلك .. بقدر ما أنا قلق ، يمكنك أن تدع ترامب وأتباعه يقولون ما يشاؤون .. وماذا سيتحدثون عنك ، ولكن .. كنت نوع من زعيم أمريكا المطلوبة ، وكنت من نوع .. لا تزال أمريكا بحاجة لهم ، ولكن الان .. لم يعد لديها .

   آمل أن تشعر بالفخر في كل ما أنجزته طوال رحلتك .. نحو منصب الرئيس ، . وبانتماءك الى ارض الجذور .. فزان .. رحم الله الحاج حسين .. جاد على امريكيا صواب الحكمة الزنجية ..   الان يجب عليك .. الآن .. ان تشعر بالفخر .

 أتمنى لكم حظا سعيدا واستمرار النجاح.


صديقكم : ع

الاثنين، 17 يوليو، 2017

حوارات من داخل اروقة جامعة سبها - ( 2 )




   مناكفة وصديق .. استاذ بقسم اللغة العربية وآدابها .. يتنفس شعرا  :
- كيف لي ان اكتب الشعر؟
- الاجابة : فقط غني!!! .. للشعر لحن  .. صدر وعجز .. قوافي موزونة الرتم والإيحاء .. تتدفق كالغناء .. احفظ اشعار الاولين .. ودرر كلام النابهين  .. تفيض القريحة في الحين  .
         -  هكذا انتم دائما معشر الشعراء .. تعدون وصفاتكم من تحبير الكلام   .. تختفون عن البصر ، وراء حلكة الحروف .. تبحثون عن كلمات جديدة ، وأساليب لغوية مقعرة ، واستعارات مكنية مريبة .. وتصريحية عجيبة .. لشرح مشاعركم المكبوتة بالإيماء خشية  ..  وتعانون ضعف الصوت على الرغم من جودة اتقانكم للغة .. وأود ان اقول لك : ان معظمكم يعاني الانطوائية ..  هذه حقيقتكم .. متسكعين على قارعة الاحرف والعبارات .. اما اولئك الذين يكتبون شعر الوصايا منكم .. ويعتقدون انها حكم .. ويعيدون نسخها نسخة عن نسخة .. فلا ارى فيهم سوي متسوقين ينادون حواف عربة خضار .. يعرضون اصناف البضاعة عينها .. ويتبجحون بأنها طازجة .. تغري شهية الغاوون .
        -  نكتب الشعر لأننا نحب اللغة .. للأحرف نغم وروح .. جرس عذب الكلام .. جسر الود والآخرون .. الاخرون هم الجحيم .. قال سارتر .. نكتب الشعر كي تعيش اللغة في جلد آخر .. وحلة قشيبة تستجدي الافكار النبيلة .. والقيم الجميلة .. في الشعر نتنفس الهواء بأريحية .. ونزفر بآهاتنا العصية .. ننعم بنسمة رطبة تنعش قلوبنا الحائرة .. وأحلامنا البائرة .. الشعراء هم الحالمون .. احب التيه في عقول الآخرين ، ايها الجحيم .
      - قال ابن حيان : " كم من دم سفكه فم ، كم إنسان ، أهلكه لسان ، رب حرف أدى إلى حتف ، لا تفرط فتسقط " .. كنت احفظ الكثير من الاشعار فيما مضى .. اجد فيها رفيق عندما لا اجد ما اقرأه .. كلمات تترنم .. وقوافي تتألم ..  قوالب تبعث على الغثيان  .. يعاد صياغتها من شاعر لآخر بافتتان .. صار الابكم في لغتكم يتكلم .. والأعمى مبصرا :
أنا الـذي نظـَرَ الأعمى إلى أدبــي ... وأسْمَعَـتْ كلماتـي مَـنْ بـه صَمَـمُ
وأخر في الفخر :
إنّ الذي سَمَكَ السّماءَ بَنى لَنَا ... بَيْتاً دَعَائِمُهُ أعَزُّ وَأطْوَلُ
ضَرَبتْ عَليكَ العنكَبوتُ بنَسْجِها ... وَقَضَى عَلَيكَ بهِ الكِتابُ المُنْزلُ
حُلَلُ المُلُوكِ لِبَاسُنَا في أهْلِنَا  ... وَالسّابِغَاتِ إلى الوَغَى نَتَسَرْبَلُ
ويجيبه متواعد :
أعددت للشعراء سما ناقعا    ...   فسقيت اّخرهم بكأس الأول
أخزى الذى سمك السماء مجاشعا ...  وبنى بناءك فى الحضيض الأسفل
أحلامنا تزن الجبال رزانه  ...  ويفوق جاهلنا فعال الأطول
وأخر مثلهم :
إِذَا بَلَـغَ الفِطَـامَ لَنَا صَبِـيٌّ  .. تَخِـرُّ لَهُ الجَبَـابِرُ سَاجِديْنَـا
واخر يتزلف :
كأنك شمس والملوك كواكب  .. إذا طلعت لم يبد منهن
  وعندما تقرضون العجيب منه :
ألم تعلم بان القتل ورد          لنا كالماء حين صفا وطابا
وقلت لها قرى وتقى بقولى          كأنك قد قرأت به كتابا
فقد جاء الكتاب به فقولى .. ألا لا تعدم الرآى الصوابا
جلبنا الخيل من بغداد شعثا       عوابس تحمل الاسد الغضابا
بكل فتى أغر مهلبى          تخال بضوء صورته شهابا
ومن قحطان كل أخى حفاظ     إذا يدعى لنائبة أجابا.
       وتتنمرون على بعضكم .. قال الوليد العنبري : مرت امرأة من بني نمير على مجلس لهم ، فقال رجل منهم : أيتها الرسحاء . فقالت المرأة : يا بني نمير ، والله ما أطعتم الله ولا أطعتم الشاعر ، قال الله عز وجل في تنزيله ( قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ) وقال الشاعر :
فغض الطرف إنك من نمير    ..   فلا كعبا بلغت ولا كلابا
       هجاء ورثاء .. ثناء واستجداء .. حسرة وانتشاء ..  تزلف ومدح  .. تفاخر وردح  .. تشعلون الحرائق .. وتتفننون في الطرائق .. هو ديدنكم ..  ومنكم اهل زجل :
عفتوا لبنا لين بزعناه .. لا تشربوا منه ولا ينضم
وكانا ذهبنا وراح لاتجاه .. نباتوا وتو نلقوا طريق سقم
احنا ليش ننهانوا على سباه .. وليش البريء فينا بريء انظلم
واخر مثله :
فزان ما رديت بالك منها .. بلا مال يا صاحب تبي تدفنها
فزان ما هي سقالة .. ولاهيش في وادي وسيع الجالة
فزان راهي رعيتك .. وللجيّ ما تقدر تجيك لبيتك .
  وثالث يتحسر مثلهم .. يلفحه حنين :
أشتاق يا فزان  تمرك في فمي .. من قال أن النفط أغلى من دمي ؟
ورابع يتظلم :
وأنا اللي ماشي دروب طويله      وانا اللي ظلم الزمن رماني
وانا اللي ناقل احمول ثقيله         حمال ما حامل احمل حملاني
وأنا اللي نعدل أن نقله ميله           وما عدل عادل عدله ميلاني
وخامس :
عسكر جندنا الطليان    الله ينصرنا ع لسلام
     - بيت من الشعر .. كطائر يحلق في الاعالي .. يجوب الامكنة .. والأزمنة .. ينثر الحكم .. وعذب الكلم .. تتلقفه الاجيال .. وتتوارثه دهورا طوال .. غني ايها الجحيم .. وتذوق الشعر .. تصبح شاعرا .